«أَن الرّبيع بنت النَّضر - عمَّة أنس بن مَالك - كسرت ثنية جَارِيَة فَأمر النَّبِي - ﷺ - بِالْقصاصِ، فَقَالَ أَخُوهَا أنس بن النَّضر: أتكسر ثنية الرّبيع! لَا وَالله. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: كتاب الله الْقصاص» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أنس ﵁ «أَن الرُّبَيع كسرت ثنية جَارِيَة، فطلبوا إِلَيْهَا الْعَفو فَأَبَوا، فعرضوا الأَرْش فَأَبَوا، فَأتوا رَسُول الله - ﷺ - فَأَبَوا إِلَّا الْقصاص، فَأمر رَسُول الله - ﷺ - بِالْقصاصِ، فَقَالَ أنس بن النَّضر: أتكسر ثنية الرُّبَيع! لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ، لَا تكسر ثنيتها. فَقَالَ ﵇: يَا أنس، كتاب الله الْقصاص. فَرضِي الْقَوْم فعفوا، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: إِن من عباد الله من لَو أقسم عَلَى الله لَأَبَره» .
وَأخرجه مُسلم عَلَى وَجه آخر عَن أنس أَيْضا «أَن أُخْت الرُّبيع أم حَارِثَة جرحت إنْسَانا فاختصموا إِلَى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: الْقصاص
[ ٨ / ٣٥٣ ]
الْقصاص. فَقَالَت أم الرّبيع: يَا رَسُول الله، أيقتص من فُلَانَة! وَالله لَا يقْتَصّ مِنْهَا. فَقَالَ ﵇: سُبْحَانَ الله يَا أم الرّبيع! الْقصاص كتاب الله. قَالَت: وَالله لَا يقْتَصّ مِنْهَا أبدا. (قَالَ): فَمَا زَالَت حَتَّى قبلوا، فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: إِن من عباد الله من لَو أقسم عَلَى الله لأبرَّه» .
(فَائِدَتَانِ: الأولَى: رجح بَعضهم رِوَايَة البُخَارِيّ (أَن الرّبيع كسرت ثنية جَارِيَة) عَلَى رِوَايَة مُسلم «أَن أُخْت الرّبيع جرحت إنْسَانا» وَقَالَ
الثَّانِيَة: فِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَن الْحَالِف أنس بن النَّضر، وَفِي مُسلم أم الرّبيع وَهِي بِفَتْح الرَّاء وَكسر ) النَّوَوِيّ فِي «شَرحه لمُسلم»، وَإِن كَانَ الدمياطي والمزي ضما الرَّاء وفتحا الْبَاء للجارحة، وَجمع الرَّافِعِيّ فِي «أَحْكَامه» أَن كلًّا مِنْهُمَا حلف عَلَى أَنه لَا يقْتَصّ مِنْهَا، وَأَن الْجراحَة
[ ٨ / ٣٥٤ ]
نسبت إِلَى إِحْدَاهمَا بِالْمُبَاشرَةِ، وَإِلَى الْأُخْرَى بِالسَّبَبِ، وَنسب الْقصاص إِلَى إِحْدَاهمَا من جِهَة أَنَّهَا الْمُبَاشرَة للجناية، وَإِلَى الْأُخْرَى من جِهَة تأثرها بالاقتصاص من هَذِه فَكل مَا نيل مِنْهَا نيل من أُخْتهَا.
فَائِدَة ثَالِثَة: قَوْله: «كتاب الله الْقصاص» المُرَاد بهَا قَوْله تَعَالَى: (وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا) إِلَّا أَنه فِي نقل الرَّافِعِيّ عَن الْأَصْحَاب أَن هَذَا وَإِن كَانَ خَبرا مَا فِي التَّوْرَاة، لَكِن شرع من قبلنَا شرع لنا إِذا لم يرد نَاسخ لَهُ عَلَى رَأْي الْأُصُولِيِّينَ، وَبِتَقْدِير أَن لَا يكون كَذَلِك، فَإِن ورد مَا يقرره فَهُوَ شرع لنا لَا محَالة ثمَّ ذكر الحَدِيث، وَمَا ذكره من أَن قَوْله: «كتاب الله الْقصاص» تَقْرِير لشرع من قبلنَا غَرِيب، فَإِنَّهُ إِخْبَار عَمَّا فِي كتاب الله - تَعَالَى - لَا إنْشَاء حكم، بل الْجَواب عِنْد من لَا يَقُول بِأَنَّهُ شرع لنا، أَن ذَلِك إِشَارَة إِلَى آيَات تدل عَلَيْهَا بِالْعُمُومِ لقَوْله تَعَالَى: (وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا) وَقَوله: (فَمن اعْتَدَى عَلَيْكُم) الْآيَة، وَقَوله: (وَإِن عَاقَبْتُمْ) الْآيَة وَهَذِه الْآيَات وَإِن طرقها التَّخْصِيص إِلَّا أَن دلالتها بَاقِيَة عَلَى مَا لم يثبت تَخْصِيصه.