رُوِيَ أنَّه - ﷺ - قَالَ: «لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا اعترافًا» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ وَعَزاهُ الإِمَام فِي «نهايته» إِلَى رِوَايَة الْفُقَهَاء، فَقَالَ: قد رَوَى الْفُقَهَاء، أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تحمل الْعَاقِلَة عبدا وَلَا اعترافًا»، وغالب ظَنِّي أَن الصَّحِيح الَّذِي أوردهُ أَئِمَّة الحَدِيث: «لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا اعترافًا» فَلَو صَحَّ النَّقْل فِي (العَبْد) عَسُر التَّأْوِيل. وكأنَّ الرَّافِعِيّ تبعه فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَاخِر الْبَاب إِن هَذَا الحَدِيث (مِمَّا) تكلمُوا فِي ثُبُوته، وَنقل ابْن الصّباغ أَن الْخَبَر لم يثبت مُتَّصِلا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن الْعَبَّاس.
قلت: وَالْمَعْرُوف فِي كتب الحَدِيث مَا فِي «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» من حَدِيث ابْن وهب عَن الْحَارِث بن نَبهَان، عَن مُحَمَّد (بن) سعيد عَن رَجَاء بن حَيْوَة، عَن (جُنَادَة) بن أبي أُميَّة، عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تجْعَلُوا عَلَى الْعَاقِلَة من دِيَة الْمُعْتَرف شَيْئا» . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، الْحَارِث مَتْرُوك مُنكر الحَدِيث، كَمَا قَالَه أَحْمد
[ ٨ / ٤٧٥ ]
وَالْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ. وَمُحَمّد بن سعيد - أَظُنهُ المصلوب - الشَّامي الْكذَّاب الوضاع، قَالَ أَحْمد: حَدِيثه حَدِيث مَوْضُوع. وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق حَيْثُ أعل الحَدِيث بِمُحَمد بن سعيد، وَقَالَ: أَظُنهُ المصلوب وَأصَاب فِي تشككه فِيهِ. وَلكنه ترك من لَا يشك فِي تَعْلِيله (بِهِ) وَهُوَ الْحَارِث بن نَبهَان.
وَرُوِيَ عَن جماعات مَوْقُوفا عَلَيْهِم رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَامر [عَن عمر] أَنه قَالَ: «الْعمد وَالْعَبْد وَالصُّلْح وَالِاعْتِرَاف لَا تعقله الْعَاقِلَة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (كَذَا) قَالَ: عَن عَامر، عَن عمر، وَهُوَ عَن عمر مُنْقَطع. قلت: وَضَعِيف، فَإِن فِيهِ عبد الْملك بن حُسَيْن وَقد ضَعَّفُوهُ قَالَ: وَالْمَحْفُوظ أَنه عَن عَامر الشّعبِيّ من قَوْله: «لَا تعقل الْعَاقِلَة عبدا وَلَا عمدا وَلَا صلحا وَلَا اعترافًا» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَالَ: «لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا صلحا وَلَا اعترافًا وَلَا مَا جنَى
[ ٨ / ٤٧٦ ]
الْمَمْلُوك» وَرَوَى مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: «مَضَت السّنة أَن الْعَاقِلَة لَا تحمل شَيْئا (من دِيَة الْعمد إِلَّا أَن تعينه الْعَاقِلَة من طيب نَفْس» قَالَ مَالك: وحَدثني يَحْيَى بن سعيد) مثل ذَلِك، قَالَ يَحْيَى: وَلم أدْرك النَّاس إِلَّا عَلَى ذَلِك، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الزِّنَاد، عَن الْفُقَهَاء من أهل الْمَدِينَة أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: «لَا تحمل (الْعَاقِلَة) مَا كَانَ عمدا وَلَا بصلح وَلَا اعْتِرَاف وَلَا ماجنى الْمَمْلُوك، إِلَّا أَن يُحِبُّوا ذَلِك طولا مِنْهُم» .