أنَّه - ﷺ - (قَالَ): «إِن أَعْتَى النَّاس (عَلَى) الله ثَلَاثَة: رجل قتل فِي الْحرم، وَرجل قتل غير قَاتله، وَرجل قتل بذحل الجاهليَّة» .
(لما ذكر الرَّافِعِيّ أَنه لم يرد فِي الْإِحْرَام من التَّغْلِيظ مَا ورد فِي الْقَتْل فِي الْحرم قَالَ: وَرُوِيَ الحَدِيث من أوجه أخر) .
أَحدهَا: من طَرِيق عبد الله بن (عَمْرو) ﵄ رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ: «أعدى» بِالدَّال الْمُهْملَة بدل «أَعْتَى» بِالتَّاءِ، وَقَالَ: «بذحُول» بدل «بذحل» .
ثَانِيهَا: من طَرِيق عبد الله بن عمر فِي حَدِيث طَوِيل بِلَفْظ: «وَإِن أَعْتَى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة: من قتل فِي حرم الله، أَو قتل غير قَاتله لذحل الْجَاهِلِيَّة» .
رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» كَذَلِك سَوَاء وَمن هَذِه الطَّرِيق، وَيجوز أَن يكون هُوَ عبد الله بن عَمْرو فَسَقَطت الْوَاو، وَالله أعلم.
[ ٨ / ٤٢٥ ]
ثَالِثهَا: من طَرِيق أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ ﵁ أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ: «من أَعْتَى النَّاس عَلَى الله من قتل غير قَاتله، أَو طلب بِدَم الْجَاهِلِيَّة وَمن (بصر) عَيْنَيْهِ فِي النّوم مَا لم تبصر» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» كَذَلِك، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِلَفْظ: «وَإِن أعدى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة: رجل قتل (فِيهَا) - يَعْنِي مَكَّة - وَرجل قتل غير قَاتله (بذحل الْجَاهِلِيَّة)» . (وَلم يذكر الثَّالِثَة، وَرَوَاهُ فِي مَوضِع آخر بِلَفْظ: «أَعْتَى النَّاس عَلَى الله رجل قتل غير قَاتله، أَو طلب بِدَم الْجَاهِلِيَّة من أهل الْإِسْلَام، وَمن بصر عَيْنَيْهِ فِي النّوم مَا لم تبصره» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِلَفْظ: «وَإِن أَعْتَى النَّاس عَلَى الله ثَلَاثَة: رجل قتل فِيهَا - يَعْنِي مَكَّة - وَرجل قتل غير قَاتله، وَرجل طلب بذحل فِي الْجَاهِلِيَّة») . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ الدَّارَقُطْنِيّ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله»: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق و[خُولِفَ]، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عَطاء بن يزِيد،
[ ٨ / ٤٢٦ ]
عَن أبي شُرَيْح مَرْفُوعا. وَرَوَاهُ عقيل وَيُونُس وَغَيرهمَا (عَن الزُّهْرِيّ) عَن مُسلم بن يزِيد، عَن أبي شُرَيْح مَرْفُوعا وَهُوَ الصَّحِيح، وَأَخْطَأ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق. (قلت: وَمَعَ خطئه فَفِيهِ مقَال) . قَالَ الْعجلِيّ: يكْتب حَدِيثه، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. (وَكَذَا) قَالَ أَبُو حَاتِم وَقَالَ البُخَارِيّ: لَيْسَ مِمَّن يعْتَمد عَلَى حفظه، وَإِن كَانَ مِمَّن يحْتَمل فِي بعض. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة: لَيْسَ بِهِ بَأْس.
رَابِعهَا: من طَرِيق عَائِشَة ﵂ قَالَت: «وجد فِي قَائِم سيف رَسُول الله - ﷺ - (كِتَابَانِ): إِن أَشد النَّاس عتوًّا رجل ضرب غير ضاربه، وَرجل قتل غير قَاتله، وَرجل تولى غير أهل نعْمَته، فَمن فعل ذَلِك فقد كفر بِاللَّه وَرَسُوله، لَا يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا» .
رَوَاهُ الْحَاكِم، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد [عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد] عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: «وجد فِي قَائِم سيف رَسُول الله - ﷺ - (كتاب): إِن أعدى النَّاس عَلَى الله - ﷾ - الْقَاتِل غير قَاتله، والضارب غير ضاربه، وَمن تولى غير
[ ٨ / ٤٢٧ ]
موَالِيه، فقد كفر بِمَا أنزل الله (عَلَى مُحَمَّد) - ﷺ -» . وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» عَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «أبْغض النَّاس إِلَى الله ثَلَاثَة: ملحد فِي الْحرم، ومبتغ فِي الْإِسْلَام سنة الْجَاهِلِيَّة، ومطلب دم امْرئٍ بِغَيْر حقٍّ ليهريق دَمه» .
فَائِدَة:
العتو - بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة -: التكبر والتجبر. يُقَال: عتا يعتو عُتوًّا، وعُتيًّا - بِضَم الْعين وَكسرهَا - فَهُوَ عَاتٍ، وَأما عثى - بالثاء الْمُثَلَّثَة - يعثو فَمَعْنَاه: أفسد وَكَذَلِكَ عَثِي - بِكَسْر الثَّاء - يعثى بِفَتْحِهَا - قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين) .
وَقَوله: «غير قَاتله» هُوَ مجَاز جعل قَاتل مُوَرِثه قَاتلا لَهُ، وَمِنْه: «وتستحقون دم صَاحبكُم - أَو قَالَ: قاتلكم» . وَأما «الذحْل» فبذال مُعْجمَة وحاء مُهْملَة سَاكِنة، وَهُوَ الحقد والعداوة، يُقَال: طلب بذحله أَي بثأره. وَالْجمع ذحول. قَالَه الْجَوْهَرِي.