قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهَذِه الْمِائَة تجب إِذا كَانَ الْقَتْل خطأ، (مخمسة): عشرُون مِنْهَا بنت مَخَاض، وَعِشْرُونَ بنت لبون، وَعِشْرُونَ ابْن لبون، وَعِشْرُونَ حقة، وَعِشْرُونَ جَذَعَة. وَبِه قَالَ مَالك، وَبدل أَبُو حنيفَة «ابْنا لبون» ب «ابْنا الْمَخَاض» وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعَن ابْن الْمُنْذر مثله، وَاحْتج الْأَصْحَاب بِمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ «أَن النَّبِي - ﷺ - قَضَى فِي دِيَة الْخَطَأ بِمِائَة من الْإِبِل» وفصلها عَلَى مَا ذكرنَا.
[ ٨ / ٤١٥ ]
وَيروَى ذَلِك مَوْقُوفا عَلَى ابْن مَسْعُود، وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: «دِيَة الْخَطَأ مائَة من الْإِبِل» وَفصل كَذَلِك.
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَرْفُوعا الْأَئِمَّة أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن زيد بن جُبَير، عَن خِشْف بن مَالك الطَّائِي، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ «(أَن) رَسُول الله - ﷺ - قَضَى فِي دِيَة الْخَطَأ بِمِائَة من الْإِبِل: عشرُون حقة، وَعِشْرُونَ جَذَعَة، وَعِشْرُونَ بنت مَخَاض، وَعِشْرُونَ بنت لبون، وَعِشْرُونَ بني مَخَاض (ذكر)»، بدل «ابْن لبون» . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، الْحجَّاج (بن أَرْطَاة) ضَعِيف مُدَلّس (وَرِوَايَة ابْن مَاجَه وَإِن صرح فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ)، فَقَالَ: «ثَنَا زيد بن جُبَير» فقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِي حَقه: إِنَّه (يُدَلس) عَن الضُّعَفَاء فَإِذا قَالَ: «ثَنَا فلَان» فَلَا يرتاب بِهِ. وخِشْف - بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة، ثمَّ شين مُعْجمَة سَاكِنة، ثمَّ فَاء - بن مَالك مَجْهُول، كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ والخطابي.
[ ٨ / ٤١٦ ]
وَقَالَ الْأَزْدِيّ: إِنَّه لَيْسَ (بِذَاكَ) . قَالَ الْخطابِيّ: وَعدل الشَّافِعِي عَن القَوْل بِهِ، لما ذكرنَا من الْعلَّة فِي رِوَايَته وَلِأَن فِيهِ «بني مَخَاض» وَلَا مدْخل لبني مَخَاض فِي شَيْء من أَسْنَان الصَّدَقَة. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - ﷺ - فِي قصَّة الْقسَامَة «أنَّه - ﷺ - ودى) قَتِيل خَيْبَر بِمِائَة من إبل الصَّدَقَة» وَلَيْسَ (فِي) أَسْنَان الصَّدَقَة ابْن مَخَاض. وَخَالف النَّسَائِيّ فوثق خِشْفًا، وَكَذَا ابْن حبَان ذكره فِي «ثقاته» من التَّابِعين، وَقَالَ: (إِن) عداده فِي أهل الْكُوفَة يروي عَن عمر وَابْن مَسْعُود، (و) رَوَى عَنهُ زيد بن جُبَير الطَّائِي. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه»: هَذَا الحَدِيث (لَا نعرفه) مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى عبد الله. وَقَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ مَرْفُوعا عَن عبد الله إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ عبد الْحق: رَوَى أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث من حَدِيث الْحجَّاج [عَن] زيد، عَن خِشْف، عَن عبد الله، وَهُوَ إِسْنَاد ضَعِيف، وسط الدَّارَقُطْنِيّ القَوْل فِي «سنَنه» فِي هَذَا الحَدِيث (فَإِنَّهُ لما ذكره) من
[ ٨ / ٤١٧ ]
حَدِيث (أبي) عُبَيْدَة، عَن ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ السالف، وَفِيه: «وَعِشْرُونَ (بَنو) لبون ذُكُور» . قَالَ: هَذَا إِسْنَاد حسن، وَرُوَاته ثِقَات. قَالَ: وَقد رُوِيَ (عَن) عَلْقَمَة، عَن عبد الله بِنَحْوِ هَذَا، ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن حجاج، عَن زيد، عَن خِشْف، عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: «قَضَى رَسُول الله - ﷺ - فِي الدِّيَة فِي الْخَطَأ » فَذكره كَمَا سلف أَولا، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف غير ثَابت عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ من وُجُوه (عديدة):
أَحدهَا: أَنه مُخَالف لما رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة (بن) عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه بالسند الصَّحِيح [عَنهُ] الَّذِي لَا (مطْعن) فِيهِ [و] لَا تَأْوِيل عَلَيْهِ، وَأَبُو عُبَيْدَة أعلم بِحَدِيث أَبِيه ومذهبه من خِشْف بن مَالك ونظرائه، وَعبد الله (بن) مَسْعُود أَتْقَى لربِّه وأشح عَلَى دينه من أَن يروي عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه (قَضَى) بِقَضَاء ويفتي (هُوَ) بِخِلَافِهِ، هَذَا لَا يتَوَهَّم مثله عَلَى عبد الله بن مَسْعُود، وَهُوَ الْقَائِل فِي مَسْأَلَة وَردت
[ ٨ / ٤١٨ ]
عَلَيْهِ لم يسمع [فِيهَا] من رَسُول الله - ﷺ - شَيْئا لم يبلغهُ (عَنهُ) فِيهَا قَول: «أَقُول فِيهَا برأيي، فَإِن كَانَ صَوَابا فَمن الله، وَإِن كَانَ خطأ فمني» . ثمَّ [بلغه] بعد ذَلِك أَن فتياه فِيهَا وَافق قَضَاء رَسُول الله - ﷺ - فِي مثلهَا فَرَآهُ أَصْحَابه فَرح عِنْد ذَلِك فَرحا مَا فَرح مثله؛ بموافقة (فتياه) قَضَاء رَسُول الله - ﷺ -، فَمن كَانَت هَذِه صفته وَهَذَا حَاله كَيفَ يَصح عَنهُ أَن يروي عَن رَسُول الله - ﷺ - وَيُخَالِفهُ! وَيشْهد لذَلِك مَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم، عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: «دِيَة الْخَطَأ أَخْمَاسًا» ثمَّ فَسرهَا كَمَا فَسرهَا عَنهُ أَبُو عُبَيْدَة وعلقمة سَوَاء. وَهَذِه الرِّوَايَة وَإِن كَانَ فِيهَا إرْسَال فإبراهيم النَّخعِيّ هُوَ من أعلم النَّاس بِعَبْد الله وفتياه.
ثَانِيهَا: أَن الْمَرْفُوع الَّذِي فِيهِ ذكر: «بني (مَخَاض)» لَا نعلم من رَوَاهُ إِلَّا خشف، عَن ابْن مَسْعُود، وَهُوَ رجل (مَجْهُول) لم (يروه) عَنهُ إِلَّا زيد بن جُبَير، (وَأهل) الْعلم (لَا) يحتجون بِخَبَر (مُنْفَرد) بروايته رجل مَجْهُول غير مَعْرُوف.
ثَالِثهَا: أَن خبر خِشْف بن مَالك لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن زيد بن جُبَير عَنهُ، غير حجاج بن أَرْطَاة، وَالْحجاج رجل مَشْهُور بالتدليس (وَلِأَنَّهُ)
[ ٨ / ٤١٩ ]
يحدث عَمَّن لم يلقه وَلم يسمع مِنْهُ. ثمَّ ذكر أَقْوَال الْأَئِمَّة فِي الْحجَّاج.
رَابِعهَا: أَن (جمَاعَة) من (الثِّقَات) رَوَوْهُ عَن الْحجَّاج فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِيهِ، فَرَوَاهُ (عبد الرَّحِيم) بن سُلَيْمَان وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَلَى اللَّفْظ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ. وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأمَوِي، عَن الْحجَّاج فَجعل مَكَان (الحقاق) «بني اللَّبُون» . وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير وَحَفْص بن غياث وَجَمَاعَة، عَن الْحجَّاج بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ: «جعل رَسُول الله - ﷺ - دِيَة الْخَطَأ أَخْمَاسًا» وَلم يزِيدُوا عَلَى هَذَا، وَلم يذكرُوا فِيهِ تَفْسِير الْأَخْمَاس (وَيُشبه) أَن يكون الْحجَّاج رُبمَا كَانَ يُفَسر الْأَخْمَاس بِرَأْيهِ بعد فَرَاغه من الحَدِيث، فيتوهم السَّامع أَن ذَلِك فِي الحَدِيث وَلَيْسَ كَذَلِك.
خَامِسهَا: أَنه رُوِيَ عَن النَّبِي - ﷺ - وَعَن جمَاعَة من (الصَّحَابَة) الْمُهَاجِرين فِي دِيَة الْخَطَأ بأقاويل مُخْتَلفَة لَا نعلم رُوِيَ عَن أحد مِنْهُم ذكر «بني مَخَاض» إِلَّا فِي حَدِيث (خِشْف) هَذَا. هَذَا آخر مَا ذكره (الدَّارَقُطْنِيّ) مُلَخصا. ولمّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (عَن) ابْن مَسْعُود من طَرِيق إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَلْقَمَة عَنهُ، أَنه قَالَ: «فِي
[ ٨ / ٤٢٠ ]
الْخَطَأ أَخْمَاسًا: عشرُون حقة، وَعِشْرُونَ جَذَعَة، وَعِشْرُونَ بَنَات لبون، وَعِشْرُونَ بَنَات مَخَاض، وَعِشْرُونَ بني مَخَاض» . قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَكِيع فِي كِتَابه «المُصَنّف» فِي الدِّيات، عَن الثَّوْريّ، عَن مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الله. وَعَن (سُفْيَان)، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي (وَعبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي، عَن الثَّوْريّ، عَن مَنْصُور، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الله. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث) يزِيد بن هَارُون، عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، عَن أبي مجلز، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن عبد الله «فِي دِيَة الْخَطَأ أَخْمَاس، خمس بَنو مَخَاض » إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عَن عبد الله بن مَسْعُود (بِهَذِهِ) الْأَسَانِيد. قَالَ: وَقد رَوَى بعض حفاظنا - وَهُوَ الدَّارَقُطْنِيّ - هَذِه الْأَسَانِيد، عَن عبد الله، وَجعل مَكَان «بني الْمَخَاض» «بني اللَّبُون» . قَالَ: وَهُوَ غلط. وَقَالَ فِي «خلافياته»: كَذَا رَوَاهُ ﵀، وَهُوَ الأوحد فِي عصره فِي هَذَا الشَّأْن وَهُوَ واهم فِيهِ، والجواد رُبمَا يعثر. قَالَ: وَقد رَأَيْته فِي «كتاب ابْن خُزَيْمَة» وَهُوَ إِمَام فِي رِوَايَة وَكِيع، عَن سُفْيَان بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك «بني لبون» . وَفِي رِوَايَة: سعيد بن بشير، عَن قَتَادَة، عَن أبي مجلز، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن ابْن مَسْعُود، كَذَلِك «بني لبون» . وَرَوَاهُ من حَدِيث ابْن أبي زَائِدَة، عَن أَبِيه وَغَيره، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَلْقَمَة، عَن
[ ٨ / ٤٢١ ]
ابْن مَسْعُود (كَذَلِك) «بني مَخَاض» فَإِن كَانَ مَا روياه (مَحْفُوظًا) فَهُوَ الَّذِي نَمِيل إِلَيْهِ، وَصَارَت الرِّوَايَات فِيهِ عَن ابْن مَسْعُود (متعارضة)، وَمذهب عبد الله مَشْهُور فِي «بني الْمَخَاض» .
وَقد اخْتَار ابْن الْمُنْذر فِي هَذَا مذْهبه، وَاحْتج بِأَن الشَّافِعِي إِنَّمَا صَار إِلَى قَول أهل الْمَدِينَة فِي دِيَة الْخَطَأ؛ لِأَن النَّاس قد اخْتلفُوا فِيهِ، وَالسّنة عَن رَسُول الله - ﷺ - وَردت مُطلقَة بِمِائَة من الْإِبِل غير مفسرة، وَاسم الْإِبِل يتَنَاوَل الصغار والكبار، فالتزم الْقَاتِل أقل مَا قَالُوا إِنَّه يلْزمه، وَكَانَ عِنْده قَول أهل الْمَدِينَة أقل مَا قَالُوا فِيهَا، وَكَأَنَّهُ لم يبلغهُ قَول ابْن مَسْعُود، فَوَجَدنَا قَول عبد الله أقل مَا قيل فِيهَا لِأَن «بني الْمَخَاض» أقل من «بني اللَّبُون» وَاسم الْإِبِل يتَنَاوَلهُ، فَكَانَ هُوَ الْوَاجِب دون مَا زَاد عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول صَحَابِيّ (فَهُوَ أولَى من غَيره) .
(قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ حَدِيث ابْن مَسْعُود من وَجه) آخر مَرْفُوعا، وَلَا يَصح رَفعه فَذكره من رِوَايَة أبي دَاوُد وَغَيره كَمَا مر، قَالَ: (وَقَالَ) أَبُو دَاوُد: هُوَ قَول عبد الله. يَعْنِي إِنَّمَا رُوِيَ من قَول عبد الله مَوْقُوفا غير مَرْفُوع. ثمَّ نقل الْبَيْهَقِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ مَا قَالَه فِي خِشْف وَالْحجاج، ثمَّ قَالَ: وكيفما كَانَ فالحجاج غير مُحْتَج بِهِ، وخِشْف مَجْهُول، وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى عبد الله بن مَسْعُود، وَالصَّحِيح عَن عبد الله أَنه جعل أحد أخماسها «بني الْمَخَاض» فِي الْأَسَانِيد الَّتِي تقدَّم ذكرهَا، لَا كَمَا توهمه الدَّارَقُطْنِيّ.
[ ٨ / ٤٢٢ ]
(قَالَ): وَقد اعتذر من رغب عَن قَول عبد الله بن مَسْعُود فِي هَذَا بشيئين:
أَحدهمَا: ضعف رِوَايَة خِشْف عَن ابْن مَسْعُود بِمَا ذكرنَا، وَانْقِطَاع رِوَايَة من رَوَاهُ عَنهُ مَوْقُوفا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عبد الله، وَأَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه، وَأَبُو إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله. وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن عبد الله مُنْقَطِعَة لَا شكّ فِيهَا، وَرِوَايَة أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه؛ لِأَن أَبَا عُبَيْدَة لم يدْرك أَبَاهُ، وَكَذَلِكَ رِوَايَة أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن عَلْقَمَة مُنْقَطِعَة؛ لِأَن أَبَا إِسْحَاق رَأَى عَلْقَمَة لَكِن لم يسمع مِنْهُ شَيْئا.
(وَثَانِيهمَا) حَدِيث سهل بن أبي (حثْمَة) فِي الَّذِي (وداه) رَسُول الله - ﷺ - قَالَ فِيهِ: «بِمِائَة من إبل الصَّدَقَة» «وَبَنُو الْمَخَاض» لَا أصل لَهَا فِي أصل الْقسَامَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَحَدِيث الْقسَامَة (وَإِن) كَانَ فِي قتل الْعمد وَنحن نتكلم فِي قتل الْخَطَأ (فحين) لم يثبت ذَلِك الْقَتْل عَلَى أحدٍ مِنْهُم بِعَيْنِه وداه النَّبِي - ﷺ - بدية الْخَطَأ مُتَبَرعا بذلك، وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ (أَنه) قَالَ: «من إبل الصَّدَقَة» وَلَا مدْخل (للخلفات) الَّتِي تجب (فِي) دِيَة الْعمد فِي (إبل الصَّدقَات) وَأجَاب ابْن الْجَوْزِيّ عَن
[ ٨ / ٤٢٣ ]
كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ بِأَن قَالَ: يُعَارض قَوْله إِن أَبَا عُبَيْدَة لم يسمع من (أَبِيه فَكيف جَازَ أَن يسكت عَن ذكر) هَذَا؟ ! ثمَّ إِنَّه إِنَّمَا حَكَى عَنهُ فتواه، وخِشْف رَوَى عَنهُ عَن النَّبِي - ﷺ -، وَمَتى كَانَ الْإِنْسَان ثِقَة فَيَنْبَغِي أَن يقبل قَوْله، وَكَيف يُقَال عَن الثِّقَة إِنَّه مَجْهُول؟ ! وَاشْتِرَاط الْمُحدثين أَن يروي عَنهُ اثْنَان لَا وَجه لَهُ. هَذَا آخر كَلَامه وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ، وَكَيف ذهل عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة! وَأما ذكر ذَلِك تَرْجِيحا لمذهبه فِي إِبْدَال «بني اللَّبُون» ب «بني الْمَخَاض»، وَالْمَاوَرْدِيّ - من الشَّافِعِيَّة - قَالَ: رَوَاهُ مَوْقُوفا عَن قَتَادَة، عَن لَاحق بن حميد، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن الْحجَّاج، عَن زيد، عَن خِشْف، عَن ابْن مَسْعُود (مَرْفُوعا) بِذكر «بني اللَّبُون» . قَالَ: وَهَذِه الرِّوَايَة أثبت من رِوَايَة (عبد الرَّحِيم) بن سُلَيْمَان عَن الْحجَّاج بِهِ؛ لِأَن هَذَا خلاف مَا رَوَاهُ عَنهُ ابْنه عبد الله وعلقمة، وَهُوَ لَا يُفْتِي بِخِلَاف مَا يروي. قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَحَدِيث الْحجَّاج ضَعِيف، وخِشْف مَجْهُول؛ لِأَنَّهُ لم يرو عَنهُ إِلَّا زيد بن جُبير. وَأما مَا ذكره الرَّافِعِيّ عَن سُلَيْمَان بن يسَار، فَرَوَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ عَنهُ، عَن ابْن شهَاب وَرَبِيعَة بن عبد الرَّحْمَن، وبلغه عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: «دِيَة الْخَطَأ عشرُون ابْنة مَخَاض، وَعِشْرُونَ ابْنة لبون، وَعِشْرُونَ ابْن لبون (ذكر) وَعِشْرُونَ حقة، وَعِشْرُونَ جَذَعَة» . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: وَسليمَان هَذَا تَابِعِيّ. وَأَشَارَ بقوله: «يَقُولُونَ» إِلَى الصَّحَابَة
[ ٨ / ٤٢٤ ]
فَذَاك إِجْمَاع. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مثل ذَلِك عَن الْفُقَهَاء السَّبْعَة ومشيخة جلة سواهُم من نظرائهم.