قَالَ الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر»: لَا أعلم مُخَالفا: «أَن رَسُول الله - ﷺ - قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَة فِي ثَلَاث سِنِين» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: تكلم أَصْحَابنَا فِي وُرُود الْخَبَر بذلك، فَمنهمْ من قَالَ: ورد وَنسب إِلَى رِوَايَة عَلّي كرم الله وَجهه. وَمِنْهُم من قَالَ: أَرَادَ أنَّه - ﷺ - قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَة. وَأما التنجيم فَلم يرد بِهِ الْخَبَر، وَأخذ ذَلِك من إِجْمَاع الصَّحَابَة، كَمَا رُوِيَ عَن عمر وَعلي وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس: «أَنهم أجلوا الدِّيَة ثَلَاث سِنِين» انْتَهَى مَا ذكره وَمَا عزاهُ إِلَى الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
لم أره فِي كَلَام غَيره، وَقد أضَاف تَأْجِيل الدِّيَة إِلَى رَسُول الله - ﷺ - مرّة فِيمَا رَوَاهُ الرّبيع عَنهُ كَمَا ذكره فِي «الرسَالَة» وأضافه مرّة أُخْرَى فِيهَا إِلَى قَول الْعَامَّة، وَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِك التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» . وَنقل ابْن الرّفْعَة فِي «شرح الْوَسِيط» عقب قَول الشَّافِعِي السالف فِي «الْمُخْتَصر» عَن ابْن الْمُنْذر، أَن مَا ذكره الشَّافِعِي لَا يعرف لَهُ أصل من كتاب وَلَا سنة (وَأَن) أَحْمد بن حَنْبَل سُئِلَ عَنهُ، فَقَالَ: لَا أعرف فِيهِ شَيْئا. فَقيل لَهُ: إِن أَبَا عبد الله رَوَاهُ عَن النَّبِي - ﷺ -، فَقَالَ: لَعَلَّه سَمعه من ذَلِك الْمدنِي فَإِنَّهُ كَانَ حسن الظَّن فِيهِ - يَعْنِي عَن ابْن أبي يَحْيَى. قَالَ ابْن دَاوُد من أَصْحَابنَا فِي «شرح الْمُخْتَصر» كَانَ الشَّافِعِي يروي هَذَا الحَدِيث وَيَقُول: حَدثنِي من هُوَ ثِقَة فِي الحَدِيث غير ثِقَة فِي دينه. ورد
[ ٨ / ٤٧٨ ]
ابْن الرّفْعَة عَلَى ابْن الْمُنْذر مقَالَته الْمَذْكُورَة فَقَالَ: جَوَابه أَن من عرف حجَّة عَلَى من لم يعرف، وَقَول الشَّافِعِي لَا يرد بِمثل ذَلِك وَهُوَ أعرف الْقَوْم بالأخبار والتواريخ. وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» قولة الشَّافِعِي السالفة لم يعقبها إِلَّا بِقَضَاء عمر وَعلي، وَقَول يَحْيَى بن سعيد: «أَنه السّنة» فَإِنَّهُ رَوَى عَن الْحَاكِم، عَن الْأَصَم، عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: وجدنَا عَاما فِي أهل الْعلم «أَن رَسُول الله - ﷺ - قَضَى فِي جِنَايَة الْحر الْمُسلم عَلَى الْحر خطأ مائَة من الْإِبِل عَلَى عَاقِلَة الْجَانِي»، وعامًا فيهم أَنَّهَا فِي مُضِيّ الثَّلَاث سِنِين فِي كل سنة ثلثهَا وبأسنان مَعْلُومَة. ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ، عَن الْأَشْعَث بن سوار، عَن عَامر الشّعبِيّ، قَالَ: جعل عمر ﵁ الدِّيَة فِي ثَلَاث سِنِين، وثلثي الدِّيَة فِي سنتَيْن، وَنصف الدِّيَة فِي سنتَيْن، وَثلث الدِّيَة فِي سنة» قَالَ: وَقَالَ لي مَالك مثل ذَلِك سَوَاء، وَقَالَ لي مَالك: فِي النّصْف يكون فِي سنتَيْن؛ لِأَنَّهُ زِيَادَة عَلَى الثُّلُث.
قلت: وَهَذَا مُنْقَطع. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن يزِيد بن أبي حبيب «أَن عليّا ﵁ قَضَى بِالْعقلِ فِي قتل الْخَطَأ فِي ثَلَاث سِنِين» وَعَن يَحْيَى بن سعيد: «أَن من السّنة أَن تنجَّم الدِّيَة فِي ثَلَاث سِنِين» هَذَا مَجْمُوع مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ، وَبَقِي عَلَيْك أثر ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَلَا يحضرني من خرجه عَنْهُمَا.
[ ٨ / ٤٧٩ ]