ثَبت عَن رَسُول الله - ﷺ - أَنه قَالَ: «عذبت امْرَأَة فِي هرة (سجنتها) حَتَّى مَاتَت (فَدخلت فِيهَا النَّار، لَا هِيَ أطعمتها وسقتها إِذْ هِيَ حبستها، وَلَا
[ ٨ / ٣٣٦ ]
هِيَ تركتهَا تَأْكُل) من خشَاش الأَرْض» . أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ: «حَتَّى مَاتَت جوعا فَدخلت فِيهَا النَّار» .
ثَانِيهَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، رَفعه: «عذبت امْرَأَة فِي هرة لم تطعمها، وَلم تسقها، وَلم تتركها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض» . رَوَاهُ مُسلم و(قَالَ) البُخَارِيّ لما سَاق حَدِيث ابْن عمر: فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة (مثله) .
ثَالِثهَا: من حَدِيث جَابر، أخرجه مُسلم فِي الْكُسُوف وَلَفظه: «وَعرضت عليَّ النَّار فَرَأَيْت امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل تعذب فِي هرة لَهَا ربطتها فَلم تطعمها، وَلم [تدعها] تَأْكُل من خشَاش الأَرْض» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «رَأَيْت فِي النَّار امْرَأَة حميرية سَوْدَاء طَوِيلَة» وَلم يقل: «من بني إِسْرَائِيل» . وَفِي رِوَايَة: «رَأَيْت فِيهَا صَاحِبَة الْهِرَّة الَّتِي ربطتها فَلم تطعمها » الحَدِيث.
[ ٨ / ٣٣٧ ]
رَابِعهَا: من حَدِيث (أَسمَاء) رَوَاهُ مُسلم أَيْضا وَلَفظه: «فَإِذا امْرَأَة حبستها هرة» . الحَدِيث، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه فِي بَاب مَا (يُقَال) بعد التَّكْبِير.
خَامِسهَا وسادسها: من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَعقبَة بن عَامر (رَوَاهُمَا) ابْن حبَان فِي «صَحِيحه) . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، بِهِ.
فَائِدَة: قَوْله ﵇: «فِي هرة» أَي: (بِسَبَب) هرة. و«الخشاش» بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا. قالهُ الرَّافِعِيّ، وَبِضَمِّهَا كَمَا حَكَاهُ القَاضِي فِي «مشارقه» وَالْفَتْح أشهر. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهُوَ هوَام الأَرْض.
قلت: وَهَذَا هُوَ الصَّواب، وَقد جَاءَ ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم: «تَأْكُل من (حشرات) الأَرْض»، وَأبْعد من قَالَ: إِنَّه النَّبَات. والخشاش بِالْمُعْجَمَةِ، وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ، وَهَذِه الْمَرْأَة يجوز أَن تكون كَافِرَة، لَكِن ظَاهر الحَدِيث أَنَّهَا مسلمة وعذبت عَلَى إصرارها عَلَى ذَلِك، وَلَيْسَ فِي
[ ٨ / ٣٣٨ ]
الحَدِيث تخليدها. (قلت: رَوَى الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي «تَارِيخ أَصْبَهَان» أَنَّهَا كَافِرَة، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْبَعْث والنشور» أَنَّهَا عَن عَائِشَة؛ فَتكون من جملَة اسْتِحْقَاقهَا النَّار حبس الْهِرَّة، وأبداه القَاضِي احْتِمَالا، وَأنْكرهُ النَّوَوِيّ واستبعده) .
وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب أثرا وَاحِدًا: وَهُوَ: رُوِيَ عَن عُثْمَان ﵁، أَنه قَالَ: «لَا تكلفوا الصَّغير الْكسْب فيسرق، وَلَا الْأمة غير ذَات الصَّنْعَة فتكتسب بفرجها» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي كَذَلِك فِي «الْمُخْتَصر» بِغَيْر إِسْنَاد وأسنده فِي غَيره، عَن مَالك وَهُوَ فِي «الْمُوَطَّأ»، عَن (عَمه) أبي سُهَيْل، عَن أَبِيه، أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، أَنه (قَالَ): «لَا تكلفوا الصَّغِير الْكسْب (فَإِنَّكُم مَتى كلفتموه الْكسْب) (يسرق) وَلَا الْأمة غير ذَات الصَّنْعَة (الْكسْب فَإِنَّهُ مَتى كلفتموها الْكسْب) (كسبت)
[ ٨ / ٣٣٩ ]
بفرجها» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَزَاد ابْن أبي أويس فِي رِوَايَته: «وعفوا إِذا أعفكم الله وَعَلَيْكُم من المطاعم بِمَا طَابَ مِنْهَا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَفعه بَعضهم عَن عُثْمَان من حَدِيث الثَّوْريّ. وَرَفعه ضَعِيف.
فَائِدَة: قَالَ صَاحب «الْمطَالع» وَقع فِي «موطأ يَحْيَى»: الْمَرْأَة. وَفِي «(موطأ) ابْن بكير»: الْأمة. وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْأمة أوجه.
[ ٨ / ٣٤٠ ]