«أنَّه - ﷺ - قَالَ: (أَلا) لايقتل مُؤمن بِكَافِر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي جُحَيْفَة وهْب بن عبد الله السَّوائي قَالَ: «قلت لعَلي: يَا أَمِير
[ ٨ / ٣٦٥ ]
الْمُؤمنِينَ، هَل عنْدكُمْ شَيْء من الْوَحْي إِلَّا مَا فِي كتاب الله؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة مَا عَلمته إِلَّا فهما يُعْطِيهِ الله رجلا فِي الْقُرْآن وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة. قلت: وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟ قَالَ: فِيهَا الْعقل وفكاك الْأَسير، وَأَن لَا يقتل مُسلم بِكَافِر» . هَكَذَا هُوَ فِي بَابَيْنِ من البُخَارِيّ: «مسلمٌ بِكَافِر» وَهُوَ من أَفْرَاده كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحميدِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (و) الْبَزَّار من حَدِيث قيس بن عباد، عَن عَلّي فِي الصَّحِيفَة الَّتِي عِنْده: «لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده» . قَالَ الْبَزَّار: رُوِيَ عَن عَلّي من غير وَجه، وَهَذَا الْإِسْنَاد أحسن إِسْنَاد يرْوَى فِي ذَلِك وأصحه. قَالَ: وَلَا نعلم أسْند قيس بن عباد عَن عَلّي إِلَّا حديثين أَحدهمَا هَذَا وَثَانِيهمَا حَدِيثه فِي سَبَب نزُول (هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم) وَسَيَأْتِي هَذَا فِي أثْنَاء السّير إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا، وحسَّنه التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد: «لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر» وَلَفظ البَاقِينَ: «مسلمٌ» بدل: «مُؤمن» .
[ ٨ / ٣٦٦ ]
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث قيس بن عباد السالف. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث ابْن عمر فِي حَدِيث طَوِيل بِلَفْظ: «لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي مُرْسلا من رِوَايَة عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَالْحسن أَن رَسُول الله - ﷺ - قَالَ يَوْم الْفَتْح: «لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر» . قَالَ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» (و«الْمُخْتَصر»: و) هَذَا عَام عِنْد أهل الْمَغَازِي أَن رَسُول الله - ﷺ - تكلم بِهِ فِي خطبَته يَوْم الْفَتْح، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن النَّبِي - ﷺ - مُسْندًا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب (عَن أَبِيه عَن جده) وَحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن. هَذَا آخر كَلَام الشَّافِعِي. وَقيل: إِنَّه ﵇ قَالَه فِي خطْبَة الْوَدَاع. حَكَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عمرَان وَعَائِشَة أَيْضا وَعَزاهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعمْرَان بن حُصَيْن.
تَنْبِيه: هَذِه الْأَحَادِيث دَالَّة عَلَى ضعف حَدِيث ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن ابْن عمر «أَنه ﵇ قتل مُسلما بمعاهد وَقَالَ: أَنا أكْرم من وفَّى بِذِمَّتِهِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ خطأ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: وَصله بِذكر ابْن عمر (فِيهِ) وَإِنَّمَا هُوَ (عَن) ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن النَّبِي - ﷺ - مُرْسلا. ثَانِيهمَا: رِوَايَته
[ ٨ / ٣٦٧ ]
عَن إِبْرَاهِيم (عَن) ربيعَة، وَإِنَّمَا يرويهِ إِبْرَاهِيم، عَن ابْن الْمُنْكَدر، وَالْحمل فِيهِ عَلَى عمار بن مطر الرهاوي، وَقد كَانَ يقلب الْأَسَانِيد وَيسْرق الْأَحَادِيث حَتَّى كثر ذَلِك فِي رواياته وَسقط عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ أَبُو عبيد: هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِمُسْنَد وَلَا يَجْعَل مثله إِمَامًا (تسْقط) بِهِ دِمَاء الْمُسلمين. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: هَذَا الحَدِيث يَدُور عَلَى ابْن أبي يَحْيَى لَيْسَ لَهُ وَجه. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم (يروه) غير إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث، وَالصَّوَاب عَن ربيعَة، عَن ابْن الْبَيْلَمَانِي، عَن النَّبِي - ﷺ - مُرْسلا، وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف لَا تقوم بِمثلِهِ حجَّة إِذا وصل الحَدِيث، فَكيف بِمَا يُرْسِلهُ. وَمَا أحسن قَول الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل: من حكم بِحَدِيث ابْن الْبَيْلَمَانِي فَهُوَ عِنْدِي مُخطئ، فَإِن حكم بِهِ حَاكم (وَرفع) إِلَى حَاكم آخر (رده) .