٢٩ - وعن أسماء بنت أبي بكر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال في دَمِ الحَيضِ يُصِيبُ الثوبَ: "تَحُتُّهُ ثم تَقْرُصُهُ بالماء، ثم تَنضَحُهُ، ثم تُصلِّي فيه" متفق عليه.
رواه البخاري (٣٠٧) ومسلم ١/ ٢٤٠ وأبو داود (٣٦١) والترمذي (١٣٨) والنسائي ١/ ١٩٥ وابن ماجة (٦٢٩) وأحمد ٦/ ٣٤٥ والبيهقي ١/ ١٣، ٢٤٤ وابن خزيمة ١/ ١٣٩ كلهم من طريق هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه" هذا اللفظ لمسلم.
أما لفظ البخاري قالت أسماء سألت امرأة رسول الله - ﷺ - فقالت يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بماء ثم لتصلي فيه".
وفي لفظ لأبي داود أنَّه - ﷺ - قال لها "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصلي".
وفي لفظ له أيضًا أنَّه - ﷺ - قال لها "حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه".
[ ١ / ٢٦٠ ]
وفي لفظ لأبي داود أن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت امرأة تسأل رسول الله - ﷺ - كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر؟ أتصلي فيه؟ قال "تنظر فإن رأت فيه دمًا فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر ولتصل فيه" من طريق محمود بن إسحاق عن فاطمة به.
قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ١/ ٤٧ زعم النووي في "شرح المهذب" أن الشافعي روى في "الأم" أن أسماء هي السائلة بإسناد ضعيف، وهذا خطأ بل إسناده في غاية الصحة وكأن النووي قلد في ذلك ابن الصلاح وزعم جماعة ممن تكلم على "المهذب" أنَّه غلط في قوله أسماء هي السائلة، وهم الغالطون والله أعلم اهـ.
قلت وحسم النزاع في هذا أن في رواية أبي داود السابقة أن السائل امرأة غير أسماء، وقد روى الشافعي في "مسنده" ص ٨ رقم (٤٦) عن سفيان بن عيينة عن هشام عن فاطمة عن أسماء قال سألت النبي - ﷺ - عن دم الحيضة يصيب الثوب فقال "حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم رشيه، وصلي فيه".
وقال الشافعي أيضًا (٤٧). أخبرنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة، أنَّه سمع امرأته فاطمة بنت المنذر تقول سمعت جدتي أسماء بنت أبي بكر تقول سألت النبي - ﷺ - دم الحيضة فذكر مثله.
ورواه أيضًا في "مسنده" ص ٨ عن مالك عن هشام عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت سألت امرأة النبي - ﷺ - فذكره بلفظ "الصحيحين".
[ ١ / ٢٦١ ]
قال ابن الملقن في "البدر المنير" ٢/ ٢٧٠: وهذه الأسانيد التي ذكر الشافعي بها هذه الزيادة -أن أسماء هي السائلة- أسانيد صحيحة، لا مطعن لأحد في اتصالها، وثقات رواتها، فكلهم أئمة أعلام مخرج حديثهم في "الصحيح"، وفي الكتب الستة فهو إسناد صحيح على شرط أهل العلم كلهم. وأنا أتعجب كل العجب من قول الشيخ محيي الدين النووي -﵀- في شرح "المهذب" أن الشافعي روى في "الأم" أن أسماء هي السائلة بإسناد ضعيف اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٣٣١: وقع في رواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن هشام في هذا الحديث أن أسماء هي السائلة وأغرب النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد لا علة لها، ولا يبعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه كما سيأتي في حديمشا أبي سعيد في قصة الرقية بفاتحة الكتاب اهـ.
قلت ولا يعكر على هذا الجمع ما رواه أبو داود (٣٦٠) والدارمي ١/ ١٩٧ من طريق محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت امرأة وهي تسأل رسول الله - ﷺ - كيف تصنع بثوبها إذا طهرت من محيضها؟ قال "إن رأيت فيه دمًا فحكيه ثم اقرصيه ثم انضحي في سائر ثوبك ثم صلي فيه" لأن فيها محمد بن إسحاق فلا يبعد أنَّه روى الحديث بالمعنى وهو أيضًا مدلس ولم يصرح بالتحديث.
* * *
[ ١ / ٢٦٢ ]
٣٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قالت خولةُ يا رسولَ الله فإنْ لم يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قال "يَكفِيكِ الماءُ ولا يَضُرُّكِ أَثرُهُ". أخرجه الترمذي وسنده ضعيف.
رواه أحمد ٢/ ٣٨٠ وأبو داود (٣٦٥) والبيهقي ٢/ ٤٠٨ كلهم من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة أن خولة بنت يسار أتت النبي - ﷺ -. فقالت يا رسول الله، إنه ليس لي إلا ثوب واحد وأنا أحيض فيه فكيف أصنع؟ قال "إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه" فقالت فإن لم يخرج الدم؟ قال "يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره" هذا لفظ أبي داود وأحمد.
وفي لفظ البيهقي أن خولة بنت يسار قال لرسول الله - ﷺ - أفرأيت إن لم يخرج الدم من الثوب قال "يكفيك الماء ولا يضرك أثره".
قال البيهقي ٢/ ٤٠٨ تفرد به ابن لهيعة اهـ.
وقال الحافظ في "الفتح" ١/ ٢٦٦ رواه أبو داود وغيره وفي إسناده ضعف وله شاهد مرسل. اهـ.
قلت وبيان ضعفه أن في إسناده ابن لهيعة تكلم فيه أئمة الحديث وردوا حديثه مطلقًا ورواية العبادلة عنه أحسن حالًا من غيرها مع أنها أيضًا ضعيفة.
[ ١ / ٢٦٣ ]
قال أبو داود سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أو كتب ابن وهب إلا حديث الأعرج اهـ.
وقال عنه الحاكم: استشهد به مسلم في موضعين اهـ.
وقال البخاري. تركه يحيى بن سعيد. اهـ.
وقال ابن مهدي. لا أحمل عنه شيئًا. اهـ.
وقال ابن خزيمة في "صحيحيه". وابن لهيعة لست ممن أخرج حديثه في هذا الكتاب إذا انفرد وإنما أخرجته لأن معه جابر بن إسماعيل اهـ.
وقال عنه ابن حبان سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه سواء كان من حديثه أو لم يكن فوجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه. اهـ.
ومن العلماء من قبل رواية العبادلة الثلاثة عنه الذين هم: عبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله يزيد المقرئ.
قال عبد الغني بن سعيد الأزدي إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح ابن المبارك وابن وهب والمقرئ اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما. اهـ.
[ ١ / ٢٦٤ ]
قلت: روي هذا الحديث عن ابن لهيعة من ثلاث طرق:
أولًا رواية عبد الله بن وهب عند البيهقي ٢/ ٤٠٨.
ثانيًا رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعه عند أبي في داود (٣٦٥) وأحمد ٢/ ٣٨٠.
ثالثًا رواية عثمان بن صالح عن ابن لهيعه عند البيهقي ٢/ ٤٥٨.
قلت: ظاهر كلام الأئمة تضعيفه مطلقًا، لكن يفضلون حديث العبادلة على غيرهم مع أنَّه لا يصل إلى حد الصحيح فهي أفضل من غيرها وهي صالحه للاعتبار أما رواية غير العبادلة عن ابن لهيعة فهي أشد ضعفًا.
لهذا قال ابن مهدي لا أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه اهـ.
وقال أبو داود سمعت قتيبة يقول كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب ابن أخيه أوكتب ابن وهب اهـ.
فعلى هذا فالحديث يظهر أنَّه صحيح بشواهده والله أعلم.
وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني في "السلسلة الصحيحة" ١ / رقم (٢٩٨) لأنه من رواية العبادلة.
قال في "الإرواء" ١/ ١٨٩: رواه أبو داود والبيهقي وأحمد بإسناد صحيح عنه وهو وإن كان فيه ابن لهيعة فإنه قد رواه عنه جماعة منهم عبد الله بن وهب وحديثه عنه صحيح كما قال غير واحد من الحفاظ اهـ.
[ ١ / ٢٦٥ ]
تنبيه:
عزو الحافظ ابن حجر الحديث للترمذي يظهر أنَّه وهم.
لهذا ذكره المزي في "تحفة الأشراف" ١٠ / رقم (١٤٨٦) ولم يعزه إلى الترمذي، وأيضًا ذكره الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ١/ ٤٨ وعزاه إلى أبي داود فقط.
وسبق إلى هذا التعقيب الشيخ الألباني حفظه الله فقال في "السلسلة الصحيحة" ١ / رقم (٢٩٨) قال الحافظ في "بلوغ المرام" أخرجه الترمذي، وسنده ضعيف قال شارحه الصنعاني ١/ ٥٥ تبعًا لأصله "البدر التمام" ١/ ٢٩ / ١: وكذلك أخرجه البيهقي وفيه ابن لهيعة، واغتر بقول الحافظ جماعة فعزوه تبعا له إلى الترمذي منهم صديق حسن خان في "الروضة الندية" ١/ ١٧ ومن قبله الشوكاني ثم قال الألباني عزوه للترمذي وهم محض فإنه لم يخرجه البتة اهـ.
وفي الباب عن عائشة وأم قيس بنت محصن وخولة بنت حكيم وأثر عن عائشة.
أولًا حديث عائشة رواه البخاري (٨٢٨) ومسلم ١/ ٢٦٢ كلاهما من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فقالت يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال "لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي".
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثانيًا. حديث أم قيس بنت محصن رواه أبو داود (٣٦٣) والنسائي ١/ ١٥٤ - ١٥٥ وابن ماجة (٦٢٨) وأحمد ٦/ ٣٥٥ وابن خزيمة ١/ ١٤١ والبيهقي ٢/ ٤٠٧ كلهم من طريق سفيان قال حدثني ثابت الحداد حدثني عدي بن دينار قال سمعت أم قيس بنت محصنٍ تقول سألت النبي - ﷺ - عن دم الحيض يكون في الثوب قال "حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر".
قلت: رجاله ثقات وإسناده صحيح قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ٢/ ١٦ صححه ابن القطان وقال عقبه لا أعلم له علة وثابت ثقة ولا أعلم أحدًا ضعفه غير الدارقطني اهـ.
وقال أيضًا الحافظ ابن حجر في "الفتح" ١/ ٢٦٦ إسناده حسن اهـ.
قلت ثابت بن هرمز وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان وابن المديني وأحمد بن صالح وغيرهم.
وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" ١/ ٢٨ هذا غاية في الصحة فإن أبا المقدام. ثابت بن هرمز الحداد، والد عمرو بن أبي المقدام ثقة، قاله ابن حنبل وابن معين والنسائي ولا أعلم أحدًا ضعفه غير الدارقطني وعدي بن دينار هو مولى أم قيس المذكور قال فيه النسائي. ثقة ولا أعلم لهذا الإسناد علة اهـ.
وقال الشيخ الألباني حفظه الله في "السلسلة الصحيحة" ١/ ٥٤٠ هذا سند صحيح ورجاله كلهم ثقات. اهـ.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ثالثًا حديث خولة بنت حكيم رواه الطبراني في "الكبير" ٢٤/ ٢٤١ والبيهقي ٢/ ٤٠٨ كلاهما من طريق الوازع بن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن خولة بنت حكيم الأنصارية. قالت قلت. يا رسول الله إني أحيض وليس لي إلا ثوب واحد فيصيبه الدم قال: "اغسليه وصلي فيه " قلت يا رسول الله يبقي أثره قال "لا يضر" ووقع عند البيهقي خولة بنت نمار بدل خولة بنت حكيم ثم نقل البيهقي عن إبراهيم الحربي أنَّه قال الوازع بن نافع غيره أوثق منه. ولم يسمع خولة بنت نمار أو يسار إلا في هذين الحديثين اهـ.
قلت: نص الأئمة على أن الوازغ بن نافع متروك.
وقد تعقب ابن الملقن في "البدر المنير" ٢/ ٢٨٧ عبارة إبراهيم الحربي فقال هذه عبارة عجيبة فإنها لا تقال إلا لمن شورك في الثقة والوازع هذا قال فيه أحمد ويحيى ليس بثقة وقال أحمد مرة أخرى ليس حديثه بشيء وقال البخاري: منكر الحديث وقال الرازي ذاهب الحديث وقال أبو زرعة ليس بشيء وقال النسائي متروك الحديث وقال الدارقطني ضعيف؛ فنلخص أن الحديث المذكور ضعيف من طريقيه. اهـ.
ولهذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١/ ٢٨٢ فيه الوازع بن نافع وهو ضعيف. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" ١/ ٤٨ رواه الطبراني في "الكبير" من حديث خولة بنت حكيم وإسناده أضعف من الأول اهـ.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وقد أطال في بيان ضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني كما في "السلسلة الصحيحة" ١/ ٥٣٣ - ٥٣٤.
رابعًا أثر عائشة رواه الدارمي ١/ ٢٣٨ قال. أخبرنا أبو النعمان ثنا ثابت بن يزيد ثنا عاصم عن معاذة العدوية عن عائشة قالت إذا غسلت المرأة الدم فلم يذهب فلتغيره بصفرة ورس أو زعفران.
ورواه أبو داود (٣٥٧) قال حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثني أبي قال حدثتني أم الحسن -يعني جدة أبي بكر العدوي -عن معاذة قالت سألت عائشة - ﵂ - عن الحائض يصيب ثوبها الدَّم قالتْ تغسله فإن لم يذهب أثره فلتغيِّره بشيء من صفرة قالت ولقد كنت أحيض عند رسول الله - ﷺ - ثلاث حيض جميعًا لا أغسل لي ثوبًا.
قال ابن الملقن في "البدر المنير" ٢/ ٢٨٠ إسناد لا أعلم به بأسًا اهـ.
وفي الباب أحاديث ستأتي في كتاب الحيض.
* * *
[ ١ / ٢٦٩ ]