قال ﵀ في هذه المقدّمة:
"أما بعد:
فإن من النصيحة الواجبة في الدين التنبيه على ما يشتهر بين الناس مما ألفه الطبع وليس له أصل في الشرع.
وقد صنف الإمام تاج الدين [الفزاري] كتابا في فقه العوام وإنكار أمور قد اشتهرت بينهم لا أصل لها، أجاد فيها الانتقاد وصان الشريعة أن يدخل فيها ما خل بالاعتقاد، شكر الله صنعه وأثاب جمعه، وقد رأيت ما هو أهم من ذلك، وهو تبيين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوام، وكثير من الفقهاء الذين لا معرفة لهم بالحديث، وهي:
- إما أن يكون لها أصل يتعذر الوقوف عليه لغرابة موضعه، ولذكره في غير مظنه، وربما نفاه بعض أهل الحديث لعدم اطلاعه عليه والنافي له كمن نفى أصلا من الدين، وضل عن طريقه المبين
- وإما لا أصل له البتة فالناقل لها يدخل تحت قوله ﷺ: «من يقل عني ما لم اقل فليتبوأ مقعده من النار»
وقال رسول الله ﷺ: «هلاك أمتي في ثلاث في القدرية والعصبية والرواية من غير ثبت»
ونقل البيهقي في المعرفة عن الشافعي أن النبي ﷺ فرق بين الحديث عنه والحديث عن بني إسرائيل فقال: «حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ».
وذلك الكذب المنهي عنه هو الكذب الخفي، بأن يقبل الحديث عمن لا يعرف صدقه، وأباح قبول الحديث عن بني إسرائيل عمن حدث عنهم، ممن يقبل صدقه وكذبه، ولم يبحه عمن يعرف كذبه، لأنه ﷺ قال:
«من حدَّث عني بحديث وهو يراه كذبا فهو أحد الكاذبين»
وقال الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي في كتابه «معرفة الرجال» سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ما الحجة على من أنكر البحث وتفتيش الخبر، قال:
الحجة عليهم ما روى عن أبي بكر الصديق في الجدة، فإنه بلغنا أنه قال: من عنده في الجدة، فقام المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال: هل من آخر فقام محمد بن مسلمة فحكى مثل ما حكى المغيرة، فلم يكن هذا من أبي بكر تهمة للمغيرة إذ قال هل من آخر، ولكنه أراد بهذا الاحتياط في الدين والتثبيت في الأحكام
وقال أبو بكر أحمد بن محمد المروزي ليحيى بن معين: إن هاهنا من ينكر البحث، فقال يحيى: ذلك مبلغهم من العلم، كيف ينكر وقد بحث الأئمة من أصحاب الرسول ﷺ كشفو، وإنما ينكر البحث من قصر عنه وقلَّ فهمُه.
وروى ابن عدي عن عبده بن سليمان المروزي قال: قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة قال: يعيش لها الجهابذة
ولما رأيت الحال دائر بين هذين الأمرين وجبت العناية من ذلك بما وصل العلم إليه ووقع الإطلاع عليه، وعن الربيع بن خثيم: قال: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل سكره، وقال ابن الجوزي: الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب، وينفر منه قلبه في الغالب.
وسميته: " اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهور ة ".
ورتبته على أبواب:
الأول: فيما اشتهر على ألسنتهم من أحاديث الأحكام.
والثاني: في أحاديث الحكم والآداب. والثالث في الزهد.
والرابع: في الطب والمنافع.
والخامس: في أبواب الفضائل.
والسادس: في الأدعية والأذكار.
والسابع: في القصص والأخبار.
والثامن: في الفتن.
والتاسع: في أمور منثورة ".اهـ