إن الحمد لله. نحمدُهُ، ونستعينه، ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.
مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا.
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما.
فإنَّ من مُهِمَّات العلوم معرِفةُ أقوالِ أهلِ العلم في المسائل الأصولية والفرعية، كما قال الإمام أحمد ﵀: أعلمُ الناسِ أعلمُهُم باختلاف الناس.
وليس مِن شكٍّ انَّ في ذلك ثمرةً عظيمةً، إذ إنَّ العالِمَ بأقوالِ أهلِ العلمِ السابقين عليه، العارِفَ بمواقعِ اتِّفاقِهِم واختِلافِهِم، يستطيع أنْ يُكْمِل ما ابتدأوه، وأنْ يُتِمَّ ما حقَّقُوه، فما أجمعوا عليه لا يَخرُجُ عن أقوالِهم، وما اختلفوا فيه نظر في حُجَّةِ كلِّ فريقٍ، ورجَّحَ ما يراهُ صوابًا، إنْ كان أهلًا للترجيح.
وإنَّ مِن أخطاء كثيرٍ من الباحثين أنهم يُنَصِّبُون أنفسهم للبحث العِلْمي دون معرفةٍ تامَّةٍ بأقوال أهل العلم السابقين عليهم حول تلك المسائل التي
[ ١٠ ]
يتناولُونها بالبحث، فلا عجبَ إذًا أنْ تجِد كثيرًا من الباحثين يَخْرُجون عن أقوال أهل العلم، تحت مَظَلَّة البحث العِلْمِي وسلوك القواعد العلميَّة، وكأنَّ السابقين لم يسلُكوا البحث العلمي كما ينبغي، أو لم يتَّبِعوا القواعدَ العلميَّة التي ما قرَّرها وحرَّرها إلا هم!!
ولهذا كان من المُهم لدَى الباحث قبل تصَدُّرِه للبحث أن يُفرِغ نفسه وقتًا من حياته العلميَّة لجمع أقوال أهل العلم، وذلك بمطالعة كتب العلم المُطوَّلة والمُختصَرَة، واستخراج الفوائد العلمية من بين السطور، لا سيَّما تلك التي قد أودعوها في غير مظِنَّتها، أو ذكروها بإشارةٍ مُفهِمةٍ دون عبارةٍ واضحةٍ، فإنَّ هذه المادةَ العلميَّةَ هي الأساس الذي ينبغي على الباحث أن يبني عليها بحوثه العلمية.
وقد تناولْتُ وتكلمتُ في هذه القضية في موضعٍ آخر في كتاباتي، وفصَّلتُ في ذلك.
ثم إنني ولله الحمد قد حقَّقتُ ذلك مع نفسي، وصنعتُ لنفسي قاعدة بيانات كبيرة لكل ما وقفتُ عليه من فوائدَ تتعلَّق بالقواعدِ الأصوليَّة، أو المسائل الفرعيَّة في علوم الحديث على اختلافها.
وها أنت ترى أخي القارئ بين يديك هذا الجُهد المشكور للأخ الفاضل عمرو عبد العظيم الحُوَيني، فقد عُنِى عنايةً فائقةً بتتبُّع كتب شيخين جليلين من علماء الحديث في هذا الزمان، واستخرجَ من كتبهما الأحاديث التي تعرَّضا للبحث فيها، فكان حُكمِ أحدهما التصحيح، وحكم الآخر التضعيف.
فأما التصحيح فهو للشيخ العلامة محدث الزمان محمد ناصر الدين الألباني ﵀.
وأما التضعيف فهو لشيخنا الجليل العلامة أبي إسحاق الحويني حفظه الله.
[ ١١ ]
فتولَّى أخي الباحث عرض تلك الاحاديث وبيان مُجمَل قول كل شيخٍ منهما فيه ليكون الباحث في هذه الأحاديث على درايةٍ بقول الشيخين فيها، وهذا كما يستفاد منه ما قد سبق الإشارة إليه، فإنَّ فيه فائدة أخرى لا ينبغي الغفلة عنها، ألا وهي أنَّ شيخنا الشيخ الحويني رغم أنه تعلَّم على يد الشيخ العلامة الألباني واستفاد كثيرًا من مجالِسِه وكتبه، إلا أنه لم يكن متعصِّبًا لشيخه، بل كان يستفيد من علم شيخه ويُخالِفه في بعض المواضع التي يرى أنَّ الشيخ الألباني ﵀ جانبه فيها الصواب، وهذا حقُّ المُتقدِّم على المُتأخِّر، وحقٌّ الشيخ على التلميذ، وهو أن لا يُقلِّد الشيخ فيما تبيَّن فيه الخطأ، وإنما يُقوَّم ويُستَدرَك، لأن الباحث ينغي أن يكون قصدُهُ الوقوف على الحقِّ ليس غير.
وقد لاحظتُ أنَّ أخي الباحث اكتفى بنقل أقوال الشيخين على تلك الأحاديث ولم يتطرَّق من جهته إلى التوسُّع في البحث والنظر في الطُرُق والأسانيد ونقد الروايات التي يشملها البحث نقدًا خاصًا، لشيئٍ ترجَّح لديه، وهو أن يكتفي بتقديم علم الشيخين إلى القارئ والباحث لينظرَ كلٌّ فيما بين يديه من تلك المادة العلميَّة ويختار ما يراه راجحًا.
وهذا قصدٌ محمودٌ، لولا أنني كنتُ أتمنى لو أنَّ أخي الباحث أضاف إلى ذلك شيئًا آخر لا يتعارَضُ مع مقصوده، وفي الوقت نفسه يكون أكثر عَونًا للباحث على تحقيق الراجح في كل حديثٍ من تلك الأحاديث.
وهذا الشئ هو: أن يُضيفَ في كل حديثٍ أقوال العلماء الآخرين الذين تناولوا تلك الأحاديث من المتقدمين والمتأخرين، ويضعها مع كل حديثٍ من تلك الاحاديث، بحيث يمكن للباحث أن يَعرِفَ أقوال العلماء فيُعِينُه ذلك على الترجيح، ولعلَّ أخي الفاضل يصنع ذلك لاحِقًا إن شاء الله تعالى.
وليس من شكٍّ، ولا يخفى على باحثٍ مُتمرِّسٍ خبيرٍ بمسالك العلماء قديمًا وحديثًا، أنَّ الحُكمَ على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا وعلى الرواة
[ ١٢ ]
تعديلًا وتجريحًا، هو من موارد الاجتهاد، والتي يسَعُ فيها الخلاف، كما يَسعُ الخلافَ في المسائل الفقهية ونحوها.
فلا ينبغي أن يُعابَ على أحدٍ لمُجرَّدِ الاختلاف معه في الحكم على حديث، وإنما يُبَيَّنُ وجهُ الصواب بالحُجَّةِ والبرهان، مع الاحتفاظ بالتقدير والاحترام التَّام للمُخَالَف.
وكم رأينا العلماء قديمًا وحديثًا يَستَدرِك بعضهم على بعضٍ، ويُخَطِّأُ بعضهم بعضًا، مع الاحترام والتقدير وعدم الطعن في الأشخاص.
ولا ادلَّ على ذلك من كتاب " التتبُّع " للإمام الدارقطني، وكتاب " مُوضِح أوهام الجمع والتفريق " للإمام الخطيب البغدادي، وغيرهما من كتب اهل العلم.
وكان شعارهم دائمًا وأبدًا، ما قاله الإمام الشافعي ﵀: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.
وقال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولَقِيَنني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفِق في مسألة.
ولله دَرُّ الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ عندما خالَفَ عثمان بن عفانٍ في مسألة الإتمام في السفر، ومع ذلك كان يُصلِّي وراءه بإتمام، فلما سُئِل عن ذلك قال: الخلاف شر. يقصد: الخلافَ الذي يُؤَدِّي إلى الشقاق والتناحر والتدابر.
وانظر إلى سفيان بن عيينة ﵀ عندما ذَكَر مرَّة حديثًا فقيل له: إنَّ مالِكًا يُخالِفُك في هذا الحديث، فقال للقائل: أتقرِنُني بمالك!، ما أنا ومالك إلا كما قال جرير:
وابنُ اللَّبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لم يَستَطِع صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ
[ ١٣ ]
فهؤلاء هم أسلافُنا، وهؤلاء هم قدوتُنا، فنسألُ الله ﷿ أن يرزقنا الإنصاف في السِرِّ والعَلَن، وان يوفِّقَنا إلى سلوك طريقهم، واتِّباعِ منهجهم، إنه سبحانه ولِيُّ ذلك ومولاه. وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم.
وكتبه / أبو معاذ طارق بن عوض الله محمد
الثلاثاء ٢٥ محرم ١٤٣٦ هـ
١٨/ ١١ / ٢٠١٤ مـ
[ ١٤ ]