أخبرنا أبو العباس أحمد بن سعيد المعداني الفقيه بمرو ثنا محمد بن سعيد المروزي ثنا الترقفي ثنا عبد الله بن عمرو الوراق ثنا الحسن بن علي بن منصور ثنا غياث البصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي: أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقّة مكة فسمع الأخضر الجُدّي يتغنّى في دار العاص بن وائل:
تضوّع مسكًا بطن نَعمان أن مَشَت به زينبٌ في نِسوةٍ عَطِراتِ
فلما رأتْ ركْبَ النميريِّ أعرضَتْ وكنّ مِنَ؟ نْ يلقينَه حَذِرات
قال: فضرب برجله الأرض زمانًا وقال: هذا ما يلذ سماعه، وكان يرون أن الشعر لسعيد (^١).
قال المعلمي:
في السند مَن لم أعرفه. والقصة في "الأغاني" ج ٦ ص ٣٨ قال: "أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال:
_________________
(١) أخرجها أبو الفضل بن طاهر في "صفوة التصوّف" (ص ٣٣٣) من طريق السلمي. قال السخاوي في "تخريجه" (٤٠): "وقد ذكر ابن طاهر في هذا الباب حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: بينما الحبشة يَزْفنون بين يدي رسول الله - ﷺ - الحديث. وهو حديث صحيح. وعجبتُ للمؤلف [السلمي] ﵀ كيف اقتصر على هذه الحكاية المنقطعة، ولم يذكر هذا الحديث. وقد ترجم البيهقي في الشهادات من "سننه": "من رخَّص في الرقص إذا لم يكن فيه تكسُّر وتخنُّث". وأورد فيه حديث هانئ بن هانئ، عن علي، قال: "أتينا رسول الله - ﷺ - أنا وجعفر وزيد " ثم قال عقبه: هانئ بن هانئ ليس بالمعروف جدًّا، وفي هذا ــ إن صحَّ ــ دلالة على جواز الحَجْل، وهو أن يرفع رِجْلًا ويقفز على الأخرى من الفرح، فالرقص الذي يكون على مثاله يكون مثله في الجواز، والله أعلم.
[ ١٥ / ٤٠٩ ]
حدثني الحسن بن علي بن منصور، قال: أخبرني أبو عتاب، عن إبراهيم بن محمد بن العباس المطّلبي ". وكذلك هي في "أمالي القالي" ج ٢ ص ٢٤ قال: "حدثني أبي وعبد الله (؟) بن خلف، قالا: حدثنا ابن أبي سعيد (؟) قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن (؟) الشافعي، قال: سمع سعيد بن المسيّب ".
وفي الأسانيد ما نراه من الاختلاف، والراوي عن ابن المسيّب هو إبراهيم بن محمد بن العباس المطّلبي الشافعي، وله ترجمة في "تهذيب التهذيب" ج ١ ص ١٥٤ وأرّخ وفاته سنة ٢٣٧ أو بعدها بسنة. ويُعْلَم من الترجمة أنه لم يدرك ابن المسيب ولم يَرْوِ عمن أدركَ ابنَ المسيّب، وابن المسيب توفي سنة ٩٣ وقيل بعدها وقيل قبلها و(^١).
فالقصة معضلَة، وليس في رواية "الأغاني" قوله: "الأرض زمانًا" وإنما فيها "فضرب رجله وقال". وليس في "الأمالي" الضرب بالرِّجل أصلًا.
ويظهر من تدبُّر القصة أن ابن المسيب لم يطرب للغناء وإنما أعجبه الشعر لما فيه من وصف المرأة بالحياء والخفر والتقوى والتستُّر. راجع الأبيات في "الأغاني".
وما وقع في "الأربعين": "وكان يرون أن الشعر لسعيد" إيهام أوْقَعَ فيه الاختصار، وإنما البيتان من قطعة لمحمد بن عبد الله ــ أو عبيد الله ــ بن نُمير الثقفي النصري، ولكن في القصة أن ابن المسيب بعد أن قال كلمته أنشد ثلاثةَ أبيات ليست من قطعة النُّميري أولها:
_________________
(١) كذا في الأصل.
[ ١٥ / ٤١٠ ]
وليست كأخرى أوسعت جيب درعها وأبْدَتْ بنانَ الكفّ للجمرات
ذكرها في "الأغاني" ثم قال: "قال: فكانوا يرون أن هذا الشعر [يعني هذه الثلاثة الأبيات] لسعيد بن المسيّب، ونحوه في "الأمالي".
* * * *
وقد تم بحمد الله ﷿ الكلام على "الأربعين"، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه وسلّم.
٢٧ رجب سنة ١٣٦٩ عبد الرحمن بن يحيى اليماني
المصحح بدائرة المعارف العثمانية
[ ١٥ / ٤١١ ]
المراجع (^١)