إذا كان كتاب (البدر المنير) للحافظ ابن الملقِّن امتاز بغزارة مادته، ووفرة مصادره، وكثرة فوائده، وسعة عباراته، فإن كتاب (التمييز) للحافظ ابن حجر امتاز بحسن الترتيب، وجودة التَّعبير، والصَّناعة الحديثية التي هي غاية في الدِّقة، ونهاية في التَّحقيق، فإنّ نَفَسَ المحدّث بادٍ عليه، وبراعَةَ النَّاقِد ظاهرةٌ فيه، فقد استطاع أن يعيد صياغة كتاب شيخه ابن الملقِّن في قالبٍ ينمّ عن عِلْمٍ وافرٍ، ودرايةٍ عميقةٍ بطريقة المحدِّثين، وإلمام بالغ بأساليبهم، فكانت الصِّناعة الحديثية عنده من أبرز من تَميَّز به "تمييزُه"، وتتمثل في جانبين هما:
الجانب الأوّلَ: جَودَةُ الصّياغة وحُسْنُ التَّرتيب:
قد يظنُّ النَّاظر أوَّلَ وهلةٍ في كتاب "التمييز" للحافظ ابن حجر، وفي أصلِه "البدر المنير" لشيخه الحافظ ابن الملقِّن أنهما كتابان لا صِلَةَ لأحدهما بالآخر، سوى ما يربط بينهما من اشتراك في تخريج كتاب واحد، وما يجمعهما من اتحاد المصادر والموارد الّتي تمدُّ كلَّ واحدٍ منهما بما يدوِّنه ويصوغه بطريقته، وُيرَتِّبُه ويُحرِّره بأسلوبه، وذلك بسبب ما امتاز به الحافظ ابن حجر رحمه لله من صياغةٍ بديعة لمادّة الأصل، وإعادةِ ترتيبها ترتيبًا أخرجها عن حدَّ التَّقليد والتبعية المطلقة إلى حَيِّز الإبداع والابتكار، ونظرةً واحدةً يسرِّحها النّاظر في أوّل حديثٍ في الكتابين كفيلة بإبراز هذه الخاصِّيَّةَ لديه بجلاء، ويحمله على التّسليم بهذه الحقيقة دون مِراء، وأنا ذاكرٌ بعضَ وجوهٍ تبرز فيها هذه الخاصِّيَّة بِوضوح،
[ المقدمة / ٤١ ]
ومن ذلك:
١ - درج الحافظ ابن الملقِّن -﵀- عند تخريج حديث أو أثر أن يذكر أسامي المخرِّجين وعناوين مصنّفاتهم مع سَوْق أسانيدهم واحدًا تلوَ الآخر، مبيّنًا ألفاظَ متونهم مهما طال النَّفَس، وامتدّ البحث.
فجاء الحافظ في تلخيصه وعَمد إلى إعادة ترتيبه ترتيبًا لائقًا بمقام الاختصار والإيجاز، قائلًا فيما أخرجه الشّيخان: "متفق عليه" وفيما أخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه: "أصحاب السنن" أو: "الأربعة" مكتفيًا بذلك دون التّنصيص على أسمائهم لشهرتهم بما ذَكَرَ عند أهل الفنّ وغير أهل الفنّ، مضيفًا إليهم مَنْ شَارَكهم بأساميهم دون تسمية كتبهم، كالطّبراني، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، ونحوهم، إذ الإطلاق في حَقّ هَؤلاء ونُظرائهم عند أهل العلم بالحديث يقوم مقامَ البيانِ والتَّفصيل، فالطَّبراني لمعجمه الكبير، وابن خزيمة وابن حبان لصحيحهما، وهكذا. . . ولا داعي للتّنصيص على عناوين كتبهم كلّما ذُكروا.
٢ - لم يراع الحافظ ابن الملقن ترتيب المخرجين حسب وفياتهم، فقد يَذكر البيهقي قبل الطبراني، أوابن حبان قبل شيخه ابن خزيمة، وهكذا، كما لم يُعنَ بترتيب أقوال النّقاد في الرّاوي، فجاء الحافظ ابن حجر في "تمييزه" فراعى كلَّ ذلك، وأعاد ترتيب الأئمّة المخرِّجين، وأصحاب الأقوال.
٣ - لم يُعنَ الحافظ ابن الملقِّن عند التّخريج بتقديم الرِّواية الّتي لفظُها أقرب من منقول الرّافعي، بل يخرِّجه حيثما اتّفق، فعمل الحافظ ابن حجر على مراعاة هذا، فقدَّم ما أخرَّه شيخُه ابن الملقن لمكان قُرْبِه من لفظ الرّافعي.
٤ - جرى الحافظ ابن الملقِّن -﵀- في تخريجه لأحاديث الرَّافعي على جَعْل
[ المقدمة / ٤٢ ]
جميع أحاديث الباب متساوية، من دون تمييز حديث الباب المراد تخريجه، عن شواهده، مثل قوله: "هذا الحديث صحيح جليل، مرويّ من طرق، الذي يحضرنا منها تسعة، أولها (ثم يذكرها بهذا التّرتيب).
وهذا بخلاف الحافظ ابن حجر -﵀- فإنّه كان يختار حديثًا واحدًا منصوصَ الرَّافعي أو ما هو أقرب من لفظه فيجعله حديثَ الباب، ثمّ يخرِّجه، ثمّ يقول: وفي الباب عن فلان، وفلان، ثم يخرّجها، فهي عنده شواهد لحديث الباب، لذلك يغفل أحيانًا ذِكْرَ بعضها حين لا يكون لذكرها كبير فائدة (١).
وهذا لا ريب أقرب إلى تصرّف المحدّثين عند تخريج حديث أو لَفْظٍ معيَّنٍ، ويعرف هذا أهلُ العلم بالحديث عند أمثال الترمذي، وغيره.
ونشير إلى بعض الأمثلة لتدلّ على أَخواتها (٢):
* حديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺنهاها عن التشميس، وقال: "إنه يورث البرص".
قال ابن الملقِّن (٣): "هذا الحديث واهٍ جدًّا، وله أربع طريق: أولها: عن خالد ابن إسماعيل المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة " (فذكر لفظه ومخرجيه، ونقل كلام العلماء على رواته بألفاظهم، في قرابة صفحة
_________________
(١) انظر مثلا: البدر المنير (١/ ٣٤٨ فما بعد) و(١/ ٦٠٧ - ١١٩)، وقارن بالتمييز (رقم ١١٤)، والبدر المنير (١/ ٦٤٠ - ٦٥٠)، وقارن بالتمييز (رقم ١٣٥ - ١٤٣).
(٢) إن الطالع للحديث الأول من الكتابين يظهر له ما ذكرنا من يتميز الحافظ ابن حجر في هذا المجال، وطريقته الماتعة في تناول مادة كتاب "البدر المنير".
(٣) البدر المنير (١/ ٤٢١ - ٤٢٤).
[ المقدمة / ٤٣ ]
ثم قال: "وثانيها: عن عمرو بن محمَّد الأعسم، عن فليح عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: (فذكره، ومن رواه، وما قال الدارقطني عنه، وما قاله ابن حبان عن راويه عمر بن محمَّد الأعسم، ثم ضَبَطَ اسم (الأعسم).
ثم قال: "وثالثها: عن وهب بن وهب عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت. . .": (فذكره، وعزاه إلى ابن عدي، وذَكَرَ ما قاله ابن عدي في وهب، ثم نقل أقوال النقاد بألفاظها في وهب)، ثم قال: "رابعها: عن الهيثم ابن عدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، نحو الطريق الأول رواه الدارقطني"، ثم تكلَّم عن الهيثم بذكر أقوال الأئمة فيه بألفاظهم، ثم قال: "ولحديث عائشة طريق خامس أشار إليه البيهقي، ولم يذكر إسناده. . . وقد بَيَّنَه الدارقطني في كتابه "غرائب أحاديث مالك التي ليست في الموطأ" فرواه بإسناد إليه، بطريق هشام المتكررة بلفظ. . (فذكر لفظه، ثم نقل كلام الدارقطني على الحديث وعلى راويه خالد بن إسماعيل المخزومي).
فبهذا أنهى تخريجه لهذا الحديث، واستغرق عنده أربع صفحات كاملة.
أما الحافظ ابن حجر فكان ترتيبه وتخريجه للحديث كالتالي (١):
* حديث عائشة: "أن النبي - ﷺ - نهاها عن التّشميس وقال: "إنّه يورِثُ الْبَرَص".
الدّارَقطني، وابن عدي في "الكامل"، وأبو نعيم في "الطب"، والبيهقي من طريق خالد بن إسماعيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، دخل على
_________________
(١) - انظر: التمييز (رقم ٢٥).
[ المقدمة / ٤٤ ]
رسول الله - ﷺ - وقد سَخَّنْتُ ماء في الشّمس، فقال: "لا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاء؛ فإنّه يُورِثُ الْبَرَص". .
وخالد قال ابن عدي: كان يَضع الحديث.
وتابعه وهب بن وهب أبو البختري، عن هشام، قال: ووهب أشرّ من خالد.
وتابعهما الهيثم بن عدي، عن هشام، رواه الدّارَقطني. والهيثم كذّبه يحيى ابن معين.
وتابعهم محمّد بن مروان السُّدّي، وهو متروك، أخرجه الطّبراني في "الأوسط" من طريقه، وقال: لم يروه عن هشام إلا محمّد بن مروان.
كذا قال! فَوَهم.
ورواه الدّارَقطني في "غرائب مالك"، من طريق ابن وهب، عن مالك، عن هشام، وقال: هذا باطلٌ عن ابن وهب، وعن مالك أيضًا، ومن دون ابن وهب ضعفاء.
واشتدّ إنكار البيهقي على الشّيخ أبي محمّد الجويني في عزوه هذا الحديث لرواية مالك.
والعجب من ابن الصّباغ كيف أورده في "الشّامل" جازمًا به فقال: روى مالك عن هشام، وهذا القدر هو الذي أنكره البيهقي على الشّيخ أبي محمّد.
ورواه الدّارَقطني من طريق عمرو بن محمّد الأعشم، عن فليح، عن الزهري عن عروة، عن عائشة، قالت: نهى رسول الله - ﷺ - أن نتوضأ بالماء المشمَّس أو نغتسل به، وقال: "إنّه يُورِثُ الْبَرَص".
قال الدّارَقطني: عمرو بن محمّد منكر الحديث، ولا يصحّ عن الزهري.
وقال ابن حبان: كان يضع الحديث".
[ المقدمة / ٤٥ ]
فقد نقلنا لك كلّ ما قاله في تخريجه للحديث دون أن نضطر إلى حذف كلامه، لاختصاره، وبلوغه المقصد من غايته، مع أنه أضاف فوائدَ إسنادية وغير إسنادية لم ترد في عمل ابن الملقِّن مع طُوله، فانظر كيف أخذ طريق خالد بن إسماعيل أصلًا، وجعل الباقين متابعين له، وهذه طريقةٌ حسنى في عمل التّخريج، وأجدى من طريق ابن الملّقن رحمه للهُ.
مثال الآخر:
* حديث: أن أم أيمن شربت من بول رسول الله - ﷺ - فقال: "إذن. . .".
قال ابن الملقن: "هذا الحديث رواه الحاكم أبو عبد الله في المستدرك، والدراقطني في سننه، وقال في عِلَلِه: إنه مضطرب، والاضطراب جاء من جهة أبي مالك النخعي راويه، وأنه ضعيف"، ثم نَقَلَ عن ابن دحية عن عبد الرزاق رواه عن ابن جريج قال: أخبرت أن النبي - ﷺ - (فذكره)، ثم نَقَلَ عن ابن دحية بأن يحيى بن معين أسنده عن ابن حجاج عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أمها أميمة. قال: وفي الطبراني، عن ابن شهاب، قال: كانت أم أيمن. . . ." ثم نَقَلَ عن ابن دقيق العيد، أن الطبراني رواه من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن بيح العنزي، عن أم أيمن. . .". ثم قال: "وكذا رأيته أنا في أكبر معاجمه".
ثم طفق يتكلّم على رجال إسناد الطّبراني، وفي اتّصال الحديث بين نبيح وأم أيمن، فشرع في نَقْلِ ما قيل عن تاريخ وفاتها وعن عمرها حين توفِّيت، وأعاد ذِكْرَ الحديث ناقلًا عن ابن الصّلاح في كلامه على الوسيط، واعتراضه على الغزَّالي في تصحيحه بلفظه عنده. ثم تكلّم ابن الملقِّن عن جهالة حكيمة. ثم
[ المقدمة / ٤٦ ]
أعاد تخريج الحديث من حلية أبي نعيم بواسطة ابن دقيق العيد.
ثم نَقَلَ عن ابن الصلاح كلامه على وَجْهِ الاستدلال بالحديث، وعن أم أيمن، هل هي بركة أو غيرها، وخَتَمَ بحثه بالكلام على لفظ (لا يبجعن)، واستغرق كل ذلك ثماني صفحات.
وأما الحافظ ابن حجر -﵀- فقد أعاد ترتيب مادة تخريج الحديث، وحذف كثيرا مما نقله ابن الملقن مما لا صلة له بموضوع التَّخريج، وأضاف مصادر أخرى للحديث لم يذكرها ابن الملقِّن، فجاء تخريجه محكمًا ودقيقًا، وهو على النّحو التالي (١):
* حديث: "أن أمّ أيمن شربت بولَ النبي - ﷺ - فقال: "إذًا لَا تَلِجُ النَّارُ بَطْنَك". ولم يُنْكِرْ عليها.
الحسن بن سفيان في "مسنده"، والحاكم، والدّارَقطني، والطبراني، وأبو نعيم، من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أم أيمن قالت. . . (فذكره).
ورواه أبو أحمد العسكري، بلفظ: "لَنْ تَشْتَكِي بَطْنك". وأبو مالك ضعيف ونبيح لم يلحق أم أيمن.
وله طريق أخرى رواها عبد الرزاق، عن ابن جريج أُخْبرتُ: أنّ النبي - ﷺ. . . (فذكره).
وروى أبو داود عن محمّد بن عيسى بن الطباع. وتابعه يحيى بن معين،
_________________
(١) انظر: التمييز (رقم ٥٣).
[ المقدمة / ٤٧ ]
كلاهما عن حجاج، عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أمها أميمة بنت رقيقة، أنها قالت: كان لرسول الله - ﷺ - قَدح من عَيْدَان تحت سريره يبول فيه باللّيل. وهكذا رواه ابن حِبّان والحاكم. ورواه أبو ذرّ الهروي في "مستدركه" الذي خرّجه على "إلزامات الدّارَقطني للشيخين".
وصحّح ابن دحية: أنّهما قضيتان وقعتا لامرأتين. وهو واضحٌ من اختلاف السِّياق. وَوَضُح أن بركة أمّ يوسف غير بركة أم أيمن مولاته. والله أعلم.