١٤ - قوله: مشهور أنّ الهرّة ليست بنجسة.
قاله عقب قوله: الحيوانات كلها طاهرة ويستثنى الكلب. ولما ذكره (١) الشيخ في "المهذب" (٢) ساقه بلفظ:
[٣٣]- أنّ النبي - ﷺ - دعي إلى دارٍ فأجاب، ودعي إلى دارٍ أخرى فلم يجب، فقيل له في ذلك، فقا: "إنّ في دارِ فلانٍ كلبًا". فقيل: وفي دار فلان هرة، فقال: "الهرَّةُ لَيست بِنَجِسَة".
ولم أجده بهذا السِّياق، ولهذا بيَّض له النووي في "شرحه" (٣). ولكن:
[٣٤]- رواه أحمد (٤) والدّارقطني (٥) والحاكم (٦) والبيهقيُّ (٧) من حديث عيسى بن المسيّب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - كان يأتي دار قوم من الأنصار، ودونهم دارٌ لا يأتيها، [فَشقّ] (٨) ذلك عليهم، فقالوا:
_________________
(١) في الأصل: "ذكر" بإسقاط الضمير، وما أثبته فمن باقي النسخ.
(٢) المهذب، للشيرازي (١/ ٤٧).
(٣) المجموع للنووي (٢/ ٥٢٣).
(٤) المسند (رقم ٨٣٤٢)
(٥) السنن (١/ ٦٣).
(٦) المستدرك (١/ ١٨٣)
(٧) (١/ ٤٢٩)
(٨) في الأصل: (فيشق)، ومأ أثبته من باقي النسخ، وهو كذلك في مصادر تخريج الحديث ما عدا "سنن الدّراقطني".
[ ١ / ٤٩ ]
يا رسول الله -صلي الله عليه وسلم -، تأتي دار فلان ولا تأتي دارنا؟ فقال النبيُّ: "إنَّ في دَارِكُمْ كَلْبًا".
فقالوا: فإن في دراهم سِّنَوْرًا؟ فقال النبي - ﷺ -: "السِّنَّوْر سَبُعٌ".
وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (١): سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: لم يرفعه أبو نعيم، وهو أصحّ، وعيسى ليس بالقوي.
قال العقيلي (٢): لا يتابعه على هذا الحديث إلا من هو مثله أو دونه.
وقال ابن حبان (٣): خرج عن حدّ الاحتجاج به.
وقال ابن عدي (٤): هذا لا يرويه غير عيسى وهو صالح فيما يرويه.
ولما ذكره الحاكم (٥) قال: هذا الحديث صحيحٌ تفرّد به عيسى عن أبي زرعة، وهو صدوق لم يُجْرَح قط.
كذا قال! وقد ضعّفه أبو حاتم الزازي (٦) وأبو داود وغيرهما (٧). وقال ابن الجوزي (٨): لا يصح.
وقال ابن العربي (٩): ليس معناه: أن الكلب نجس، بل معناه: أن الهر
_________________
(١) العلل (١/ ٤٤).
(٢) الضعفاء (٣/ ٣٨٦).
(٣) كتاب المجروحين (٢/ ١١٩)، وعبارته: "كان ممن يقلب الأخبار ولا يعلم، ويخطىء في الآثار ولا يفهم، حتى خرج عن حد الاحتجاج به".
(٤) الكامل (٥/ ٢٥٢).
(٥) في المستدرك (١/ ١٨٣).
(٦) الجرح والتعديل (٦/ ٢٨٨).
(٧) انظر: تعجيل المنفعة (١/ ٣٢٨).
(٨) انظر: التحقيق (٢/ ١٩٠).
(٩) انظر عارضة الأحوذي (١/ ١٣٨)، وعبارته: "والمعنى فيه أن الهرّة سبع ذات ناب يُنتفع =
[ ١ / ٥٠ ]
سبع، فينتفع [به] (١) بخلاف الكلب فلا منفعة فيه.
كذا قال! وفيه نظر لا يخفى على المتأمّل (٢). قلت:
[٣٥]- وروى ابن خزيمة في صحيحه (٣) والحاكم (٤) من طريق منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة: أن رسول اللهﷺ - قال: "إنّها لَيْسَت بِنَجَسٍ هِي كَبَعض أَهْلِ الْبَيْتِ" يعني الهزة. لفظ ابن خزيمة والدّارَقطني (٥).
١٥ - [٣٦]- حديث "أُحِلَّتْ لنا مَيتَتَان وَدَمان: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ".
الشّافعي (٦) وأحمد (٧) وابن ماجه (٨) والدّارَقطنيّ (٩) والبيهقيُّ (١٠) من رواية
_________________
(١) = بحمايتها للأئاث وتَفترس ما يؤدي فيه وفي الطّعام، والكلب لا منفعة فيه في الحضر، فإذا احتيج إليه في البادية التحق بالهرّة في الحاجة إليه، وسقط اعتبارُ غَسله وغير ذلك من أمره".
(٢) في الأصل: (فيه) والمثبت من باقي النسخ.
(٣) قال الحافظ ابن حجر: "ووجهه: أنّ الكلب فيه منفعة كَحِراثة وغيرها، فلا وجه لنفي المنفعة". من "هامش الأصل".
(٤) صحيحه (رقم ١٠٢).
(٥) المستدرك (١/ ٢٦٤ طس. عطاء).
(٦) السنن (١/ ٦٩).
(٧) مسنده (ص ٣٤٠).
(٨) المسند (رقم ٥٧٢٣).
(٩) السنن (رقم ٣٢١٨، ٣٣١٤).
(١٠) السنن (٤/ ٢٧١).
(١١) السنن الكبرى (١/ ٢٥٤، ٩/ ٢٥٧، ١٠/ ٥٨).
[ ١ / ٥١ ]
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول اللهﷺ - قال: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَان؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالجْرَادُ وَالْحُوتُ، وأمّا الدَّمَان فالطَّحَالُ وَالْكَبِد".
ورواه الدّارَقطني (١) من رواية سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم موقوفًا.
قال: وهو أصحّ.
وكذا صحّح الموقوف: أبو زرعة (٢) وأبو حاتم.
وعبد الرحمن بن زيد ضعيف متروك.
وقال أحمد (٣): حديثُه هذا منكر.
وقال البيهقي (٤): رفع هذا الحديث أولاد زيد بن أسلم؛ عبد الله وعبد الرحمن وأسامة، وقد ضعفهم ابن معين وكان أحمد بن حنبل يوثق عبد الله.
قلت: رواه الدّارَقطني (٥) وابن عدي (٦) من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم.
قال ابن عدي (٧): الحديث يدور على هؤلاء الثلاثة.
_________________
(١) السنن (٤/ ٢٧٢).
(٢) انظر: علل ابن حاتم: (٢/ ١٧/ رقم ١٥٢٤) عن أبي زرعة وحده، وهو المنقول عند ابن الملقن في البدر (١/ ٤٥٠).
(٣) انظر: العلل ومعرفة الرجال، لابنه عبد الله: (٣/ ٢٧١/ رقم ٥٢٠٤).
(٤) السنن الكبرى (١/ ٢٥٤).
(٥) السنن (٤/ ٢٧٢).
(٦) الكامل (٤/ ١٨٦، ٢٧١).
(٧) الكامل (٤/ ١٨٦)، وعبارته: "وهذا يدور رفعه على الإخوة الثلاثة؛ عبد الله بن زيد، وعبد الرحمن بن زيد، وأسامة أخوهما، وأقا ابن وهب فإنه يرويه عن سليمان بن بلال موقوفًا".
[ ١ / ٥٢ ]
قلت: تابعهم شخص أضعف منهم وهو أبو هاشم كثير بن عبد الله الأبلي (١)، أخرجه (٢) ابن مردويه في "تفسير سورة الأنعام" من طريقه، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: " يَحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ اثْنَان، وَمِن الدَّمِ اثْنَان؛ فأمَّا الْمَيْتَةُ: فالسَّمكُ وَالْجَرَادُ، وأما الدَّمُ: فَالْكَبِدُ والطِّحَالُ".
ورواه المسور بن الصلت أيضًا عن زيد بن أسلم، لكنه خالف في إسناده قال: عن عطاء، عن أبي سعيد مرفوعًا. أخرجه الخطيب (٣) وذكره الدّارَقطني في "العلل". والمسور كذاب (٤).
نعم، الرِّواية الموقوفة التي صحّحها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع؛ لأنَّ قول الصحابي: أُحِّل لنا، وحُرِّم علينا كذا مثل قوله: أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا، [فيحصل] (٥) الاستدلال بهذه الرِّواية؛ لأنها في معنى المرفوع والله أعلم.