١ - لم ينصّ الحافظ ابن حجر -﵀- في ديباجة كتابه هذا على عنوانه، ولا ذكره في أيّ مصنّف من مصنّفاته بكاملِ اسمه، فَقد أشار إليه في "فتح الباري" بقوله: "وقد استوعبتُ طُرقَه ورجالَه في الخصائص من تخريج أحاديث الرّافعي" (١). وقال في موضع آخر (٢): "وله متابعاتٌ وشواهدُ ذكرتُها في تخريج أحاديثِ الرَّافِعي".
٢ - واشتهر الكتاب بين العلماء بعد الألف الهجريّة باسم: "التّلخيص الحبير"،وسَمّاها لعلّامة محمّد بن جعفر الكتّاني المتوفَّى سنة (١٣٤٥هـ) (٣): "التّلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير"، وأورده العلامة المحدّث محمّد بن عبد الرّحمن المباركفوري المتوفّى (١٣٥٣هـ) باسم "التلخيص الحبير" (٤).
٣ - ووردت التّسمية به في نسخةٍ كُتبت في حياة المؤلف سنة ٨٢٦هـ، وهي نسخة الجامع الكبير بصنعاء اليمن، بما نصّه: "التّلخيص الحبير في تخريج أخبار الرّافعي الكبير".
كما ورد مثل هذا العنوان في بعض نسخ الكتاب الخطيّة المتأخّرة، الّتي نُسخت بعد الألف الهجريّة.
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٤).
(٢) المصدر السابق (١٢/ ٢٠).
(٣) انظر: الرسالة المستطرفة (ص ١٤١).
(٤) انظر: تحفة الأحوذي (١/ ١٠٢، ١٥٣، ٢/ ٩٩، ١٣٩، ١٩٨، ٣/ ١٣، وغيرها).
[ المقدمة / ٢٧ ]
ونقل من الكتاب العلّامة محمّد بن عليّ الشوكاني المتوفَّى (١٢٥٥هـ) كثيرًا في كتابه (نيل الأوطار) مقتصرًا في تسميته على لفظة "التّلخيص" (١).
وسَمّاه بعضهم (تلخيص الحبير) مجرّدًا لفظةَ (التلخيص) عن التّعريف، منهم: العلّامة محمّد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢ هـ) (٢)، والعلّامة صدّيق حسن خان القِنَّوْجِي المتوفّى سنة (١٣٠٧ هـ) إذْ سماه "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرّافعي الكبير" (٣)، وعلى هذه التّسمية جرى ذكرُه عند العلّامة المحدَّث شرفِ الحقِّ الشَّهير بمحمَّد أشرف ابن عليّ العظيم آبادي المتوفّى (١٣٢٦هـ) (٤).
وبهذا العنوان صدرت بعض طبعات الكتاب (٥)، وأدرك بعض الباحثين خطأ هذه التّسمية؛ إذ لا تستقيم من حيث المعنى، فنبهوا إلى أنّ الصّواب فيه (التّلخيص) معرَّفًا بـ (أل)، ليكون وصفُ (الحبير) نعتًا له.
٤ - وثبتت تسمية الكتاب في بعض النّسخ القديمة بعنوان: (تخريج أحاديث الرّافعي)، وقد جاء ذلك في نسخة كتبت في حياة المؤلف، وهي نسخة بمركز الملك فيصل، رمزنا عليها في تحقيقنا بـ (ج) (٦)، وقد مرّ ذِكْرُ تسمية الحافظ له
_________________
(١) انظر: نيل الأوطار (١/ ١٨، ١٩، ٣٥، ٤٨) وغير ما موضع.
(٢) انظر: سبل السلام (٢/ ٩٦).
(٣) أبجد العلوم (٣/ ٩٥).
(٤) انظر: عون المعبود (١/ ٩١، ٢، ١٥٣، ٢/ ٢١٢، ١٤/ ١٢٤). طُبع كتابه هذا منسوبًا إلى شمس الحقِّ العظيم آبادي، وإنما هُو للمذكرر أعلاه، كما هُو مُبيَّنٌ في مقدّمة الكتاب.
(٥) مثل طبعة السيد عبد الله هاشم اليماني، بالقاهرة سنة ١٣٨٤ هـ ١٩٦٤/ هـ في أربعة أجزاء.
(٦) سيأتي الحديث عنها.
[ المقدمة / ٢٨ ]
بهذا العنوان في كتابه "فتح الباري"، وأشار إليها الحافظ السّخاوي بمثل هذا في مواضع من كتابه "الجواهر والدرر" (١) وهو عندي من باب اختصار أسماء الكتب، والاكتفاء بنعته ببعض ما يدلّ عليه ويرمز إليه، كما هو الدّارج عند العلماء قديمًا وحديثًا.
٥ - وجاءت تسميته بـ"التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز"، وهو العنوان الّذىِ تتابع مترجموه في الجملَة على ذكره في قائمة مصنّفات كتبه، من هؤلاء:
أ- الحافظ شمس الدّين السّخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في كتابه "الجواهر والدرر" (٢) قال. وهو يعدِّد كتب شيخه الحافظ.: "التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز، في مجلّدين ملَّخصا لَه مِن كتاب شيخه ابن الملِّقن، كَمُل وبُيّض" (٣).
ب- وبرهان الدّين إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥ هـ) في كتابه "عنوان الزَّمان" (٤)، وسمَّاه: "التَّمييز في تخريج أحاديث شرح الوجِيز"، وقال: "في مجلَّدَيْن بُيِّضَ".
ج- وجلال الدّين أبو بكر السّيوطي (ت٩١١ هـ) في "نظم العقيان" (٥)،
_________________
(١) انظر: الجواهر والدرر (٣/ ١١٥١)، وذكره مختصرًا باسم (تخريج الرافعي) في (١/ ٣٠٤) و(٣/ ١١٣٥، ١١٦٥).
(٢) الجواهر والدرر (٢/ ٦٦٦).
(٣) الجواهر والدرر، للسخاوي (٢/ ٦٦٦).
(٤) انظر: (١/ ١٤٣).
(٥) (ص ٤٧).
[ المقدمة / ٢٩ ]
وتسميُته عِنده كَما هي عند برهان الدّين البقاعِي تمامًا.
د- وابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩) في "شذرات الذهب" (١)، وعبارته: "التمييز في تخريج أحاديث الوجيز"، فسقطت كلمة (شرح) عنده، ولا بدّ منها.
هـ- وعبد الحي بن عبد الكبير الكِتّاني (ت) في "فهرس الفهارس" (٢).
وغيرهم.
وكون تسميته بـ"التلخيص الحبير"، لم ترد إلّا عند بعض علماء ما بعد الألف باستثناء ما في النّسخة المشار إليها المكتوبة في حياة المؤلف سمنة ٨٢٦ هـ والتي لم يُذكر اسمُ ناسخها، وخطّ عنوانها مطابقٌ لخطِّ الكتاب، جعلني أميل إلى القول بأنّ الكتاب مشهورٌ في حياة مؤلِّفه بغير هذه التّسمية، والملاحظ أنَّ نسخة "ج" الّتي كتبت هي الأخرى في حياة المؤلف، ونسخة القرويين التي اعتمدتُها أصلًا وكتبها أحمد بن عبد الله المقري، سمنة (٨٥٥ هـ) أي بعد وفاة المؤلِّف بثلاث سنين تقريبًا، كلتاهما لم يرد عليهما اسم الكتاب بِتمامه، إنما جاءت الإشارَةُ إلى جُزءٍ منه، وهو"تخريج أحاديث الرّافعي" في الأولى، أو "تخريج أحاديث الشرح الكبير" في الثانية. وهو من باب تسمية الكتاب بموضوعه. وهذا يوحي بأنَّ غالب من نَسخ الكتاب لم يُثبت عليه عنوانَه، أو أنّ النّسخة الأولى للمؤلِّف خِلْوةٌ مِنه، الأمر الذي فَتَحَ مجالًا لبعض النّساخ أن يجتهد في وضع عنوانٍ مناسبٍ للكتاب، وهو ما طالعتنا به النّسخة المذكررة وقلّدها بعد ذلك
_________________
(١) شذرات الذهب (٤/ ٢٧٤).
(٢) فهرس الفهارس (١/ ٣٣٣).
[ المقدمة / ٣٠ ]
بعضُ النّسخ مع تبديل كلمة (أحاديث) بكلمة (أخبار)، وعبارة (الشرح الكبير) بعبارة (الرّافعي الكبير)؛ لِيظهرَ أخيرًا بِعنوان (التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الشّرح الكبير).
وتسمية الكتاب بـ (التّمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوَجيز) هي المختارة عندي والمرجَّحة لديّ لما يلي:
أولًا: اتّفاق مترجميه في الجملة على ذِكْرِ الكتاب بهذا الاسم دون غيره.
ومنهم أثبتُ النّاس في معرفته والتخصّص به وبمصنّفاته، وهو الحافظ شمس الدّين السّخاوي ﵀، ويليه في ذلك قرينُه برهانُ الدِّين البقاعي ﵀.
ثانيًا: وجود هذا العنوان بخطَّ الحافظ ابن حَجر نفسِه على طُرّة نسخةِ مكتبة (تشستربتي) بأيرلندا، وهي الّتي رمزنا لها بـ (ب)، فقد كتب الحافظُ على طرَّتها ما نصّه: "كتاب التّمييز في تخريج شرح الوجيز، تلخيص الفقير أحمد بن علي بن حجر عما الله تعالى عنه بمنه وكرمه. . .".
وأعيد تقييدُ العنوان بخطِّ مغاير للأوَّل جاء فيه: "كتاب التمييز في تخريج أحاديث شرح الوجيز، للشّيخ شهاب الدِّين ابن حجر العسقلاني [المعروض] (١) على مصنّفه".
وَثبتتْ فيه كَلِمَةُ (أحاديث) السّاقطة من تقييد الحافظ. ﵀. .
وهذه النّسخة قابَلها الحافظ نجم الدِّين عمر بن فهد (ت ٨٨٥ هـ) مع والده بقراءته من أصلٍ صحيحٍ، ووالدُه ممسِكٌ بهذه النّسخة، كما سوف يأتي بيانه.
إن شاء الله. .
_________________
(١) كهذا قرأْتُ الكلمة، فحرفُها الأخير غير واضح تمامًا.
[ المقدمة / ٣١ ]
وَقد جَرت عادَة بعض العلماء في كتابةِ عناوين مصنَّفاتهم على نسخِ بعض تلاميذهم بخطوطهم، كما تجد أنموذجًا لذلك على نسخَةِ رسالة "اللّفظ المكرّم بفضل عاشوراء المحرّم" للحافظ ابن ناصر الدّمشقي (ت ٨٤٢هـ)، وناسخُها تلميذه الحافظ نجم الدّين ابن فَهد المكَّي (ت ٨٨٥ هـ)، وكتب عُنوانها المصنّف بخطِّه (١)، وكذلك فعل مَعه في رسالة "مجلس في حديث جابر الذي رحل فيه مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنس ﵄" (٢)، وكذلك الشّأن نفسُه في رسالة "مجلس في فضل يوم عرفة" (٣)، ورسالة "تنوير الفكر بحديث بهز بن حكيم في حسن العشرة " (٤) ورسالة "الانتصار لسماع الحجّار" (٥) حيث خطّ مؤلفها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢هـ) عناوينها بيده.
ثالثًا: كون قائمة أسماء الكتب الّتي ذكرها السّخاوي ﵀، إنما أخذ معظمَها من كرّاسة جمعها الحافظ ابن حجر بنفسه وذكر فيها أسماء تواليفه، فقد قال السخاوي ﵀ في أوّل ذكر مصنّفات الحافظ. "وقد جَمَعَ هو أسماء معظمها في كُرّاسة افتتحها عَلى سبيل التّواضع والهضم لنفسه بِقوله. . ." فذكر شيئًا من مقدَّمة تلك الكرَّاسة.
وكتابُنَا هذا قديمُ التّأليف لا يُتصور إلّا أن يكون مذكورًا فيها ومنها أخذ تسميتَه
_________________
(١) انظر وصف النسخة في مجموع رسائل للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٣، ٤٥).
(٢) انظر: المصدر السابق (ص ١٩٣، ١٩٥).
(٣) انظر: المصدر السابق (ص ١١٩ - ١٢٠، ١٢٣).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص ٢٣٥).
(٥) انظر وصف النسخة في المصدر السابق (ص ٣٩٩).
[ المقدمة / ٣٢ ]
شمسُ الدّين السَّخاوي، ولذلك أخذنا منه إضافةَ كلمةِ (تلخيص) في التَّسمية إلى ما كَتبه الحافظ بخطِّ يدِه؛ إذ إنّه عَلاوةٌ على ما تقدَّم من غلبة الظنِّ القريب من القَطْع على أنّ العنوان بِضمِيمَةِ هذه الْكَلمة مِن مدوّنة الحافظ بأسماء كُتبه، فهو إِلى ذلك يَكشف عن أصلِ الكتاب بأنَه ملَخَّص من عَمل شيخه ابن الملقِّن، وليس أصلًا مستَقِلَّ الذَّات.
رابعًا: لم أجد أحدًا مِن متقدِّمي مترجمي الحافظ ابن حجر ذَكَرَ في تصانيفه كتابًا بعنوان (التلخيص الحبير) ونسبه إليه، مع أنَّ السّخاوي أوعبُ مَن سَرَدَ مصنَّفاته، إذ سرد ثلاثةً وسبعين ومئتين كتابًا وجزءًا، وليس فيها ذِكْرٌ للتّلخيص، فلا يُقال مع ذلك إنّ "التّمييز" كتابٌ آخر غير "التّلخيص"، كما استروح إلى احتمال ذلك د. جمال السيّد (١).
* * * *
_________________
(١) انظر: تحقيقه لجزء من البدر المنير، لابن الملقن (١/ ١٦٧) رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية.
[ المقدمة / ٣٣ ]