هو: الإِمام الحافظ، شيخ الإِسلام، أمير المؤمنين في الحديث، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود الكناني العسقلاني المصري، ثم القاهري الشّافعي الشّهير بابن حجر (١).
ولد في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (٢).
نشأ يتيمَ الأبوين في غاية من العفة والصيانة، راهق ولم يكن له صبوة، ودخل في الكُتَّاب ولم يتجاوز عامه الخامس، وبدت عليه علامات الذكاء والنَّجابة، وقوة الحفظ، فحفظ في مبدأ الطلب جملة وافرةً من المتون في شتّى الفنون، "وكان ﵀ رُزق في صغره سرعةَ الحفظ بحيث يحفظ كلّ يوم نصفَ حزبٍ، وبلغ من أمره في ذلك أنّه حَفِظَ سورةَ مريم في يومٍ واحدِ، وأنّه كان في أكثر الأيّام يصحَّح الصّفحة من "الحاوي الصغير" ثمّ يقرأها تأمّلًا مرّة أخرى،
_________________
(١) (*) يراجع للتوسّع في ترجمته: "رفع الإصر عن قضاة مصر" لابن حجر (١/ ٨٥)، و"إنباء الغمر بأنباء العمر" له أيضًا (١/ ٣/١١٦)، و"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" من تأليفه أيضًا (٣/ ٦٤، ١٩١)، و"الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإِسلام ابن حجر" للسخاوي و"الضوء اللامع" له أيضًا (٢/ ٣٦)، و"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" للسيوطي (١/ ٣٦٣)، و"ابن حجر العسقلاني مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الأصابة) للدكتور شاكر محمود عبد المنعم، و"الحافظ ابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث" للأستاذ عبد الستار الشيخ.
(٢) انظر: "الجواهر والدرر" (١/ ١٠١)، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص ٥٥٢)، و"شذرات الذهب" (٧/ ٢٧٠).
(٣) "الجواهر والدرر" (١/ ١٠٤)، و"الدليل الشافي"، لابن تغري بردي (١/ ٦٤).
[ المقدمة / ١٥ ]
ثمّ يعرضها في الثَّالثة حفظًا، ولم يكن -رحمه الله تعالى- حفظُه الدَّرسَ على طريقة الأطفال، بل كان حفظه تأمّلا. . ." (١). .
وقد حبَّب الله تعالى إليه فَنَّ الحديث النبوي روايةً ودرايةً، وكان أوّل شيخ له في ذلك القاضي الحافظ جمال الدّين أبي حامد محمّد بن عبد الله بن ظهيرة المكِّي، باحثَ معه في كتاب "عمدة الأحكام" بمكّة عندما جاور بها سنة ٧٨٥هـ هو ابن ثنتي عشرة سنة (٢)، فأقبل على الحديث بكلَّيته إقبالَ النَّهِم وصمّم العزم على التّحصيل، ووفِّق للهداية إلى سواء السبيل، واجتمع بكبار الحفّاظ في ذلك الوقت، حتى تخرَّج في هذا الفنّ سندًا، ومتنًا، وعللًا، واصطلاحًا، وفقهًا، حتّى استحق لقب إمرة المؤمنين في الحديث، بل قالوا: به خُتِموا، فلم يأت أحدٌ بعده بلغ فيه مبلغه. ورحل في هذا السبيل رحلاتٍ كثيرةً إلى أقطار متعدِّدة، فرحل إلى الحرمين (٣)، واليمن (٤)، والشام (٥) وغيرها (٦).
*شيوخه:
وللحافظ ابن حَجر شيوخٌ كثيرون جدًّا، جَمعهم في كتابٍ له جليل سَمّاه:
"المجمَع المؤسَّس للمعجَم المفهرَس" رتّبهم على حروف المعجم،
_________________
(١) الجواهر والدرر (١/ ١٢٣).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٢٤).
(٣) انظر: الجواهر والدرر (١/ ١٥٠، ١٥٣).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٥١،١٤٧).
(٥) انظر: المصدر السابق (١/ ١٥٦).
(٦) انظر: المصدر السابق (١/ ١٩٢).
[ المقدمة / ١٦ ]
وجملتهم نحو (٤٥٠) شيخًا بالسّماع والإجازة الخاصّة دون العامَّة. وقد عَدّهم الحافظ السّخاوي فبلغ خالصُ عِدَّتهم (٦٣٠) شيخًا دون المكرر (١).
فمن أشهرهم:
١ - إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي (ت ٨٠٠هـ):
لازمه الحافظ ابن حجر ثلاث سنين، ووصَلَ فيها عليه كثيرًا من مسموعاته الّتي تفرّد بها، وأذن له التّنوخي بالإقراء سنة (٧٩٦هـ). ومِمّا قرأ عليه الحافظُ أو سمعه منه: "صحيح البخاري" و"سنن الترمذي" و"سنن النّسائي" و"موطّأ الإِمام مالك "رواية يحيى اللّيثي، و"سنن الدّارمي" و"صحيح ابن حبّان"، و" مساوئ الأخلاق" للخرائطي، وغير ذلك (٢).
٢ - الإِمام الحافظ أبو الفضل العراقي زين الدّين عبد الرّحيم بن الحسين (ت ٨٠٦ ص).
وقد لازمه عشرةَ أعوام، وانتفع به، وتخرّج على يديه، وهو أوّل من أذن له بالتّدريس في علوم الحديث (٣)، ولقبه بالحافظ (٤).
٣ - الحافظ علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ).
قرأ عليه قرينًا للعراقي ومنفردًا، وقد قال في هذا: "قرأت عليه الكثير قرينًا
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٠٠ - ٢٤٠).
(٢) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٥، ٢٤٩، ٢٥٣، ٢٥٧، ٢٥٨).
(٣) انظر: الجواهر والدرر (١/ ١٢٦ - ١٢٧).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ١٣٧).
[ المقدمة / ١٧ ]
للشّيخ، ومما قرأت عليه بانفراد: نحو النّصف من "مجمع الزّوائد" له، ونحو الربع من "زوائد مسند أحمد" و"مسند جابر" من "مسند أحمد" وغير ذلك، وسمعت من لفظه المسلسل (١).
٤ - الإِمام عمر بن رسلان البُلْقِيني (ت ٨٠٥ص):
لازمه الحافظ ابن حجر مدّة، وقرأ عليه عدّة أجزاء حديثيّة، وسمع عليه أشياء وحضر دروسه الفقهيّة، وقرأ عليه الكتب من "الرّوضة"، ومن كلامه في حواشيها، و"دلائل النّبوة" للبيهقي، وقرأ عليه المسلسل بالأوليّة، كما قرأ عليه جزءًا من "الحلية" والجزء الثّاني والعشرين من "آمالي الضّبّي" وسمع عليه الكثير من "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، والكثيرَ من "سنن أبي داود" و"مختصر المزني" (٢).
٥ - الإِمام ابن الملقن عمر بن علي بن أحمد (٧٢٣ - ٨٠٤ص).
قرأ عليه الحافظ ابن حجر قطعةً كبيرةً من شرحه على "المنهاج " (٣).
٦ - الإِمام محمّد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمّد ابن جماعة (٧٤٩ - ٨١٩ ص).
لازمه الحافظ ابن حجر في غالب العلوم الّتي كان يُقرئها من سنة (٧٩٠ هـ) إلى أن مات سنة (٨١٩ هـ) في "شرح منهاج البيضاوي" وفي "جمع الجوامع" و"شرحه"
_________________
(١) الحافظ ابن حجر العسمقلانى، لعبد الستار الشيخ (ص ١٣٨).
(٢) انظر: الجواهر والدرر (١/ ١٢٨).
(٣) انظر: المصدر السابق (١/ ١٢٩).
[ المقدمة / ١٨ ]
للشّيخ، وفي "المختصر الأصلي" لابن الحاجب، والنّصف الأوّل من "شرحه" للقاضي عضد الدّين، وفي "المطوّل" للشّيخ سعد الدّين، وغير ذلك (١).
وقد اجتمع للحافظ ابن حجر "من الشيوخ الّذين يُشار إليهم وُيعوَّل في حلِّ المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحدٍ من أهل عصره؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان متبحِّرًا ورأسًا في فنَّه الذي اشتهر به، لا يُلحَق فيه، فالبُلْقيني في سَعة الحفظ وكثرة الاطّلاع، وابن الملقَّن في كثرة التّصانيف، والعرَاقي في معرفة علم الحديث ومتعلّقاته، والهيثمي في حفظ المتون واستحضارها، والمجد الشِّيرازي في حفظ اللُّغة واطِّلاعه عليها، والغُماري في معرفة العربيّة ومتعلّقاتها وكذا المحبّ ابن هشام، كان حسنَ التَّصرُّف فيها لِوُفور ذَكائه، وكان الغُماري فائقًا في حفظها والأبناسي في حُسْن تعليمه وجَوْدة تفهيمه، والعزّ ابن جماعة في تفنّنه في علوم كثيرة،. . . والتّنوخي في معرفته القراءات وعلوّ سنده فيها" (٢).
*تلاميذه:
أخذ الناس عن الحافظ ابن حجر طبقةً بعد طبقة، وألحق الأبناءَ بالآباء،
والأحفادَ بالأجداد، وأكبّ النّاس على التردّد إليه والاستفادة من علمه، حتى
أصبحوا لا يُحصون كثرةً وانتشروا في أرجاء الأقطار (٣).
وقد سرد الحافظُ السَّخاوي (٤) جماعةً ممن أخذوا عنه درايةً وروايةً مرْتبًا
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٢) المصدر السابق (١/ ١٤٠).
(٣) ابن حجر العسقلاني، للدكتور شاكر محمود عبد المنعم (١/ ١٠٥).
(٤) الجواهر والدرر (٣/ ١٠٦٤ - ١١٧٩).
[ المقدمة / ١٩ ]
إيَّاهم على حروف المعجم، أوصل بهم إلى (٦٢٦) تلميذًا، وأشار إلى أنّ هذا العدد قد أوردهم من غير التزامٍ لاستيفاء ما علمه من ذلك، فضلًا عن الجميع الّذي لا يمكن الإحاطةُ به (١).
ومن أشهر تلاميذه:
١ - الحافظ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشّافعي (ت ٨٤٠هـ):
لازمه في حياة شيخهما العراقي، وكتب عنه "اللِّسان"، و"النّكت على الكاشف" و"زوائد البزّار على الستّة وأحمد"، والكثيرَ من تصانفيه وغيرها، وسمع عليه الكثيرَ وقرأ عليه أشياءَ، واستمرّ يستفيد منه حتى مات (٢).
٢ - الإِمام محمّد بن عبد الرّحمن السَّخَاوي (ت ٩٠٢هـ):
لازمه بأَخَرة أشدّ ملازمة، حتّى حمل عنه ما لم يُشاركه غيرُه من الموجودين، وأقبل عليه شيخُه ابن حَجر بكليّته، حتى صار يُرسل إليه قاصدَه يعلِّمه بوقت ظهوره من بيته ليقرأ عليه، وحمل عنه أكثرَ تصانيفه حتى قيل: إنّه أمثل جماعته في فنّ الحديث (٣).
٣ - الإِمام محمَّد بن عبد الواحد ابن الهُمَام الحنفي (ت ٨٦١هـ):
وصفه الحافظ ابن حجر بالعالم العلاّمة ابن الإِمام العلّامة همام الدِّين السيواسي الأصل، نزيل القاهرة.
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ١١٧٩).
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٠٧٣).
(٣) انظر: الجواهر والدرر (٣/ ١١٤٦).
[ المقدمة / ٢٠ ]
وأذن له برواية جَميع ما تجوز روايته عنه من معقولٍ ومنقول (١).
٥ - عمر بن محمّد بن محمّد المعروف بنجم الدّين ابن فهد المكّي ت ٨٨٥ هـ.
كان الحافظ ابن حجر كثيرَ المحبّة له، جريًا على عادته في الميل للمُكثرين من الحديث النّبويّ (٢).
٦ - الحافظ قاسم بن قُطْلُوبُغا أبو العدل الحنفي (ت ٨٧٩ ص).
حلّاه شيخه الحافظُ ابن حجر بالشيخ الفاضل المحدِّث الكامل الأوحد (٣).
٧ - برهان الدِّين إبراهيم بن عمر البقاعي (ت ٨٨٥ هـ).
قرأ على الحافظ ابن حجر تصانيفَه وغيرها كثيرًا، ولازمه وسَافر معه، ولم ينفكّ عن التّتلمذ له حتى مات الحافظُ ﵀ (٤).
*مصنّفاته:
وللحافظ ابن حجر ﵀ من المؤلَّفات في فنون عِلْمٍ مختلفة ما سارت به الركبان، وتبارى في تحصيله الأقران، واشتهرت بجودة التّحرير، وعُرفت بقوة السَّبك، مع كثرة الفوائد، ووفرة العوائد الشّوارد.
وقد سَرَدَ الحافظ السّخاوي جملةً كبيرة من مصنفاته بلغ بها (٢٧٣) مصنّفًا (٥)
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (٣/ ١١٤٩).
(٢) انظر: المصدر السابق (٣/ ١١٢١ - ١١٢٢).
(٣) المصدر السابق (٣/ ١١٢٥).
(٤) انظر: المصدر السابق (٣/ ١٠٦٧).
(٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٦٠ - ٦٩٥).
[ المقدمة / ٢١ ]
وجمع الدّكتور شاكر محمود عبد المنعم أسماءَ كُتبه مع تمييز مطبوعها من مخطوطها، وبيان أماكن وجود المخطوطة منها في كتابه الماتع "ابن حجر العسقلاني مصنّفاته ودراسةٌ في منهجه وموارده في كتابه الإصابة" (١).
وبلَغ عددها عنده (٢٨٢) كتابًا، وأوصلها الأستاذ عبد الستّار الشّيخ إلى (٢٨٩) كتابًا (٢).
ومن أشهر كتبه:
- فتح الباري في شرح صحيح البخاري.
- تهذيب التهذيب، وتقريبه.
- بلوغ المرام من أدلة الأحكام.
- إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة.
- تغليق التّعليق.
- التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز - وهو كتابنا هذا.
- الإصابة في تمييز الصحابة.
- لسان الميزان.
- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، وشرحها نزهة النظر.
* وفاته:
توفي - ﵀ - بعد حياةٍ حافلة بالعلم ومدارسته، وتأليفه ومذاكرته، مع
_________________
(١) (١/ ١٦٧ - ٣٩٨).
(٢) انظر: الحافظ ابن حجر العسقلاني (ص ٣٦٧ - ٤٨٩).
[ المقدمة / ٢٢ ]
اجتهاد في العمل، ومداومة على الخيرات، ومسارعةٍ في الصالحات - ليلةَ السبت الثّامن عشر من ذي الحجّة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، إِثْر مرضٍ دام أكثر من شهر، وكان لجنازته مشهد لم يُر في كثرة من حضره لمثله (١)، تغمّده الله بواسع رحمته، وأجزل مثوبته، وأدخله فسيح جنته، وبحبوحة رحمته، وجزاه عن أمّة الإِسلام خيرَ الجزاء وأوفاه.
* * * *
_________________
(١) انظر لوفاته: الجواهر والدرر (٣/ ١١٨٥ - ١١٩٧)، وطبقات الحفاظ (ص ٥٥٣)، والدليل الشافي (١/ ٦٤)، وحسن المحاضرة (١/ ٣٦٤)، والبدر الطالع (١/ ٩٢)، وابن حجر العسقلاني، لشاكر عبد المنعم (١/ ١١٨١ - ١٢٣)، والحافظ ابن حجر العسقلاني لعبد الستار الشيخ (ص ٦١٥ - ٦١٨)
[ المقدمة / ٢٣ ]