وقع في رواية سلمى امرأة أبي رافع: أنها شربت بعض ماء غسل رسول الله - ﷺ - فقال لها: "حَرَّم الله بَدنَكِ عَلَى النَّار".
أخرجه الطبراني في "الأوسط" من حديثها وفي السّند ضعف.
مثال آخر:
قال الرافعي: "ولم يأمر بنقل التراب".
قال ابن الملقن (١): "قد روي الأمر بذلك من طُرقٍ لكنها متكلم فيها"، فذكر حديث عبد الله بن معقل بن مقرن. وهو تابعي.، وخرجه عن أبي داود والدارقطني، ونقل عن الإمام أحمد أنه حديث منكر، وعن أبي داود أنه لا يصحُّ.
ثم قال: "الطريق الثاني عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال. .": (فذكره) وتكلم على إسناده ونَقَلَ عن الدارقطني أنه قال: ليس لهذا الحديث أصل، وعن أبي زرعة: منكر.
_________________
(١) البدر المنير (١/ ٥٢٦).
[ المقدمة / ٤٨ ]
ثم قال: "الطريق الثَّالث: عن أنس - ﵁ -، أن أعرابيا بال في المسجد. . . .". فذكره، ثم نَقَلَ عن الدارقطني كلامه فيه، وأن الصَّواب فيه أنه مرسل.
ثم قال: "الطريق الرابع: عن واثلة بن الأسقع، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - فدخل أعرابي. . . ." (فذكره)، وخرج من ابن ماجه والطبراني، وقال: "في إسناده عبد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو ضعيف، ونقَلَ كلام الأئمة فيه. وأما الحافظ ابن حجر -﵀- فبدأ برواية أنس المرفوعة، ثم أعقبها غيرها، فكانت صورة عمله كما يلي (١):
"قوله: ولم يؤمر بنقل التراب.
يعني: في الحديث المذكور وهو كذلك، لكن قد وَرَدَ أنّه أمر بنقله من حديث أنس، بإسناد رجاله ثقات:
قال الدّارَقطني: حدثنا ابن صاعد، حدثنا عبد الجبار بن العلا، حدثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس: أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال النبي - ﷺ -. . . . (فذكره).
وأعله الدّارَقطني بأن عبد الجبار تَفَرَّد به دون أصحاب ابن عيينة الحفاظ، وأنه دَخَلَ عليه حديث في حديث، وأنه عند ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن طاوس مرسلا، وفيه: "احفرُوا مَكانَه".
وعن يحيى بن سعيد، عن أنس موصولا. وليست فيه الزيادة، وهذا تحقيق بالغ، إلا أن هذه الطريق المرسلة مع صحَّة إسنادها، إذا ضُمَّت إلى أحاديث
_________________
(١) انظر: التمييز (رقم ٧١ - ٧٤).
[ المقدمة / ٤٩ ]
الباب أخذت قوة، وقد أخرجها الطَّحاوي مفردة من طريق ابن عيينة عن عمرو، عن طاوس. وكذا رواه سعيد بن منصور عن ابن عيينة.
فمن شواهد هذا المرسل؛ مرسل آخر:
رواه أبو داود والدّارَقطنيّ من حديث عبد الله بن معقل بن مقرن المزني -وهو تابعي- قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فبال فيها، فقال النبي - ﷺ -. . . (فذكره).
قال أبو داود: روي مرفوعًا -يعني موصولًا- ولا يصحُّ.
قلت: وله إسنادان موصولان:
أحدهما: عن ابن مسعود رواه الدارمي والدّارَقطنيّ ولفظه: فأمر بمكانه فاحتفر، وصبَّ عليه دلو من ماء.
وفيه سمعان بن مالك، وليس بالقوي، قاله أبو زرعة. وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبي زرعة: هو حديث منكر.
وكذا قال أحمد. وقال أبو حاتم: لا أصل له.
ثانيهما: عن واثلة بن الأسقع رواه أحمد والطبراني. وفيه عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو منكر الحديث؛ قاله البخاري وأبو حاتم.
وهذا الترتيب أحسن من ترتيب ابن الملقن؛ فقد بدأ بالأقوى ثمّ جعل المرسل الآخر شاهدًا عليه، ثمّ خَتم بالرِّوايتين الموصولتين الشّديدَتي الضّعف (١).
الجانب الثّاني: دقّةٌ في التَّعبير وقُوَّةٌ في الحكم:
_________________
(١) وانظر نماذج أخرى للصناعة الحديثية بين الحافظ ابن حجر وشيخه ابن الملقن في تحقيق جزء لكتاب البدر المنير، (٧٢ - ٧٦) للدكتور أركي نور محمّد.
[ المقدمة / ٥٠ ]
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
* حديث عائشة: كنْتُ أَفْركُ المنيَ من ثوب رسول الله -ﷺ- فركًا، فيصلي فيه.
عزاه ابن الملِّقن (١) إلى البخاري ومسلم.
وأما الحافظ ابن حجر -﵀-. (٢) فقال: "متفق عليه من حديثها، واللّفظ لمسلم، ولم يخرج البخاري مقصود الباب".
فزاد العبارةَ الأخيرة لبيان أنَّ الشَّيخين إنما اشتركا فَقط في أصل الحديث، وليس عند البخاري مسألة الفَرْكِ المذكور، وهو مقصودُ كلام الرّافعي، وهَذه دقَّةٌ فاتت ابنَ الملقِّن -﵀-.
* حديث أبي الدرداء: "إِذَا بَلَغ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَعَلَيهِم الْجُمُعَة".
قال ابن الملقِّن (٣): "هذا الحديث غريب لم أرَ من خرجه بعد البحث عنه، ولغرابته عزاه الرافعي في الكتاب إلى صاحب التتمة؟ ".
لكن الحافظ ابن حجر (٤) عَبَّرَ عن هذا بقول: "أورده صاحب التتمة ولا أصل له".
ولا ريب أنّ هذَا التّعبير أقوى في الحكم على الحديث، وأدقّ اصطلاحًا من تعبير ابن الملقن -﵀-.
_________________
(١) البدر المنير (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠).
(٢) انظر: التمييز (رقم ٥٦).
(٣) البدر المنير (٤/ ٥٩٥ - ٥٩٦).
(٤) انظر: التمييز (رقم ١٩١٤).
[ المقدمة / ٥١ ]
* حديث أبي أمامة: "لا جُمُعَة إلَاّ بِأرْبَعِينَ".
قال ابن الملقِّن (١): "هذا الحديث لا يحضرني من خرَّجه من هذا الوجه هكذا .. والذي يحضرنا من طريق أبي أمامة ما لا يوافق مذهبنا؛ فإن الدارقطني والبيهقي في "خلافياته" أيضًا رواه عنه مرفوعًا. . ." (فذكره).
لكن الحافظ ابن حجر قال (٢): "لا أصل له، بل روى البيهقي (٣) والطبراني (٤) من حديثه: "عَلَى خَمْسِينَ جُمُعَة، لَيْس فِيمَا دُونَ ذَلِكَ". . .".
فكان أقوى حكمًا وأدقّ تعبيرًا من تعبير شيخه ابن الملقن. رحمهما الله. .
* حديث: "سَوُّوا بَين أَوْلَادِكُم في الْعَطِيَّة، فلو كُنتُ مُفَضلًا أحدًا لفضَّلْتُ البناتِ".
قال ابن الملقن (٥): "وزاد القاضي حسين في روايته لهذا الحديث زيادة غريبة لم أرَ من خرجها، وهي: سووا بين أولادكم في العطية، حتى القُبَل".
أمّا الحافظ ابن حجر فقال (٦): "فائدة: زاد القاضي حسين في هذا الحديث بعد قوله: (العطية): ". . . حَتَّى في الْقُبَل". وهي زيادة منكرة".
_________________
(١) البدر المنير (٤/ ٥٩٦).
(٢) التمييز (رقم ١٩١٥).
(٣) الخلافيات للبيهقي (مختصره: ٢/ ٣٣٦).
(٤) المعجم الكبير (رقم ٧٩٥٢).
(٥) البدر المنير (٧/ ١٣٤).
(٦) التمييز (رقم ٤٢١٤).
[ المقدمة / ٥٢ ]
فجاء حُكْمُ الحافظ ابن حجر على الزيادة أقوى وأدقّ.
قوله: روي أنّه - ﷺ - قال: "مَنْ كَان يُؤمِن بالله وَاليومِ الآخرِ فلا يَجمَعُ ماءَهَ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ". ويروى: "مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ مَاءَه في رَحِمِ أُخْتَيْنِ".
قال ابن الملقِّن (١): "هذا الحديث بلفظيه غريب جدًّا، لا يحضرني من خَرَّجه بعد البحث الشّديد عنه سنين".
أما الحافظ ابن حجر -﵀- فقال (٢): "لا أصل له باللّفظيْن"، ونَقَلَ قول ابن عبد الهادي: "لم أجد له سندًا بعد أن فتشت عليه في كُتُبٍ كثيرةٍ".
* حديث حذيفة: أن رسول الله - ﷺ - قال في وَصْفِ الفتن: "كُنْ عَبدَ الله المقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ الْقَاتِلَ".
قال ابن الملقِّن (٣): "هذا الحديث غريب لا أعلم من خَرَّجه هكذا من هذه الطّريق بعد البحث عنه. . .".
وحكم الحافظ ابن حجر عليه بقوله (٤): "هذا الحديث لا أصل له من حديث حذيفة".
وهذا أكثر إحكامًا وأقوى حكمًا.
والأمثلة لذلك كثيرة، وفيما ذكرت غنى وكفاية. والحمد لله ربِّ العالمين.
_________________
(١) البدر المنير (٧/ ٥٩٦).
(٢) التمييز (رقم ٤٩٠٦).
(٣) البدر المنير (٩/ ٨).
(٤) التمييز (رقم ٦٠٨٦).
[ المقدمة / ٥٣ ]