المذهب أن حكم الخنزير كالكلب، واستدل البيهقي (١) بحديث أبي هريرة في نزول عيسى أنّه يقتل الخنزير، ودلالته غير ظاهرة؛ لأنه لا يلزم من الأمر بقتله أن يكون نجسا.
فإن قيل: إطلاق الأمر بقتله قال على أنّه أسوأ حالًا من الكلب؛ لأن الكلب لا يقتل إلا في بعض الأحوال.
قلنا: هذا خلاف نص الشّافعي، فإنه نصَّ في "سير الواقدي" على قتلها مطلقا، وكذا قال في (باب الخلاف في ثمن الكلب): اقتلها حيث وجدتها.
ويتعجب من النووي في "شرح المهذب" (٢)، فإنه جزم بأنه لا يقتل منها إلا الكلب العقور والْكَلِبُ، وقال: لا خلاف في هذا بين أصحابنا.
وليس في تخصيصه بالذكر أيضًا حجة على المدعى؛ لأن فائدته الرد على النصاري الذين يأكلونه، ولهذا يكسر الصليب الذي يتعبدون به لأجله.
واختار النووي في "شرح المهذب" (٣) أن حكم الخنزير حكم غيره من الحيوانات، ويدل لذلك حديث أبي ثعلبة عند الحاكم (٤) وأبي داود (٥): إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير الحديث. فأمر بغسلها، ولم يقيد بعدد.
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى (١/ ٢٤٤).
(٢) انظر: المجموع (٩/ ٢٢٢) إن كان يتعجب من قوله ففيه نظر لحديث ابن المغفل أو يتعجب من قوله "ولا خلاف في هذا بين أصحابنا" فلا يضر والله أعلم.
(٣) انظر: المجموع (٢/ ٥٢٤).
(٤) المستدرك (١/ ١٤٣ - ١٤٤).
(٥) السنن (رقم ٣٨٣٩).
[ ١ / ٩٥ ]
واختار النووي أن يغسل من ولوغه مرة.
٣٧ - [٩٠]- حديث: الهرة "لَيْسَتْ بِنَجِسَة إِنَّها مِنَ الطَّوَّافين عَلَيْكم".
مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) والأربعة (٤) وابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦) والحاكم (٧) والدّارَقطنيّ (٨) والبيهقي (٩) من حديث أبي قتادة. قال مالك: عن إسحاق بن أبي طلبة، عن حميدة بنت عبيدة، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت بن أبي قتادة، أنها أخبرتها: أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت.
قالت كبشة: فرآني انظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم. فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "لَيْسَتْ بِنَجِسٍ، إِنما هِيَ مِن الطوَّافِين عَليكم أَو الطوَّافَات".
_________________
(١) الموطأ (١/ ٢٢ - ٢٣).
(٢) المسند (ص ٩).
(٣) المسند (٥/ ٣٠٣، ٣٥٩).
(٤) سنن داود (رقم ٧٥)، وسنن النسائي (رقم ٦٨، ٣٤٠)، وسنن الترمذي (رقم ٩٢)، وسنن ابن ماجه (رقم ٣٦٧)
(٥) صحيحه (رقم ١٠٤).
(٦) صحيحه ("الإحسان رقم ١٢٩٩).
(٧) المستدرك (١/ ١٦٠).
(٨) السنن (١/ ٧٠).
(٩) السنن الكبرى (١/ ٢٤٥).
[ ١ / ٩٦ ]
ورواه الباقون من حديث مالك. ورواه الشَّافعي (١) عن الثقة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
ورواه أبو يعلى من طريق حسين المعلم، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أم يحيى امرأته، عن خالتها ابنة كعب بن مالك. فذكره.
تابعه همام، عن إسحاق أخرجه البيهقي (٢).
قال ابن أبي حاتم (٣): سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: هي حميدة تكنى أم يحيى.
وصَحَّحَه البخاري (٤) والترمذي (٥) والعقيلي (٦) والدّارَقطني، وساق له في "الأفراد" (٧) طريقا غير طريق إسحاق؛ فروى من طريق الدراوردي، عن أَسِيد بن أبي أُسَيْد، عن أبيه: أنّ أبا قتادة كان يصغى الإناء للهرة فتشرب منه، ثمَّ يتوضأ بفضلها، فقيل له: أنتوضأ بفضلها؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنّها لَيْسَتْ بِنَجِس؛ إِنَّما هِيَ مِنَ الطّوَّافِين عَلَيْكم".
_________________
(١) مسنده (ص ٨).
(٢) السنن الكبرى (١/ ٢٤٥).
(٣) علل ابن أبي حاتم (١/ ٥٢).
(٤) في السنن الكبرى (١/ ٢٤٥): "قال أبو عيسى: سالت محمدًا -يعني ابن إسماعيل البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال: جوّد مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصحّ من رواية غيره".
(٥) السنن عقب إخراجه للحديث، فقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٦) الضعفاء (٢/ ١٤٢): حيث قال: "إسناده ثابت صحيح".
(٧) انظر: البدر المنير (١/ ٥٥٧) فَقد سَاق إسنادَه كَاملًا.
[ ١ / ٩٧ ]
وأعله ابن مَنده بأن حميدة وخالتها كبشة محلهما محل الجهالة، ولا يعرف لهما إلا [هذا] (١) الحديث. انتهى.
فاما قوله: "إنهما لا يعرف لهما إلا هذا/ (٢) الحديث" فمتعقّب بأن لحميدة حديثًا آخر في تشميت العاطس، رواه أبو داود (٣). ولها ثالث رواه أبو نعيم في "المعرفة" (٤).
وأمّا حالهما؛ فحميدة روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى، وهو ثقة عند ابن معين.
وأمّا كبشة فقيل: إنها صحابية (٥)، فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها. والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد (٦): لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك، وإن كل من خرج له فهو ثقة كما صح عنه (٧)، فإن سلكت هذه الطريقة في تصحيحه.
أعني تخريج مالك - وإلا فالقول ما قال ابن مَنده.
_________________
(١) في "الأصل": (بهذا) وهو خطأ، والمثبت من باقي النسخ.
(٢) [ق/٢٤].
(٣) السنن (رقم ٥٠٣٨).
(٤) انظر: معرفة الصحابة (٦/ ٣٠٧٦/ رقم ٧١٠٩).
(٥) انظر: الثقات لابن حبان (٣/ ٣٥٧).
(٦) انظر: الإِمام في معرفة أحاديث الأحكام (١/ ٢٣٥).
(٧) يشير إلى قول ابن معين: "كل من روى عنه مالك بن أنس فهو ثقة إلا عبد الكريم البصري أبو أمية" انظر: الكامل (٥/ ٣٣٨)، وقال أيضًا: (تقدمة الجرح والتعديل: ص ١٧): "أتريد أن تسأل عن رجال مالك؟ كل من حدث عنه ثقة، إلا رجلًا أو رجلين" وذكر مسلم في مقدمته أن مالك سئل عن رجل فقال أوجدته في كتبي قال لا قال لو كان ثقة لوجدته في كتبي والله أعلم.
[ ١ / ٩٨ ]