يعتبر الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للإسلام، لذلك أعطاه العلماء غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم حتى رحلوا المسافات البعيدة على بعد الشقة وعظم المشقة، طلبًا للحديث، وبحثًا عن أسانيده؛ بل عن إسناد الحديث الواحد. امتثالًا لأمر الله تعالى، وتحقيقًا لما حث عليه رسول الله ﷺ من كتاب الله وسنة نبيه.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ومن الحديث قوله ﷺ: "من سلك
[ ١ / ١٤ ]
طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل له به طريقًا إلى الجنة" ١ وقبل أن أبين أهداف الرحلة عند المحدثين يجدر بي أن أقف عند قوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" ووجه الاستدلال أن هذه المساجد الثلاثة مساوية لسائر المساجد في المسجدية، فما ميزها عن سائر المساجد بشد الرحال إليها، وطلب زيارتها للعبادة فيها إلا أنها مباني النبيين ومعاهدهم، وأمكنة غالب عبادتهم وإرشاداتهم عليهم الصلاة والسلام، فإذا طلبت زيارتها بهذا الحديث كانت زيارة أصحابها أولى٢ بالطلب وأحق بشد الرحال إليها، وهذا الاستدلال من قبيل الاستدلال بمفهوم الموافقة الذي هو أولى كما يقول الأصوليون، وذلك أمر واضح لمن نور الله بصيرته، ومن فهم من هذا الحديث منع شد الرحال لزيارة المصطفى ﷺ أو زيارة القبور فقد وهم وما فهم. ويدخل تحت "شد الرحال" طلب العلم والرحلة لطلب الحديث للتأكد من صحة متنه أو لعلو إسناده أو لمثانته، ويدخل تحت هذا المعنى الهجرة لهذه الأسباب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] كما أن الاستثناء المفرغ كما في هذا الحديث يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثني منه القريب أو البعيد والقريب أولى بالتقدير؛ فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى أي مكان، والزيارة أو الرحلة في طلب العلم لا تدخل في واحد منهما حتى يتوجه النفي إليها.
وقال الحافظ العراقي: من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه حكم إلى مساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة أي لكونها أبنية الأنبياء. وأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلًا فيه، وقد ورد ذلك مصرحًا به في رواية أحمد ولفظه: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" ٣.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد؛ فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو
_________________
(١) ١ من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم ٤/٢٠٧٤ في كتاب الذكر والدعاء: باب "فضل الاجتماع على تلاوة القرآن"، حديث "٣٨/٢٦٩٩"، وابن ماجة باب "فضائل العلماء والحث على طلب العلم" حديث "٢٢٥". ٢ الزيارة الشرعية المنصوص عليها في الكتب الصحيحة- معاذ الله! - أن نبيح الطواف بالقبور والتبرك بها وشد الرحال إليها تعبدًا. ٣ من حدث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد في "المسند" ١/٦٤، وانظر كلام الشيخ الألباني على الحديث في "إرواء الغليل" ٣/٢٣٠.
[ ١ / ١٥ ]
جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات. إذا فهمت ذلك، تجلت لك أهداف الرحلة عند المحدثين، واتضحت لك فيما يلي:
١- تحصيل الحديث: وذلك من أهم أسباب الرحلة خصوصًا في العهود الأولى للإسلام، ومنه جاءت رحلات الصحابة والتابعين وتفرقهم في الأمصار.
وقد كان الخلفاء ﵃ يرسلونهم إلى البلاد دعاة ومعلمين كابن مسعود في العراق وأبى الدرداء في الشام.
وانتشر علم الصحابة في التابعين، وتفرق بينهم فاحتاج العلماء إلى تحصيله من صدور حملته مباشرة استكمالًا لعلم السنّة النبوية فضربوا المثل العليا حتى رحلوا في طلب الحديث الواحد.
٢- التثبت من الحديث: وهو مقصد الصحابة ﵃ في رحلاتهم والتابعين، وقد يكون عند المحدث أحاديث يرويها فإذا رحل سمع أحاديثه بأسانيد تلتقي مع إسناده وتتفق مع رواياته أو معناها فيطمئن المحدث، ويتقوى الحديث عنده إن كان فيه ضعف بتعدد الطرق أو يزداد صحة إن كان من قبل صحيحًا أو يسقط حديثًا كان يظن قبل رحلته صحيحًا.
٣- طلب العلو في السند: ومعنى العلو قلة الوسائط في سند الحديث مع اتصال السند، وكيفية حصول العلو بأن يسمع المحدث حديثًا من راوٍ عن شيخ موجود فيذهب المحدث إلى الشيخ ويسمعه منه مشافهة فيقل بذلك عدد وسائط النقل في السند١.
٤- البحث عن أحوال الرواة: معرفة أداء الراوي للحديث هو المقصد الأسمى الذي عليه مدار هذا العلم، ومن أجله بذلت كل الجهود، ووضعت قواعد النقد فكان لا بد من تقصي أحوال الرواة وأخبارهم حتى يتميز المقبول من المردود.
٥- مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها: وهو فن جليل يحتاج إلى عمق النظر، وتقصي الأسانيد والروايات وذلك لا يتم إلا بالمجالسة والمدارسة، ولقاء أساتذة هذا الفن وأساطينه.
قال الخطيب البغدادي: ولو كان المتصل والمرسل واحدًا لما ارتحل كتبة الحديث، ولما تكلفوا مشقة الأسفار، وشد الرحال إلى ما بَعُدَ من الأمصار والأقطار للقاء العلماء والسماع منهم.
_________________
(١) ١ انظر: "الرحلة في طلب الحديث" بتحقيق نور الدين عز ١٢ وما بعدها.
[ ١ / ١٦ ]