اسمه ونسبه ومولده:
عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن الإمام العلامة إمام الدين وشيخ الشافعية عالم العجم والعرب أبو القاسم القزويني الرافعي.
القزويني٢: نسبة إلى قزوين، وهي إحدى المدائن بأصبهان يقال: بها باب الجنة.
والرافعي: هذه النسبة لرافعان: بلدة من بلاد قزوين، قال النووي.
قال الإسنوي: سمعت قاضي القضاة جلال الدين القزويني يقول: إن "رافعان" بالعجمي مثل "الرافعي" بالعربي، فإن الألف والنون في آخر الاسم عند العجم كياء النسبة في آخره عند العرب، فرافعان نسبة إلى رافع قال: ثم إنه ليس بنواحي قزوين بلدة يقال لها: رافعان، ولا رافع، بل هو منسوب إلى جد له يقال له: رافع.
قال الإسنوى: حكى بعض الفضلاء عن شيخه، قال سألت القاضي مظفر الدين قاضي قزوين، إلى ماذا نسبه الرافعي؟ فقال: كتب بخطه، وهو عندي في كتاب "التدوين في أخبار قزوين" إنه منسوب إلى رافع بن خديج ﵁.
وحكى ابن كثير قولًا إنه منسوب إلى أبي رافع مولى النبي ﷺ.
هذا، رقد ولد الإمام الرافعي ﵀ سنة خمس وخمسين وخمسمائة.
وللإمام الرافعي﵀- من الأولًاد ولد ذكر، اسمه: محمد. ولقبه: عزيز الدين وبنت، ذكر أبو سعد المنسي، النسوي في "تاريخ خوارزم شاه": أن الإمام أبا القاسم الرافعي كانت له بنت، تزوجها رجل من مشايخ "قزوين" وأولدوها أولادًا كثيرة.
وقرأت على الشيخ صلاح الدين- أبقاه الله- قال: رأيت بدمشق سنة أربعين وسبعمائة امرأة حضرت عند قاضي القضاة، تقي الدين السبكي، عجمية، فصيحة اللسان، ذكرت أنها من نسل الإمام الرافعي، وكانت تحفظ "عقيدته" التي صنفها، فقرأت منها قطعة، وهي عقيدة بديعة على
_________________
(١) ١ تنظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" ٢٢/٢٥٢ "١٣٩" و"طبقات السبكي" ٨/٢٨١ و"طبقات ابن هداية" ص ٢١٨ و"طبقات ابن قاضي شهبة" ٢/٧٥ و"شذرات الذهب" ٥/١٠٨ و"تهذيب الأسماء واللغات" ٢/٢٦٤ و"العبر" ٥/٩٤ و"فوات الوفيات" ٢/٧ و"مرآة الجنان" ٤/٥٦، و"النجوم الزاهرة" ٦/٢٦٦ و"تاريخ ابن الوردي" ٢/١٤٨ و"مفتاح السعادة" ١/٤٤٣، ٢/٢١٣، "طبقات الإسنوي" ١/٢٨١، "الأعلام" ٤/٥٥. ٢ ينظر: "الأنساب" ٤/٤٩٣ "معجم البلدان" ٥/٣٨٩.
[ ١ / ٦١ ]
طريقة أهل السنة، بعبارة فصيحة على عادته- رحمة الله عليه-.
أما والده فهو١: أبو الفضل محمد بن عبد الكريم بن الفضل، الرافعي، القزويني، يقال له: "بابويه".
سمع ببلده من: أبي علي، الحسن بن أحمد الهمذاني، قدم عليهم. ومن ملكداذ بن علي بن أبي عمرو، وببغداد من: أبي منصور بن خيرون، وأبى الفضل الأوموي، وأبي عبد الله بن الطرائفي، وسعد الخير الأنصاري. وبنيسابور من: أبي الأسعد القشيري، وعبد الخالق بن زاهر الشحامي في آخرين.
وقال ولده: الإمام الرافعي في "أماليه": "والدي أبو الفضل، ممن خُصّ بعفة الذيل، وحُسن السيرة، والجدِّ في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، وقوة الجنان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلوم: حفظًا، وضبطًا. ثم: إتقانًا، وبيانًا، وفهمًا ودراية. ثم: أداء ورواية.
سمع الحديث، وتفقه بـ "قزوين" في صِباه، ثم سافر إلى الري، فسمع وتفقه، ثم ارتحل إلى بغداد، فسمع، وتففه، وحج منها، ثم انتقل إلى نيسابور، فضل على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الحديث الكثير.
وكان مشايخه يوقرونه، لحسن سيره، وشمائله، ووفور فضله، وفضائله.
ولما عاد إلى "قزوين" أقبلت عليه المتفقهة، فدرّس، وأفاد، وذاكر وذكر، وقسر، وروى، وصنف: في التفسير، والحديث، والفقه، وانتفع به الخواص والعوام.
ثم استأثر الله- تعالى- به في شهر رمضان، سنّة ثمانين وخمسمائة. ولعل الله يوفق لما في عزمي من جمع مختصر في مناقبه، أسميه بـ "القول الفصل في فضل ابن الفضل" اهـ.
وقال في المجلس الخامس من هذه "الأمالي": "والذي﵀- كان جيد الحفظ، سمعته صبيحة بعض الأيام يقول: سهرت البارحة فأجلت الفكر فيما أحفظه من الأبيات المفردة، والمقطعات فبلغت آلافًا".
وقال في المجلس العاشر منها: "سمعت عبد الرحيم بن الحسين المؤذن- وكان رجلًا صالحًا يؤذن في مسجده- يحكي: أن والدي﵀- خرج في ليلة مظلمة لصلاة العشاء، قال: وأنا على باب المسجد أنتظره، فحسبت أن في يده سراجًا، وتعجبت منه، لأنه لم يكن من عادته استصحابُ السراج، فلما بلغ المسجد لم أجد السراج، ودهشت وذكرت له ذلك من الغد فلم يعجبه وقوفي على الحال، وقال: أقبل على شأنك".
وقال في المجلس العاشر منها: "كتب سعد بن الحسن الكرماني لوالدي، رحمهما الله-
_________________
(١) ١ "البدر المنير" ١/٤٨٢.
[ ١ / ٦٢ ]
وكان سعد من أهل العلم، والفضل، والبيوتات الشريفة-:
يا أبا الفضل قد تأخرت عنا … قأسأنا بحسن عهدك ظنا
كم تمنت تفسي صديقًا صدوقًا … فإذا أنت ذلك المتمني
قبغصن الشباب لما تثنى … وبعهد الصبا وإن بان عنا
كن جوابي إذا قرأت كتابي … ولا تفل للرسول: كان وكنا
فبلغت أنه كان جوابه".
وقال في المجلس الخامس عشر: "كتب إلى والدي أبو سليمان الزبيري- حين عزم على السفر للتفقه-:
أبا الفضل هجرك لا يحمل … ولست ملومًا بما تفعل
وإنك من حسنات الزمان … وقدمًا علينا بها يبخل
وقال الرافعي عن والدته في "أماليه"١:
"والدتي صفية بنت الإمام أسعد الركابي- رحمهما الله- كانت تروي الحديث عن إجازة جماعة من مشايخ "أصبهان"، و"بغداد" و"نيسابور" عني بتحصيل أكثرها: خالها أحمد بن إسماعيل".
قال: "لا أعرف امرأة في البلد كريمة الأطرافِ في العلم مثلها، فأبوها كان حافظًا للمذهب، والأقوال، والوجوه فيه، المستقرب منها، والمستبعد، ماهرًا في الفتوى، مرجوعًا إليه.
وأما: زليخا بنت القاضي إسماعيل بن يوسف، كانت فقيهة يراجعها النساء، فتفتي لهن لفظًا وخطًا، سيّما فيما ينوبهن، ويستحين منه، كالعدة والحيض.
وأخواها: من معتبري الأئمة المشهورين في البلد: درج أكبرهما وأنسًا في أجل الآخر. وزوجها: الإمام، والدي: قد أشرت إلى جمل من أحواله فيما تقدم.
وجدّها: القاضي إسماعيل بن يوسف: من أهل العلم، والحديث، والجدّ في العبادة، وكان قد تفقه على القاضي، الشهيد: أبي المحاسن الروياني، وسمع منه الحديث.
خالها: الإمام أحمد بن إسماعيل: مشهور في الآفاق.
قال في أثناء "أماليه"- بعد أن روى عنه حديثًا-: "هو أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس، الطالقاني، ثم القزويني، أبو الخير، إمام كثير الخير، موقر الحظ من علوم الشرع: حفظًا، وجمعًا، ونشرًا بالتعليم، والتذكير، والتصنيف. وكان لا يزال لسانه رطبًا من ذكر الله تعالى، ومن تلاوة القرآن، وربما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغي إلى القارىء، وينبهه
_________________
(١) ١ "البدر المنير" ١/٤٨٧.
[ ١ / ٦٣ ]
إذا زل، واجتمع له من ذلك القبول التام، عند الخواص والعوام، والصيت المنتشر، والجاه والرفعة.
وتولّى تدريس النظامية ببغداد مدة، محترمًا في حريم الخلافة، مرجوعًا إليه ثم آثر العودة إلى الوطن، واغتنم الناس رجوعه إليهم، واستفادتهم من علمه، وتبركوا بأيامه.
وسمع الكثير من الفراوي، وفهرست مسموعاته متداول، وكان يعقد المجلس للعامة في الأسبوع ثلاث مرات، إحداها: صبيحة يوم الجمعة، فتكلم على عادته يوم الجمعة، الثاني عشر من المحرم سنة تسعين وخمسمائة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:١٢٩] .
وذكر أنها من أواخر ما نزل من القرآن، وعدد الآيات المنزلة آخرًا منها:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ …﴾ [المائدة:٣] . ومنها: سورة النصر. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] .
وذكر أن رسول الله ﷺ ما عاش بعد نزول هذه الآية إلا سبعة أيام، ولما نزل من المنبر
حُم، وانتقل إلى رحمة اللَّه تعالى في الجمعة الأخرى، ولم يعش بعد ذلك المجلس إلاَّ سبعة أيام، وهذا من عجيب الاتفاقات.
وكأنه أُعْلِمَ بالحال، وبأنه حان وقت الارتحال، ودُفن يوم السبت ولقد خرجت من الدار بكرة ذلك اليوم، وأنا في شأنه متفكر، ومما أصابه منكسر، إذ وقع في خلدي من غير نية، وفكر وروية:
بكت العلوم بويلها وعويلها … لوفاة أحمدها بن إسماعيلها
كأن احدًا يكلمني بذلك.
وكانت ولادته سنة: ائنتي عشرة وخمسمائة، وهو مع كونه خال والدتى، أبوها من الرضاع أيضًا".
قال: "وابنها" المملي لهذه "الأمالي"- يعني الرافعي نفسه-: لا يخرج عن زمرة أهل العلم، ويحشر فيهم إن شاء الله تعالى، وكذا سائر بنيها".
قال: "ثم هي- يعني والدته- في نفسها متدينة خائفة، وبما لا بد منه من الفروض عارفة، قارئة لكتاب الله، كثيرة الخير، رقيقة القلب، سليمة الجانب، تحمل الكل، وترغب في المعروف، وتحسن إلى اليتامى، تلي خيرًا، وتولي جميلًا ما استطاعت إليهما سبيلًا.
وكانت قد ابتليت بعدة بنات، أنفقت واسطة العمر عليهن، حتى استكملن من أدبهن، مضين لسبيلهن فتركنها ثكلى بهن، وللَّه ما أخذ، وله ما أعطى، ولا راد لما حكم وقضى".
[ ١ / ٦٤ ]
ثم ذكر أحاديث وشعرًا تسلية لوالدته﵂-.
وللإمام الرافعي أخ، اسمه: محمد، تفقه على أبي القاسم بن فضلان. وسمع الحديث من أبيه. وأجاز له: ابن البَطي. ورحل إلى "أصبهان" و"الري" و"أذربيجان" و"العراق". وسمع الحديث من: نصر الله القزاز، وابن الجوزي.
واستوطن بغداد، وولي مشارفة أوقاف "النظامية".
وكان فيه ديانة، وأمانة، وتوضع، وتودد وحسن خلق. كتب الكثير- مع ضعف خطه-من التفسير، والحديث، والفقه. ومعرفته في الحديث تامة.
قال ابن النجار: "وكان يذاكرني بأشياء، وله فهم حسن، ومعرفة. مات في ثامن عشرين جمادى الأولى، من سنة ثمان وعشرين وستمائة، وقد قارب السبعين"١.
الكلام في صفاته وشيمه وأخلاقه وثناء العلماء عليه
لقد كان لهذا العالم الجليل الحظ الأكبر من ثناء العلماء عليه بذكر صفاته وشيمه وأخلاقه، فلقد كان ﵀ إمامًا جامعًا بين العلم والعمل، فحسنت من أجل ذلك سيرته. ودونك بعض ما يقوله عنه بعض المترجمين له والمؤرخين لحياته. قال الإمام الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"٢ هو شيخ الشافعية عالم العجم والعرب إمام الدين أبو القاسم عبد الكريم الخ ثم قال: وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبد ونسك وأحوال وتواضع، انتهت إليه معرفة المذهب.
قال النووي في "تهذيبه"٣: الرافعي من الطالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة.
قال أبو عمرو بن الصلاح: أظن أني لم أرَ في بلاد العجم مثله كان ذا فنون حسن السيرة، جميل الأمر.
قال ابن السبكي في "طبقاته"٤: كان الإمام الرافعي متضلعًا من علوم الشريعة، تفسيرًا، وحديثًا وأصولًا، مترفعًا على أبناء جنسه في زمانه، نقلًا وبحثًا وإرشادًا وتحصيلًا، وأمَّا الفقه فهو
_________________
(١) ١ ينظر: "البدر المنير" ١/٤٨٩ وما بعدها. ٢ ٢٢/٢٥٢-٢٥٣. ٣ "التهذب" ٢/٢٦٤. ٤ ٨/٢٨٣.
[ ١ / ٦٥ ]
فيه عُمدة المحققين وأُستاذ المصنفين، كأنما كان الفقه ميتًا فأحياه وأنشره، وأقام عماده بعد ما أماته الجهل فأقبره، كان فيه بدرًا يتوارى عنه البدر إذا دارت به دائرته والشمس إذا ضمها أوجها، وجوادًا لا يلحقه الجواد إذا سلك طرقًا ينقل فيها أقوالًا ويخرخ أوجها فكأنما عناه البحتري بقوله:
وإذا دجت أقلامه ثم انتحت … برقت مصابيح الدجا في كتبه
باللفظ يقرب فهمه في بعده … منا ويبعد نيله في قربه
حكم سحابتها خلال بيانه … هطالة وقلبها في قلبه
كالروض مؤتلقا بحمرة نوره … وبياض زهرته وخضرة عشبه
وكأنها والشمع معقود بها … شخص الحبيب بدا لعين محبه
وكان ﵀ ورعًا زاهدًا تقيًا نقيًا طاهر الذيل مراقبًا لله، له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية، والكرامات الباهرة.
قال أبو عبد الله محمد بن محمد الاشفرايني: هو شيخنا، إمام الدين، وناصر السنة. كان أوحد عصره في العلوم الدينية، أصولًا وفروعًا، مجتهد زمانه في المذهب، فريد وقته في التفسير، كان له مجلس بقزوين للتفسير ولتسميع الحديث.
قال الإسنوي في "طبقاته"١: صاحب شرح "الوجيز" الذي لم يصنف في المذهب مثله، تفقه على والده وعلى غيره، وكان إمامًا في الفقه والتفسير، والحديث والأصول، وغيرها. طاهر اللسان في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات، ولا يطلق نقلًا عن أحد غالبًا إلا إذا رآه في كلامه، فإن لم يقف عليه فيه عبر بقوله: وعن فلان كذا، شديد الاحتراز أيضًا في مراتب الترجيح.
قال الذهبي: يظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في شرح "المسند".
قال ابن قاضي شهبة٢: صاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحابنا في هذه الأعصار في غالب الأقاليم والأمصار، ولقد برز فيه على كثير ممن تقدمه، وحاز قصب السبق، فلا يدرك شأوه الا من وضع يديه حيث وضع قدمه.
قال ابن العماد … الإمام العلاّمة إمام الدين الشافعي صاحب الشرح المشهور الكبير على المحرر..، انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه، وكان مع براعته في العلم صالحًا زاهدًا ذا أحوال وكرامات ونسك وتواضع.
_________________
(١) ١ ١/٢٨١. ٢ "طبقاته" ٢/٧٥.
[ ١ / ٦٦ ]
وبعد هذا يظهر ما كان عليه هذا العالم الجليل من علم وتبحر في شتى العلوم وما كان عليه من زهد وتقى وصلاح وكرامات يحكى منها ما نقل السبكي فقال: سمعت شيخنا شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب، يحكي أن الرافعي فقد في بعض الليالي ما يسرجه عليه وقت التصنيف فأضاءت له شجرة في بيته، فجلس يطالع ويكتب.
مصنفاته
فهي مصنفات شريفة عرف فضلها الأكابر، وكفر نورها المكابر، ورغم أنفه فميسم العلاء يطوقها، ويد الأكابر تقرظها، وثناؤهم يلهج بفضلها وعلمها.
فقد بذل فيها مؤلفها جهده، ونمقها بعقله قبل يده فاقتصد ولم يسرف، وأبدع فيها وأطرف، وأبان المبهم وعرف وهي:
١- "العزيز في شرح الوجيز" وقد قمنا بتحقيقه وإخراجه كاملًا لأول مرة.
٢- "الشرح الصغير" وهي في الفقه دون "الشرح الكبير".
٣- "شرح المسند" للشافعي: قال في أوله: ابتدأت في إملائه في رجب سنة ثنتي عشرة وستمائة، وهو عقب فراغ "الشرح الكبير".
قال عنه الذهبي: يظهر عليه اعتناء قوي بالحديث وفنونه في شرح "المسند" ونحن بصدد تحقيقه.
٤- "المحمود في الفقه". لم يتمه، قال السبكي: ذُكر لي أنه في غاية البسط، وأنه وصل فيه إلى أثناء الصلاة في ثمان مجلدات.
وقال: وقد أشار إليه الرافعي في "الشرح الكبير" في باب الحيض أظنه عند الكلام في المتحيرة.
٥- "الإيجاز في أخطار الحجاز": ذكر أنه أوراق يسيرة، ذكر فيها مباحث وفوائد خطرت له في سفره إلى الحج.
قال السبكي: وكان الصواب أن يقول: خطرات، أو خواطر الحجاز. ولعله قال ذلك، والخطأ من الناقل.
٦- التذنيب: وهو مجلد يتعلق بالتعليق على "الوجيز" للغزالي.
٧- "الأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة": وهو ثلاثون مجلسًا، أملاها أحاديث بأسانيدها عن أشياخه على سورة الفاتحة وتكلّم عليها، ذكره صاحب "كشف الظنون" وغيره.
[ ١ / ٦٧ ]
٨- "المحرر في فروع الشافعية": قال حاجي خليفة١: وهو كتاب معتبر مشهور بينهم.
٩- "التدوين في أخبار قزوين": وهو كتاب مطبوع متداول بين أهل العلم في أربع مجلدات.
١٠- سواد العينين في مناقب الغوث أبي العلمين: أعني الرافعي٢.
فوائد من "أمالي" الرافعي
نقل السبكي في "طبقاته" بعض ما تضمنه "أمالي" الرافعي من الفوائد، فوجدنا من تمام الفائدة ذكرها فقال:
قال في قوله ﷺ:" إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا. من أحصاها دخل الجنة" إنما قال: "مائة إلا واحدًا" لئلا يتوهم أنه على التقريب، وفيه فائدة رفع الاشتباه، فقد يشتبه في الخط تسعة وتسعون بسبعة وسبعين.
روى بسنده إلى أبي عبد الله المغربي: "من ادعى العبودية وله مراد باق فهو كاذب في دعواه" إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته وقام بمراد سيده، ليكون اسمه ما سمي به إذا دعي باسم أجاب عن العبودية، ولا يجيب إلا من يدعوه بالعبودية، ثم أنشأ يقول:
يا عمرو ثاري عند أسماء … يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلا بيا عبدها … لأنه أشرف أسمائي
ثم أنشد الرافعي لنفسه:
سمني بما شئت وسم جبهتي … باسمك ثم أسم بأسمائي
فسمني عبدك أفخر به … ويستوي عرشي على الماء
وأنشد لنفسه أيضًا:
إن كنت في اليسر فاحمد من حباك به … فليس حقا قضى لكنه الجود
أو كنت في العسر فاحمده كذلك إذ … ما فوق ذلك مصروف ومردود
وكيفما دارت الأيام مقبلة … وغير مقبلة فالحمد محمود
وقال: اعلم أن الناس في الرضا ثلاثة أقسام: يحسون بالبلاء، ويكرهونه، ولكن يصبرون على حكمه، ويتركون تدبيرهم ونظرهم حبا لله تعالى؛ لأن تدبير العقل لا ينطبق على رسوم المحبة والهوى، قال قائلهم:
_________________
(١) ١ ٢/١٦١١. ٢ ينظر: "هدية العارفين" ٥/٦٠٩.
[ ١ / ٦٨ ]
لن يضبط العقل إلا ما يدبره … ولا ترى في الهوى للعقل تدبيرا
كن محسنًا أو مسيئًا وابق لي أبدًا … وكن لديّ على الحالين مشكورًا
وقوم يضمون إلى سكون الظاهر سكون القلب، بالاجتهاد والرياضة، وإن أتى البلاء على أنفسهم، بل:
يستعذبون بلاياهم كلهم … لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
ولذلك قال ذو النون الصمري: الرجاء سرور القلب بمرور القضاء، وقالت رابعةُ: إنما يكون العبدُ راضيًا إذا سرته البلية كما سرته النعمة.
وقوم يتركون الاختيار، ويوافقون الأقدار، فلا يبقى لهم تلذذ ولا استعذاب، ولا راحة ولا عذاب، قال أبو الشيص، وأحسن:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي … متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة … حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم … إذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي عامدًا … ما من يهون عليك ممن يكرم
قال في "الإملاء"، على حديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين: حمل الشافعي ذلك فيما نقله أبو عيسى الترمذي وغيره، على التعبير على السورة، يذكر أولها بعد آية التسمية المشتركة، كما يقال قرأت طه ويس، قال: ثم هذا استدلال الخصوم، على أنها ليست من القرآن بهذا الحديث، لا يتضح على قول من يذهب إلى أن التسمية في أوائل السور ليست من القرآن؛ لأن المراد من قوله: "يستفتح القراءة" قراءة القرآن، لا مطلق القراءة، وحينئذ فالافتتاح بالحمد للَّه رب العالمين لا ينافي قراءة البسملة أولًا، كما لا ينافي قراءة التعوذ ودعاء الاستفتاح.
قال الرافعي: سبيل من أشرف قلبه ونور بصيرته على الضياع أن يستغيث بالرحمن، رجاء أن يتدارك أمره بالرحمة والاصطناع، ويتضرّع بما أنشد عبد الله بن الحسن الفقير:
لو شئت داويت قلبا أنت مسقمه … وفي يديك من البلوى سلامته
إن كان يجهل ما في القلب من حرق … فدمع عيني على خدي علامته
ثم روى بسنده أن سمنون كان جالسًا على الشط، وبيده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه، وهو يقول:
كان لي قلب أعيش به … ضاع مني في تقلبه
رب فاردده علي فقد … ضاق صدري في تطلبه
وأغث ما دام بي رمق … يا غياث المستغيث به
[ ١ / ٦٩ ]
وروى عن مسرور الخادم، قال: لما احتضر هارون أمير المؤمنين، أمرني أن آتيه بأكفانه، فأتيته بها، ثم أمرني فحفرت له قبره، ثم أمر فحمل إليه، وجعل يتأمله ويقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨-٢٩] . ثم أنشد الرافعي لنفسه:
الملك لله الذي عنت الوجو … هـ له وذلت عنده الأرباب
متفرد بالملك والسلطان قد … خسر الذين تجاذبوه وخابوا
دعهم وزعم الملك يوم غرورهم … فسيعلمون غدًا من الكذاب
وقال في قوله ﷺ: "إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في كل يوم مائة مرة": مم كان يتوب النبي ﷺ؟ وعلى مَ يحمل الغين في قلبه؟ افترق الناس فيه فرقتين: فرقة أنكرت الحديث، واستعظمت أن يغان قلب رسول الله ﷺ حتى يستغفر مما أصابه، وعلى ذلك جرى أبو نصر السراج، صاحب كتاب "اللمع" في التصوف، فروى الحديث، وقال عقيبه: هذا حديث منكر.
وأنكر علماء الحديث استنكار السراج، وقالوا: الحديث صحيح، وكان من حقه أن لا يتكلم فيما لا يتعلم. والمصححون له تحزبوا، فتحرج من تفسيره متحرجون.
عن شعبة: سأل الأصمعي: ما معنى "ليغان على قلبي"؟ فقال: عمن يروى ذلك؟ قلت: عن النبي ﷺ قال: لو كان من غير قلب النبي ﷺ فسرته لك، وأما قلب النبي ﷺ فلا أدري، فكان شعبة يتعجب منه.
وعن الجنيد: لولا أنه حال النبي ﷺ لتكلمت فيه، ولا يتكلم على حال إلا من كان مشرفًا عليها، وجلت حاله أن يشرف على نهايتها أحد من الخلق وتمنى الصديق ﵁، مع علو مرتبته أن يشرف عليها، فعنه: ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله ﷺ.
فهذه طريقة المصححين، وتكلم فيه آخرون على حسب ما انتهى إليه فهمهم، ولهم منهاجان: حمل الغين على حالة جميلة ومرتبة عالية، اختص بها النبي ﷺ، والمراد من استغفاره خضوعه وإظهار حاجته إلى ربه، أو ملازمته للعبودية، ومن هؤلاء من نزل الغين على السكينة والاطمئنان. وعن أبي سعيد الخزاز: الغين: شيء لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء، لصفاء الأسرار، وهو كالغين الرقيق الذي لا يدوم.
والثاني: حمل الغين على عارض يطرأ، غيره أكمل منه، فيبادر إلى الاستغفار إعراضًا، وعلى هذا كثُرت التنزيلات والتأويلات، فقد كان سبب الغين النظر في حال الأمة واطلاعه على ما يكون منهم، فكان يستغفر لهم. وقيل: سببه ما يحتاج إليه من التبليغ ومشاهدة الخلق، فيستغفر منه ليصل إلى صفاء وقته مع الله. وقيل: ما كان يشغله من تمادي قريش وطغيانهم. وقيل: ما كان يجد في نفسه من محبة إسلام أبي طالب. وقيل: لم يزل رسول الله ﷺ مترقيًا من رتبة إلى رتبة، فكلما رقي درجة والتفت إلى ما خلفها وجد منها
[ ١ / ٧٠ ]
وحشة لقصورها بالإضافة إلى التي انتهى إليها، وذلك هو الغين فيستغفر اللَّه منها، وهذا ما كان يستحسنه والدي ﵀ ويقرره. انتهى كلام الرافعي، ثم أنشد لغيره هذا [البسيط]:
والله، ما سهري إلا لبعدهم … ولو أقاموا لما عذبت بالسهر
عهدي بهم ورداء الوصل يشملنا … والليل أطوله كاللمح بالبصر
والآن ليلي إذ ضنوا بزورتهم … ليل الضرير فنومي غير منتظر
فوائد من شرح المسند للرافعي
ذكر فيه أن الأفضل لمن يشيع الجنازة أن يكون خلفها بالاتفاق، والذي أوقعه في ذلك الخطابي، فإنه كذلك قال، وقد ذكر الرافعي نفسُه في شرحيه أنه يكون أمامها، وحكى ما سبق ورواية عن أحمد.
ومن شعر الرافعي مما ليس في "الأمالي"، أنشدنا قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني، في كتابه عن والده، عن أبي القاسم الرافعي، ﵀، أنه أنشده لنفسه [الطويل]:
تنبه فحق أن يطول بحسرة … تلهف من يستغرق العمر نومه
وقد نمت في عصر الشبيبة غافلا … فهب نصيح الشيب قد جاء يومه
ومن شعر الرافعي أيضًا [الطويل]:
أقيما على باب الرحيم أقيما … ولا تنيا في ذكره فتهيما
هو الرب من يقرع على الصدق بابه … يجده رؤوفًا بالعباد رحيما
وذكر صاحب البدر المنير من شعره:
إلى رضى الربّ نسوق الرضا … بالله ربا فارض فيما قضى
ولا تكن عن شأنه غافلًا … فالوقت سيف صارم منتضى
ومنه أيضًا:
العالمون ضعيفهم وقويهم … لجلال عزته سجود ركع
لو كلفوا أن يعبدوه عمرهم … حق العبادة لحظة لتكعكعوا
ومنه:
سواد الشباب كليل مضى … وقد نمت فيه لقى غافلًا
وصبح المشيب بدا فانتبه … فعما قليل ترى آفلا
ومنه:
من يستعن بالله سبحانه … ويطلب العوذة مما يعين
[ ١ / ٧١ ]
يعنه بالفضل على ما به … يقر عينا ويفر اللعين
فحسبنا الله لما نابنا … إياه ترجو وبه نستعين
ومنه:
ليس للدنيا استقامه … ولمن فيها أقامه
هي إلمامة طيف … وانتشاء من مدامه
هي مثل البرق يبدو … من تجاويف غمامه
نائل ما أنت فيه … من هوان وكرامه
حاصل المأمول منها … تبعات وغرامه
تعب في الحال صعب … ثم في العقبى ندامه
جاف عنها الجنب صفحا … تنج منها بسلامه
ومنه:
أفدي الذين سقوني كأس حبهم … وإن جفوني وإن جاروا وإن غدروا
أليس قد جعلوني أهل ودهم … ففي فؤادي منه الورد والصدر
أليس لم يسلبوني ما ألذ به … ذكرا وحبا، وإضمارا وقد قدروا
ومنه:
صافيتك لا تشب بمطل، وبلي … ميعادك، واحتكم بما شئت علي
أتمم نعما أنت تطولت بها … منك اليد، والقصور مني وإلي
ومنه:
تيممت بابك لا غيره … فما الخير عندي سوى خيركم
لئن لم أصب منكم وابلا … فما أرتجي الطل من غيركم
ومنه:
نفسي فدا لهم خيبوا أم تولوا … تحولوا عن حالهم أو ثبتوا فخولوا
إن حرموا فطالما بفضلهم تطولوا … فتحت عيني بهم، فما عنهم محول
إعراضهم إن أعرضوا وشددوا وهولوا … وعرضوني للنوى بما علي طولوا
ليس بشان عنهم، إن الحبيب الأول … عليهم في كل ما أقصده المعول
ومنه:
قولوا لهم ثم قولوا … ما عنهم لي عدول
أحملوني أمورًا … تنهد منها العقول
أو تولوني بخير … يطول فيه الفضول
[ ١ / ٧٢ ]
لا أجعل القلب رهنا … فالرهن مما يزول
وقف عليهم فؤادي … والوقف ما لا يحول
ومنه:
قد ذل من منه ملا … وبعد ذلك ضلا
وفاز من فيه يسعى … وخاب من عنه ولى
من استقل سواه … ففي هداه استقلا
والمعرض المتواني … نوله ما تولى
وإن خضعت تراه … بفضله يتجلى
يا رب عبدك يرجو … من ظل فضلك ظلا
وأنت رب رحيم … تسدي الجميل فهلا
ومنه:
عبد الكريم المرتجي رحمة … تكنفه من كل أرجائه
أملى ثلاثين حديثا على … ما وفق الله بنعمائه
ليس يزكيها ولكنه يقول … قول الحائر التائه:
فاز أبو القاسم يا رب لو … قبلت حرفين من إملائه
شيوخ الإمام الرافعي
أما شيوخه فإنهم خير سلف للخلف، فهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، ومنجاة من الروى، فبهم اشتهر الدين، وبه اشتهروا، وأقاموا بفضل الله السنة، وهدموا البدعة، فسعت بذكرهم الركبان، وغشت مناقبهم البلدان، فتهافت الناس عليهم، من كل صقع شاسع ومكان.. ولا غرو فالعالم الغزير، والألمعي الكبير تمين أن تقوم له الدنيا فلا تقعد، ويرحم الله الألبيري لما ذكر العلماء فقال:
إن أولي العلم بهذه الفتن … تهيبوها من قديم الزمن
فاستعصموا الله وكان التقى … أوفى لهم فيها من أوفى الخبن
فهم رعاة الله في أرضه … حقا بهم تدفع عنا الفتن
فهنيئًا لعالمنا أن ينتسب إلى هالة النور من كوكبة العلماء هذه، وهي الزاخرة الفاخرة ذات الشهرة السائرة.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ودونك سردًا لبعض من كوكبة العلماء الأخيار.
[ ١ / ٧٣ ]
١- والد الرافعي ١
أبو الفضل، محمد بن عبد الكريم بن الفضل، والد الإمام الرافعي، تفقه ببلده قزوين على ملكداد بن علي وغيره، ثم قدم بغداد فتفقه بالنظامية إلى أبي منصور بن الرزاز، ثم رحل إلى نيسابور فتفقه بنظاميتها على: والدي رحمه الله تعالى ممن خصّ بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان، وقوّة الجنان والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس، والبراعة في العلم حفظًا وضبطًا.
توفي في شهر رمضان سنّة ثمانين وخمسمائة، وهو في عشر السبعين، انتهى كلامه.
٢- أبو الفتح بن البطي ٢
أبو الفتح بن البطي الحاجب محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان البغدادي مسند العراق وله سبع وثمانون سنّة أجاز له أبو نصر الزينبي وتفرد بذلك وبالرواية عن البانياسي وعاصم بن الحسن وعلي بن محمد بن محمد الأنباري والحميدي وخلق وكان دينًا عفيفًا محبًا للرواية صحيح الأصول.
قال ابن النجار: كان حريصًا على نشر العلم، صدوقًا حصل أكثر مسموعاته شراء ونسخًا، ووقفها.
توفي يوم الخميس سابع وعشرين جمادى الأولى سنّة أربع وستين وخمسمائة.
٣- أبو سليمان الزبيري ٣
أحمد بن حسنوية بن حاجي أبو سليمان الزبيري، وهو على ما رأيت بخطه أحمد بن حسنوية بن حاجي بن الحسن، ويقال له: حسنوية بن القاسم بن عبد الرحمن بن سهل بن السري بن سليمان بن عباد بن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام ﵁، إمام نسيب متفنن، فقيه مناظر عارف بالعربية شاعر، سمع القاضي أبا الفتح إسماعيل بن عبد الجبار، وإسماعيل بن محمد المخلدي والأستاذ الشافعي بن داؤد
_________________
(١) ١ تنظر ترجمته في: "طبقات الإسنوي" ١/٢٨٠ "٢٥٢٣" "طبقات الشافعية لابن السبكي" ٨/٢٨٣، "الوافي بالوفيات" ٣/٢٨٠. ٢ تنظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" ٢٠/٤٨١- ٤٨٤، و"شذرات الذهب" ٤/٢١٣- ٢١٤، و"المنتظم" ١٠/٢٢٩، "العبر" ٤/١٨٨، و"الوافي بالوفيات" ٣/٢٩. ٣ تنظر ترجمته في: "التدوين في أخبار قزوين" ٢/١٦٠- ١٦٣، و"طبقات الشافعية لابن السبكي" ٨/٢٨٣.
[ ١ / ٧٤ ]
وغيرهم.
روى سنن أبى عبد اللَّه بن ماجة عن أبي منصور المقومي بالإجازة، وقد أجاز له رواية جميع مسموعاته، سنة ثلاث وثمانين، وأربعمائة، وعن جده لأمه الواقد بن الخليل، وقد أجاز له إجازة مطلقة وهو يروي السنن عن أبى الحسن علي بن الحسن بن إدريس عن أبي الحسن القطان، وروى كتاب يوم وليلة لأبي بكر السني عن أبيه عن الأستاذ الشافعي بن داؤد المقرىء وعن إسماعيل بن محمد المخلدي بروايتهم عن أبى حفص هبة الله بن زاذان، عن عمه عنه.
توفي الإمام أبو سليمان الزبيري سنة أربع وستين وخمسمائة، وهو ابن ست وثمانين، وكانت ولادته على ما حكى الحافظ علي بن عبيد الله بن بابويه عنه في المحرم، سنة ثمانين وأربعمائة.
٤- أبو العلاء الهمذاني ١
الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن سهل العطار: شيخ همذان، وإمام العراقيين في القراآت، وله باع في التفسير والحديث والأنساب والتواريخ، كان لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا. ولا مدرسة ولا رباطًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مع التقشف في الملبس. له تصانيف، منها: "زاد المسير" في التفسير، خمسون جزءًا، و"الوقف والابتداء" في القراآت، و"معرفة القراءة"، و"الهادي في معرفة المقاطع والمبادي".
وقد ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وتوفي سنة تسمع وستين وخمسمائة.
٥- عبد الله بن أبي الفتوح ٢
عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران أبو حامد من الأئمة المذكورين من أقرانه، وكان من شركاء والدي ﵀ ببغداد وبنيسابور، تفقه عليه جماعة، في أول عوده من خراسان، وفي آخر أمره وعمره حين تولى التدريس في مدرسة القاضي عمر بن عبد الحميد الماكي، وسمع الكثير، بقزوين وبغداد ونيسابور، وغيرهما.
قال الرافعي: وقرأتُ عليه جامع أبي عيسى الترمذي بتمامه، بروايته عن أبي القاسم الكرخي
_________________
(١) ١ تنظر ترجمته في: "الأعلام" ٢/١٨١، و"طبقات الشافعية لابن السبكي" ٨/٢٨٣، و"غاية النهاية" ١/٢٠٤. ٢ تنظر ترجمته في: "التدوين في أخبار قزوين" ٣/٢٣٣- ٢٣٤، و"طبقات الشافعية لابن السبكي" ٨/٢٨٣.
[ ١ / ٧٥ ]
بإسناده، وسمع سنن عبد الرحمن النسائي من سعد الخير بن محمد الأنصاري، وأبي الحسين علي بن أحمد بن محمويه اليزدي، بروايتهما عن الدوري وتوفي سنّة خمس وثمانين وخمسمائة، في ذي القعدة.
تلاميذ الإمام الرافعي أحمد بن الخليل
أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى المهلبي، قاضي القضاة شمس الدين، أبو العباس، الخوبي، ولد بخوي في شوال سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ودخل خراسان وقرأ بها الأصول على القطب المصري صاحب الإمام فخر الدين، وقيل: بل على الإمام نفسه.
قال السبكي في "الطبقات الكبرى": وقرأ الفقه على الرافعي، وقرأ علم الجدل على علاء الدين الطوسي، وسمع الحديث من جماعة. وولي قضاء القضاة بالشام. وله كتاب في الأصول، وكتاب فيه رموز حكمية، وكتاب في النحو، وكتاب في العروض. وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة:
أحمد بن الخليل أرشده اللَّـ … ـه كما أرشد الخليل بن أحمد
ذاك مستخرج العروض وهذا … مظهر السر منه والعود أحمد
قال الذهبي: كان فقيهًا، وإمامًا، مناظرًا، خبيرًا بعلم الكلام، أستاذًا في الطلب والحكمة، دينًا، كثير الصلاة والصيام.
توفي في شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة.
المنذري
عبد العظيم بن عبد القويّ بن عبد الله، أبو محمد، زكيّ الدين المنذري: عالم بالحديث والعربية، من الحفاظ المؤرخين له "الترغيب والترهيب" و"التكملة لوفيات النقلة" أجزاء منه، و"أربعون حديثًا رسالة، و"شرح التنبيه" و"مختصر صحيح مسلم" في الهند مع شرحه لصديق حسن خان، و"مختصر سنن أبي داود" أصله من الشام، تولى مشيخة دار الحديث الكاملية "بالقاهرة" وانقطع بها نحو عشرين سنة، عاكفًا على التصنيف والتخريج والإفادة والتحديث.
مولده سنة ٥٨١ هـ، وتوفي سنة ٦٥٦ هـ بمصر.
[ ١ / ٧٦ ]
العزيز في شرح الوجيز المسمى بـ "الشرح الكبير" وثناء العلماء عليه
لقد اشتهر الرافعي بأنه صاحب الشرح، والمقصود منه الشرح الكبير، ولقد سماه "العزيز" وتوزع بعضهم عن إطلاق لفظ "العزيز" مجردًا على غير كتاب الله، فقال: "الفتح العزيز في شرح الوجيز" قاله الإمام السبكي في "طبقاته" ولعله أشار بذلك لتسمية الذهبي له في "سير أعلام النبلاء" الفتح العزيز في شرح الوجيز، وقد رأينا أن الأفضل تسمية الكتاب بما سماه المصنف بـ "العزيز في شرح الوجيز".
قال النووي في كتابه "روضة الطالبين". وكانت مصنفات أصحابنا ﵏ في نهاية من الكثرة فصارت منتشرات، مع ما هي عليه من الاختلاف في الاختبارات، فصار لا يحقق المذهب من أجل ذلك إلا أفراد من الموفقين الغواصين المطلعين أصحاب الهمم العاليات، فوفق الله ﷾- وله الحمد- من متأخري أصحابنا من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقّح المذهبَ أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرّز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي ذو التحقيقات، فأتى في كتابه "شرح الوجيز" بما لا كبير مزيد عليه من الاستيعاب مع الإيجاز والإتقان وإيضاح العبارات، فشكر الله الكريم له سعيه، وأعظم له المثوبات، وجمع بيننا وبينه مع أحبابنا في دار كرامته مع أولي الدرجات.
قال ابن قاضي شهبة: من تصانيفه: "العزيز في شرح الوجيز" الذي يقول فيه النووي بعد وصفه: واعلم أنه لم يصنف في مذهب الشافعي ﵁ ما يحصل لك مجموع ما ذكرته أكمل من كتاب الرافعي ذي التحقيقات، بل اعتقادي واعتقاد كل مصنف أنه لم يوجد مثله في الكتب السابقات ولا المتأخرات فيما ذكرته من المقاصد المهمات.
قال ابن هداية الله: صاحب "العزيز" الذي لم يصنف مثله في المذهب.
هذا، وهو الكتاب الذي قام الحافظ بن حجر بتخريج أحاديثه في كتابه الذي بين أيدينا "تلخيص الحبير".
وفاته
قال ابن خلكان: توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وكان عمره حينئذ ست وستين سنة.
[ ١ / ٧٧ ]