قال ﷺ: "الدين النصيحة". قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "للَّه ولكتابه ولعامة المؤمنين وخاصتهم" ١.
قلت: ومن الخاصة رواة الحديث، فجرحهم جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه صيانة للشريعة المكرمة وليس هو من الغيبة المحرمة كما ثبت ذلك في حديث الثلاثة الذين دخلوا على رسول الله ﷺ فقد تحدث رسول الله ﷺ عن المعرض الذي لم يكن حاضرًا بين القديم ولم يكن ذلك غيبة منه ﷺ بل هو تحذير من فعله للسامعين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من الإعراض عن رسول الله ﷺ الذي قد يؤدي إلى الكفر والعياذ باللَّه، بل إن النبي ﷺ هو أول من جرح وعدل على الإطلاق، ألا ترى إليه وهو يقول في رجل استأذن عليه يومًا: "ائذنوا له بئس أخو العشيرة".
وتسأله فاطمة بنت قيس عن رأيه في خطبها معاوية وأبي جهم، فيقول لها: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأبو جهم لا يضع عصاه عن عاتقه" ٢.
وأما تعديله ﷺ فكقوله في عبد الله بن عمر: "نعم الرجل لو كان يقيم الليل".
وقوله: "نعم الرجل خريم الأسدي" … الحديث٣.
ثم هب أنك إمام بئر مغطى، ومن مشى على غطائه وقع فيه فأرديَ قتيلًا، ثم أراد مسلم أن يمشي على غطاء هذا البئر فهل تسكت فتكون آثمًا أم تجذب فتكون ناصحًا أمينًا؟ وقد تركت لك الإجابة لتختر أيهما شئت أيها الناصح للَّه ورسوله.
_________________
(١) ١ أخرجه: مسلم في كتاب الإيمان باب بيان أن الدين النصيحة ٩٥- ٥٥ والنسائي في "السنن" ٧/١٥٧، وأحمد في "المسند" ٢/٢٩٧، والدارمي في "السنن" ٢/٣١١، وأبو عوانة ١/٣٧، والطحاوي في "مشكل الآثار" ٢/١٨٨، والحميدي ٨٣٧، والخطيب في "تاريخه" ١٤/٢٠٧، وابن حجر في "المطالب العالية" "١٩٧٩" "٣٢٨٤" وذكر السيوطي في "الدر المنثور" ٣/٢٦٧. ٢ أخرجه: مسلم ٢/١١١٤ في كتاب الطلاق: باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها ٣٦/١٤٨٠. ٣ أخرجه: أبو داود ٤/٣٤٨- ٣٤٩، في كتاب اللباس: باب ما جاء في إسبال الإزار "٤٠٨٩" وأحمد٤/١٨٠.
[ ١ / ٢٩ ]
وجمهور الأئمة على أن الجرح المفسر مقدم على التعديل ولو كان عدد الجارح أقل من المعدل. وهذا النوع من السلوك يأخذ به مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية حين يقدم لأعضائه كتابًا من الكتب لطبعه ونشره فتكتب عنه اللجنة تقريرًا كل على حدة فإذا عدله الجميع وجرحه واحد رفض الكتاب وما أجمل أن تعيش سنّة نبينا هكذا.
وقال البعض: إذا زاد عدد المعدلين على المجروحين قدم التعديل، وهذا القول وإن ضعف لكنه المتجه حتى الآن. وقال السبكي في قاعدته في الجرح والتعديل: لا يفهم هذه القاعدة على إطلاقها فإننا لو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون، اهـ١.
قلت: والأصل العدالة والجرح طارىء والعصمة محالة إلا في نبي أو أمة مجتمعة لقوله ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ٢ وحتى لا يذهب غالب أحاديث الشريعة، وإحسانك الظن بالراوي المستور أولى من تجريحه، والحكمة من تضعيف بعض الأحاديث نوع من الرحمة بالأمة إذ لو صحت كلها لوجب العمل بها وهو تكليف بما لا يطاق، واللَّه لم يكلفنا ذلك، ثم إن الحديث الضعيف قد ورد عن النبي ﷺ لكن بسند ضعيف، فالحديث يقوى نوره بصحة سنده، ويضعف نوره بضعف سنده، والله أعلم.
_________________
(١) ١ قاعدة في الجرح والتعديل ١٣، ١٤. ٢ أخرجه: الترمذي في أبواب الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤/٤٦٦ "٢١٦٧"، قلت: وفي إسناده سليمان بن سفيان، وقد ضعفه الأكثرون، وقد رواه أيضا الحاكم من حديث خالد بن يزيد، وقال: ولو حفظه خالد لحكمنا بصحته انظر "مستدرك" الحاكم ١/١١٥، ورواه ابن ماجة ٢/١٣٠٣ "٣٩٥٠" من حديث الوليد بن مسلم وفيه معان بن رفاعة. وانظر: تخرجنا للحديث في تحقيقنا على كتاب "نفائس الأصول في شرح المحصول".
[ ١ / ٣٠ ]