…
حياة ابن حجر ١
نسبه ومولده: هو شهاب الدين، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي
_________________
(١) ١ استفدنا أكثر هذه الترجمة من الدراسة التي قدمها الدكتور شاكر محمود عبد المنعم عن الحافظ ابن حجر فلتنظر وجزاه الله خيرًا، وانظر "رفع الإصر عن قضاة مصر" "٧٣"، و"معجم المؤلفين" ٢/٢٠،"الرسالة المستطرفة "١٢١"، طبقات الحفاظ ٥٤٧، حسن المحاضرة، ١/٣٦٣ "ذيل تذكرة الحفاظ" ٣٢٦، "شذرات الذهب" ٧/٢٧٠، "الضوء اللامع" ٢/٣٦، "ذيل طبقات الحفاظ" ٣٨٠، "نظم العقيان" "٤٥"، "التاريخ المكلل" ٣٦٢، "طبقات الحفاظ" ٥٤٧، "مقدمة كتاب أبناء الغمر" "٧"، "معجم طبقات الحفاظ" ٥٥، ٣٢١، "فهرس الفهارس" ١١/١٢٠، "الجامع في الرجال" ١٣٦، "الكنى والألقاب" ١/٢٦١، "البدر الطالع" ١/٨٧، "القلائد الجوهرية" ٣٣١، "مفتاح السعادة" ١/٢٠٩، "المؤرخين في مصر" ١٧، "عقود الجوهر" ١٨٨، "كشف الظنون" ٧، ٨، ١٢، "إيضاح المكنون" ١/١٣، "الأعلام" ١/١٧٩، "هدية العارفين" ١/١٢٨.
[ ١ / ٧٧ ]
ابن محمود بن أحمد بن حجر الكناني، العسقلاني، الشافعي، المصري المولد والمنشأ والدار، والوفاة، القاهري.
اختلفت المصادر في اسم جدّه الرابع، فتارة ذكر محمود، وتارة أحمد، والراجح أحمد كما في الترجمة التي كتبها هو لنفسه، كما أن السخاوي أثبت النسب المذكور وقال: هذا هو المعتمد في نسبه، ثم إن السّخاوي أشار إلى الاختلاف في نسبه فقال: "لا أذكر أدناه … إلا ما قرأته بخط أصحابنا بل وبخط المقريزي، وكان عمدته بعد أحمد أحمديل فإنني لا أعلمه، ثم رأيته بخط صاحب الترجمة نفسه في أجزاء من نسخة من صفة النبي ﷺ كما وجد نسبه بخط قريبه الزين شعبان بإثبات أحمديل وإسقاط محمود.
وينسب إليه القول: "إن نسبه يقرأ طردًا وعكسًا ولا يتهيأ إلا بتأخير محمود عن أحمد وبإسقاطه".
فإن كان قال ذلك فهو على سبيل التندر لما هو معلوم بأن مفهوم النسب لا يعني سبعة أسماء أو ثمانية لكي يقال: إنه يقرأ طردًا وعكسًا.
وفي "الدررِ الكامنة" ذكر عم والده، فقال: عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود، وكذلك في كتابه "رفع الإصر" وفى أول كتابه "إنباء الغمر" بزيادة أحمد بعد محمود بحيث صار محمود بين أحمدين، لكنه خالف ذلك في كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" وكذلك في ترجمة والده في القسم الثاني من معجم شيوخه، فإنه قال: علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني.
كما ورد اسم أبيه عبيد الله في موضع واحد وهذا وهم وأوضح البقاعي وابن خليل أن الحافظ بن حجر ذكر طرفًا من نسبه في استدعاء فقال [من الكامل]:
من أحمد بن عليٍّ١ بن محمد بـ … ـن محمد بن علي الكناني المحتد
ولجد جد أبيه أحمد لقبوا … حجرا وقيل: بل اسم والد أحمد٢
وبمصر مولده وأصل جدوده … من عسقلان المقدسية قد بدي
_________________
(١) ١ التنوين لضرورة الشعر. ٢ الكسر لضرورة الشعر.
[ ١ / ٧٨ ]
وكان يلقب "شهاب الدين" ويكنى "أبا الفضل" وكناه شيخه العراقي والعلاء بن المحلّى "أبا العباس"، كما كني أبا جعفر، غير أن كنيته الأولى "أبو الفضل"- وهي التي كناه بها والده- هي التي ثبتت وصار معروفًا بها.
نسبتاه:
١- الكناني: نقل السخاوي عن خط ابن حجر أنه كناني الأصل، نسبه إلى قبيلة "كِنَانة".
وقال الحافظ ابن حجر عن والده: "رأيت بخطه أنه كِنَاني النسب وكان أصلهم من عسقلان".
٢- العسقلاني: نسبة إلى "عسقلان" وهي مدينة بساحل الشام من فلسطين، والظاهر أن القبيلة التي ينتمي إليها الحافظ ابن حجر كانت قد استقرت في عسقلان، وما جاورها إلى أن نقلهم "صلاح الدين الأيوبي" عندما خربها ما بين "٥٨٠- ٥٨٣ هـ" على أثر الحروب الصّليبية.
وقال ابن حجر [من الكامل]:
وبمصر مولده وأصل جدوده … من عسقلان المقدسية قد بدي
اشتهاره بابن حجر:
لقد اشتهر بـ "ابن حجر" واختلفت المصادر في اعتباره اسمًا أو لقبًا، وإذا كان لقبًا هل هو لقب أحد أجداده فطغى على الحائلة كلها؟ أم أنه لقب أو مهنة أو صناعة؟.
قال السخاوي: هو لقب لبعض آبائه، وفي موضع آخر قال: هو لقب لأحمد الأعلى في نسبه، وقيل: بل هو اسم لوالد أحمد المشار إليه. إن هذا الرأي يستند إلى الاستدعاء الذي كتبه الحافظ ابن حجر بهيئة شعره السابق، وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنفه فهو الراجح. وذهب بعضهم إلى القول بأنه نسبة إلى آل حجر وهم قوم يسكنون الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس وفي شرح ابن سلطان القاري على "توضيح النّخبة" أن ابن حجر هو لقب وإن كان بصيغة الكنية١.
مولده:
كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطىء النيل بمصر القديمة وقال [من الكامل]:
شعبان عام ثلاثة من بعد سبع … مائة وسبعين اتفاق المولد
_________________
(١) ١ ابن حجر دراسة ص ٦٣ وما بعدها.
[ ١ / ٧٩ ]
وكان المنزل الذي ولد فيه يقع بالقرب من دار النحاس ولبث فيه إلى أن تزوج بأم أولاده، فسكن بقاعة جدها منكوتمر المجاورة لمدرسته "المنكوتمرية" داخل باب القنطرة بالقرب من حارة بهاء الدين واستمر بها حتى مات.
وبينا نجده لا يشير إلى تاريخ يوم ولادته، نلاحظ اختلافًا بين مترجميه في تحديدهم لتاريخ ذلك اليوم فذكره البقاعي والسيوطي في الثاني عشر من شعبان، وذكر ابن فهد وابن طولون: في الثالث عشر من شعبان كما ذكره ابن تغري بردي والسخاوي في الثاني والعشرين من شعبان على أن الشوكاني اعتبر مولده في الثاني من شعبان وهذا بعيد الاحتمال بسبب كونه متأخرًا أخذ عن الذين سبقوه وفي هذه الحالة لا يؤمن التحريف.
ويظهر مما فات أن يوم مولد ابن حجر ينحصر ما بين الثاني عشر والثاني والعشرين من شعبان سنّة ٧٧٣هـ أي بين الثامن عشر من شباطو الثامن والعشرين منه من سنّة ١٣٧٢م.
نشأته وأسرته:
نشأ الحافظ ابن حجر يتيمًا- كما عبر هو عن نفسه- إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل.
وقال: "تركني ولم أكمل أربع سنين، وأنا الآن أعقله كالذي يتخيل الشيء ولا يتحققه، وأحفظ عنه أنه قال: كنية ولدي أحمد أبو الفضل"، ولم يكن من يكفله، وكان والده قد أوصى قبل وفاته بولده اثنين من الّذين كانت بينه وبينهم مودّة ويبدو أن عليًا كان حفيًّا بولده أحمد، فهو الذي كناه واصطحبه عندما حج وزار بيت المقدس وجاور، ويظن الحافظ ابن حجر أن أباه أحضره في مجاورته مجالس الحديث وسمع شيئًا ما، غير أن المنية اخترمته ولم يسعد بولده الذي صار له فيما بعد شأن عظيم.
وأصبح اليتيم في وصاية زكي الدين أبي بكر بن نور الدين علي الخروبي، ّ وكان تاجرًا كبيرًا بمصر، وورث مالًا كثيرًا وأصبح رئيسًا للتجار، كما أوصى به والده العلامة شمس الدين بن القطان الذي كان له بوالده اختصاصًا لكنه لم ينصح له في تحفيظه الكتب وإرشاده إلى المشايخ والاشتغال حتى أنه كان يرسل بعض أولاده إلى كبار الشيوخ … ولا يعلمه بشيء من ذلك.
وقال عن ابن حجر: وكان له اختصاص بأبي فأسند إليه وصيته فلم يحمد تصرفه.
وتشير المصادر إلى أن نشأة الحافظ ابن حجر كانت برغم ذلك- في غاية العفة والصيانة والرياسة، وأن الخروبيّ المذكور لم يأل جهدًا في رعايته والعناية بتعليمه فكان يستصحبه معه عند مجاورته في مكة، وظل يرعاه إلى أن مات سنّة ٧٨٧هـ وكان الحافظ ابن حجر قد راهق ولم تعرف له صبوة ولم تضبط له زلّة.
[ ١ / ٨٠ ]
ولم يدخل الكُتّاب حتى أكمل خمس سنين فأكمل حفظ القرآن الكريم وله تسع سنين ومن الذين قرأ عليهم في المكتب شمس الدين بن العلاف الذي ولي حسبة مصر وقتًا وغيره.
وأكمل حفظه للقرآن على صدر الدين محمد بن محمد بن عبد الرزاق السفطي، وكان الاتجاه الثقافي السائد آنذاك يقتضي من الذي يستظهر القرآن أن يصلي بالناس إمامًا في صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان، غير أن هذه الفرصة لم تتهيأ لابن حجر الصّبي النّابه الذي حفظ القرآن ولم يزل في التاسعة من عمره، وهذه في الحقيقة مسألة شرعية حيث لا تجزىء صلاة المؤتمين إن لم يكن إمامهم بالغًا، ومع الاختلاف النسبي في تحديد سن البلوغ، فإن السنّة الثانية عشرة من عمر الصبي كانت تتيح له على ما يظهر أن يصلي إمامًا بالمسلمين إن هو حفظ القرآن الكريم، فكان عليه أن ينتظر بلوغ هذه السن.
وفي أوّل سنة ٧٨٣ اشتغل بالإعادة، وفي سنّة ٧٨٥ أكمل الحافظ ابن حجر اثنتي عشرة سنة من عمره، ومن حسن حظه أن يكون متواجدًا حينئذ مع وصية الزكي الخرّوبي في مكة في تلك السنة فصلى التراويح هناك.
ويمكن تصور بوادر نبوغه وشجاعته، فبقدر ما كانت مفخرة له كصبي يتقدّم إمامًا بالمسلمين في بيت الله الحرام فإنها كانت لحظة حاسمة وحرجة اجتازها بثبات وحسن أداء، فكانت الخيرة له في ذلك كما قال، وكان الحج يومئذ يوم الجمعة فحج وجاور في الحرم الشريف ثم صلّى بعد ذلك بالقدس.
ويظهر من استقراء تراجم الذين عاشوا في عصر الحافظ ابن حجر أن تقليدًا ثقافيًا كان يسود بين أوساط التلاميذ الذين يدخلون بالكتّاب وذلك بإلزام التلاميذ بالتدرج في حفظ بعض مختصرات العلوم والكتب وسماع بعضها الآخر، وهي التي اتفق العلماء آنذاك اعتبارها أساسًا في بناء ثقافة طلاب العلم، وكان حفظها أو سماعها يتم بإشراف أساتذة كفاة بارزين في حقول اختصاصهم أو ما يقرب منها.
وإذا كانت ثقافة الحافظ ابن حجر تقليدية في أسلوبها فهي ليست كذلك في مكوّناتها، نظرًا لقائمة الكتب المهمة التي كوّنت ثقافته بادىء ذي بدء.
وبعد أن حفظ القرآن الكريم ظهرت مخايل الذكاء الفطري جلية عليه ما لبث أن استكملها بالتتبع والتحصيل حتى صار حافظ عصره وشيخ الإسلام.
وحفظ بعد رجوعه مع الخروبي إلى مصر سنّة ٧٨٦ "عمدة الأحكام" للمقدسي، و"الحاوي الصّغير" للقزويني و"مختصر ابن الحاجب" الأصلي في الأصول، و"ملحة الإعراب" للهروي، و"منهج الأصول" للبيضاوي وألفيّة العراقي وألفيّة ابن مالك، والتنبيه في فروع الشافعية للشيرازي وتميز بين أقرانه بسرعة الحفظ فأشار مترجموه إلى أنه حفظ سورة
[ ١ / ٨١ ]
مريم في يوم واحد، وكان يحفظ الصحيفة من الحاوي الصغير في ثلاث مرات يصححها ويقرؤها على نفسه ثم يقرؤها أخرى ثم يعرضها حفظًا، وكانت له طريقته الخاصة في الحفظ، حدث عنها تلامذته فهو لم يكن يحفظ بالدرس، وإنما بالتأمّل، وصرف همته نحو ما يروم حفظه، وقد وصف السّخاوي هذه الطريقة بأنها طريقة الأذكياء.
وسمع "صحيح البخاري" سنة ٧٨٥ على مسند الحجاز عفيف الدين عبد الله النشاوري، وكأنه نسي تفاصيل سماعه منه، لكنه كان يتذكر أنه لم يسمع جميع الصحيح، وإنما له فيه إجازة شاملة وقد بين ذلك ابن حجر بقوله: "والاعتماد في ذلك على الشيخ نجم الدين المرجاني فإنه أعلمني بعد دهرٍ طويل بصورة الحال فاعتمدت عليه وثوقًا به".
وقرأ بحثًا في عمدة الأحكام على الحافظ الجمال بين ظهيرة عالم الحجاز سنة ٧٨٥هـ، وكان عمره اثنتي عشرة سنة.
واجتهد في طلب العلم فاهتم بالأدب والتاريخ وهو ما يزال في المكتب فنظر في التواريخ وأيام الناس، واستقر في ذهنه شيء من أحوال الرواة، وكان ذلك بتوجيه رجل من أهل الخير سماه ابن حجر للسخاوي إلا أن السخاوي نسيه.
وسمع في فتوته من المُسنِد نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن رزين بن غالب "صحيح البخاري" بقراءة الجمال بن ظهيرة سنة ست وثمانين وسبعمائة بمصر، وفاته شيء يسير، كما سمع الصحيح أيضًا من أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك الغزي وغيرهما.
وبلغ به الحرص على تحصيل العلم مبلغًا جعله يستأجر أحيانًا بعض الكتب، ويطلب إعارتها له، يبرز في هذا المجال من بين شيوخه بدر الدين البشتكي الشاعر المشهور الذي أعاره جملة من الكتب منها كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني وغيره.
ويبدو من خلال الاستقراء أن فتورًا حصل في نشاطه الثقافي استمر إلى أول سنة تسعين وسبعمائة، اشتغل في هذه المدة بالتجارة فنشأ في وسط تجاري لأن جده وأعمامه كانوا تجارًا، وكان وصيه الخروبيّ رئيسًا للتجار في مصر.
ولعل لموت الخرّوبي سنة ٧٨٧هـ أثرًا في فتور ابن حجر واشتغاله بالتجارة حيث فقد من كان يحثه على الاشتغال بالعلم، وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى ذلك، كما ترتب عليه أن يكفل نفسه وينهض بأعباء الحياة، وقد يتضح ذلك من قول السخاوي، ولو وجد من يعتني به في صغره لأدرك خلقًا ممن أخذ عن أصحابهم.
في سنة ٧٩٠ هـ أكمل السّابعة عشرة من عمره، وحفظ فيها القرآن الكريم وكتبًا من مختصرات العلوم، وقرأ القراءات تجويدًا على الشهاب أحمد الخيوطي، وسمع صحيح
[ ١ / ٨٢ ]
البخاري على بعض المشايخ كما سمع من علماء عصره البارزين واهتم بالأدب والتاريخ.
وقد لازم حينئذ أحد أوصيائه العلامة شمس الدين محمد بن القطان المصري، وحضر دروسه في الفقه والعربية والحساب وغيرها، وقرأ عليه شيئًا من الحاوي الصغير فأجاز له ثم درس ما جرت العادة على دراسته من أصل وفرع ولغة ونحوها وطاف على شيوخ الدراية.
ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره نظر في فنون الأدب، ففاق أقرانه فيها حتى لا يكاد يسمع شعرًا إلا ويستحضر من أين أخذ ناظمه، وطارح الأدباء.
وقال الشعر الرّائق والنثر الفائق، ونظم المدائح النبوية والمقاطيع.
وتمثل سنة ٧٩٣ منعطفًا ثقافيًا في حياة ابن حجر، فمن هذه الثقافة العامة والسعة، واجتهاده في الفنون التي بلغ فيها الغاية القصوى أحس بميل إلى التخصص فحبّب الله إليه علم الحديث النبوي فأقبل عليه بكليته.
وأوضحت المصادر أن بداية طلبه الحديث كان في سنة ٧٩٣ هـ وغير أنه لم يكثر إلا في سنة ٧٩٦هـ وكتب بخطه: " رفع الحجاب، وفتح الباب، وأقبل العزم المصمم على التحصيل، ووفق للهداية إلى سواء السبيل" فكان أن تتلمذ على خيرة علماء عصره.
وكان شيخه في الحديث زين الدين العراقي الذي لازمه عشر سنوات، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندًا ومتنًا وعللًا واصطلاحًا، فقرأ عليه ألفيته وشرحها فنون الحديث وانتهى منهما في رمضان سنة ٧٩٨هـ بمنزل شيخه المذكور بجزيرة الفيل على شاطىء النيل، كما قرأ عليه نكته على ابن الصلاح في مجالس آخرها سنة ٧٩٩هـ، وبعض الكتب الكبار والأجزاء القصار، وحمل جملة مستكثرة من "أماليه" واستملى عليه بعضها وهو أول من أذن له بالتدريس في علوم الحديث عام ٧٩٧هـ.
وقرأ على مُسْنِدي القاهرة ومصر الكثير في مدة قصيرة فوقع له سماع متصل عال لبعض الأحاديث.
أسرته:
كانت أسرة الحافظ ابن حجر تجمع بين الاشتغال بالتجارة والاهتمام بالعلم، فكان عم والده فخر الدين عثمان بن محمد بن علي الذي عرف بابن البزاز وبـ "ابن حجر" قد سكن ثغر الإسكندرية وانتهت إليه رئاسة الإفتاء هناك على مذهب الإمام الشافعي وتفقه به جماعة منهم الدّمنهوري، وابن الكويك، وكان له ولدان هما ناصر الدين أحمد، وزين الدين محمد، وكانا من الفقهاء.
أما جده قطب الدين محمد بن محمد بن علي فلقد كان بارعًا رئيسًا تاجرًا، حصل على إجازات من العلماء، وأنجب أولادًا منهم كمال الدين، ومجد الدين، وتقيّ الدين وأصغرهم
[ ١ / ٨٣ ]
وليّ الدين ثم نور الدين علي، وهو والد ابن حجر الذي انصرف من بينهم لطلب العلم أما إخوته فكانوا تُجارًا.
ويبدو من خلال سيرة نور الدين على أنه مع اشتغاله بالتجارة عكف على الدرس وتحصيل العلوم فتفقه على مذهب الإمام الشافعيّ وحفظ الحاوي الصغير، وأخذ الفقه عن محمد بن عقيل وأجازه، وسمع من أبي الفتح بن سيد الناس وطبقته وله استدراك على الأذكار للنووي فيه مباحث حسنة، وعدّة دواوين شعر منها ديوان الحرم فيها مدائح نبوية، وكان معنيًا بالنظم ذا حظ جيّد في الأدب.
وقال ابن حجر عن أبيه: "لم يكن له بالحديث إلمام ونظمه كثير سائر" ووصفته المصادر بالعقل والدّيانة والأمانة ومكارم الأخلاق، وصحبة الصّالحين، ونوّهت بثناء ابن القطان وابن عقيل والوليّ العراقي عليه، وناب في القضاء، وأكثر من الحج والمجاورة وصنف، وأجيز بالإفتاء والتدريس والقراءات السبع وتطارح مع ابن نباتة المصري والقيراطي، وتبادل معهما المدائح.
كان مولده في حدود سنة ٨٢٠ هـ في رجب سنة ٧٧٧ هـ.
أما والدته فهي تجار ابنة الفخر أبى بكر بن شمس محمد بن إبراهيم الزفتاوي، أخت صلاح الدّين أحمد الزفتاوي الكارمي صاحب القاعة الكائنة بمصر تجاه المقياس.
وكانت له أخت، ترجم لها في "إنباء الغمر" و"المجمع المؤسس" وهي ست الركب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر، وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، أثنى عليها وقال: "كانت أمي بعد أمي، أصبت بها في جمادى الآخرة من هذه السنّة" أي سنة ٧٩٨هـ.
وذكر السّخاوي تحصيلها الثقافي وإجازتها، وزواجها، وأولادها كما ذكر الحافظ ابن حجر شيوخها وإجازتها من مكة ودمشق وبعلبك ومصر وقال: "وتعلّمت الخط وحفظت الكثير من القرآن، وأكثرت من مطالعة الكتب فمهرت في ذلك جدًّا … وكانت بي برة رفيقة محسنة، وقد رثاها أخوها الحافظ ابن حجر في قصيدة، وكان له أخ من أمه اسمه عبد الرحمن بن الشهاب أحمد بن محمد البكري، ترجم له في إنبائه وقال: إنه مهر وحصّل مالًا أصله من قبل أمه- وهي والدتي- فقدر اللَّه موته فورثه أبوه.
تزوّج الحافظ ابن حجر عند ما بلغ عمره خمسًا وعشرين سنة، وذلك في سنّة ٧٩٨ من أنس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن عبد العزيز ناظر الجيش، وتنتمي أنس إلى أسرة معروفة بالرئاسة والحشمة والعلم.
وكان ابن حجر حريصًا على نشر الثقافة والعلم بين أهل بيته وأقاربه كحرصه على نشر العلم بين الناس، وسيتضح ذلك في دراسة جهوده في التدريس وعقده لمجالس الإملاء.
[ ١ / ٨٤ ]
فأسمع زوجته من شيخه حافظ العصر عبد الرحيم العراقي الحديث المسلسل بالأولية، وكذا أسمعها إياه من لفظ العلامة الشرف ابن الكويك، وأجاز لها باستدعاء عدد من الحفاظ فيهم أبو الخير بن الحافظ العلائي، وأبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ الذهبي، ولم تكن الاستدعاءات بالإجازة لها لتقتصر على المصريين بل من الشاميين والمكيين واليمنيين، وكان الحافظ ابن حجر في حالة الاستدعاء لها بدون أسماء من ولدن من بناتها اللاتي ولدن تباعًا.
وحجت صحبة زوجها في سنة ٨١٥ هـ كما حجت وجاورت بعد ذلك وحدثت بحضور زوجها، وقرأ عليها الفضلاء، وكانت تحتفل بذلك وتكرم الحاضرين، وقد خرج لها السخاوي أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، وقرأها عليها بحضور زوجها، وكان الحافظ ابن حجر قد أسلف لها بالإعلام بذلك على سبيل المداعبة بقوله: قد صرت شيخة إلى غير ذلك، وكانت كثيرة الإمداد للعلامة إبراهيم بن خضر بن أحمد العثماني العلامة المنفس الذي كان يقرأ لها "صحيح البخاري" في رجب وشعبان من كل سنة، وتحتفل يوم الختم بأنواع من الحلوى والفاكهة، ويهرع الكبار والصغار لحضور ذلك اليوم قبيل رمضان بين يدي زوجها الحافظ، ولما مات الحافظ ابن خضر قرأ لها سبطها يوسف بن شاهين، ولم تضبط لها هفوة ولا زلّة.. وكان زوجها يكن لها الاحترام الكبير كما كانت هي عظيمة الرعاية له. فولدت له عدة بنات زين خاتون وفرحة، وعالية، ورابعة، وفاطمة، ولم تأت منه بذكر، وكانت كلّما حملت ذكرًا ولد قبل أوانه ميتًا.
وتمر السنوات ثقيلة متباطئة، وتتدافع في نفسه أمور متنافرة يحترم أم أولاده ويرعاها، غير أنه شاء الله لها أن لا تلد إلا إناثًا، أما الذكور فيموتون، بيد أنه أحب أن يكون له ولد، فاختار التسري، وكانت لزوجته جارية يقال إن اسمها خاص نزل، فأظهر غيظًا بسبب تقصيرها، وأقسم بأن لا تقيم بمنزله فبادرت أنس لبيعها، فأرسل شمس الدين بن الضياء الحنبلي فاشتراها له بطريق الوكالة وتزوّجها في مكان بعيد عن منزله، فحملت بولده الوحيد بدر الدين بن المعالي محمد المولود في الثامن عشر من صفر سنة ٨١٥ هـ وكانت العقيقة في منزل أنس، ولم تشعر بذلك إلى قبل انفصال الولد عن الرضاع، فلما علمت أنس ذهبت هي وأمها إلى مكان وجود الولد وأمه وأحضرتها معها إلى منزلها وأخفت أمرهما. ولما حضر الحافظ ابن حجر استجوبته زوجته أنس فما اعترف ولا أنكر بل روى بما يفهم منه الإنكار، ثم قامت فأخرجت الولد وأمه فأسقط في يده.
وعاتبته عتابًا مرًّا، فاعتذر بميله للأولاد الذكور، ودعت عليه أن لا يرزق ولدًا عالمًا، فتألم لذلك وخشي من دعائها، وقال لها: أحرقت قلبي أو شيئًا من هذا القبيل؛ لأنها كانت مجابة الدّعاء.
وبعد وفاة الحافظ ابن حجر أرسل لها علم الدين البلقيني على يد ولده أبي البقاء يطلب
[ ١ / ٨٥ ]
الزواج منها، وقيل: إنها لم تكن تأبى ذلك لكن عصم الله- كما قال السخاوي: ببركة شيخنا- فلم تتزوّجه.
كما تزوج الحافظ ابن حجر أرملة الزين أبي بكر الأمثساطي بعد وفاته، وذلك عند مجاورة أم أولاده سنة ٨٣٤هـ ورزق منها في رجب سنة ٨٣٥ ابنة سماها آمنة، لم تعش طويلًا حيث ماتت في شوال ٨٣٦هـ، وبموتها طلقت أمها لأنه علّق طلاقها عند سفره إلى آمد على موتها. ك
ما تزوج الحافظ ابن حجر من ليلى ابنة محمود بن طوعان الحلبية عندما سافر مع الأشرف سنة ٨٣٦هـ إلى آمد. وكان زواجه منها في حلب، واستمرت معه إلى أن سافر من حلب ففارقها دون أن يعلمها بالطلاق، لكن أسرّه إلى بعض خواصه، والتمس منه ألا يعلمها بذلك، وكان يريد أن يختبر ولاءها، ولأنها قد لا تطيق أن تترك حلب وتسافر معه إلى مصر، ثم راسل بعض أصدقائه الحلبيين في تجهيزها إن اختارت ويعلمها بأن الذي يحمله على الطلاق هو الرفق بها لئلا تختار الإقامة بحلب أو يحصل لها نصيبها فلا تتضرّر، وجاء في الكتاب الذي قرأه السخاوي بخطه وصفه لها بأنها نعم المرأة عقلًا وحسن خلق وخُلق ويعدها بكل جميل وأنها إن قدمت ينزلها أحسن المنازل … فامتثلت إشارته وتجهزت حتى قدمت عليه إلى مصر … واستمرت معه حتى مات، وكان قد أسكنها في بيت خاص.. ويأتي إليها في يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، ولم يرزق منها أولادًا، وكان شديد الميل إليها حتى قال فيها شعرًا.
أما أولاده فهم خمس بنات وولد واحد، وهم: زين خاتون، وفرحة، وعالية، ورابعة وفاطمة وبدر الدين محمد.
فكانت "زين خاتون" هي البكر، ومولدها في ربيع الآخر سنة ٨٠٢، فاعتنى بها واستجاز لها في سنة ولادتها وما بعدها خلقًا وأسمعها على شيوخه كالعراقي والهيثمي وأحضرها على ابن خطيب داريا، ثم تزوّجها الأمير شاهي العلائي الكركي الذي صار داودارًا عند المؤيد مدة، فولدت له عدة أولاد ماتوا كلهم في حياة أمهم، ولم يتأخر من أولادها إلاَّ أبو المحاسن يوسف بن شاهين المعروف كسبط ابن حجر، وكانت قد تعلمت القراءة والكتابة وماتت- وهي حامل- بالطاعون سنة ٨٣٣ هـ.
وأما "فرحة" فكان مولدها في رجب سنة ٨٠٤، واستجيز لها مع أمها، وتزوجها شيخ الشيوخ محب الدين بن الأشقر الذي ولي نظر الجيش وكتابة السّر، وكان أحد الأعيان في الديار المصرية فولدت له ولدًا مات صغيرًا في حياة أمه التي كانت وفاتها سنّة ٨٢٨ هـ بعد أن رجعت من الحج مع زوجها موعوكة.
وأما "عالية" فكان مولدها سنة ٨٠٧هـ واستجيز لها جماعة وماتت هي وأختها فاطمة في الطّاعون سنة ٨١٩ مع من مات من أفراد أسرة أبويهما.
[ ١ / ٨٦ ]
وأما "رابعة" فكان مولدها سنة ٨١١ وأسمعها والدها علي المراغي بمكة سنة ٨١٥هـ وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين وتزوجها الشهاب أحمد بن محمد بن مكنون، واستولدها بنتًا سماها "عالية" ماتت في حياتيهما، ومات عنها زوجها سنّة ٨٣٠ هـ فتزوجها المحب بن الأشقر حتى ماتت عنه في سنة ٨٣٢هـ، وعمل صداقها في أرجوزة.
أما ولده الوحيد بدر الدين أبو المعالي محمد فكان والده حريصًا على تعليمه وتهذيبه، فحفظ القرآن وصلّى بالناس كما كانت العادة جارية في سنة ٨٢٦، وأسمعه الحديث على الواسطي وجماعة وأجاز له باستدعاء والده منذ مولده سنة ٨١٥هـ فما بعد عدد من كبار المسندين ذكرهم والده في معجم شيوخه.
وبلغ من حرصه واهتمامه به بعد أن صنف كتابه:
"بلوغ المرام من أدلة الأحكام" لأجله، لكنه لم يحفظ إلا اليسير منه وكتب عن والده كثيرًا من مجالس الإملاء وسمع عليه شيئًا كثيرًا واشتغل بأمر القضاء والأوقاف مساعدًا لوالده، حتى صارت له خبرة بالمباشرة والحساب … واشتدت محبة والده له.
وولي في حياة أبيه عدة وظائف أجلها مشيخة البيبرسية وتدريس الحديث بالحسنية ناب عنه فيهما والده، والإمامة بجامع طولون وغير ذلك.
وفد وصفه ابن تغري بردي بالجهل، وسوء السيرة، ولم يرض ذلك السخاوي فرد عليه مُفيدًا بأنه كان حسن الشكالة متكرّمًا على عياله قل أن يكون في معناه، لكن السخاوي أشار في موضوع آخر إلى محنة الحافظ ابن حجر بسبب ولده وما نسب إليه من التصرف في أموال الجامع الطولوني بالاشتراك مع آخرين، واحتجز رهن التحقيق، وكان والده في ضيق صدر زائد وألم شديد بسببه وتأوّه كثيرًا وكل يوم يسمع من الأخبار ما لم يسمعه بالأمس، وكان يتوجه إليه في يوم الجمعة يومًا أو أكثر إلى المكان الذي يكون فيه فيرجع.. وهو مسرور لما يرى من ثبات ولده وقوة قلبه وشجاعته وانتظام كلامه ومهارته، إلى أن تبين أن ما أشيع عنه مجرد اتهام، ولذلك عمل الحافظ ابن حجر جزءًا سماه "ردع المجرم عن سب المسلم" ويبدو أن القاضي ولي الدين السفطي كان له دور مهم في محنة الحافظ ابن حجر بسبب ما كان بينهما من المنافسة على القضاء فكانت هذه الحادثة سببًا في زهد الحافظ ابن حجر في القضاء١.
ابن حجر المحدث وخطيب الأزهر
تولى ابن حجر الخطابة في عدة مساجد من أكبر المساجد بالقاهرة مثل الجامع الأزهر وجامع عمرو وغيرهما من المساجد الكبرى بالقاهرة فقد كان متبحرًا في العديد من العلوم،
_________________
(١) ١ ابن حجر دراسة ص ٧٤ وما بعدها.
[ ١ / ٨٧ ]
وكان يفد إليه طلاب العلم وأهل الفضل من سائر الأنحاء، وكان يتسم بالحلم والتواضع والصبر كثير الصيام والقيام.
وكان مرجعًا في الحديث النبوي، حتى لقب بلقب "أمير المؤمنين" في الحديث وهذا اللقب لا يظفر به إلا أكبر المحدثين الأفذاذ وقد حبب إلى ابن حجر الحديث وأقبل عليه بكليته وطلبه من سنة ثلاث وتسعين ولكنه لم يلزم الطلب إلا من سنة ست وتسعين فعكف على الزين العراقي وتخرج به وانتفع بملازمته، وتحول إلى القاهرة فسكنها قبيل القرن وارتحل إلى البلاد الشامية والمصرية والحجازية وأخذ عن الشيوخ والأقران وأذن له جل هؤلاء في الإفتاء والتدريس.
وتصدر لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفًا وإفتاء وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه -على مائة وخمسين تصنيفًا وقد عرف ابن حجر بالحفظ وكثرة الاطلاع والسماع وبرع في الحديث وتقدم في جميع فنونه وأثنى عليه شيوخه في هذا الشأن وقد سبق أنه ولي تدريس الفقه بالمدرسة الشيخونية وتدريس الحديث بالمدرسة الجمالية الجديدة ثم تدريس الشافعية بالمؤيدة الجديدة ومشيخة البيبرسية في دولة المؤيد وتدريس الفقه بالمدرسة الصلاحية المجاورة للإمام الشافعي، كما تولى الخطابة بالجامع الأزهر وبين التدريس والإفتاء ولي منصب القضاء، وكانت أول ولايته القضاء في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة بعد أن امتنع أولًا لأنه كان لا يؤثر على الاشتغال بالتأليف والتصنيف شيئًا غير أن ابن حجر كما يقول السخاوي قد ندم على قبوله وظيفة القضاء ويقول ابن حجر: إن من آفة التلبس بالقضاء أن بعضهم ارتحل إلى لقائي وأنه بلغه تلبسي بوظيفة القضاء فرجع، وعزل عن القضاء وأعيد إليه مرات وكان آخر ولايته القضاء إذ عزل نفسه في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
شيوخه:
بلغ عدد شيوخه بالسّماع وبالإجازة وبالإفادة على ما بين بخطه نحو أربعمائة وخمسين نفسًا، وإذا استثنينا الشيوخ الذين أجازوا عمومًا فقد ترجم في "المجمع المؤسس" لأكثر من ستمائة شيخ، وذكر بعضهم أن عدد شيوخه بلغ ستمائة نفس سوى من سمع منه من الأقران.
واجتمع له من الشيوخ الذين يشار إليهم ويعول في حل المشكلات عليهم ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره؛ لأن كل واحد منهم كان متبحرًا ورأسًا في فنه الذي اشتهر به "فالبلقيني في سعة الحفظ وكثرة الاطلاع وابن الملقن في كثرة التصانيف والعراقي في معرفة علوم الحديث، ومتعلقاته، والهيثمي في حفظ المتون، واستحضارها والمجد الشيرازي في حفظ
[ ١ / ٨٨ ]
اللغة وإطلاعه عليها، والغماري في معرفة العربية ومتعلقاتها، وكذا المحب ابن هشام كان حسن التصرف فيها لوفور ذكائه، وكان الغماري فائقًا في حفظها، والإيناس في حسن تعليمه وجودة تفهيمه، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ في خمسة عشر علمًا لا يعرف علماء عصري أسماءها والتنوخي في معرفة القراءات وعلو سنده فيها١.
شيوخ القراءات:
١- إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن التنوخي الشيخ برهان الدين الشامي "٧٠٩هـ- ٨٠٠هـ" بلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ بالسماع وبالإجازة يجمعهم معجمه الذي خرّجه له الحافظ ابن حجر ونزل أهل مصر بموته درجة، قرأ عليه الحافظ ابن حجر من أول القرآن "الفاتحة" إلى قوله "المفلحون" من سورة البقرة جامعًا للقراءات السبع ثم قرأ عليه الشاطبية تامة بسماعه لها على القاضي بدر الدين بن جماعة كما قرأ عليه الخلاصة للألفية من العربية نظم ابن عبد الله، فضلًا عن قراءته عليه "صحيح البخاري"، وبعض المسانيد، والكتب والأجزاء، وخرج له المائة العشرية، ثم الأربعين التالية لها، وأذن له بالإقراء سنة ٧٩٦هـ.
٢- محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الجزري "٧٥١- ٨٣٣" شيخ القراءات وأجاز له ولوالده محمد وحثه على الرّحلة إلى دمشق، حدث بكتابه "الحصن الحصين" في البلاد اليمنية، ومهر الجزري في الفقه إلا أن فنّه القراءات.
شيوخ الحديث:
١- عبد الله بن محمد بن محمد بن سليمان النيسابوري المعروف بالنشاوري "٧٠٥- ٧٩٠هـ" وهو أول شيخ سمع عليه الحديث المسند فيما اتصل بعلمه، سمع عليه "صحيح البخاري" مع فوت بقراءة شمس الدين السلاّوي سنّة ٧٨٥هـ بالمسجد الحرام بسماعه على الرضي الطبري على أنه شك في إجازته منه، وترك التخريج والرواية بتلك الإجازة وقال: "وفي المصرح به غني عن المظنون والله المستعان".
٢- محمد بن عبد الله بن ظهيرة المخزوميّ المكيّ جمال الدين "٧٥١- ٨١٧ هـ" وهو أول من بحث عليه في فقه الحديث وذلك في مجاورته مع الخرّوبي بمكة سنة ٧٨٥ وهو ابن اثنتي عشرة سنة، حيث قرأ عليه بحثًا في عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم كان أول من سمع بقراءته الحديث بمصر سنة ٧٨٦، وسمع عليه كتبًا أخرى.
_________________
(١) ١ ابن حجر دراسة ص ١٤٥، ١٤٦.
[ ١ / ٨٩ ]
٣- عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي أبو الفضل زين الدين الحافظ الكبير "٧٢٥-٨٠٦هـ" وأول ما اجتمع به سنة ٧٨٦ فقرأ عليه ثم فتر عزمه، كما وضح فيما فات، ثم لازمه عشر سنوات وتخرج به وهو أوّل من أذن له بالتدريس في علوم الحديث في سنّة ٧٩٧هـ، وحضر مجالس إملائه، وقرأ عليه كتابه "الأربعين العشارية "من جمعه واستملى عليه الحافظ ابن حجر في غياب ولده أبي زرعة، وحمل عنه جملة مستكثرة من أماليه، وأذن له في تدريس ألفيته من الحديث، وشرحها، والنكت على ابن الصلاح، وسائر كتب الحديث وعلومه، ولقبه بالحافظ وعظمه ونوّه بذكره.
وللحافظ ابن حجر مع شيخه مراجعات كثيرة.
٤- علي بن أبي بكر بن سليمان أبو الحسن الهيثمي "٧٣٥- ٨٠٧" لازم العراقي أشد ملازمة وهو صهره، خرج زوائد مسند البزار ثم مسند أبي يعلى الموصلي، ثم الطبرانيات، وجمع الجميع في كتاب واحد محذوف الأسانيد، ورتب الثقات لابن حبان على حروف المعجم، و"حلية الأولياء" على الأبواب، اقتصر منها على الأحاديث المسندة، ومات وهو مسودة فكمل ابن حجر ربعه، وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضارًا للمتون من شيخه العراقي حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك؛ لأن الحفظ المعرفة. قال ابن حجر: كان يودني كثيرًا وبلغه أنني تتبعت أوهامه في "مجمع الزوائد" فعاتبني فتركت ذلك "قرأ عليه قرينًا لشيخه العراقي ومنفردًا.
شيوخ الفقه:
١- إبراهيم بن موسى بن أيوب برهان الدين الأنباسي الورع الزاهد "٧٢٥- ٨٠٢ هـ" سمع من الوادي آشي وأبي الفتح الميدومي ومسند عصره ابن أميلة وطبقتهم، قال عنه ابن حجر: "سمعت منه كثيرًا وقرأت عليه الفقه" وقال: "اجتمعت به قديمًا وكان صديق أبي ولازمته بعد التسعين، وبحثت عليه في المنهاج وقرأت عليه قطعة كبيرة من أول الجامع للترمذي بسماعه على … ابن أميلة" وله مصنفات، يألفه الصّالحون ويحبه الأكابر وفضله معروف.
٢- عمر بن عليّ بن أحمد بن الملقن "٧٢٣- ٨٠٤هـ" كان أكثر أهل عصره تصنيفًا فشرح المنهاج عدة شروح، وخرّج أحاديث الرافعي في ست مجلّدات، وشرح "صحيح البخاري" في عشرين مجلدة انتقده ابن حجر عليه وعلى أشياء أخرى. قرأ عليه قطعة من شرحه الكبير على المنهاج.
٣- عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني نزيل القاهرة أبو حفص، شيخ الإسلام علم الأعلام مفتي الأنام "٧٢٤- ٨٠٥ هـ" أقدمه أبوه القاهرة وله اثنتا عشرة سنة فبهرهم
[ ١ / ٩٠ ]
بذكائه وكثرة محفوظه وسرعة إدراكه وعرض عليه محافظيه ورجع، غير أنه لم يرزق ملكة في التصنيف قد لازمه الحافظ ابن حجر مدة، وقرأ عليه الكثير من الروضة، ومن كلامه على حواشيها، وسمع عليه بقراءة البرماوي مختصر المزني، وكتب له خطه بالإذن بالإعادة وهو أول من أذن له في التدريس والإفتاء، وتبعه غيره.
٤- محمد بن علي بن عبد الله القطان الفقيه "٧٣٧- ٨١٣هـ" مهر في فنون كثيرة، وتفقه عليه الحافظ ابن حجر، وقال عنه:
قرأت عليه وأجاز لي وذكر لي أنه قرأ الأصول على الشيخ نور الدين الأسنائي وكان ماهرًا في القراءات والعربية والحساب ولازمه في الفقه، وقرأ عليه قسمًا كبيرًا من "الحاوي" وغيره.
٥- عليّ بن أحمد بن أبي الآدمي الشيخ نور الدين، قال ابن حجر: قرأت عليه في الفقه والعربية، وكان على طريقة مثلى من الدين والعبادة والخير والانجماع ولازمه كثيرًا.
شيوخ العربية:
١- محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري المصري المالكي "٧٢٠- ٨٠٢هـ" وكان كثير الاستحضار واللغة مع مشاركة في الأصول والفروع، ودرس القراءات في الشيخونية وهو خاتمة من كان يشار إليه في القراءات العربية، سمع عليه الحافظ ابن حجر القصيدة المعروفة بالبردة بسماعه لها على أبي حيان بسماعه من ناظمها، وأجاز له غير مرّة كما أجازه مروياته عن غيره، وكان عارفًا بالعربيّة كثير الحفظ للشعر لا سيما الشواهد قوي المشاركة في فنون الأدب.
٢- محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الأصل بدر الدين البشتكي الأديب الفاضل المشهور "٧٤٨- ٨٣٠ هـ".
حفظ كتابًا في فقه الحنفية ثم تحوّل شافعيًّا، ثم نظر في كتب ابن حزم، واشتغل في فنون كثيرة، وعني الأدبيات فمهر فيها، لازمه ابن حجر بضع سنين، وانتفع بفوائده وكتبه وأدبياته وطارحه بأبيات وسمع منه الكثير من نظمه وأجاز له ولأولاده، وسبقت الإشارة إلى أنه كان يعيره بعض الكتب الأدبية، وقرأ عليه مجلسًا واحدًا من مقدمة لطيفة في علم العروض استفاد منه لمعرفة الفن بكماله، كما قرأ عليه البشتكى بعد ذلك في الحديث فهو شيخه، وتلميذه في آن واحد.
٣- محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي الشيخ العلامة مجد الدين أبو طاهر الفيروزأبادي "٧٢٩- ٨١٧ هـ" نظر في اللغة فكانت جل قصده في التحصيل فمهر فيها إلى أن فاق أقرانه، اجتمع به في زبيد، وفي وادي الخصيب وناوله جل "القاموس المحيط" وأذن له مع المناولة بروايته عنه وقرأ عليه من حديثه عدة أجزاء، وسمع منه المسلسل بالأولية
[ ١ / ٩١ ]
بسماعه عن السبكي، وكتب له تقريضًا على بعض تخريجاته أبلغ فيه شيخه في أغلب العلوم.
هو محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الحموي الأصل ثم المصري الشيخ عز الدين بن المسند شرف الدين "٧٥٩- ٨١٩".
أتقن فنون المعقول إلى أن صار هو المشار إليه في الدّيار المصرية في هذا الفن.. ولم يقرأ عليه كتاب من الكتب المشهورة إلا ويكتب عليه نكتًا وتعقيبات واعتراضات بحسب ما يفتح له أخذ عنه في "شرح منهاج الأصول"، و"جمع الجوامع"، و"مختصر ابن الحاجب" وفي "المطول" لسعد الدين وأجاز له غير مرة ولأولاده، وقال البقاعي: وأجل من أخذ عنه المعقول والأدبيات علامة الدنيا الشيخ عز الدين بن جماعة، ولازمه طويلًا، وأخذ عنه علمًا جزيلًا.
وقال السخاوي: إن ابن جماعة كان يقول: "أنا أقرأ في خمسة عشر علمًا لا يحرف علماء عصري أسماءها".
ولازمه الحافظ ابن حجر في غالب العلوم التي كان يقرؤها من سنة ٧٩٠ هـ إلى أن مات سنة ٨١٩هـ ولم يخلف بعده مثله كما قال في "إنباء الغمر".
مصنفاته:
قال الشمس السخاوي تلميذ الحافظ ابن حجر:
"وزادت تصانيفه التي معظمها في فنون الحديث وفيها من فنون الأدب والفقه، والأصلين وغير ذلك على مائة وخمسين تصنيفًا رزق فيها من السعد والقبول خصوصًا "فتح الباري بشرح البخاري" الذي لم يسبق نطره أمرًا عجبًا"١.
بلغت مصنفاته أكثر من اثنين وثلاثين ومائة تصنيف، وها هي مرتبة على حروف المعجم.
١- الآيات النيرات للخوارق المعجزات.
٢- اتباع الأثر في رحلة ابن حجر.
٣- إتحاف المهرة بأطراف العشرة.
٤- الإتقان في فضائل القرآن.
٥- الأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة.
٦- الأحكام لبيان ما في القرآن من إبهام.
٧- أربعون حديثًا متباينة الأسانيد بشرط السّماع.
٨- أسباب النزول.
_________________
(١) ١ "الضوء اللامع" ٢/٣٨.
[ ١ / ٩٢ ]
٩- الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة.
١٠- الاستبصار على الطّاعن المُعثار.
١١- الاستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء.
١٢- الاستدراك على الكاف الشاف.
٩٣- الإصابة على تمييز الصحابة.
١٤- أطراف المختارة.
٩٥- أطراف الصحيحين.
١٦- أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي.
١٧- الإعجاب ببيان الأسباب.
١٨- الإعلام بمن ذكر في البخاري من الأعلام.
١٩- الإعلام لمن ولي مصر في الإسلام.
٢٠- الإفصاح بتكميل النكت على آبن الصلاح.
٢١- الإفنان في رواية القرآن.
٢٢- إقامة الدلائل على معرفة الأوائل.
٢٣- الألقاب.
٢٤- أمالي ابن حجر.
٢٥- الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع.
٢٦- الإنارة في الزيارة.
٢٧- إنباء الغمر بأنباء العمر.
٢٨- الانتفاع بترتيب الدارقطني.
٢٩- انتقاض الاعتراض.
٣٠- الأنوار بخصائص المختار.
٣١- الإيناس بمناقب العبّاس.
٣٢- البداية والنهاية.
٣٣- بذل الماعون بفضل الطّاعون.
٣٤- البَسْط المبثوث في خبر البرغوث.
[ ١ / ٩٣ ]
٣٥- بلوغ المرام بأدلّة الأحكام.
٣٦- بيان الفصل بما رجح فيه الإرسال على الوصل.
٣٧- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه.
٣٨- تبيين العجب بما ورد في فضل رجب.
٣٩- تجريد التفسير.
٤٠- تحرير الميزان.
٤١- تحفة أهل التحديث عن شيوخ الحديث.
٤٢- تحفة الظراف بأوهام الأطراف.
٤٣- تخريج أحاديث الأذكار للنووي.
٤٤- تخرج أحاديث الأربعين للنووي.
٤٥- تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب.
٤٦- تخريج الأربعين النووية بالأسانيد العليّة.
٤٧- التعريج على التدريج.
٤٨- ترجمة النووي.
٤٩- تسديد القوس في مختصر مسند الفردوس.
٥٠- التشويق إلى وصل المهم من التعليق.
٥١- تصحيح الروضة.
٥٢- تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة.
٥٣- التعريف الأوحد بأوهام من جمع رجال المسند.
٥٤- تعريف أولي التقدير بمراتب الموصوفين بالتدليس.
٥٥- تعريف الفئة بمن عاش مئة.
٥٦- تعقبات على الموضوعات.
٥٧- تعليق التعليق.
٥٨- تقريب التقريب.
٥٩- تقريب التهذيب.
٦٠- تقريب المنهج بترتيب المدرج.
[ ١ / ٩٤ ]
٦١- تقويم السّناد بمدرج الإسناد.
٦٢- التمييز في تخريج أحاديث الوجيز.
٦٣- تهذيب التهذيب
٦٤- تهذيب المدرج.
٦٥- توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس.
٦٦- توضيح المشتبه للأزدي في الأنساب.
٦٧- التوفيق بتعليق التعليق.
٦٨- الجواب الجليل عن حكم بلد الخليل.
٦٩- الجواب الشافي عن السؤال الخافي.
٧٠- الخصال المكفرة للذنوب المقدّمة والمؤخرة.
٧١- الخصال الواردة بحسن الاتصال.
٧٢- الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية.
٧٣- الدرر.
٧٤- الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة.
٧٥- ديوان شعر.
٧٦- ديوان منظور الدرر.
٧٧- ذيل الدرر الكامنة.
٧٨- رد المحرم عن المسلم.
٧٩- الرسالة العزية في الحساب.
٨٠- رفع الإصر عن قضاة مصر.
٨١ – الزهر المطلول في بيان الحديث المعلول.
٨٢- الزهر النضر في أنباء الخضر.
٨٣- السبعة النيرات في سبعة أسئلة عن السيد الشريف في مباحث الموضوع.
٨٤- سلوت ثبت كلوت: التقطها من ثبت أبي الفتح القاهري.
٨٥- شرح الأربعين النووية.
٨٦- شرح سنن الترمذي.
[ ١ / ٩٥ ]
٨٧- شرح مناسك المنهاج.
٨٨- شرح منهاج النووي.
٨٩- شفاء الغلل في بيان العلل.
٩٠- الشمس المثيرة في معرفة الكبيرة.
٩١- طبقات الحفاظ.
٩٢- عرائس الأساس في مختصر الأساس للزمخشري.
٩٣- عشاريات الأشياخ.
٩٤- عشرة أحاديث عشارية الإسناد.
٩٥- عشرة العاشر.
٩٦- فتح الباري بشرح البخاري.
٩٧- فضائل شهر رجب.
٩٨- فهرست مروياته.
٩٩- فوائد الاحتفال في بيان أحوال الرجال، لرجال البخاري.
١٠٠- الفوائد الجمة فيمن يجدد الدين لهذه الأمة.
١٠١- قذى العين من نظم غريب البين.
١٠٢- القصارى في الحديث.
١٠٣- القول المسدد في الذب عن المسند.
١٠٤- الكاف الشاف في تحرير أحاديث الكشاف.
١٠٥- كشف السحر عن حكم الصلاة بعد الوتر.
١٠٦- لذة العيش بجمع طرق الحديث "لأئمة من قريش".
١٠٧-لسان الميزان.
١٠٨- المجمع المؤسس في المعجم المفهرس.
١٠٩- مختصر البداية والنهاية لابن كثير.
١١٠- مختصر تهذيب الكمال.
١١١- المرجمة الغيثية عن الترجمة الليثية.
١١٢- مزيد النفع بما رجح فيه الوقف على الرفع.
[ ١ / ٩٦ ]
١١٣- المسلسل بالأولية بطرق علية.
١١٤- المسند المعتلى بأطراف الحنبلي.
١١٥- المشتبه.
١١٦- المطالب العالية من رواية المسانيد الثمانية.
١١٧- المطالب العالية في زوائد الثمانية.
١١٨- المقترب في بيان المضطرب.
١١٩- المقصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل واسمه أحمد.
١٢٠- الممتع في منسك المتمتع.
١٢١- المنحة فيما علق به الشافعي القول على الصحة.
١٢٢- منسك الحج.
١٢٣- النبأ الأنبه في بناء الكعبة.
١٢٤- نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر.
١٢٥- نزهة الألباب في الأنساب.
١٢٦- نزهة القلوب في معرفة المبدل عن المقلوب.
١٢٧- نزهة النظر بتوضيح نخبة الفكر.
١٢٨- النكت الحديثية على كتاب ابن الصلاح.
١٢٩- نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب.
١٣٠- النيرات السبعة، ديوان ابن حجر.
١٣١- هداية الرواة إلى تخريج المصابيح والمشكاة.
١٣٢- هدي السّاري لمقدمة فتح الباري.
مرضه ووفاته:
بدأ المرض بحافظ الدنيا ابن جر طيب الله مثواه في ذي الحجة سنة ٨٥٢هـ، وفي الحادي عشر منه حضر مجلس الإملاء كما أملى في يوم الثلاثاء الخامس عشر من الشهر المذكور مجلسًا وهو متوعّك، ثم تغير مزاجه وأصبح ضعيف الحركة.
وخشي الأطباء أن يناولوه مسهلًا لأجل سنّه فأشير "بلبن الحليب" فتناوله فلانت الطبيعة قليلًا وأدى ذلك إلى نشاط.. وصار مسرورًا بذلك، ولكنه لم يشف من مرضه تمامًا … ثم عاد إلى الكتمان وتزايد الألم بالمعدة وكان يقول هذا بقايا الغبن من سنة تسع وأربعين وتوابعها، ولم
[ ١ / ٩٧ ]
يستطع أن يؤدي صلاة الأضحى الذي صادف يوم الثلاثاء، وهو الذي لم يترك صلاة جمعة ولا جماعة، وصلى الجمعة التي تلي العيد، ثم توجه إلى زوجته الحلبية، وكأنه أحس بدنو أجله، فاعتذر عن انقطاعه عنها واسترضاها وكان ينشد [البسيط]:
ثاء الثلاثين قد أوهت قوى بدني … فكيف حالي وثاء الثمانينا١
وتردد إليه الأطباء، وهرع الناس من الأمراء والقضاة والمباشرين لعيادته، وقبل منتصف شهر ذي الحجة من سنّة ٨٥٢ هـ أشيع أن شيخ الإسلام قد توعك فأنشأ يقول [من المجتث]:
اشكو إلى الله ما بي … وما حوته ضلوعي
قد طال السقم٢ جسمي … بنزلة وضلوعي
وكان مرضه قد دام أكثر من شهر، حيث أصيب بإسهال ورمي دم "ديسانتري"، غير أن السخاوي يقول: "ولا أستبعد أنه أكرم بالشهادة فقد كان طاعون قد ظهر".
ثم أسلم الروح إلى بارئها في أواخر شهر ذي الحجة من سنّة اثنتين وخمسين وثمانمائة. واختلف مترجموه في تحديد تاريخ يوم وفاته، كما اختلفوا في تحديد يوم ولادته، على أنهم يتفقون جميعًا تقريبًا على أنها- وفاته- كانت في ليلة السبت من ذي الحجة، والاختلاف ينحصر في تحديدهم لأي سبت منه، وهذا يرجع إلى أن الأرقام عرضة للتحريف أكثر من غيرها فجلعها بعضهم في الثامن والعشرين من ذي الحجة، وجعلها آخرون في التاسع عشر منه، على حين ذكرها فريق ثالث في ثامن عشر من ذي الحجة سنّة ٨٥٢ هـ.
وترك وصيته التي نقل السخاوي نصها، مستقاة من سبطه يوسف بن شاهين، ومما ورد فيها أنه أوصى لطلبة الحديث النبوي والمواظبين على حضور مجالس الإملاء بجزء من تركته.
وفي أواخر أيامه عاده قاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي فسأله عن حاله فأنشده أربعة أبيات من قصيدة لأبي القاسم الزمخشري هي [من الكامل]:
قرب الرحيل إلى ديار الآخرة … فاجعل إلهي خير عصري آخره
وارحم مبيتي في القبور ووحدتي … وارحم عظامي حين تبقى ناخرة
فأنا المسيكين الذي أيامه … ولت بأوزار غدت متواترة
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم … فبحار جودك يا إلهي زاخرة
وصلي عليه بمصلاة بكتمر المؤمن، حيث أمر السلطان جقمق بأن يحضر إلى هناك ليصلي عليه، وتقدم في الصلاة عليه الخليفة بإذن من السلطان.
_________________
(١) ١ تقطع الهمزة للضرورة. ٢ تقطع الهمزة للضرورة.
[ ١ / ٩٨ ]
وحضر الشيوخ وأرباب الدولة وجمع غفير من الناس، وازدحموا في الصلاة عليه حتى حزر أحد الأذكياء من مشى في جنازته بأنهم نحو الخمسين ألف إنسان.
ومن شدة حب الناس، وإكرامهم له تصور البعض أن الخضر صلى عليه كما ذكر ذلك صاحب مفتاح السعادة، فقال: ومن جملة من صلّى عليه "الخضر ﵇ رآه عصابة من الأوليًاء".
وكان يوم موته عظيمًا على المسلمين وحتى على أهل الذمة، وشيعته القاهرة إلى مدفنه في القرافة الصغرى، وتزاحم الأمراء الأكابر على حمل نعشه، ومشى إلى تربته من لم يمش نصف مسافتها قط، فدفن تجاه تربة الديلمي بتربة بني الخروبي بين مقام الشافعي ومقام سيدي مسلم السّلمي، وكانت وصيته خلاف ذلك.
وقيل: إن السماء أمطرت على نعشه مطرًا خفيفًا فعد ذلك من النوادر.
ذكر من رثاه
وما أحقه بقول ابن دريد في قصيدة طويلة [من البسيط]:
إن المنية لم تتلف بها رجلا … بل أبلغت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه … والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغر التي جعلت … للعلم نورا وللتقوى محاريبا
وبقول غيره [من الكامل]:
ذهب العليم بعيب كل محدث … وبكل مختلف من الإسناد
وبكل وهم في الحديث ومشكل … يعنى به علماء كل بلاد
وبقول غيره [من الوافر]:
بكيت على فراقك كل يوم … وأمليت الجوار من الجفون
ولو كان البكاء بقدر شوقي … لملته العيون من العيون
وبقول غيره [من البسيط]:
رزءٌ ألم فقلب الدهر في وهج … وأغفل الناس منسوب إلى الهوج
وللقلوب وجيب في مراكزها … مهول فهو بتشقيق الصدور حجي
وللعيون انهمال كالغمام بكا … فكل فج به عال من اللجج
يا واحد العصر يا من لا نظير له … إذ كل شخص من الأمثال في لجج
يا شيخ الاسلام١ يا مولى لقد خضعت … غلب الرجال لما تبدي من الحجج
_________________
(١) ١ تسهل الهمزة للضرورة.
[ ١ / ٩٩ ]
يا بر حلم بحور العلم قد تركت … قلما سمعنا بداع، مقبل سمج
أصم أسماعنا لما تلا سحرا … قد مات من تهزم الأهوال حين نجي
قاضي القضاة المفدى من بني حجر … من خلقه ليس في شيء من الحرج
فلو رضي الدهر منا فدية عظمت … وحقك، جدنا فيك بالمهج
ولو حميت بضرب السيف ما وجدت … لها المنايا إليك الدهر من ولج
في حق عهدك ما زلنا ذوي شغف … بعهد ود لكم بالروح ممتزوج
خفت سجاياك والألباب قد رجحت … بها نهاك من الإحصاء بالثبج
ألفت يا حلو مر الصبر ترشفه … فأنت للصبر صب بالغرام شجي
من للقيام بجنح الليل مجتهدا … تبيت ترفعه آيات ذي الدرج
تعلي النحيب خضوعا والأسى قلقا … كأنه في الدياجي بالحراب وجي
قد كان مصرك ليلا كالنهار به … شهاب فضلك يغنيه عن السرج
واليوم بعدك مثل الليل في سدف … يا لهف قلبي فما صبح بمنبلج
فقدك فقد الناس كلهم … وفقد غيرك قد يلفى من الفرج
من للأحاديث يحييها ويحفظها … فوقته ليس حمال إليه يجي
قد كنت للسنة الغرا شهاب علا … حميت آفاقها عن ماردٍ علج
وأنت أزكى الورى قلبا وارئحة … كأنما كنت مشكا طيب الأرج
لهفي عليك شهاب الدين من رجل … لما ترحلت صار الناس في مرج
قد كنت حافظهم في كل معضلة … فبعدك اليوم لا تسأل عن الهمج
كانوا إذا أوهموا معنى وأخرسهم … فتحت كل عم منهم ومرتتج١
لما ركبت على الحدباء ما أحد … إلا انحنى منه ظهر غير ذي عوج
روحي فداء لبال قد ظفرت بها … لديك يا حبر بالآمال بالحجج
أروق سمعي بدر النطق منك وما … طرفي بممتنع من وحيك البهج
كأنه لم يكن يومًا فيا … ما كنت من بعد ما مرت بمنتهج
كلا لعمري وإني فالق كبدي … حزني عليك وقلبي جد ملتعج
ولا أحب ديارا قد قبضت بها … فنحوها بعد بعدٍ منك لم أعج
نعم وأبغضت والله الحياة بلا … وجود أنسك فاعلم ذاك وابتهج
لهفي على مجلس الإملاء وحاضره … من كل حبر لسبل الخير منتهج
_________________
(١) ١ مرتتج: المرتتج: الذي استغلق عليه الكلام.
[ ١ / ١٠٠ ]
كم فيه من رأس رأس هز من عجب … والجمع من شدة الإضعاء لم يمج
كأننا لم نكن يومًا لديك ولا … بقولك العذب منا قط سر نجي
فيا دوام افتكاري للسرور بكم … ويا بكائي طوال الدهر والأبج١
لأملاءن بسيط الأرض من أدب … ركبت فيك معانيه من البرج
جمعت قلبا بحب فيك ممتلئًا … إلى لسان بأنواع الرثا لهج٢
عليك مني تحيات أرددها … ما هيج الورق قلبا فيك ذا وهج
وجاد مهدك في صوب الرضا مزن … يا بحر يحيي بقاع الأرض بالثبج
ومنهم العلامة الشهاب أبو الطيب أحمد بن محمد الحجازي، فأنشدني لفظه لنفسه قوله [من الكامل]:
كل البرية للمنية صابرة … وقفولها شيئا فشيئا سائره
والنفس إن رضيت بذا ربحت وإن … لم ترض كانت عند ذلك خاسره
وأنا الذي راض بأحكام مضت … عن ربنا البر المهيمن صارده
لكن سئمت العيش من بعد الذي … قد خلف الأفكار منا حائره
هو شيخ إسلام المعظم قدره … من كان أوحد عصره والنادره
قاضي القضاة العسقلاني الذي … لم ترفع الدنيا خصيما ناظره
وشهاب دين الله ذو الفضل الذي … أربى على عدد النجوم مكاثره
لا تعجبوا لعلوه فأبوه من … قبل علي في الدنا والآخره
هو كيميا العلم وكم من طالب … بالكسر جاء له فأضحى جابره
لا بدع أن عادت علوم الكيميا … من بعد ذا الحجر المكرم بائرة
لهفي على من أورثتني حسرة … درس٣ الدروس عليه إذ هي حاسره
لهفي على المدح استحالت للرثا … وقصور آيات غدت متقاصره
لهفي عليه عالمًا بوفاته … درست دروس والمدارس بائره
لهفي على الإلماء عطل بعده … ومعاهد الأسماع إذ هي شاغره
لهفي عليه حافظ العصر الذي … قد كان معدودًا لكل مناظره
لهفي على الفقه المهذب والمحر … ر حاوي القصود عند محاوره
لهفي على النحو الذي تسهيله … مغني اللبيب مساعد لمذاكره
_________________
(١) ١ الآبج محركة الأبد: "القاموس المحيط" ١/١٠٠. ٢ الرثا مقصورة ضرورة، والرثاء تعداد محاسن الميت. ٣ انقطاع الدروس
[ ١ / ١٠١ ]
لهفي على اللغة العربية كم أرا … نا معربا بصحاحها المتظاهره
لهفي على علم العروض تقطعت … أسبابه بفواصل متغايره
لهفي على خزانة العلم التي … كانت بها كل الأفاضل ماهره
لهفي على شيخي الذي سعدت به … صحب وأوجه ناظريه ناضره
لهفي على التقصير مني حيث كم … أملا النواحي بالنواح مبادره
لهفي على عذري عن استيفاء ما … تحوي وعجزي أن أعد مآثره
لهفي على لهفي وهل ذا مسعدي … أو كان ينفعني شديد محاذره
لهفي على من كل عام للهنا … تأتي الوفود إلى حماه مبادره١
والآن في ذا العام جاءوا للعزا … فيه وعادوا بالدموع لهامره٢
قد خلف الدنيا خرابا بعده … لكنما الأخرى لديه عامره
وبموته شقى الفؤاد وأعلم الـ … ـعين انثنت في حالتيها شاغره
ولي المحاجر طابقت إذ للرثا … أنا ناظم وهي المدامع ناشره
فكأنه في قبره سر غدا … في الصدر والأفهام عنه قاصره
وكأنه في اللحد من ذخيرة … أعظم بها درر العلوم الفاخره
وكأنه في رمسه سيف ثوى … في الغمد مخبوء ليوم الثائره
وكأنه كشف الغطاء له فإن … قربت منيته أفاض محاجره
وغدا بأبيات الرثا متمثلا … وحبا بها بعض الصحاب وسارره٣
ونعى بها من قبل ذلك نفسه … أكرم بها يا صاح نفسا طاهره
ولصاحب الكشاف يعزى نظمها … والعد منها أربع متفاخره
وأنا الذي ضمنتها مرثيتي … جهرا وأولها بغير مناكره
قرب الرحيل إلى الآخرة … فاجعل إلهي خير عمري آخره
وارحم مبيتي فهي القبور ووحدتي … وارحم عظامي حين تبقى ناخره
فأنا المسيكين الذي أيامه … ولت بأوزار غدت متواتره
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم … فبحار جودك يا إلهي زاخره
هذا لعمري آخر الأبيات إذ … هي أربع كملت تراها باهره
وأنا أعود إلى رثائي عودة … تجلو لسامعها بغير منافره
_________________
(١) ١ الهنا بمعنى التهنئة. ٢ والعزا بمعنى التعزية. ٣ من السرّ الذي أسر به إليه.
[ ١ / ١٠٢ ]
قهرتني الأيام فيه فليتني … في مصر مت وما رأت القاهره
هجرتني الأحلام بعدك سيدي … واحر قلب قد رمي بالقاهره
من شاء بعدك فليمت أنت الذي … كانت عليك النفس قدما حاذره
وسهرت مذ صرخ النعي بزجرة … فإذا هم من مقلتي بالساهره
ورزئت فيه فليت أني لم أكن … أو ليت أني قد سكنت مقابره
رزء جميع الناس فيه واحد … طوبى لنفس عند ذلك صابره
يا نوم، عيني لا تلم بمقلتي … فالنوم لا يأوي لعين ساهره
يا دمع، واسقي تربه ولو أنها … بعلومه جرت البحار الزاخرة
يا حبر، فارحل ليس قلبي فارغا … سكنته أحزان غدت متكاثره
يا نار شوقي بالفراق ناججي … يا أدمعي بالمزن كوني ساجره١
يا قبر، طب قد صرت بيت العلم أو … عينا به إنسان قطب الدائره
يا موت، إنك قد نزلت بذي الندى … ومذ استضفت حباك نفسا خاطره
يا رب، فارحمه وسق ضريحه … بسحائب من فيض فضلك غامره
يا نفس صبرا فالتأسي كائن … بوفاة أعظم شافع في الآخره
المصطفى زين النبيين الذي … حاز العلا والمعجزات الباهره
صلى عليه الله ما صال الردى … فينا وجرد للبرية باتره
وعلى عشيرته الكرام وآله … وعلى صاحبته النجوم الزاهره
ومنه الشّهاب أحمد بن محمد بن علي المنصوري صاحب القصيدة الماضية ذكرها في المدائح، فقال يوم وفاة صاحب الترجمة [من الزجر]:
قد بكت السحب على … قاضي القضاة بالمطر
وانهدم الركن الذي … كان مشيدًا من حجر
ومنهم الفاضل أبو هريرة عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن عثمان بن النقاش الأصم [من البسيط]:
قفا نبك بالقاموس٢ الغامض الزجر … والمرسلات بماء الغيث والمطر
مذكرًا لك بالأذكار ذا أسف … على المعاهد والروضات والأثر
على ديار إذا صح الحديث ولي … في الحسن معتقد والضعف للغير
على رباع خلا درس الحديث بها … والربع عاف ومحتاج إلى الحجر
_________________
(١) ١ وإذا البحار سجرت "فهي بالجيم وليست بالخاء". ٢ تهمز الألف للضرورة.
[ ١ / ١٠٣ ]
وقل لذي عذل في عبيرة سمحت … دعها سماوية تجري على قدر
وقل لعيني التي بالدمع قد نزحت … يا عين، جودي ولا تبقي ولا تذري
وابكي بموج وما المقياس يحصره … قاضي القضاة أمير المؤمنين في الأثر
قاضي القضاة أمير المؤمنين سمي … بأحمد بن علي ذي الرحلة الحجر
أكرم بها مدحة ما حازها أحد … في عصرنا غير نزر قل في العصر
وع الكتابة واحفظها وسق سندا … وخل عنك سواد الطرس بالحبر
ياموت، ذكرتني موت النبي به … الهاشمي المصطفى المبعوث من مضر
ذكرتني العمرين١ الصاحبين أبا … بكر الصديق مع الفاروق من عمر!
يا خنس، لو نظرت عيناك لمته … وما حوت من فخار العلم والخفر
يا خنس، لو سمعت أذناك منطقه … من ثغر مبسمه المنظوم بالدرر
يا خنس، قد قلت في صخر مراثيه … فحول الحزن بالإسناد للحجر
مصيبة عمت الدنيا بأجمعها … رمي بها زحل بالقوس والوتر
بالبحر والنهر والبحرين إذ جمعا … أبكيه من عبرة تجري بلا ضجر
إن ذكرتني بوقت صخرها غسقا … أو نكرتني بوقت الصيف في السحر
فكل أوقاتي الغرا مسبلة … جاها وعلمًا وما يزرى من البدر
شبهته جالسًا في الدرس في فئة … هم النجوم ووجه الشيخ بالقمر
وهم طباق وهم يهدى السبيل بهم … من حوله أنجم كالأنجم الزهر
هم الرجال ولكن شيخهم رجل … رجاله سند في مسند الحبر
ساد الرجال وكم قد ساد من رجل … يشوقه بعد تحويل من السطر
يملي الحديث ببيبرس حوى سندا … عال إلى سيد الكونين والبشر
تالله، لو سمعت حذاق شرعتنا … شوق الأسانيد في إملائه الجهر
ولو رأوا يده في فرع روضته … أو فسرت آية في محكم السور
أو ما يوصله في الدين معتقدا … أو رتبت سندًا من نخبة الفكر
أو أظهرت حكمة للشافعي خفت … يستخرج الكل من خرم من الإبر
أثنوا عليه ومن أضحى يخالفه … بمنزل دحض كقشعم الحجر
أبكى عليه وقد شالوا جنازته … وقنطت مرنة من نسمة السحر
أنقى من الثلج إشراقا وريحتها … أذكى من المسك والندا الذي العطر
وبشرت برضا الرحمن خالقه … والحور قد زينت بالحلى في السرر
_________________
(١) ١ يقال العمرين يعني أبا بكر وعمر. و
[ ١ / ١٠٤ ]
وعدته قائلًا للقلب منه عسى … وهل يفيد "عسى" مع سابق القدر
ياقلب قد كنت تخشى الموت ذا حذر … وليس ذو حذر ينجو من القدر
وأنت للعالم النقاش منتسب … وكم معان خفت تأتيك في الصور
خفت المنون وما قد كنت تحسبه … قد جاء منتقشا كالنقش في الحجر
إن غاب شخصك يا مولاي عن نظري … وغيبوا وجهك المحبوب في القبر
وفي أساريرك الحسناء مشرقة … سبط من الحسنيين الخلق والبشر
يا من مراحمه للخلق واسعة … عمت نجيا ومن في دينه الخطر
إجعل على متن هذا القبر سابغة … من لؤلؤ رطب عذب ذكي عطر
والسامعين ومن يعزى لمذهبهم … تحدوا على سنة الهادي النبي المصري
وقل لمن سمع الأبيات يسترها … فالله يستره في الورد والصدر
قدمتها سلعة مزجا وناظمها … يعدها خجلا من أعظم الكبر
وأذن بسحب صلاة منك ثم رضا … على نبي الهدى والبشر والبشر
وآله وجميع الصحب قاطبة … بهم هديت أمم في البدو والحضر
ما غردت ورقه في الأيك آصرة … بزورة المصطفى والبيت والحجر
موت الإمام شهاب الدين قد جزعت … له العلوم وما يروى من الأثر
وقال ربع علوم الشرع مكتئبا … به درست فما تلقون من أثر
[من الكامل]:
إن الحياة ذميمة من بعد ما … قبض الإمام العسقلاني الشافعي
يا نفس، طيبي بالممات وحافظي … أن تلحقي هذا الإمام وتابعي
[من المجتث]:
بكت سماء وأرض … عليك يا عسقلاني
لكننا نتسلى … إذ ما سوى الله فاني
[من الكامل]:
ألجفن قد حاكى السحاب وناظره … فاعذر إذا فقد المتيم ناظره
لو أن عاذله رأى ما قد رأى … لغدا له بعد الملامة عاذره
يا عاذلي، دعني فلي حزن على … طول المدى لم يلق يوما آخره
ذاب الفؤاد وقد تقطع حسرة … أسفا على قاضي القضاة النادرة
أعني شهاب الدين ذا الفضل الذي … عن وصفه أفهام مثلي قاصره
ألعسقلاني الذي كانت إلى … أبوابه تأتي الوفود مهاجره
يا عين، إني ناظم مرثيه … فيه فكوني للمدامع ناثره
[ ١ / ١٠٥ ]
لله أياما به ولياليا … سلفت وكانت بالتواصل زاهره
تالله، لم يأت الزمان بمثله … أبدا ولم ير مثله من عاصره
شهدت له كل العقول بأنه … ما مثله هو درة هي فاخره
دانت لفطنته العلوم فلم تزل … أبدا إليه كل وقت سائره
يا أيها الشعراء، هذا سوقكم … كانت له تأتي التجار مبادرة
واليوم أغلق بابه فلأجل ذا … أضحت تجارتكم لديكم بائره
كم من حديث قد رواه مسلسلا … ومدبجا وله معان ظاهره
وكذا غريبا مسندا ومصححا … جملا وأخبارا غدت متواتره
إني لأعجز أن أعد فضائلا … فيه وأعجز أن أعد مآثره
كم طالب أقلامه من بعده … جفت ولم تمسك يداه محابره
أسفا عليه نقول يا نفس اصبري … فتقول: ما أنا عند هذا صابره
درست دروس العلم بعد وفاته … ومعاهد الإملاء أضحت دائره
أسفي على قاضي القضاة مؤبد … زفرات قلبي كل وقت ثابره
أسفي على شيخ العلوم ومن غدت … أفكار كل الخلق فيه حائره
أسفي على من كان بين صحابه … كالبدر في وسط النجوم الزاهره
ولقد نعى قبل المنية نفسه … إذ كل نفس للمنية صائره
لما رأى أجل الحياة قد انقضى … أضحى يشير إلى الصحاب مبادره
ويقول أبياتا وليست نظمه … لكن بلفظ منه أضحت فاخره
وزمخشري ناظم أبياتها … هي أربع معدودة متواتره
كل الورى من بعده اشتلغوا بها … فاسمع فأولها أقول مذاكره
قرب الرحيل إلى ديار الآخره … فاجعل إلهي خير عمري آخره
وارحم مبيتي في القبور ووحدتي … وارحم عظامي حين تبقى ناخره
فأنا المسيكين الذي أيامه … ولت بأوزار غدت يا إلهي زاخره
ها آخر الأبيات قد أوردتها … فيما نظمت تبركا ومكاثره
وأعود أذكر بعد ذلك حالتي … وأبث أحزانا يقلبي حاضره
وأقول: مات أبو المكارم والندى … ملقي الدروس وذو العلوم الباهره
ما كان أحسن لفظه وحديثه … ما كان قط يمله من عاشره
ولو أنه يفدى لكنت له الفدا … وأود لو أني سددت مقاصره
لهب بقلبي بعده لا ينطفي … ودموع عيني لم تزل متقاطره
فالله يسقي قبره ماء الحيا … أبدا ويورده سحابا ماطره
[ ١ / ١٠٦ ]
ثم الصلاة على النبي وصحبه … وعلى جميع التابعين أوامره
يا درة فقدت وكانت فاخره … في بدء خير حولت للآخره
من كل علم حاز أكبر فره … عز الفخار تصل بحارا زاخره
شطن الرجا كانت لطالب بره … من بعد أشجان بفضل ماخره
تعنو الرءُوس إلى وجوه بديعه … وإذا عصته أتت إليه ذاخره
وهو المكرم والكريم بناته … مع علمه لو أم كعبا فاخره
ليلى بعاذرها فشاغل قلبها … ولمن سواه بذي الدعاوى شاجره
تجري عليه مودعا روحي ولن … تشغل ولو صارت عظاما ناخره
قد كان أول شاغل قلبي هوى … وبهونه فالصبر عدى آخره
[من الطويل]:
شهاب المعالي بينما هو طالع … فعاجلنا فيه القضا والقوارع
إلى الله إنا راجعون وحسبنا … ونعم الوكيل الله فيما نواقع
فقد أورت الآفاق حزنا وذلة … وأظلمت الأكوان ثم المطالع
وأطلق دمع العين تجري سحائبا … وأجرى عيون السحب فهي هوامع
وصير طرفي لا يمل من البكا … وأحرق قلبا بالجوانح هالع
وفرق جمع الشمل من بعد إلفه … وألف در الجمع في الخد لامع
فوجدي وصبري في الرثاء بيانيا … فوجدي موجود وصبري ضائع
فصبرا لما قد كان في سابق القضا … فليس لمقدور المنية دافع
وطلقت نومي والتلذذ والهنا … وألزمت نفسي أنني لا أراجع
وصاحب سهدي والتأسف والأسى … فواصلتها لما جفتني المضاجع
وإني غريب لو أقمت بمنزلي … وإني وحيد لا معين أراجع
فلهفي على شيخ الحديث وعصره … فمجلسه للعلم والفضل جامع
فلهفي على تلك المجالس بعده … لفقد أولي التحقيق قفر بلاقع
فلهفي على جدي وشيخي وقدوتي … وشيخ شيوخ العصر إذ لا منازع
فأوقاته مقسومة في عبادة … وفضل لمحتاج ببر يتابع
فقد كان ظني أن تكون معاوني … على كل خير مثل ما قيل مانع
فعند إلهي قد جعلت وديعتي … كريم لديه لا يخيب الودائع
فرحب الفضا قد ضاق من بعد بعده … علي وفيه بحر فكري واسع
فيا موت، زر إن الحياة ذميمة … فمن بعد هذا الحبر إني راجع
إمام الهدى والعلم والحلم والتقى … وحافظ هذا الوقت للحق خاضع
[ ١ / ١٠٧ ]
ففي النظم حسان وفي الجود حاتم … وفي العلم ليث وهو في الثبت نافع
عفيف السجايا باسط اليد بالندا … جزيل العطايا ناسك متواضع
بزهد له قد كان يحكي ابن آدم … له ورع بالصبر للنفس قانع
فأيامه صوم وفي الليل هاجد … مقيل خشوع ساجد الرأس راكع
فمنهاجه حاو لتنبيه غافل … وبهجته زانت كما الروض نافع
وفتح لباريه حواه فوائدا … يزيل التباسا فهو للشكل رافع
وتقريبه الأسما لتهذيب طالب … وفي الجرح والتعديل كالسيف ساطع
فإن رمت إتقان الحديث فجمعه … فعن حافظ الإسلام تروى الشرائع
[من الطويل]:
كأن لم يمت من سواه ولم تقم … على أحد إلا عليه النوائح
[من البسيط]:
إني معزيك لا أني على طمع … من الخلود ولكن سنة الدين
فما المعزى بباق بعد صاحبه … ولا المعزي ولو عاشا إلى حين
[من الطويل]:
تعز بحسن الصبر عن كل فائت … ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
وليس يذود النفس عن شهواتها … لعمرك إلا كل ماضي العزائم
[من الوافر]:
لعمرك ما الرزية هدم دار … ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية موت شخص … يموت بموته علم كبير
[ ١ / ١٠٨ ]