لقد تنوعت وتعددت فوائد علم التخريج، ولقد أحسن جمعها الأستاذ الدكتور الشيخ عبد المهدي في كتابه طرق تخريج حديث رسول اللَّه ﷺ فقال: فوائد التخريج كثيرة وكيف لا وبه يمكن الوصول إلى كنوز السنة، وبدونه يحرم المرء من ذلك؟.
وسأذكر هنا- بمشيئة الله تعالى- أشهرها. وهي:
١- معرفة مصدر أو مصادر الحديث: فبالتخريج يستطيع الباحث أن يعرف مَنْ أخرج الحديث من الأئمة، ومكان هذا الحديث في كتب السنّة الأصلية.
٢- جمع أكبر عدد من أسانيد الحديث: فبالتخريج يتوصل الباحث إلى موضع أو مواضع الحديث من الكتاب الواحد أو الكتب المتعددة، فيعرف مثلًا أماكن وروده في "صحيح
[ ١ / ٥٣ ]
البخاري"، وقد تكون متعددة، ويعرف أيضًا أماكن وروده عند غير البخاري، وفي كل موضع يعرف الإسناد فيكون قد حصل على أسانيد متعددة للحديث.
٣- معرفة حال الإسناد بتتبع الطرق: فبالوصول إلى طرف الحديث يمكن مقابلتها ببعضها فيظهر ما فيها من انقطاع أو إعضال … إلخ.
٤- معرفة حال الحديث بناء على كثير من الطرق: فقد نقف على الحديث من طريق ما ضعيفًا، وبالتخريج نجد له طرقًا أخرى صحيحة. وقد نقف له على إسناد منقطع فيأتي -بالتخريج- ما يزيل هذا الانقطاع.
٥- ارتقاء الحديث بكثرة طرقه: فقد يكون معنا حديث ضعيف، وبالتخريج نجد له متابعات وشواهد تقويه، فتحكم له بالحسن بدل الضعف.
٦- معرفة حكم أو أحكام الأئمة على الحديث: وأقوالهم فيه، من حيث الصحة وغير ها.
٧- تمييز المهمل من رواة الإسناد: فإذا كان في أحد الأسانيد راوٍ مهمل، مثل "عن محمد" أو "حدثنا خالد" فبتخريج الحديث والوقوف على عدد من طرقه، قد يتميز هذا المهمل، وذلك بأن يذكر في بعضها مميزًا.
٨- تعيين المبهم في الحديث: فقد يكون معنا راوٍ مبهم أو رجل في المتن مبهم مثل "عن رجل" أو "عن فلان" أو "جاء رجل إلى النبي ﷺ" فبتخريج الحديث نقف على عدد من طرقه، وقد يكون في بعضها تعيين هذا المبهم.
٩- زوال عنعنة المدلس: وذلك بأن يكون عندنا حديث بإسناد فيه مدلس يروي عن شيخه بالعنعنة -مما يجعل الإسناد منقطعًا- وبالتخريج يمكن أن نقف عن طريق آخر، يروي فيه هذا المدلس عن شيخه بما يفيد الاتصال، كـ "سمعت" و"حدثنا" و"أخبرنا". مما يزيل سمة الانقطاع عن الإسناد.
١٠- زوال ما نخشاه من الرواية عمن اختلط: فإذا كان معنا حديث في إسناده من اختلط، ولا ندري هل الراوي عنه في إسنادنا هذا روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، فبالتخريج قد يتضح ذلك كأن يصرح في بعض الطرق بأن هذا الراوي روى عنه قبل الاختلاط، أو أن يرويه عنه راوٍ لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط، مما يؤيد الحديث الذي معنا، ويفيد أنه ليس مما اختلط فيه.
١١- تحديد من لم يحدد من الرواة: فقد يذكر الراوي في إسناد معنا بكنيته أو لقبه أو نسبته، ويشاركه في هذه- الكنية أو اللقب أو النسبة- كثيرون مما يجعل تحديده متعذرًا، فبالتخريج قد نعرف اسمه، بأن يذكر في إسناد أو أكثر باسمه صريحًا.
[ ١ / ٥٤ ]
١٢- معرفة زيادة الروايات: فقد تكون الرواية التي معنا غير مشتملة على ما يفيد الحكم صراحة، فبالتخريج نقف على بقية الروايات، وفي زياداتها ما يفيد في الحكم أو يفيد الحكم صراحة، أو به يتضح المعنى.
١٣- بيان معنى الغريب: فقد يكون في حديث لفظة غريبة، وبتخريجه من الروايات الأخرى تتضح هذه، بأن يأتي مكانها لفظة ليست غريبة، أو يشتمل على بيانها.
١٤- زوال الحكم بالشذوذ: فقد يحكم على حديث أو لفظة بالشذوذ، وبالتخريج- الذي يوقفنا على كثير من الروايات -يتضح لنا ورود هذا من غير هذا الطريق الذي يظن تفرد راوٍ به، مما يدفع القول بالشذوذ.
١٥- بيان المدرج: فقد يدرج الراوي كلامًا في المتن، وبالتخريج يمكن مقارنة الروايات، بما يبين الإدراج.
١٦- بيان النقص: فقد ينسى الراوي جزءًا من الحديث، أو يختصره، وبالتخريج يمكننا الوقوف على ما نسيه، أو اختصره.
١٧- كشف أوهام وأخطاء الرواة: فقد يخطىء الراوي أو يهم، وبالتخريج -الذي يوقفنا على عدد من الروايات- يتضح هذا.
١٨- معرفة الرواية باللفظ: فقد يروي راو الحديث بالمعنى، وبالتخريج نقف على رواية من رواه باللفظ.
١٩- بيان أزمنة وأمكنة الأحداث: فبجمع روايات الحديث قد يمكننا معرفة زمانه ومكانه إذ قد يذكر في بعضها ذلك.
٢٠- بيان أعلام الحديث: فقد يردُ الحديث بسبب شخص أو أشخاص، وبالتخريج يمكننا جمع روايات هذا الحديث، والتي قد يتضح منها الشخص- أو الأشخاص- الذين ورد الحديث بسببهم.
٢١- معرفة أخطاء النساخ: فقد يخطىء الناسخ في الإسناد، أو في المتن، وبالتخريج يمكننا الوقوف على الروايات، وبها يتضح هذا الخطأ. وهذه الفائدة عظم شأنها في هذه الأيام لكثرة أخطاء النشر.
وبالجملة: فبالتخريج يمكن:
أ- جمع الطرق التي جاء الحديث منها.
ب- جمع ألفاظ متن الحديث.
وفي هذين من الفوائد الكثير والكثير. ولعله بعد ذكر هذا العدد من الفوائد يكون قد
[ ١ / ٥٥ ]
أتضح لك قدر التخريج وظهرت عظمة منزلته، وكبير فائدته، مما يجعلك تحرص عليه فهو مفتاح كنوز السنّة بلا ريب، ودليل بحارها بلا شك. نسأل الله الكريم من فضله أن يفتح لنا كنوز الكتاب والسنة، وأن يهدينا في بحارهما. انتهى كامله بنصه.
[ ١ / ٥٦ ]