كثير من عامة العلماء، والذين لا يستنبطون الأمور منهم إذا رأوا الجرح والتعديل ظنوا أن العمل على جرحه، والصواب أن من ثبتت عدالته وإمامته، وكثر مادحوه، وقل قادحوه، وكان هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لا يلتفت إلى تجريحه وعمل فيه بالعدالة، ولو فتح هذا الباب على مصراعيه لما سلم أحد من الأئمة؛ فكم من إمام طعن عليه طاعنون، وهلك فيه هالكون١ من إفك الحديث عنه.
وانظرا إلى ابن عبد البر في كتاب العلم تراه يعقد بابًا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وذكر فيه أحاديث مسندة مرفوعة وموقوفة ثم ينقل من أقوال العلماء ما يفيد أنه لا تجوز
_________________
(١) ١ ابن السبكي: قاعدة في الجرح والتعديل ص١٣، وما بعدها مكتبة الرشد، الرياض ط ٥/١٩٨٤.
[ ١ / ٣٠ ]
شهادة القارىء على القارىء- يعني العلماء- لأنهم أشد الناس تحاسدًا وتباغضًا.
ومن القائلين بذلك سفيان الثوري ومالك بن دينار وعبد الله بن وهب في "مبسوطته".
واستدل ابن عبد البر بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد، وانتهى إلى كلام أبو معين في الشافعي حتى قال الإمام أحمد: من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقوله الشافعي ومن جهل شيئًا عاداه.
كما ذكر ابن عبد السلام بن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد بن مالك بن أنس، كما تكلم فيه عبد العزيز أبي سلمة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ومحمد بن إسحاق، وابن أبى يحيى وابن أبي الزناد، وعابوا أشياء من مذهبه فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا.
ولا ابن معين في الشافعي، ولا النسائي في أحمد بن صالح "٢٤٨ هـ" لأن هؤلاء أئمة مشهورون فصار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله.
ولكي يصح تطبيق القاعدة لا بد من تفقد حال الجارح والمجروح من اختلاف عقدي أو تعصب مذهبي حتى لا يحيل الجارح ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق. وكم من أئمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب.
يقول ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام١.
وما يتفقد عند الجرح أيضًا: حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف أعراف الناس، وتكون في بعض الأزمنة مدحًا وفي بعضها ذمًا.
كما ينبغي أن يتفقد حاله في العلم بالأحكام الشرعية، فرب جاهل ظن الحلال حرامًا فجرح به.
كما يجب أن يتفقد الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأهل الحديث.
والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعًا، وكذا إن تساويًا أما إن كان الجارح أقل يطلب الترجيح٢.
إذا ما عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدمًا.
ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين:
إحداهما: أن قولهم: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا إنما هو أيضًا في جرح من ثبتت عدالته
_________________
(١) ١ "الاقتراح في بيان الاصطلاح" ص ٣٤٤ تحقيق قحطان الدوري- مطبعة الإرشاد- بغداد ١٩٨٢م. ٢ ينظر: "جمع الجوامع" ٢/١٧٢ بشرح الجلال المحلي وحاشية البناني.
[ ١ / ٣١ ]
واستقرت، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له: ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله، ولكن ابتدره جارحان ومزكيان؛ فيقال إذ ذاك للجارحين: فسرا ما رميتماه به، أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا، ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه.
والفائدة الثانية: أنا لا نطلب التفسير من كل أحد، بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكًا إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق، بل يكون بين بين، أما إذا انتفت الظنون، واندفعت التهم، وكان الجارح حبرًا من أحبار الأمة مبرءًا عن مظان التهمة، أو كان المجروح مشهورًا بالضعف، متروكًا بين النقاد، فلا نتلعثم عند جرحه، ولا نحوج الجارح إلى تفسير، بل طلب التفسير منه- والحالة هذه- طلب لغيبة لا حاجة إليها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر نحن نقبل قول ابن معين في إبراهيم بن شعيب المدني: إنه ليس بشيء، وفي إبراهيم بن يزيد المدني: إنه ضعيف، وفى الحسين بن الفرج الخياط: إنه كذاب يسرق الحديث، وعلى هذا- وإن لم يبين الجرح- لأنه إمام مقدم في هذه الصناعة١ جرح طائفة غير ثابتي العدالة والثبت، ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام الدليل القاطع والبرهان الساطع على أنه غير محق بالنسبة إليه.
ولا يفوتني قبل إنهاء هذه القاعدة أن أنبهك أيها القارىء الواعي والخبير بهذه الصناعة أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلامهم بعضهم في بعض فإن قدرت على التأويل القائم على حسن الظن فدونك وإلا فغض الطرف، واضرب صفحًا عما شجر بينهم، فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم محامل وليس لي ولك إلا الترضي عنهم، والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ تاج الدين السبكي: قاعدة في الجرح والتعديل ص٥٢.
[ ١ / ٣٢ ]