١ - حَدِيثُ البحر "هو الطهور ماءه" مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ
_________________
(١) ١ "الطهارة": هي في اللغة: النزاهة والنظافة عن الأقذار، يقال: طهرت المرأة من الحيض، والرجل من الذنوب، بفتح الهاء وضمها وكسرها. والطهر نقيض الحيض، والطهر نقيض النجاسة، ويقال: المرأة طاهر من الحيض، وطاهرة من النجاسة. والطهور بالضم التطهُّر، وبالفتح: الماء الذي يُتَطَهّر به، هذا رأي جمهور أهل اللغة، كما قال في السُّحور والسَّحور، والوُضوء والوَضوء، بالضم يطلق على الفعل، وبالفتح يطلق على ما يُتَسَحَّرُ به، وعلى الماء الذي يُتَوَضَّأُ به. وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا. والمِطْهرة: الإناء الذي يُتطهرُ منه، والمِطْهَرَةُ: البيت الذي يتطهر فيه. ينظر لسان الحرب ٤/٢٧١٢، ترتيب القاموس ٣/١٠٣، ١٠٤ المعجم الوسيط: ٢/٥٧٤. واصطلاحًا: عرفها الحنفية بأنها: النظافة المخصوصة المتنوعة إلى وضوء وغسل وتيمّم، وغسل البدن والثوب ونحوه. وعند الشافعية: إزالة حدثٍ، أو نجسٍ، أو ما في معناهما، وعلى صورتهما، وقيل أيضًا: فعل ما يترتب عليه إباحة الصلاة، ولو من بعض الوجوه، أو ما فيه ثواب مجرد. عند المالكية: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه، أو له. عند الحنابلة: رفع ما يمنع الصلاة، وما في معناها من حدثٍ، أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب. ينظر: الدرر١/٦، فتح الوهاب: ١/٣، شرح المهذب: ١/١٢٣، الإقناع بحاشية البيجرمي: ١/٥٨- ٥٩، حاشية الباجوري ١/٢٥، حاشية الدسوقي: ١/٣٠- ٣١ الكليات لأبي البقاء ص٢٣٤. وشرعت الطهارة حثًا للمؤمن على النظافة، حتى يكون حَسَنَ البدنِ والملْبَسِ والمكان، كما هو طاهر القلب، نظيف اللسان بالإيمان والإخلاص، ولذا نجد الشارعَ الحكيم قد أوجب الوضوء والغسل، وإزالة النجاسة لطهارة البدن والثوب والمكان. واعلم أن الفقهاء قدَّموا العبادات على المعاملات اهتمامًا بالأمور الدَّينية دون الدنيوية، وقدموا منها الطهارة؛ لأنها مفتاح الصلاة التي هي أهم العبادات، ولذلك ورد "مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور" الباجوري ١/٢٣. ٢ هو ضد المقيِّد؛ لأن المطلَقَ: هو ما لم يقيَّد بصفة تمنعه أن يتعدَّاها إلى غيرها. وأصله: البعير يطلق من القيد، والأسير يطلق من الحبس والوثاق. قال أصحابنا: الماء المطلق: هو ما لم يُضَفْ إلى ما استخرج منه، ولا خالطه ما يستغنى عنه، ولا اسْتُعْمِل في رفع حدث ولا نجس. والمقيد: هو الذي فيه إحدى هذه الصفات كماء الورد، والماء الذي اعتصر من الشجر، وماء الباقلّي هذا مضاف إلى ما استخرج منه، والذي خالطه ما يستغنى عنه كالطُّحْلُبِ والزعفران، والملح الجبليَّ، والماء المستعمل، فكأن هذه الصفات قيّدته على معناه فلم تتجاوزها إلى غيرها. والمطلق يقال فيه: ماء لا غير، فيطق عن الصفات والإضافات. ينظر: النظم المستعذب "١/١٠ب".
[ ١ / ١١٧ ]
حِبَّانَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ١ ٢، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ فِيمَا٣ حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ٤ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ٥ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا عِنْدَهُ لَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ٦ وَهَذَا مَرْدُودٌ٧ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الِاسْتِيعَابَ ثُمَّ حَكَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ لِتَلَقِّي الْعُلَمَاءِ
_________________
(١) ١ أخرجه مالك "١/٢٢": كتاب الطهارة: باب الطهور للوضوء، الحديث "١٢"، والشافعي في "١/١٦": كتاب الطهارة، ومحمد بن الحسن في الموطأ "٤٣": كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث "٤٦"، وابن أبي شيبة "١/١٣١": كتاب الطهارات: باب من رخص في الوضوء بماء البحر، وأحمد "٢/٣٦١"، والدارمي "١/١٨٦": كتاب الطهارة: باب الوضوء من باب البحر، والبخاري في التاريخ الكبير "٣/٤٧٨"، وأبو داود "١/٦٤": كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث "٨٣"، والترمذي "١/١٠٠- ١٠١": كتاب الطهارة: باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، الحديث "٦٩"، والنسائي "١/١٧٦": كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، وابن ماجة "١/١٣٦": كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث "٣٨٦"، وابن خزيمة "١/٥٩": كتاب الطهارة: باب الرخصة في الغسل والوضوء من ماء البحر، الحديث "١١١"، وابن حبان في "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان": كتاب الطهارة: باب ما جاء في الماء، الحديث "١١٩"، وابن الجارود ص: "٢٥" باب في طهارة الماء والقدر الذي ينجس الماء والذي لا ينجس، والدارقطني "١/٣٦": كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، الحديث "١٣"، والحاكم "١/١٤٠- ١٤١": كتاب الطهارة والبيهقي في "١/٣": كتاب الطهارة: باب التطهير بماء البحر. وفي "معرفة السنن والآثار" "١/١٥٠- ١٥١" والخطيب في "تاريخ بغداد" " ٧/١٣٩ " وابن بشكوال في "الغوامض" "ص ٥٥٥" والجوزقاني في "الأباطيل" رقم "٣٣١"، من رواية مالك عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بردة، أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد توبع مالك على هذا الحديث فتابعه أبو أويس وعبد الرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم. ٢ سقط من ط. ٣ في الأصل: عما. ٤ قال الترمذي في "العلل" ص ٤١ رقم "٣٣": سألت محمدًا عن حديث مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر … الحديث فقال: "هو … "، حديث صحيح. ٥ يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر: من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ أديب، بحّاثة، يقال له: حافظ المغرب؛ ولد بقرطبة سنّة ٣٦٨هـ، وتوفي بشاطبة سنّة ٤٦٣هـ. من تصانيفه: "الدرر في اختصار المغازي والسير" و"الاستيعاب" و"جامع بيان العلم وفضله" و"المدخل" من القراءات، و"بهجة المجالس وأنس المجالس" و"الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار" و"الإنباه على قابل الرواة" و"الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف". ينظر: الأعلام ٨/٢٤٠، وفيات الأعيان ٢/٣٤٨، بغية الملتمس: ٤٧٤ ١/١٥٧. ٦ قال في "التمهيد" "١٦/٢١٨- ٢١٩": لا أدري ما هذا من البخاري﵀؟ ولو كان عنده صحيحًا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح لأن العلمًاء تلقوه بالقبول له والعمل به" اهـ. وينظر أيضًا الاستذكار له "٢/٩٤- ٩٧". ٧ وقد تعقبه الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام" كما في "البدر المنير" "٢/٦" فقال: قوله: قوله لو كان صحيحًا لأخرجه في كتابه غير لازم لأنه لم يلتزم إخراج كل حديث صحيح.
[ ١ / ١١٨ ]
لَهُ بِالْقَبُولِ فَرَدَّهُ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ وَقَبِلَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَقَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا تَبْلُغُ دَرَجَةَ هَذَا وَلَا تُقَارِبُهُ وَرَجَّحَ ابْنُ مَنْدَهْ١ صِحَّتَهُ٢ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ الْمُنْذِرِ٣ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ٤ وَمَدَارُهُ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ [مَعَنَا] ٥ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" رَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ وَأَبُو أُوَيْسٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ٦.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ سَعِيدَ بْنَ سَلَمَةَ أَوْ الْمُغِيرَةَ أَوْ كِلَيْهِمَا٧.
_________________
(١) ١ هو الإمام الحافظ الجوال محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة الأصبهاني العبدي، قال أبو علي الحافظ: بنو مندة أعلام الحفاظ في الدنيا قديمًا وحديثًا. ت "٣٩٥ هـ". ينظر "شذرات الذهب" "٣/١٤٦" و"تذكرة الحفاظ" "٤/١٠٣١" و"سير أعلام النبلاء" "١٧/٢٨". ٢ نقله عنه الشيخ تقي الدين في "الإلمام" ص ٤ ونقله أيضًا ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٥" و"خلاصة البدر المنير" "١/٧" رقم "١". ٣ ينظر الأوسط لابن المنذر "١/٢٤٧". ٤ قال في "شرح السنة" "١/٣٦٨- بتحقيقنا": هذا حديث حسن صحيح. تنبيه: نقل ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٤" عن البغوي قوله: هذا الحديث صحيح متفق على صحته. قلت: وهذا الكلام فيه نظر فإن الحديث المتفق عليه اصطلاحًا هو ما رواه البخاري ومسلم معًا. وأيضًا لم أر هذا الكلام للبغوي في كتابه "شرح السنّة". وهذا الحديث قد صححه أيضًا جماعة غير ما تقدم فصححه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما وقال الأخير في "المجروحين" "٢: ٢٩٩": حديث أبي هريرة صحيح وصححه أيضًا الحاكم. والبيهقي في "كتاب معرفة السنن والآثار" فقال: هو حديث صحيح كما قال البخاري. وقال الجوزقاني: هو حديث حسن. وقال ابن الأثير في "شرح المسند" كما في "البدر المنير""٢/٥" و"نيل الأوطار" "١/١٤":: هذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة في كتبهم واحتجوا به ورجاله ثقات اهـ. وابن الملقن فقال في "البدر المنير" "٢/٢": هذا الحديث صحيح جليل، وتبعه تلميذه المصنف في "الدراية" "١/٥٣" وصححه غير هؤلاء الكثير. ٥ سقط في الأصل. ٦ قال الشافعي ﵀ في "الأم" "١/٣": ظاهر القرآن يدل على أن كل ماء طهارة ماء بحر وغيره وقد روي من حديث يوافق ظاهر القرآن في إسناده من لم أعرفه. وقد نقل هذا الكلام عن الشافعي البيهقي في "السنن الكبرى" "١/٣" كتاب الطهارة: باب التطهير بماء البحر وأسنده عنه في "معرفة السنن والآثار" "١/١٣١- ١٣٢" كتاب الطهارة: باب ما تكون به الطهارة من الماء. ٧ قال البيهقي في "المعرفة" "١/١٣٢": وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم بن الحجاج في "الصحيحين" لاختلاف وقع في اسم سعيد ابن سلمة والمغيرة ابن أبي بردة ولذلك قال الشافعي: في إسناده من لم أعرفه.
[ ١ / ١١٩ ]
قُلْتُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ سَعِيدٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ إلَّا أَنَّهُ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ وَالِاضْطِرَابُ مِنْهُ فَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ١.
وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ٢ وَقِيلَ عَنْ يَحْيَى عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ٣.
وَقِيلَ عَنْ يَحْيَى عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ٤.
وَقِيلَ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مَرْفُوعًا.
وَقِيلَ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ٥ الْمُغِيرَةِ عَنْ٦ أَبِي بُرْدَةَ مَرْفُوعًا.
وَقِيلَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُدْلِجِي ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَشْبَهَهَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ فقدوهم وَالصَّوَابُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَأَمَّا حَالُ الْمُغِيرَةِ فَقَدْ رَوَى الْآجُرِّيُّ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ مَعْرُوفٌ٧.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَدْتُ اسْمَهُ فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ نصير٨ [بن عقبة] ٩ وَقَالَ ابْنُ
_________________
(١) ١ أخرجه من هذا الوجه ابن عبد البر في "التمهيد" "١٦/٢١٩". وأخرجه ابن أبي شيبة "١/١٢١" رقم "١٣٧٨" من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن يحيى بن سعيد به. ٢ أخرجه من هذا الوجه الحاكم "١/١١٤" والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" "١/١٣٦" وأبو عبيد في "كتاب الطهور" "٢٣٤". ٣ أخرجه الحاكم "١/١٤١- ١٤٢" والبيهقي في "المعرفة" "١/١٣٧". ٤ أخرجه عبد الرزاق "٣٢١" وابن عبد البر في "التمهيد" "١٦/٢١٩". ٥ ينظر العلل للدار قطني "٩/٧- ١٣". وقد أشار إلى الاختلاف في طرق هذا الحديث الزيلعي في "نصب الراية" "١/٩٧". ٦ سقط في الأصل. ٧ ذكره المزي في "تهذيب الكمال" "٢٨/٣٥٣" وقال: قال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات "٥/٤١٠" وقال الحافظ في "التقريب" "٢/٢٦٨": وثقه النسائي. ٨ ينظر التمهيد "١٦/٢١٨". وقال في "الاستذكار" "٢/٩٨": المغيرة بن أبي بردة كان مع موسى بن نصير في مغازيه بالمغرب وكان موسى يؤمره على الجيوش هنالك وفتح في المغرب فتوحات. ٩ سقط من ط.
[ ١ / ١٢٠ ]
عَبْدِ الْحَكَمِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ إفْرِيقِيَةَ أَنْ يُؤَمِّرُوهُ بَعْدَ قَتْلِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ فَأَبَى انْتَهَى.
وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ فَعُلِمَ بِهَذَا غَلَطُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ فَقَدْ تَابَعَ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْهُ الْجُلَاحُ أَبُو كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُمَا وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَجَاءَهُ صَيَّادٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَنْطَلِقُ فِي الْبَحْرِ نُرِيدُ الصَّيْدَ فَيَحْمِلُ أَحَدُنَا مَعَهُ الْإِدَاوَةَ وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَأْخُذَ الصَّيْدَ قَرِيبًا فَرُبَّمَا وَجَدَهُ كَذَلِكَ وَرُبَّمَا لَمْ يَجِدْ الصَّيْدَ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ الْبَحْرِ مَكَانًا لَمْ يَظُنَّ أَنْ يَبْلُغَهُ فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِمُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فَإِنْ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ بِهَذَا الْمَاءِ فَلَعَلَّ أَحَدَنَا يُهْلِكُهُ الْعَطَشُ فَهَلْ تَرَى فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَنْ نَغْتَسِلَ بِهِ أَوْ نَتَوَضَّأَ بِهِ إذَا خِفْنَا ذَلِكَ فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "اغتسلوا منه وتوضؤا بِهِ فَإِنَّهُ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" قُلْت: وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مُخْتَصَرًا لِلْقِصَّةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَالِكٍ١ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَحْرِ "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ٢ وَهَذَا أَشْبَهُ بِسِيَاقِ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ٣ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْهُ٤.
قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ حَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ٥ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" "٣/٤٧٨" والحاكم "١/١٤١" والبيهقي "١/٣" كتاب الطهارة: باب التطهير بماء البحر، وفي "المعرفة" "١/١٣٧" كتاب الطهارة: باب ما تكون به الطهارة من الماء. وقد وهم المصنف في عزو هذه الرواية للإمام أحمد فإن الإمام أحمد قد رواه من طريق الجلاح عن المغيرة بن أبي بردة لا عن سعيد بن المغيرة. ٢ تقدم تخريج هذه الرواية. ٣ في الأصل: عبد. ٤ رواه أحمد "٣/٣٧٣"، وابن ماجة "١/١٣٧": كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر، الحديث "٣٨٨"، والدارقطني "١/٣٤": كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، الحديث "٣"، وابن خزيمة "١/٥٩"، وابن حبان "١٢٠- موارد"، وابن الجارود "٨٧٩"، والدارقطني "١/٣٤"، والبيهقي "١/٢٥٣- ٢٥٤"، وأبو نعيم في "الحلية" "٩/٢٢٩" من طريق إسحاق بن حازم عن عبيد الله بن مقسم عن جابر أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر فقال: "الحل ميتته، الطهور ماؤه". ٥ وصححه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان. وقد خالفهم ابن مندة في ذلك كما في "البدر المنير" "٢/٢٠" فقال: وقد روى هذا الحديث عبيد اللَّه بن مقسم عن جابر والأعرج عن أبي هريرة ولا يثبت اهـ. وقد مال ابن الملقن في تقوية حديث جابر فقال: قال الشيخ تقي الدين في "الإمام": عندي أن قول أبي علي بن السكن في تقوية حديث جابر أقوى من قول ابن مندة وذلك أن عبيد الله بن مقسم المذكور متفق عليه بين الشيخين وإسحاق المدني وثقه أحمد ويحيى وقال أبو حاتم: صالح.
[ ١ / ١٢١ ]
الْكَبِيرِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا يُخْشَى مِنْ التَّدْلِيسِ١.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: "مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ" وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ٢ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ بِكِيرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ عَنْ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ قَالَ كُنْت أَصِيدُ وَكَانَتْ لِي قِرْبَةٌ أَجْعَلُ فِيهَا مَاءً وَإِنِّي تَوَضَّأْت بِمَاءِ الْبَحْرِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" ٣ قَالَ
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني في "الكبير" "٢/٢٠٣" رقم "١٧٥٩" والدارقطني "١/٣٤" والحاكم "١/١٤٣" وقال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٢٣": وهذا سند على شرط الصحيح إلا أنه يخشى أن يكون ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير فإنه مدلس وأبو الزبير مدلس أيضًا وقد عنعنا في هذا الحديث ا. هـ. قلت: قد توبع ابن جريج تابعه مبارك بن فضالة عن أبي الزبير عن جابر به. أخرجه الدارقطني "١/٣٤" ومبارك صدوق يدلس أيضًا ينظر "التقريب" "٢/٢٢٧". ٢ أخرجه الدارقطني "١/٣٥": كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، الحديث "١٠"، والحاكم "١/١٤٠": كتاب الطهارة، كلاهما من رواية سريج بن النعمان، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ، عن ماء البحر فقال: "ماء البحر طهور". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقره الذهبي، لكن الدارقطني قال: الصواب أنه موقوف. قلت: والموقوف الذي رجحه الدارقطني أخرجه أحمد "١/٢٧٩" من طريق عفان عن حماد ابن سلمة عن أبي التياح عن موسى بن سلمة، وفيه وسألته يعني ابن عباس عن ماء البحر فقال: ماء البحر طهور. تنبيه: نقل هذا الحديث- حديث ابن عباس- الزيلعي في "نصب الراية" "١/٩٨" وقال: سكت عنه الحاكم وهو وهم فقد صححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٢٤". ٣ أخرجه ابن ماجة "١/١٣٦-١٣٧": كتاب الطهارة: باب الوضوء بماء البحر: الحديث "٣٨٧" عن سهل بن أبي سهل عن يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشى عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد وكانت لي قربة الحديث. هكذا قال ابن ماجة: عن ابن الفراسي. وأخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" "١٦/٢٢٠" من طريق أبي الزنباع روح بن الفرج القطان عن يحيى بن بكير وفيه عن مسلم بن مخشي أنه حدثه أن الفراسي قال: كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث وكنت أحمل قربة لي فيها ماء … الحديث. وقال ابن عبد البر: إسناده ليس بالقائم وأن الفراسي مجهول في الصحابة غير معروف. وقد تعقبه الشيخ تقي الدين في "الإمام" فقال: إن كان مراد أبي عمر مجهول الحال مع إثبات كونه من الصحابة فقد اشتهر بين أرباب الأصول والحديث أن ذلك لا يضر لعدالة جميع الصحابة وإن أراد مجهول الصحبة فقد أثبت البخاري صحبته. ينظر "البدر المنير" "٢/٢٦" وقد أعل عبد الحق الأشبيلي في "الأحكام الوسطى" "١/١٥٧" بعلة أخرى فقال: ومسلم بن مخشي لم يرو عنه فيما أعلم إلا بكر بن سوادة اهـ. وقد تعقبه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" كما ذكر ذلك الزيلعي في "نصب الراية" "١/٩٩" فقال: وقد خفي على عبد الحق ما فيه من الانقطاع فإن ابن المخشى لم يسمع من الفراسي وإنما يرويه عن ابن الفراسي عن أبيه اهـ.
[ ١ / ١٢٢ ]
التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ فَقَالَ هَذَا مُرْسَلٌ لَمْ يُدْرِكْ ابْنُ الْفِرَاسِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْفِرَاسِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ١.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا كَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ ابْنُ زِيَادَةَ فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ مُسْلِمُ بْنُ مَخْشِيٍّ لَمْ يُدْرِكْ الْفِرَاسِيَّ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْ ابْنِهِ وَأَنَّ الِابْنَ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ٢ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ٣ طَرِيقِ شَيْخِ شَيْخِ ابْنِ مَاجَهْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُخَشَّى أنه حدثه أن الْفِرَاسِيِّ قَالَ كُنْت أَصِيدُ فَهَذَا السِّيَاقُ مُجَوَّدٌ وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الْبُخَارِيِّ مُرْسَلٌ٤.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَيْتَةُ الْبَحْرِ حَلَالٌ وَمَاؤُهُ طَهُورٌ" وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمُثَنَّى عَنْ عَمْرٍو وَالْمُثَنَّى ضَعِيفٌ٥ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ الْأَوْزَاعِيُّ بَدَلَ الْمُثَنَّى وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ٦.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ
_________________
(١) ١ ينظر: "علل الترمذي" "ص: ٤١" رقم "٣٤". ٢ وقد أوضح ذلك البوصيري في "الزوائد" "١/١٦١" عند الكلام على إسناد الترمذي فقال: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن مسلمًا لم يسمع من الفراسي إنما سمع من ابن الفراسي عن أبيه وابن الفراسي لا صحبة له وإنما روي هذا الحديث عن أبيه فالظاهر أنه سقط من هذا السند ا. هـ. قلت: ومما سبق يتبين أن الحديث يدور بين الانقطاع والإرسال قد ذكر ذلك ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٢٨" فقال: إن الحديث إما منقطع بين مسلم بن مخشى والفراسي أو مرسل بين ابن الفراسي والنبي ﷺ. ٣ في الأصل: عن. ٤ تقدم تخريج هذه الرواية. ٥ أخرجه الحاكم "١/١٤٣" كتاب الطهارة، من طريق الحكم بن موسى. ثنا معقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "ميتة البحر حلال وماؤه طهور"، وقد رواه الدارقطني "١/٣٥" كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، الحديث "٧"، من هذا الوجه أيضًا، من رواية الحكم بن موسى، عن معقل فقال عن المثنى، عن عمرو بن شعيب ومن طريق المثنى أيضًا أخرجه ابن عدي في "الكامل" "٦/٢٤١٨" والمثنى بن الصباح ضعفه ابن معين وغيره وقال النسائي: متروك. ينظر المغني "٢/٥٤١" رقم "٥١٧٥". ٦ أما حديث علي: رواه الدارقطني "١/٣٥": كتاب الطهارة: باب في ماء البحر، الحديث "٦"، والحاكم "١/١٤٢- ١٤٣": كتاب الطهارة، كلاهما من رواية بن عقدة الحافظ، ثنا أحمد بن الحسين بن عبد الملك، ثنا معاذ بن موسى، ثنا محمد بن الحسين، حدثني أبي عن أبيه، عن جده، عن علي قال: سئل رسول الله ﷺ عن ماء البحر … الحديث. وسكت عنه الحاكم. وقال ابن المقلن في "البدر المنير""٢/٣٢" هذا إسناد عجيب قال الشيخ تقي الدين في "لإمام": فيه من يحتاج إلى معرفة حاله.
[ ١ / ١٢٣ ]
عُمَرَ: آكُلُ مَا طَفَا عَلَى الْمَاءِ؟ قَالَ: إنَّ طَافِيَهُ مَيْتَتُهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ مَاءَهُ طَهُورٌ وَمَيْتَتُهُ حِلٌّ" ١ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَفَهُ٢ وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطني "٤/٢٦٧" كتاب الصيد والذبائح حديث "٢" من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي عن عمرو بن دينار به. وإبراهيم بن يزيد تركه النسائي والدارقطني وقال الحافظ متروك. ينظر "الضعفاء والمتروكين" للنسائي رقم "١٤" والدارقطني رقم "١٣" وينظر أيضًا "التقريب" "١/٤٦". ٢ أخرجه الدارقطني "١/٣٥" كتاب الطهارة: باب في ماء البحر حديث "٤" من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت عن إسحاق بن حازم عن وهب بن كيسان عن جابر عن أبي بكر الصديق ﵁ به وقال الدارقطني: عبد العزيز ليس بالقوي. وقال في "العلل" "١/٢٢": هو حديث تفرد به عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري وهو عبد العزيز بن عمران بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف مديني ضعيف الحديث رواه عن إسحاق بن حازم الزيات عن وهب بن كيسان عن جابر عن أبي بكر الصديق عن النبي ﷺ وإسحاق بن حازم هذا شيخ مديني ليس بالقوي … وقال: وقد روي هذا الحديث عن أبي بكر الصديق موقوفًا من قوله غير مرفوع إلى النبي ﷺ من رواية صحيحة عنه حدث به عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل قوله ا. هـ. قلت: من هذا الطريق أخرجه أبو عبيد في "الطهور" "ص ٢٩٨" وابن أبي شيبة "١/١٣٠" وابن المنذر في "الأوسط" "١/٢٤٨" والدارقطني "١/٣٥" وفي "العلل، "١/٢٤٠" والبيهقي "٤١". وقد رجح الوقف ابن المقلن في إ البدر المنير! "٢/٣٥" فقال: ثم رواه الدارقطني موقوفًا على أبي بكر بإسناد صحيح. ٣ أخرجه ابن حبان في "المجروحين" "١/٣٥٥" من طريق السري بن عاصم عن محمد بن عبيد عن عبيد الله بن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق مرفوعًا. وهذا إسناد ضعيف السري بن عاصم قال ابن حبان: كان ببغداد يسرق الحديث ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به ا. هـ. "إكمال": لم يذكر المصنف ﵀ بعض الأحاديث الشواهد لحديث الباب كحديث أنس وعبد الله المدلجي وعقبة بن عامر موقوفًا وسليمان بن موسى ويحيى بن أبي كثير مرسلًا. - فحديث أنس؛ أخرجه عبد الرزاق "٣٢٠" والدارقطني "١/٣٥" من طريق أبان بن أبي عياش عن أنس مرفوعًا.- قال الدارقطني: أبان بن أبي عياش متروك.- حديث عبد الله المدلجي؛ أخرجه الطبراني في "الكبير"كما في "المجمع" "١/٢١٨" وقال الهيثمي: وفيه عبد الجبار بن عمر ضعفه البخاري والنسائي ووثقه محمد بن سعد. -موقوف عقبة بن عامر؛ أخرجه أبو عبيد في "كتاب الطهور" "ص ٢٩٩" وابن المنذر في "الأوسط" "١/٢٤٨". - مرسل سليمان بن موسى ويحيى؛ أخرجه عبد الرزاق "١/٩٣" رقم "٣١٩". تنبيه: هذا الحديث عده بعض الحفاظ متواترًا كالحافظ السيوطي في "الأزهار المتناثرة" "ص ٢٣" رقم "١١" والشيخ مرتضى الزبيدي في "لفظ اللآلىء" "ص ٣٨- ٣٩" رقم "٩".
[ ١ / ١٢٤ ]
تَنْبِيهٌ: وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ اسْمَ السَّائِلِ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ وَكَذَا سَاقَهُ ابْنُ بَشْكُوَال١ بِإِسْنَادِهِ وَأَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيمَنْ اسْمُهُ عَبْدُ وَتَبِعَهُ أَبُو مُوسَى فَقَالَ عَبْدُ أَبُو زمعة البلوي الذي سأل النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ.
قَالَ ابْنُ مَنِيعٍ بَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ وَقِيلَ اسمع عُبَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ
وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ٢ اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ وَغَلَطَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ٣.
قَالَ أَبُو مُوسَى وَأَوْرَدَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِيمَنْ اسْمُهُ عَرَكِيُّ وَالْعَرَكِيُّ هُوَ الْمَلَّاحُ وَلَيْسَ هُوَ اسْمًا وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ نِصْفُ عِلْمِ الطَّهَارَةِ٤.
٢ - حَدِيثُ "أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ" الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قِيلَ يا رسول الله أتتوضأ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ولحوم الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا ينجسه شيء" لفظ الترمذي وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَدْ جَوَّدَهُ أَبُو أُسَامَةَ٥ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ
_________________
(١) ١ خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال الخزرجي الأنصاري الأندلسي، أبو القاسم: مؤرخ بحاثة، من أهل قرطبة ولادة ووفاة. حيث بها ولد سنّة ٤٩٤ هـ وبها توفي سنّة ٥٧٨ هـ. ولي القضاء في بعض جهات إشبيلية. له نحو خمسين مؤلفًا، أشهرها "الصلة"؛ في تاريخ رجال الأندلس جعله ذيلًا لتاريخ ابن الفرضي، وكتاب "المستغيثين باللَّه تعالى"، و"القربة إلى رب العالمين بالصلاة على محمد سيد المرسلين"، و"المحاسن والفضائل" في التراجم. ٢ ينظر "الأنساب" "٩/٢٧٩". ٣ قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٤٨": وغلطوه- أعنى السمعاني- في قوله: اسمه "العركي وإنما العركي وصف له وهو ملاح السفينة". ٤ وقد أفرد ابن الملقن هذا الحديث بجزء تكلم فيه على طرقه بإسهاب. ينظر البدر المنير "٢/٥٠". ٥ أخرجه أبو داود "١/٥٥" كتاب الطهارة: باب ما جاء في بئر بضاعة، الحديث "٦٧"، والشافعي في المسند "١/٢١": كتاب الطهارة: باب في المياه، الحديث "٣٥"، وأبو داود الطيالسي "٢٩٢"، وأحمد "٣/٣١" في مسند أبي سعيد الخدري ﵁، والترمذي "١/٩٥": كتاب الطهارة: باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، الحديث "٦٦"، والنسائي "١/١٧٤": كتاب المياه: باب ذكر بئر بضاعة، وابن الجارود ص: "٢٧": باب في طهارة الماء، الحديث "٤٧"، والطحاوي في شرح معاني الآثار "١/١١" كتاب الطهارة، والدارقطني "١/٢٩- ٣٠": كتاب الطهارة: باب الماء المتغير، الحديث "١٠"، والبيهقي "١/٢٥٧": كتاب الطهارة: باب الماء الكثير لا ينجس بنجاسة تحدث فيه ما لم يتغير، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن وقد جوده أبو أسامة، ولم يرو حديث أبي سعيد في بئر بضاعة، أحسن مما روى أبو أسامة".
[ ١ / ١٢٥ ]
حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ١ وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ٢ وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ فِي "الْعِلَلِ" لَهُ وَلَا فِي "السُّنَنِ" وَقَدْ ذَكَرَ فِي "الْعِلَلِ" الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَأَحْسَنُهَا إسْنَادًا رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ يَعْنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ٣ وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِجَهَالَةِ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَلَهُ طَرِيقٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ.
قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ٤ فِي مُصَنَّفِهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ أَبِي سَكِينَةَ الْحَلَبِيُّ بِحَلَبِ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ٥ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَفِيهَا مَا يُنْجِي النَّاسُ وَالْمَحَائِضُ وَالْخَبَثُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" ٦.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَن٧ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
_________________
(١) ١ قال المزي في "تحفة الأشراف أ "١٩/٨٤" وقال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل: حديث بئر بضاعة صحيح ونقل ابن الملقن في إ البدر المنير" "٢/٢٠" تصحيح ابن حزم للحديث فقال: هذا حديث صحيح جميع رواته معروفون عدول. وقال النووي في "المجموع أ "١/٨٢": حديث صحيح. ٢ ينظر: "التحقيق" لابن الجوزي "١/١٦". ٣ ينظر: " البدر المنير" "٢/٥٣". ٤ هو الإمام الحافظ محدث الأندلس قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح مولى بني أمية سمع بقي بن مخلد ومحمد بن وضاح وأصبغ بن خليل ومحمد بن عبد السلام الخشني وطائفة بالأندلس وغيرهم له مستخرج على أبي داود وكذلك على صحيح مسلم وصنف أيضًا كتاب "بر الوالدين" و"سند مالك "و"المنتقى من الآثار" و"كتاب الأنساب " وانتهى إليه علو الإسناد بالأندلس مع الحفظ والإتقان. أثنى عليه غير واحد وتواليف ابن حزم وابن عبد البر وأبي الوليد الباجي طافحة بروايات قاسم بن أصبغ ت "٣٤٠هـ". ينظر "تاريخ علمًاء الأندلس" "١/٣٦٤- ٣٦٧" و"تذكرة الحفاظ " "٣/٨٥٥" و" العبر" "٢/٢٥٤-٢٥٥" و"سير أعلام النبلاء" "١٥/٤٧٢- ٤٧٤". ٥ في الأصل: سعيد. ٦ أخرجه ابن عبد البر في" الاستذكار""١/٢٠٦" من طريق قاسم بن أصبغ به. وقال: هذا اللفظ غريب من حديث سهل ومحفوظ من حديث أبي سعيد الخدري ولم يأت به في حديث سهل غير ابن أبي حازم. وقال ابن أصبغ: هذا من أحسن شيء في "بئر بضاعة". ٧ الإمام الحافظ شيخ الأندلس ومسندها أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج القرطبي رفيق قاسم بن أصبغ. روى عنه عباس بن أصبغ الحجازي وولده أحمد بن محمد وطلبة الأندلس. وكان بصيرًا بالفقه مفتيًا بارعًا عارفًا بالحديث وطرقه عالمًا به صنف كتابًا في السنن خرجه على سن أبي داود. ينظر تاريخ علمًاء الأندلس "٢/٠ ٥"، و"تذكرة الحفاظ" "٣/٨٣٦- ٨٣٧"، و"العبر" "٢/٢٢٣"، و"الوافي بالوفيات " "٤/٣٧"، و"سير أعلام النبلاء" "١٥/٢٤١- ٢٤٢".
[ ١ / ١٢٦ ]
بْنُ وَضَّاحٍ [بِهِ] ١ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ لَقِيتُ ابْنَ أَبِي سَكِينَةَ بِحَلَبِ فَذَكَرَهُ.
وَقَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ: هَذَا مِنْ أَحْسَنِ شَيْءٍ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ٢ عَبْدُ الصَّمَدِ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ٣.
قَالَ قَاسِمٌ وَيُرْوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ مِنْ طُرُقٍ هَذَا خَيْرُهَا
وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا إسْنَادٌ مَشْهُورٌ٤.
قُلْتُ ابْنُ أَبِي سَكِينَةَ الَّذِي زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ مَشْهُورٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ إنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ رَاوِيًا إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ٥.
تَنْبِيه: قوله: أتتوضأ بتائين مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَتْ بِئْرُ بُضَاعَةَ كَبِيرَةً وَاسِعَةً وَكَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مِنْ الأنجاس مالا يُغَيِّرُ لَهَا لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا يَظْهَرُ لَهُ رِيحٌ فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَتَوَضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُجِيبًا "الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ".
قُلْتُ: وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقُلْتُ أَتَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ مِنْ النَّتْنِ فَقَالَ: "إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبُغ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَيْضًا وَهَذَا أَشْبَهُ بِسِيَاقِ صَاحِبِ الْكِتَابِ٦.
_________________
(١) ١ سقط في الأصل. ٢ علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، أحد أئمة الإسلام ولد ٣٨٤هـ كان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه، كان من صدور الباحثين، فقيهًا حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنّة له مؤلفًات منها، الملل والنحل، المحلى، جمهرة الأنساب، الناسخ والمنسوخ وغيرها توفي ٤٥٦ هـ. ينظر نفخ الطيب "١/٣٦٤"، آداب اللغة "٣/٩٦"، أخبار الحكماء "١٥٦"، لسان الميزان "٤/١٩٨"، ابن خلكان "١/٣٤"، الأعلام "٤/٢٥٤". ٣ ذكره ابن حزم في "كتاب الإيصال" كما في "البدر المنير" "٢/٥٧". وقال في "المحلى" "١/٢٠٣": وهو ثقة. ٤ سقط من الأصل. ٥ ذهب الشيخ أحمد شاكر في "تعليقه على المسند" "١/٢٠٣- ٢٠٤" إلى صحة حديث سهل بن سعد وأن عبد الصمد ثقة خلافًا لابن عبد البر ومن تابعه فقال ﵀: فدلت هذه الأسانيد على أن للحديث عن سهل أصلًا صحيحًا ولئن جهل ابن عبد البر حال عبد الصمد فلقد عرفه غيره قاسم بن أصبغ وابن حزم ومن عرف حجة على من لم يعرف ا. هـ. ٦ أي: الإمام الرافعي عليهما رحمة الله تعالى.
[ ١ / ١٢٧ ]
قَوْلُهُ وَكَانَ مَاءُ هَذِهِ الْبِئْرِ كَنُقَاعَةِ الْحِنَّاءِ هَذَا الْوَصْفُ لِهَذِهِ الْبِئْرِ لَمْ أَجِدْ لَهُ أَصْلًا١.
قُلْت: ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ كَأَنَّ مَاءَهُ نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ فَلَعَلَّ هَذَا مُعْتَمَدُ الرَّافِعِيِّ فَيُنْظَرُ إسْنَادُهُ مِنْ كِتَابِهِ الْكَبِيرِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَهُ٢ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَلْقِينِهِ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ غَدِيرٍ مَاؤُهُ كَنُقَاعَةِ الْحِنَّاءِ٣ وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ٤ فِيمَا عَلَّقَهُ عَلَى فُرُوعِ ابْنِ الْحَاجِبِ٥ وَفِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي بِئْر بُضَاعَةَ وَقَدْ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ لَا تَتَغَيَّرُ بِإِلْقَاءِ مَا يُلْقَى فِيهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ لِكَثْرَةِ مَائِهَا٦ وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ قَيِّمِهَا مَا يُرَاجِعُ مِنْهُ٧ وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ سَيْحًا تَجْرِي ثُمَّ أَطَالَ فِي ذَلِكَ٨ وَقَدْ خَالَفَهُ الْبَلَاذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ فَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ الْوَاقِدِيِّ قَالَ تَكُونُ بِئْرُ بُضَاعَةَ سَبْعًا فِي سَبْعٍ وَعُيُونُهَا كَثِيرَةٌ فَهِيَ لَا تُنْزَحُ.
٣ - حَدِيثُ٩ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا
_________________
(١) ١ قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٦٤": وهذا غريب جدًا ولم أره بعد البحث وسؤال بعض الحفاظ عنه. ٢ في الأصل: ذكر. ٣ ذكره ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" "ص ١٥٢". ٤ محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، تقي الدين ابن دقيق العيد، ولد سنّة ٦٢٥، تفقه على والده، ثم على ابن عبد السلام، وسمع الحديث من جماعة، قال ابن عبد السلام: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن منير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوصل. قال السبكي: ولم ندرك أحدًا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، وأنه استاد زمانه علمًا ودينًا..!! صنف الإلمام في الحديث وله "شرح العمدة" أملاه إملاء، وله الاقتراح في اختصار علوم ابن الصلاح وهو مطبوع. مات سنّة ٧٠٢ انظر: ط. ابن قاضي شهبة ٢/٢٢٩، ط. الإسنوي ص ٣٦، ط. السبكي٦/٢. ٥ هو: أبو عمر عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الأسنائي الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب، الملقب ب "جمال الدين"ولد سنّة ٥٧٠ هـ وحفظ القرآن صغيرًا، ثم اشتغل بالفقه على مذهب الإمام مالك، ثم بالحربية والقراءات، وقد برع في علومه وأتقنها غاية الإتقان، وأكب الفضلاء على الأخذ عنه وكان الأغلب عليه النحو. من مصنفاته: "مختصر المنتهى" الذي أشار إليه المصنف وقد طبع منفردًا وبشرح العضد، وله أيضًا "الكافية وشرحها في النحو" و"الشافية في التصريف" و"شرح المفصل" و"الأمالي في النحو" توفى سنّة ٦٤٦ هـ. انظر: ترجمته في: "وفيات الأعيان" "٣/٢٤٨"، مرآة الجنان "٤/١١٤"، البداية والنهاية "٣/١٧٦"، الطالع السعيد ص "٣٥٢"، النجوم الزاهرة "٦/٣٦٠"، غاية النهاية "١/٥٠٨"، بغية الوعاة "٢/١٣٤"، وشذرات الذهب "٥/٢٣٤". ٦ ينظر "اختلاف الحديث" للشافعي "ص ٧٢" ونقله عنه البيهقي في "السنن الكبرى" "١/٢٦٥". ٧ ينظر سنن أبي داود "١/٦٥" كتاب الطهارة: باب ما جاء في بئر بضاعة. ٨ ينظر "شرح معاني الآثار" "١/١٢" كتاب الطهارة. ٩ في الأصل: قوله.
[ ١ / ١٢٨ ]
غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ" لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ "إنَّ ١ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" وَلَيْسَ فِيهِ "خَلَقَ اللَّهُ" وَلَا الِاسْتِثْنَاءُ.
وَفِي الْبَابِ كَذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: "إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" وَفِيهِ قِصَّةٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو سفيان طريف بْنُ شِهَابٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى شَرِيكٌ الرَّاوِي عَنْهُ٢ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ "الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" رَوَاهُ أَحْمَدْ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ٣ وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ "إنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ" وَفِيهِ قِصَّةٌ٤.
وَقَالَ الْحَازِمِي٥ لَا يُعْرَفُ مُجَوَّدًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَسِمَاكٌ
_________________
(١) ١ سقط في الأصل. ٢ أخرجه ابن ماجة "١/١٧٣" كتاب الطهارة: باب الحياض حديث "٥٢٠" من طريق شريك عن طريف بن شهاب قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن جابر قال: انتهينا إلى غدير فإذا فيه حيفة حمار قال: فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله ﷺ ﷺ: "إن الماء لا ينجسه شيء". قال الحافظ البوصيري في "الزوائد" "١/٢٠٨": هذا إسناد فيه طريف بن شهاب وقد أجمعوا على ضعفه. وقال ابن المقلن في "البدر المنير" "٢/٧١": رواه ابن ماجة في سننه بإسناد على شرط الصحيح لولا طريف بن شهاب السعدي فإنه واه متروك عندهم حتى قال فيه ابن حبان: إنه كان مغفلًا يهم ير الأخبار حتى يقلبها ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات". ٣ أخرجه أحمد "١/٢٣٥"، "١/٢٨٤، ٣٠٨، ٣٣٧" والبزار "١/١٣٢- كشف" رقم "٢٥٠" وابن خزيمة "١/٤٨" رقم "٩١" وابن حبان "١٢٢٩" والطبراني في "الكبير" "١١/٢٧٤" رقم "١١٧١٤،١١٧١٥، ١١٧١٦" كلهم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة مر أزواج النبي ﷺ ﷺ اغتسلت من الجنابة فتوضأ النبي ﷺ ﷺ بفضلها فذكرت ذلك له فقال: "الماء لا ينجسه شيء". صححه ابن خزيمة وابن حبان. ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب قال الحافظ في "التقريب" "١/٣٣٢" في ترجمة سماك صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن. ٤ أخرجه أبو داود "١/٦٥" كتاب الطهارة: باب الماء لا يجنب حديث "٦٨" والترمذي "١/٩٤" كتاب الطهارة: باب ما جاء في الرخصة في ذلك، والنسائي "١/١٧٣" كتاب المياه: باب الرخصة في الوضوء بفضل طهور المرأة، وابن ماجة "١/١٣٢" كتاب الطهارة باب الرخصة بفضل وضوء المرأة حديث "٣٧٠". كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس به وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد تقدم الكلام على رواية سماك عن عكرمة. ٥ محمد بن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم، الحافظ أبو بكر الحازمي، ولد سنة ٥٤٨، سمع الكثير، ورحل إلى بلدات كثيرة، وتخرج بالحافظ أبي موسى المديني، وكان أبو موسى يقول: هو أحفظ من عبد الغنى المقدسي، وما رأيت شابًا أحفظ منه، وقال ابن النجار: كان من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله، ألف كتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاس عجالة المبتدى في الأنساب … توفى سنّة ٠٥٨٤ انظر: ط. ابن قاضى شهبة ٢/٤٦، الأعلام ٧/٣٣٩، وفيات الأعيان ٤/٤٢١.
[ ١ / ١٢٩ ]
مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ١ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ٢ وَعَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: "إنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي صِحَاحِهِ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ٣ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ٤ وَفِي الْمُصَنَّفِ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: "أَنْزَلَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسهُ شَيْء"٥ وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ بِلَفْظِ: "الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ أَوْ طَعْمِهِ" ٦ وَفِيهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ٧.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَا شَكَّ٨ فِي فَضْلِهِ أَدْرَكَتْهُ غَفْلَةُ الصَّالِحِينَ فَخَلَطَ فِي الْحَدِيثِ٩.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِثْلُهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَفِيهِ رِشْدِينُ أَيْضًا١٠ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ
_________________
(١) ١ قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٧٤": قال البيهقي في "خلاقياته": قال الحاكم: قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة واحتج مسلم بأحاديث سماك بن حرب وهذا حديث صحيح في الطهارة ولا تحفظ له علة ا. هـ. وقال ابن حزم في"المحلى" "١/٢٨٧": هذا حديث لا يصح لأنه برواية سماك بن حرب وهو يقبل التلقين شهد عليه بذلك شعبة وغيره وهذه جرحة ظاهرة. ٢ أخرجه الدارقطني "١/٢٩" كتاب الطهارة: باب الماء المتغير حديث "٤" من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ ﷺ قال: "الماء لا ينجسه شيء". وقد تقدم حديث آخر لسهل بن سعد أثناء الكلام على حديث أبي سعيد الخدري في بئر بضاعة. ٣ أخرجه أبو يعلى "٨/٢٠٣" رقم "٤٧٦٥" والبزار "١/١٣٢- كشف" رقم "٢٤٩" من طريق شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ ﷺ قال: "الماء لا ينجسه شيء". وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" "١/٢١٧" وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني ير الأوسط ورجاله ثقات ا. هـ. وذكره الحافظ في "المطالب العالية" "١/٦" رقم "" وعزاه لأبى يعلى وقال: وإسناده حسن. ٤ أخرجه أحمد "٦/١٢٩". ٥ أخرجه ابن أبي شيبة "١/١٣٢" رقم "١٥١٨" والدارقطني "١/٢٩" عن ابن المسيب مقطوعًا قال داود: وذلك أننا سألناه عن الغدران والحياض تلغ فيها الكلاب ٦ أخرجه الدارقطني "١/٢٨" كتاب الطهارة: باب الماء المتغير حديث "١" من طريق رشدين بن سعد ثنا معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. قال الدارقطني: لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي. ٧ في الأصل: لا يشك. ٨ قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٧٧": ورشدين هذا هو ابن سعد ويقال ابن أبي رشدين وهو ضعيف قال يحيى: ليس بشيء، وقال عمرو بن علي وأبو زرعة والدارقطني ضعيف، وقال أبو حاتم الراوي: منكر الحديث فيه غفلة يحدث بالمناكير عن الثقات، وقال النسائي: متروك الحديث وضعفه أحمد. ٩ ينظر التهذيب "٣/٢٧٨". ١٠ أخرجه ابن ماجة "١/١٧٤" كتاب الطهارة: باب الحياض حديث "٥٢١" والدارقطني "١/٢٨" كتاب الطهارة: باب الماء المتغير حديث "٣" والطبراني في "الكبير" "٨/١٢٣" رقم "٧٥٠٣" من طريق رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي إمامة عن النبي ﷺ قال: الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه. قال المناوي في "فيض القدير" "٢/٣٧٣": جزم بضعفه جمع منهم الحافظ العراقي ومغلطاي في "شرح ابن ماجة " فقال: ضعيف؛ بضعف رواته الذين منهم رشدين بن سعد الذي قال فيه أحمد: لا يبالي عمن روى، وأبو حاتم: منكر الحديث وقال النسائي: متروك، ويحيى: واه. وأشار الشافعي إلى ضعفه واستغنى عنه بالإجماع ا. هـ.
[ ١ / ١٣٠ ]
بِلَفْظِ: "إنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إلَّا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فيه" أو رده مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ بْنِ بَقِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ١ وَفِيهِ تَعَقَّبَ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ رِشْدِينَ بْنَ سَعْدٍ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ.
وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا بِلَفْظِ: "الْمَاءُ ٢ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ أَوْ طَعْمِهِ" زَادَ الطَّحَاوِيُّ "أَوْ لَوْنِهِ" ٣ وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إرْسَالَهُ٤.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَرْوِيه رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَخَالَفَهُ الْأَحْوَصُ بْنُ حكيم فرواه عن راشد بْنِ سَعْدٍ مُرْسَلًا وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْأَحْوَصِ عَنْ رَاشِدٍ قَوْلُهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ٥ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا قُلْت مِنْ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ وَرِيحُهُ وَلَوْنُهُ كَانَ نَجِسًا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا٦.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى تَضْعِيفِهِ٧ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ٨ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي "١/٢٦٠" كتاب الطهارة. ٢ في الأصل: إن الماء. ٣ أخرجه الدارقطني "١/٢٩" كتاب الطهارة: حديث "٥" والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "١/١٦" كلاهما من طريق الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد به مرسلًا. ٤ قال ابن أبي حاتم في "العلل"! "١/٤٤" رقم "٩٧": سألت أبي عن حديث رواه عيسى بن يونس عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "لا ينجس الماء إلا ما غلب على طعمه ولونه" فقال أبي: يوصله رشدين بن سعد يقول: عن أبي إمامة عن النبي ﷺ ورشدين ليس بقوي والصحيح مرسل. ٥ ذكر قول الدارقطني في "العلل" ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٨٢". ٦ ينظر "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي "ص ٧٤". ٧ ينظر "المجموع شرح المهذب""١/١١٠". وممن ضعف الاستثناء أيضًا البيهقي "١/٢٦٠" فقال: هذا حديث غير قوي. وقال ابن الجوزي في" التحقيق" "١/١٤": هذا حديث لا يصح. ٨ محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبوبكر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة أحد الأئمة الأعلام وممن يقتدى بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبًا معتبرة عند أئمة الإسلام، منها "الإشراف في معرفة الخلاف" و"الأوسط" وهو أصل الإشراف، والإجماع والإقناع، والتفسير وغير ذلك وكان مجتهدًا لا يقلد أحدًا. ينظر طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة١/٩٨، طبقات الشافعية للسبكي ٢/١٢٦، وفيات الأعيان ٣/٣٤٤، شذرات الذهب ٢/٢٨٠.
[ ١ / ١٣١ ]
أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لَهُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجِسٌ١، قَوْلُهُ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَقَاسَ٢ ٣ الشَّافِعِيُّ اللَّوْنَ عَلَيْهِمَا
_________________
(١) ١ ينظر: الإجماع لـ "ابن المنذر" ٣٣. ٢ قال البيضاوي في " المنهاج": القياس: إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر، لاشتراكهما في علّة الحكم عند المثبت. وقال ابن الشبكي في "جمع الجوامع،: القياس حمل معلوم على معلوم لمساواته في علَّة حكمه عند الحامل. وقال صدر الشريعة في "التوضيح": القياس تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لعلّة متَّحدة لا تدرك بمجرد فهم اللغة. قال الآمديّ في" الأحكام ": المختار في حد القياس: أن يقال: إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع، والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل. وقال الكمال في "التحرير": وفى الاصطلاح: مساواة محل لآخر في علّة حكم له شرعي لا تدرك من نصه بمجرد فهم اللغة. ينظر مباحثه البرهان لإمام الحرمين: ٢/٧٤٣، والبحر المحيط للزركشي: ٥/٥، والأحكام في أصول الأحكام للآمدي: ٣/١٦٧، وسلاسل الذهب للزركشي "ص ٣٦٤"، والتمهيد للإسنوي "ص ٤٦٣"، ونهاية السول له: ٤/٢، وزوائد الأصول له "ص ٣٧٤"، ومنهاج العقول للبدخشي: ٣ /٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري "ص ٢١١"، والتحصيل من المحصول للأرموي:٢/١٥٥، والمنخول للغزالي "ص ٣٢٣"، والمستصفى له: ٢/٢٢٨، وحاشية البناني: ٢/٢٠٢، والإبهاج لابن السبكي: ٣/٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي: ٤/٢، وحاشية المطار على جمع الجوامع ٢/٢٣٩، والمعتمد لأبي الحسين: ٢/١٩٥، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي "ص ٥٢٨"، والأحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ٧/٣٦٧، ٨/٤٨٧، وإعلام الموقعين لابن القيم: ١/١٠١، والتحرير لابن الهمام "ص ٤١٥"، وتيسير التحرير لأمير بادشاه: ٣/٢٦٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج٣/١١٧: وميزان الأصول للسمرقندي: ٢/٩، ٧، وكشف الأسرار للنسفي: ٢/١٩٦، وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ٢/٢٤٧، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني:٢/٥٢، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين "ص ٢١٢"، وشرح المنار لابن ملك "ص ١٠٣"، والوجيز للكراماستي "ص ٦٤"، وتقريب الوصول لابن جزيّ "ص ١٣٤"، وإرشاد الفحول للشوكاني "ص ٩٨ا"، وشرح مختصر المنار للكوراني "ص ١٠٣" شرح الكواكب المنير للفتوحي "ص ٤٧٩". ٣ محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبي ﷺ. وشافع بن السائب هو الذي ينسب إليه الشافعي لقي النبي ﷺ في صغره وأسلم أبوه السائب يوم بدر فإنه كان صاحب راية بني هاشم وكانت ولادة الشافعي بقرية من الشام يقال لها غزة قاله ابن خلكان وابن عبد البر وقال صاحب التنقيب "بمنى" من مكة وقال ابن بكار "بعسقلان" وقال الزوزني "باليمن" والأول أشهر وكان ذلك في سنّة خمسين ومائة وهي السنّة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة ﵀ حمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ثم سلمه أبوه للتفقه إلى مسلم بن خالد مفتي مكة فأذن له في الإفتاء وهو ابن خمسة عشر سنّة فرحل إلى الإمام مالك بن أنس بالمدينة فلازمه حتى توفي مالك=
[ ١ / ١٣٢ ]
هَذَا الْكَلَامُ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْمُهَذَّبِ١ وَكَذَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ٢ فِي الْبَحْرِ٣ وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ اللَّوْنِ٤ وَلَا يُقَالُ لَعَلَّهُمَا تَرَكَاهَا لِضَعْفِهَا لِأَنَّهُمَا لَوْ رَاعَيَا الضَّعْفَ لَتَرَكَا الْحَدِيثَ جُمْلَةً فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ وَنَصَّ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى اللَّوْنِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْخَبَرَ عَلَى الْكَثِيرِ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَكَانَ مَاؤُهَا كَثِيرًا وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ صَدْرُ الْحَدِيثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ دُونَ قَوْلِهِ: "خَلَقَ اللَّهُ" هُوَ فِي حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْحُجَّةِ [مِنْهُ] ٥ فَلَا وَالرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ تَبِعَ الْغَزَالِيُّ٦ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى٧ لِأَنَّهُ ﷺ لَمَا سُئِلَ عَنْ
_________________
(١) = ﵀ ثم قدم بغداد سنّة خمسة وتسعين ومائة وأقام بها سنتين فاجتمع عليه علمًاؤها وأخذوا عنه العلم ثم خرج إلى مكة حاجًا ثم عاد إلى بغداد سنّة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرين أو أقل فلما قتل الإمام موسى الكاظم خرج إلى مصر فلم يزل بها ناشرًا للعلم وصنف بها الكتب الجديدة وانتقل إلى رحمة اللَّه تعالى يوم الجمعة صبيحة رجب سنّة أربع ومائتين ودفن بالقرافة بعد العصر في يومه. ينظر ابن هداية الله ص ١١ "سير أعلام النبلاء" "١٠/١"، التاريخ الكبير ١/٤٢، طبقات الحفاظ ص ١٥٢ تذكرة الحفاظ ١/٣٦١. ١ إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله، أبو إسحاق الشيرازي، ولد سنة ٣٩٣، أخذ الفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وابن رامين، وقرأ على الجزري، وقرأ الأصول على أبي حاتم القزويني، وشيوخ كثيرين، كان عالمًا عاملًا ورعًا اشتهر وارتفع ذكره. قال أبو بكر الشاش: الشيخ أبو إسحاق حجة الله تعالى على أئمة العصر. وقال عن نفسه: لم أدخل بلدًا ولا قرية إلا وجدت قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من تلاميذي: له تصانيف منها: " التنبيه" واللمع وغيرهما. مات سنّة ٤٧٦. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/٢٣٧، ط. السبكي ٣/٧، وفيات الأعيان ا/٩. والأعلام ١/٤٤، مرآة الجنان ٣/١١٠، كتاب العبر ٣/٢٨٣، تهذيب الأسماء واللغات٢/١٧٢. ٢ عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن أحمد، أبو المحاسبة، الروياني، الطبري صاحب البحر وغيره، قال ابن خلكان: وأخذ الفقه عند ناصر العمري، وعلق عنه، وبرع في المذهب حتى كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، ولهذا كان يقال له: شافعي زمانه. ولد سنّة ٤١٥، ومن تصانيفه: "البحر" وهو بحر كاسمه، و"الكافي" وغيرهما، قتله الباطنية سنّة ٥٠٢. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/٢٨٧، وفيات الأعيان ٢/٣٦٩، الأعلام ٤/٣٢٤. والنجوم الزاهرة ٥/١٩٧، شذرات الذهب ٤/٤، مفتاح السعادة ٢/٢١٠، معجم البلدان ٣/١٠٤. ٣ قال ابن قاضي شهبة: هو بحر كاسمه. ٤ وهي رواية ابن ماجة والبيهقي وقد تقدم تخريجها. ٥ سقط في الأصل. ٦ محمد بن محمد، حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، ولد سنّة ٤٥٠، أخد عن الإمام، ولازمه، حتى صار أنظر أهل زمامه وجلس للإقراء في حياة إمامه وصنف "الإحياء" المشهور، و"البسيط"، وهو كالمختصر للنهاية، وله "الوجيز" و"المستصفى" وغيرها. توفي سنّة ٥٠٥. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/٢٩٣، وفيات الأعيان ٣/٣٥٣، الأعلام ٧/٢٤٧ واللباب ٢/١٧٠، وشذرات الذهب ٤/١٠، والنجوم الزاهرة ٥/٢٠٣، العبر ٤/١٠. ٧ ينظر: المستصفى "٢/٥٨". في الباب الثاني، في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن.
[ ١ / ١٣٣ ]
بِئْرِ بُضَاعَةَ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ" وَكَلَامُهُ مُتَعَقَّبٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ١ وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْمُخْتَصَرِ٢ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَامِّ٣ وَهُوَ خَطَأٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
تَنْبِيهٌ: وَقَعَ لِابْنِ٤ الرِّفْعَةِ أَشَدُّ مِنْ هَذَا الْوَهْمِ فَإِنَّهُ عَزَا هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إلَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد
_________________
(١) ١ في الأصل: ذكر. ٢ ينظر: العضد على ابن الحاجب "١/١٠٩". ٣ عرفه أبو الحسين البصري في "المعتمد" بقوله "هو اللفظ المستغرق لما يصلح له". وزاد الإمام الرازي على هذا التعريف في "المحصول ": " … بوضع واحد" وعليه جرى البيضاوي في "منهاجه". وعزفه إمام الحرمين الجويني في "الورقات" بقوله: العائم: ما عمَّ شيئين فصاعدًا". والى ذلك أيضًا ذهب الإمام الغزالي؛ حيث عرفه بأنَّه: "اللفظ الواحد الذال من جهة واحدة على شينين فصاعدًا". ويرى سيف الدين الآمدي أن العائم هو: "اللفظ الواحد الدال على قسمين فصاعدًا مطلقًا معًا". واختار ابن الحاجب أن العائم: أما دلً على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة ". وير ى أبو بكر الجصاص من الحنفية أن العام: "ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني". وعرفه الإمام فخر الدين البزدوي بأنه: "كل لفني ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى". وير ى الإمام النسفي أنه: "ما يتناول أفرادًا متفقة الحدود؛ على سبيل الشمول". البرهان لإمام الحرمين ١/٣١٨، البحر المحيط للزركشي ٥/٣، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢/١٨٥، سلاسل الذهب للزركشي ص ٢١٩، التمهيد للإسنوي ص ٢٩٧، نهاية السول له ٢/٣١٢، زوائد الأصول له ص ٢٤٨، منهاج العقول لبدخشي ٢/٧٥، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٦٩، التحصيل من المحصول للأرموي ١/٣٤٣، المنخول للغزالي ص ١٣٨، المستصفى له ٢/٣٢، حاشية البناني ١/٣٩٢، الإبهاج لابن السبكي ٢/٨٢، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٢/٢٥٤، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٣٢٦، حاشية العطار على جمع الجوامع ١/٥٠٥، المعتمد لأبي الحسين ١/١٨٩، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٢٣٠، الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم ٣/٣٧٩، التحرير لابن الهمام ص ٦٤، تيسير التحرير لأمير بادشاه ١/١٩١، ميزان الأصول للسمرقندي ١/٣٨٥، كشف الأسرار للنسفي ١/١٥٩، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/١٠١، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/٣٧، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٦٨، شرح المنار لابن ملك ص ٤٥، الوجيز للكراماستي ص ١١، الموافقات للشاطبي ٣/٢٦٠، تقريب الوصول لابن جزي ص ٧٥، إرشاد الفحول للشوكاني ص ١١٢، شرح مختصر المنار للكوراني ص ٤٥، نشر البنود للشنقيطي ١/٢٢٢، فواتح الرحموت لابن نظام الدين الأنصاري ١/٢٥٥، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص٣٤٣، وينظر العدة ١/١٤٠ الحدود "٤٤" الوصول إلى الأصول لابن برهان ١/٢٢ الروضة "١١٥" المسودة "٥٧٤" المغنى للخيازي "٩٩" شرح تنقيح الفصول "٣٨" كشف الأسرار ١/٣٢ المدخل "٢٣٧". ٤ أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس الأنصاري، البخاري، حامل لواء الشافعية في عصره، أبو العباس بن الرفعة، المصري، ولد سنّة ٦٤٥، وسمع الحديث من ابن الصواف، وابن الدميري، وتفقه على السديد والظهير والترمنتيين وغيرهما، ولي، وناب، وصنف كتابيه: "الكفاية" في شرح التنبيه، و"المطلب" في شرح الوسيط، في نحو أربعين مجلدًا، وله تصنيف آخر سماه "النفائس في هدم الكنائس" أخذ عنه تقي الدين السبكي وجماعة. قال الإسنوي: كان شافعي زمانه..!! مات سنّة ٧١٠. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ٢/٢١١، ط. الإسنوي ص ٢٢٠، الدرر الكامنة ١/٢٨٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
فَقَالَ: وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُد خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ وَوَهَمَ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَصْلًا.
فَائِدَةٌ: أَهْمَلَ الرَّافِعِيُّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ لَا تُسْلَبُ طَهُورِيَّتُهُ بِالتَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ بِنَحْوِ الزَّعْفَرَانِ وَالدَّقِيقِ وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اغْتَسَلَ هُوَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ١.
وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ فِي غَسْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَجْهَهُ مِنْ الدَّمِ الَّذِي أَصَابَهُ بِأُحُدٍ بِمَاءِ آجِنٍ أَيْ مُتَغَيِّرٍ رواه البيهقي [وغيره] ٢.
٤ - حَدِيثُ "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا" الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ٣ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ
_________________
(١) ١ أخرجه ابن خزيمة "١/١١٩" رقم "٢٣٧" والنسائي "١/١٣١" كتاب الطهارة: باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها. ٢ سقط في ط. ٣ أخرجه أبو داود "١/٥١": كتاب الطهارة: باب ما ينجس الماء، الحديث "٦٣"، والترمذي "١/٩٧": كتاب الطهارة: باب "٥٠"، الحديث "٦٧"، والشافعي في الأم "١/١٨": كتاب الطهارة: باب الماء الراكد، وأحمد "٢/٢٧"، والنسائي "١/١٧٥": كتاب المياه: باب التوقيت في الماء، وابن ماجة "١/١٧٢": كتاب الطهارة: باب مقدار الماء الذي لا ينجس، الحديث "٥١٧"، وابن خزيمة "١/٤٩": كتاب الطهارة: باب ذكر الخبر المفسر، الحديث "٩٢"، وابن حبان في "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان": كتاب الطهارة: باب ما جاء في الماء، الحديث "١١٧"، والحاكم "١/١٣٢": كتاب الطهارة: باب إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، والدارقطني "١/١٣- ٢٣": كتاب الطهارة: باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة، الأحاديث "١- ٢٥"، والبيهقي "٢٦٠- ٢٦٢": كتاب الطهارة: باب الفرق بين القليل الذي ينجس، والكثير الذي لا ينجس ما لم يتغير، وابن أبي شيبة "١/١٤٤" وعبد ابن حميد في "المنتخب من المسند" "٨١٧"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "٣/٢٦٦" والشرح "١/١٥"، وابن الجارود "٤٦"، والبغوي في "شرح السنة" "١/٣٦٩- ٣٧٠" من طرق كثيرة عن عبد الله بن عمر. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال يحيى بن معين في "تاريخه""١/٢١٧- رواية الدوري" جيد الإسناد. وقال ابن حزم في "المحلى" "١/١٥١": صحيح ثابت لا مغمز فيه. وقال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٨٧": هذا الحديث صحيح ثابت.
[ ١ / ١٣٥ ]
وَالدَّوَابِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ" وَلَفْظُ الْحَاكِمِ فَقَالَ: "إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ" وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ "فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّسُ" قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَقَدْ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: إسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَمَدَارُهُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ١ وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ٢ وَتَارَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَتَارَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا قَادِحًا فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَحْفُوظًا انْتِقَالٌ مِنْ ثِقَةٍ إلَى ثِقَةٍ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ الصَّوَابُ٣ أَنَّهُ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُكَبِّرِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جعفر بن الزبير عن عبيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُصَغَّرِ وَمَنْ رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَهَمَ وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَهُ طَرِيقٌ ثَالِثَةٌ رَوَاهَا الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ سَلَمَةَ٤ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْ هَذِهِ الطريق فقال إسنادها جَيِّدٌ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ لَمْ يَرْفَعْهُ فَقَالَ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْحَدِيثُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ لأنه حديث تكليم فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يُوقَفْ عَلَى حَقِيقَةِ مَبْلَغِهِمَا فِي أَثَرٍ ثَابِت وَلَا إجْمَاعٍ٥.
وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ رَدَّهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَتَكَلَّمَ فِيهِ٦.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِهِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ٧.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ؛
_________________
(١) ١ وهذه رواية أبي داود وعبد بن حميد وابن حبان والطحاوي في "المشكل" والدارقطني والحاكم والبيهقي. ٢ وهي رواية لأبي داود أيضًا وابن الجارود وابن حسبان والدارقطني والحاكم والبيهقي. ٣ سقط في الأصل. ٤ في الأصل: ابن سلمة. ٥ ينظر "التمهيد" "١/٣٢٧- ٣٢٩". ٦ قال في "الاستذكار" "٢/١٠٢": وقد تكلم إسماعيل في هذا الحديث ورده بكثير من القول في كتاب أحكام القرآن. وقال: وقد ذكرت أسانيد هذا الحديث والعلة فيه في "التمهيد". ٧ ينظر "شرح معاني الآثار" "١/١٦" كتاب الطهارة وقال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٠٢": وقد حكم الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي الحنفي بصحة هذا الحديث لكنه اعتل بجهالة قدر القلتين.
[ ١ / ١٣٦ ]
لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرِبَ الْإِسْنَادِ مُخْتَلِفًا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ عَنْهَا بِجَوَابٍ صَحِيحٍ بِأَنْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَلَكِنِّي تَرَكَتْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا بِطَرِيقٍ اسْتِقْلَالِيٍّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ شَرْعًا تَعْيِينُ مِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ١.
قُلْتُ: كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ" ٢ وَفِي إسناده المغيرة بن صقلاب وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَ النُّفَيْلِيُّ لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا عَلَى الْحَدِيثِ٣.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى عَامَّةِ حَدِيثِهِ٤ وَأُمًّا مَا اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الأم و[المختصر] ٥ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرْنَا مُسْلِمُ [بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ] ٦ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجَسًا" وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ "بِقِلَالِ هَجَرَ" قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَرَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا٧. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقِلَّةُ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا فَإِذَا كَانَ الْمَاءُ خَمْسَ قِرَبٍ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسَا فِي جريان٨ كَانَ أَوْ غَيْرِهِ وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ فَلَا يَكُونُ الماء الذي لم٩ يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ إلَّا بِقِرَبٍ كِبَارٍ انْتَهَى كَلَامُهُ١٠.
وَفِيهِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّلُ: فِي تَبْيِينِ الْإِسْنَادِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ الشَّافِعِيُّ ذِكْرَهُ.
وَالثَّانِي: فِي كَوْنِهِ مُتَّصِلًا أَمْ لَا.
_________________
(١) ١ ذكره ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٠٣". ٢ أخرجه ابن عدي في "الكامل" "٦/٢٣٥٨". ٣ ينظر: الميزان "٤/١٦٣". ٤ المغيرة صقلاب. قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أبو زرعة: جزري لا بأس به، وقال ابن عدي: منكر الحديث ينظر "الجرح والتعديل" "٤/١/٢٢٤" والميزان "٤/١٦٣". ٥ سقط في الأصل. ٦ سقط في الأصل. ٧ أخرجه الشافعي في "الأم" "١/٤" كتاب الطهارة: باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، وفي "المختصر" "١/٤٥" كتاب الطهارة: باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، والبيهقي "١/٢٦٣" كتاب الطهارة: باب قدر القلتين. قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٠٤": ومسلم بن خالد وان تكلم فيه فقد وثقه يحيى بن معين وابن حبان والحاكم وأخرجا له في صحيحيهما أعني ابن حبان والحاكم وقال ابن عدي: حسن الحديث ومن ضعفه لم يبين سبب ضعفه والقاعدة المقررة أن الضعف لا يقبل إلا مبينًا. ٨ في الأصل: جر. ٩ في الأصل: لا. ١٠ ينظر "الأم" للإمام الشافعي "١/٤".
[ ١ / ١٣٧ ]
وَالثَّالِثُ: فِي كَوْنِ التَّقْيِيدِ بِقِلَالِ هَجَرَ فِي الْمَرْفُوعِ.
وَالرَّابِعُ: فِي [ثُبُوتِ] ١ كَوْنِ الْقِرْبَةِ كبيرة لا صغيرة.
والخامس: فِي ثُبُوتِ التَّقْدِيرِ لِلْقُلَّةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِرْبَتَيْنِ.
فَالْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الْإِسْنَادِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي قُرَّةَ مُوسَى بْنِ طَارِقٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عُقَيْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا وَلَا بَأْسًا" قَالَ: فَقُلْت لِيَحْيَى بْن عُقَيْلٍ: أَيُّ قِلَالٍ؟ قَالَ: قِلَالُ هَجَرَ، قَالَ مُحَمَّد: رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَأَظُنُّ كُلَّ قُلَّةٍ٢ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ٣.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْمِصِّيصِيُّ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ: فَقُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ: قِلَالُ هَجَرَ؟ قَالَ: قِلَالُ هَجَرَ قَالَ: فَأَظُنُّ أَنَّ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ٤ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدٌ شَيْخُ بْنِ جُرَيْجٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَيْضًا قُلْت وَكَيْفَ مَا كَانَ فَهُوَ مَجْهُولٌ [الحال] ٥.
الثَّانِي: فِي بَيَانِ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مُتَّصِلًا أَمْ لَا وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ تَابِعِيٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَوَاهُ لَكِنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ مَعْرُوفٌ بِالْحَمْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ٦ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ قَالَ حَدَّثْت أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسَا وَلَا بَأْسًا" قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ زَعَمُوا أَنَّهَا قِلَالُ هَجَرَ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ: الَّذِي أَخْبَرَنِي عَنْ الْقِلَالِ فَرَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ بَعْدُ فَأَظُنُّ [أَنَّ] ٧ كُلَّ قُلَّةٍ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ٨.
_________________
(١) ١ سقط في الأصل. ٢ ينظر: تهذيب اللغة "٨/٢٨٨"، والزاهر "ص٦٠"، ينظر: الصحاح "قلل"، اللسان "٣٧٢٧ قلل"، النهاية "٤/١٠٤"، الفائق "٣/١٨٤". ٣ أخرجه البيهقي "١/٢٦٣" كتاب الطهارة، وعنده: فأظن أن كل قلة تأخذ الفرقين. قال البيهقي: زاد أحمد بن على: والفرق ستة عشر رطلًا. ٤ أخرجه الدارقطني "١/١٤"، كتاب: الطهارة حديث "٢٨". ٥ سقط في ط. ٦ قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٠٦": وهذا الحديث مرسل فإن يحي بن يعمر تابعي مشهور روى عن ابن عباس وابن عمر فيحتمل أن يكون هذا الحدث الذي رواه من الحديث المشهور ويكون ابن يعمر رواه عن ابن عمر ويجوز أن يكون غيره لأنه يكون قد رواه عن غير ابن عمر. ٧ سقط في الأصل. ٨ أخرجه عبد الرزاق "١/٧٩" رقم "٢٥٨".
[ ١ / ١٣٨ ]
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: فِي كَوَّنَ التَّقْيِيدِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ قَبْلُ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ صقلاب وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ١ لَكِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ قووا كون الْمُرَادَ قِلَالُ هَجَرَ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ٢ وَكَذَلِكَ وَرَدَ التَّقْيِيدُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَهُمْ وَلِهَذَا شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ نَبْقِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى "فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ" انْتَهَى٣.
فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ مُلَازَمَةٍ بَيْنَ هَذَا التَّشْبِيهِ وَبَيْنَ ذِكْرِ الْقُلَّةِ فِي حَدِّ الْمَاءِ فَالْجَوَاب أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ دَالُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ بِحَيْثُ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْكِبَرِ كَمَا أَنَّ التَّقْيِيدَ إذَا أُطْلِقَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى التَّقْيِيدِ الْمَعْهُودِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قُرَى الْعَرَبِ وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ٤ قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ وَالْقُلَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ وَبَعْدَ صَرْفِهَا إلَى أَحَدِ مَعْلُومَاتهَا وَهِيَ الْأَوَانِي تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْكِبَارِ جَعَلَ الشَّارِعُ الْحَدَّ مقدارا بِعَدَدٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَكْبَرِهَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيرِهِ بِقُلَّتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِوَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا مُحَصَّلُ الْبَحْثِ الرَّابِعِ.
والبحث الْخَامِسُ: فِي ثُبُوتِ كَوْنِ الْقُلَّةِ٥ تَزِيدُ عَلَى قِرْبَتَيْنِ وَقَدْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بِمَا مُحَصَّلُهُ أَنَّهُ أَمْرٌ بمني عَلَى ظَنِّ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَالظَّنُّ لَيْسَ بِوَاجِبِ قَبُولُهُ وَلَا سِيَّمَا مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَجْهُولِ ولهذا لَمْ يَتَّفِقْ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى الْأَخْذِ بِذَلِكَ التَّحْدِيدِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الْقُلَّةُ يَقَعُ٦ عَلَى الْكُوزِ وَالْجَرَّةِ كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ وَقِيلَ الْقُلَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ اسْتَقَلَّ فُلَانٌ بِحَمْلِهِ،
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه وقد مال ابن الملقن إلى تقوية حال المغيرة بن صقلاب وتقديم قول أبي حاتم وأبي زرعة في توثيقه على قول ابن عدي في تجريحه. ٢ قال أبو عبيد في "كتاب الطهور" "ص ٢٣٨": وقد تكلم الناس في القلال فقال بعض أهل العلم: هي الجرار وقال آخرون: هي الحباب وهذا القول الذي أختاره وأذهب إليه إنها الحباب وهي قلال هجر معروفة عندهم وعند العرب مستفيضة وقد سمعنا ذكرها في أشعارهم وقال ابن المنذر في "الأوسط" "١/٢٦٢": إنها الحباب وهى قلال هجر معروفة مستفيضة وسمعنا ذلك في أشعارهم ولم يجعل لذلك حدًا. ٣ أخرجه البخاري "٣٢٠٧، ٣٨٨٧" ومسلم "١/١٤٥" كتاب الإيمان: باب الإسراء برسول الله ﷺ "٢٥٩". والحديث عند البخاري من رواية أنس عن مالك بن صعصعة وعند مسلم عن أنس بن مالك. ٤ ينظر: معالم السنن "١/٣٥". ٥ في الأصل: القربة. ٦ في الأصل: تقع.
[ ١ / ١٣٩ ]
وَأَقَلَّهُ إذَا أَطَاقَهُ وَحَمَلَهُ وَإِنَّمَا سُمِّيت الْكِيزَانُ قِلَالًا لِأَنَّهَا تُقَلْ بِالْأَيْدِي وَقِيلَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قُلَّةِ الْجَبَلِ وَهِيَ أَعْلَاهُ فَإِنْ قِيلَ الْأَوْلَى الْأَخْذُ بِمَا ذَكَرَهُ رَاوِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا رَوَى قُلْنَا لَمْ تَتَّفِقْ الرُّوَاةُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قال القلال هي الجوابي الْعِظَامُ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ راهويه: الجابية تَسَعُ ثَلَاثَ قِرَبٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ١ قَالَ: الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ الكبيرتان وعن الوزاعي قَالَ الْقُلَّةُ مَا تَقُلُّهُ الْيَدُ أَيِّ تَرْفَعهُ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ التي يُسْتَسْقَى٢ فِيهَا الْمَاءُ وَالدَّوْرَقُ وَمَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ٣ إلَى تَفْسِيرِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَوْلَى وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُمَا بِالْكِبَرِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَوَكِيعٍ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ مِثْلُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ٤.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: يَنُوبُهُ٥ هُوَ بِالنُّونِ أَيْ يُرَدُّ عَلَيْهِ نَوْبَةً بَعْدَ أُخْرَى وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ صَحَّفَهُ فَقَالَ يَثُوبُهُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ.
تَنْبِيهٌ: آخَرُ قَوْلُهُ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ مَعْنَاهُ لَمْ يُنَجَّسْ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا "إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ" وَالتَّقْدِيرُ لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ مَعْنَى فَإِنَّ مَا دُونَهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أَيْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَهَا.
٥ - حَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهاها عَنْ التَّشْمِيسِ وَقَالَ: "إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ" الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ٦ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَخَّنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: "لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ" ٧.
_________________
(١) ١ في الأصل: عن هشيم. ٢ في الأصل: يستقى. ٣ في الأصل: الطهارة. ٤ أخرجه ابن المنذر في " لأوسط" "١/١١٣". ٥ في الأصل: تنويه. ٦ في الأصل: في. ٧ أخرجه الدارقطني "١/٣٧" كتاب الطهارة: باب الماء المسخن حديث "٢" وابن عدي في "الكامل" "٣/٩١٢" والبيهقي "١/٦" كتاب الطهارة. وقال الدارقطني: غريب جدًا خالد بن إسماعيل متروك، قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١١٦": وهو كما قال فقد ضعفه الأئمة. وقال البيهقي: هذا لا يصح.
[ ١ / ١٤٠ ]
وَخَالِدٌ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ١ وَتَابَعَهُ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ أبو البختري عَنْ هِشَامٍ قَالَ وَوَهْبٌ أَشَرُ مِنْ خَالِدٍ٢ وَتَابَعَهُمَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ٣ وَالْهَيْثَمُ كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ٤ وَتَابَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ أَخْرُجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِهِ٥ وَقَالَ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ هِشَامٍ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ كَذَا قَالَ فَوَهَمَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ هَذَا بَاطِلٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَمِنْ دُونَ ابْنِ وَهْبٍ ضُعَفَاءُ٦ وَاشْتَدَّ إنْكَارُ الْبَيْهَقِيّ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ٧، فِي عَزْوِهِ هَذَا
_________________
(١) ١ وقال أيضًا في "الكامل" "٣/٩١٢" بعد أن أورد له عدة أحاديث: هذه الأحاديث بهذه الأسانيد مناكير وعامة حديثه هكذا كما ذكرت وتبينت أنها موضوعات كلها ا. هـ. وقال ابن حبان في " المجروحين" "١/٢٨١": لا يجوز الاحتجاج به بحال ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار وقال الأزدي: كذاب يحدث عن الثقات بالكذب. ٢ أخرجه ابن عدي في "الكامل" "٣/٩١٢" وابن حبان في "المجروحين" "٣/٧٥". وقال ابن عدي: وهب أشر من خالد بن إسماعيل. وقال ابن حبان: وهب بن وهب كان ممن يضع الحديث على ثقات المسلمين. وقد عقب ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١١٨" على قول ابن عدي المتقدم فقال: بلا شك وهب بن وهب بن كبير قاضي بغداد وهو من رؤساء الكذابين، قال أحمد: كان كذابًا يضع الحديث، وقال أبو بكر بن عياش وابن المديني والرازي: كان كذابًا وقال يحيى: كذاب خبيث كان عامة الليل يضع الحديث وقال عثمان بن أبي شيبة: كان دجالًا، وقال السعدي: كان يكذب ويجسر، وقال عمرو بن علي: كان يكذب ويحدث بما ليس له أصل، وقال مسلم والنسائي: متروك الحديث زاد الدارقطني وكذاب، وقال العقيلي: لا أعلم له حديثًا مستقيمًا كلها بواطيل. ٣ في "الأفراد" كما في "اللآلىء المصنوعة" "٢/٥" ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" "٢/٧٩" وقال ابن الجوزي الهيثم كذاب. ٤ قال ابن الملقن "٢/١١٨- ١١٩": أحد الهلكى قال يحيى كان يكذب ليس بثقة، وقال علي: لا أرضاه في شيء. وقال السعدي ساقط، وقد كشف قناعه، وقال أبو داود: كذاب، وقال النسائي والرازي والأزدي متروك الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار ولا يجوز الاحتجاج به. ٥ أخرجه الطبراني في "الأوسط" "٦/٣٤٧" رقم "٥٧٤٣". وقال: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا محمد بن مروان يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد قلت: وهم وهمًا فاحشًا ففد توبع محمد بن مروان كما تقدم والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" "١/٢١٧" وقال: ومحمد بن مروان السدي أجمعوا على ضعفه وقال السيوطى في "اللآلىء المصنوعة" "٢/٥": هو كذاب وقاله أيضًا في"النكت البديعات" رقم "٤١". ٦ أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" كما في "نصب الراية" "١/١٠٢" من طريق إسماعيل بن عمرو الكوفي عن ابن رب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به وقال الدارقطني: هذا باطل عن مالك وابن وهب ومن دون ابن وهب ضعفاء. وقد أشار البيهقي في "سننه " "١/٧" لهذا الطريق فقال روي بإسناد منكر عن ابن وهب عن مالك عن هشام ولا يصح. ٧ عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية، الشيخ أبو محمد الجويني، وكان يلقب بركن الإسلام، قرأ الأدب على والده والفقه على أبي أيوب الأبيوردي، ولازم القفال ثم صار إمامًا في التفسير والفقه والأدب، مجتهدًا في العبادة، قال أبو عثمان الصابوني: لو كان الشيخ أبو محمد في بني إسرائيل لنقلت إلينا أوصافه وافتخروا به. صنف التفسير وغيره مات سنّة ٠٤٣٨ انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/٢٠٩، وفيات الأعيان ٢/٢٥٠.
[ ١ / ١٤١ ]
الْحَدِيثَ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ١ كَيْف أَوْرَدَهُ فِي الشَّامِلِ٢ جَازِمًا بِهِ فَقَالَ رَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْسَمِ عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ أَوْ نَغْتَسِلَ بِهِ وَقَالَ: "إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ" ٣.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَلَا يَصِحُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ٤.
تَنْبِيهٌ وَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الدمشقي في كلامه٥ على المهذب عَزْوُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ إلَى سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ قَبِيحٌ٦.
٦ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "مَنْ اغْتَسَلَ بِالْمُشَمَّسِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ" رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ مَشْيَخَةِ قَاضِي الْمَرِسَتَانِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بن صبح عن مُقَاتِلٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْهُ بِهَذَا٧.
_________________
(١) ١ عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أبو نصرا بن الصباغ البغدادي، فقيه العراق، ولد سنّة ٤٠٠، أخذ عن القاضي أبي الطيب الطبري، ورجح في المذهب على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وكان خيرًا دينًا، فقيهًا، أصوليًا، محققًا، قال ابن عقيل كملت له شرائط الاجتهاد المطلق، مات سنّة ٤٧٧. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/٢٥١، ط. السبكي ٣/٢٣٠، البداية والنهاية ١٢/٢٢٦ والنجوم الزاهرة ٥/١١٩، شذرات الذهب ٣/٣٥٥، مفتاح السعادة ٢/١٨٥، وفيّات الأعيان ٢/٣٨٥. ٢ قال ابن قاضي شهبة: قال ابن خلكان: هو من أصح كتب أصحابنا وأثبتها أدلة. ٣ أخرجه الدارقطني "١/٣٨" كتاب الطهارة: باب الماء المسخن حديث "٣" والبيهقي "١/٦" كتاب الطهارة كلاهما من طريق عمرو بن محمد الأعسم به. ٤ ينظر "المجروحين" لابن حبان "٢/٧٤". ٥ محمد بن معن بن سلطان، شمس الدين، أبو عبد الله الشيباني الدمشقي، تفقه على ابن شداد، وحفظ كتاب الوسيط للغزالي، وسمع وحدث، وكان فقيهًا، إمامًا، مناظرًا، أديبًا، قارئًا بالسبع. له التنقيب على المهذب في جزءين، وفيه غرائب. مات سنّة ٠٦٤٠ انظر: ط. ابن قاضي شهبة ٢/٧٩، هدية العارفين ٢/١٩١. ٦ قال ابن الملقن في " البدر المنير" "٢/١١٥": هذا الحديث واه جدًا. وقال النووي في "المجموع" "١/١٣٣": هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين وقد رواه البيهقي من طرق وبين ضعفها كلها ومنهم من يجعله موضوعًا. ٧ قال ابن الملقن في" البدر المنير" "٢/١٢١": هذا الحديث غريب جدًا ليس في السنن الأربعة قطعًا=
[ ١ / ١٤٢ ]
وَزَادَ "وَمَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ السَّبْتِ فَأَصَابَهُ دَاءٌ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ وَمَنْ بَاتَ فِي مُسْتَنْقَعِ مَوْضِعِ وَضُوئِهِ فَأَصَابَهُ وَسْوَاسٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ وَمَنْ تَعَرَّى فِي غَيْرِ كِنٍّ فَخُسِفَ بِهِ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ وَمَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرُ الطَّعَامِ فَأَصَابَهُ لَمَمٌ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ وَمَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتُلِسَ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَأَصَابَهُ زَحِيرٌ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ".
وَعُمَرُ بْنُ صُبْحٍ كَذَّابٌ١ وَالضَّحَّاكُ لَمْ يَلْقَ ابْنَ عَبَّاسٍ٢.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ بِلَفْظِ "لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الَّذِي يُسَخَّنُ فِي الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يُعْدِي مِنْ الْبَرَصِ" وَفِيهِ سِوَادَةُ الْكُوفِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ٣.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنِ حَكِيمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَنَسٍ.
_________________
(١) = حاشا الصحيحين منه وليس هو في السنن الكبير والمعرفة للبيهقي ولا في عن الدارقطني وعلله ولا في المسانيد فيما فحصت عنه عدة سنين فوق العشرة وسؤالي لبعض الحفاظ بمصر والقدس ودمشق عنه فلم يعرفوه إلا أنى ظفرت به في مشيخة قاضى المدستان ثم ساقه بسنده عن عمر بن صبح عن مقاتل بن حيان عن الضحاك عن ابن عباس به. وقال: حديث واه عمر بن صبح كذاب اعترف بالوضع والضحاك لم يلق ابن عباس. وقال في "خلاصة البدر المنير" "١/٩": غريب جدًا ليس في الكتب المشهورة وهو في مشيخة قاضي المدستان بسند منقطع واه. وممن عزاه إلى قاضي المدستان أيضًا الحافظ السيوطى فقال في "اللآلىء المصنوعة" "٢/٦": وفي مشيخة قاضي المدستان من طريق عمر بن صبح وهو كذاب عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا من اغتسل … الحديث وذكره السيوطى في "النكت البديعات" "ص ٦٥" وقال: وسنده واه. ١ عمر بن صبح الخراساني أبو نعيم. قال ابن حبان في "المجروحين" "٢/٨٨": كان ممن يضع الحديث على ثقات المسلمين لا يحل كتابة حديثه إلا على جهة التعجب لأهل الصنعة فقط وذكره الذهبي في " المعنى" "٢/٤٦٩" وقال: مالك اعترف بوضع الحديث. وقال برهان الدين الحلبي في "الكشف الحثيث" "٥٤٩" من المجاهيل ليس بثقة ولا مأمون، قال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث، وقال أحمد بن علي السليماني: عمر بن الصبح الذي وضع آخر خطبة النبي ﷺ. ٢ وهو قول شعبة وأبي حاتم وأبى زرعة وينظر ما كتبه الحافظ العلاني في كتابه "جامع التحصيل" ص "١٩٩- ٢٠٠" رقم "٣٠٤" وينظر أيضًا "المراسيل" لابن أبي حاتم "ص ٩٤- ٩٧". ٣ أخرجه العقيلي في "الضعفاء" "٢/١٧٦" من طريق علي بن هاشم الكوفي ثنا سوادة عن أنس به ومن طريق العقيلي أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" "٢/٧٨- ٧٩". وقال العقيلي: سوادة مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ وليس في الماء المشمس شيء يصح مسند إنما يروى فيه شىء عن عمر ﵁. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ أما حديث أنس ففيه سوادة وهو مجهول. والحديث ذكره السيوطى في " اللآلىء المصنوعة" "٢/٥" ونقل كلام العقيلي وابن الجوزي وأقره. وذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة" "ص ٨" ونقل كلام العقيلي.
[ ١ / ١٤٣ ]
وَزَكَرِيَّا ضَعِيفٌ وَالرَّاوِي عَنْهُ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ١ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ٢.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ لَا يَثْبُتُ أَلْبَتَّةَ٣.
وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ لَا يَصِحُّ فِيهِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ٤.
٧ - حَدِيثُ أَنَّ الصَّحَابَةَ تَطَهَّرُوا بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ:٥ لَمْ أَرَهُ فِي غَيْرِ الرَّافِعِيِّ انْتَهَى.
وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ كُنْت أُرَحِّلُ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرِّحْلَةَ فَكَرِهْت أَنْ أُرَحِّلَ نَاقَتَهُ وَأَنَا جُنُبٌ وَخَشِيت أَنْ أَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَأَمُوتَ أَوْ أَمْرَضَ فَأَمَرْتُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُرَحِّلُهَا وَوَضَعْتُ أَحْجَارًا فَأَسْخَنْتُ بِهَا مَاءً فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ لَحِقْت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطني في "الأفراد" كما في "اللآلىء المصنوعة" "٢/٦" حدثنا الفضل بن العباس الصواف ثنا عبد الوهاب بن إبراهيم ثنا أبو اليسع أيوب بن سليمان ثنا زكريا بن حكيم عن الشعبي عن أنس مرفوعًا لا تغسلوا صبيانكم بالماء الذي يسخن بالشمس فإنه يورث البرص. قال الدارقطني: تفرد به زكريا عن الشعبي ولم يروه عنه غير أبي اليسع ا. هـ. قال السيوطي: وزكريا ضعيف وأيوب مجهول وقد سبقه إلى هذا النقد ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٢٦" فقال: زكريا هذا ضعيف بمرة قال فيه أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة وكذلك قال النسائي وقال علي: هالك، وقال الدارقطني: ضعيف. وأما أيوب بن سليمان فهو المكفوف، قال الأزدي غير حجة. قلت: وقد حكم ابن القطان بجهالته كما في" اللسان" "١- بتحقيقنا". ٢ هذا الطريق لم يورده ابن الجوزي في " الموضوعات " كما يوهم كلام المصنف إنما أورد الطريق الأول طريق سوادة عن أنس. ٣ قال البيهقي في "المعرفة" "١/١٤٠": وأما ما روي عن عائشة عن النبي ﷺ من قوله: يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص لا يثبت البتة اهـ. وضعف أحاديث الماء المشمس في"السنن" "١/٦". ٤ ينظر "الضعفاء الكبير" للعقيلي "٢/١٧٦" والصحيح أنه من قول عمر دن الخطاب ﵁ كما سيأتي بعد حديث. ٥ أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، شيخ الحرم، محب الدين، أبو العباس الطبري المكي، ولد سنّة ٦١٥، وسمع من جماعة، وتفقه ودرس وصنف كتابًا كبيرًا في الأحكام، وروى عنه الدمياطي وابن العطار وابن الخباز، وغيرهم قال ابن كثير: مصنف الأحكام المبسوطة، أجاد فيها وأفاد … قال: وله كتاب ترتيب جامع المسانيد. توفي سنّة ٦٩٤. انظر: ط. ابن قاضى شهبة ٢/١٦٢، ط. الشافعي للسبكي ٥/٧، ط. الإسنوي ص ٣١٢.
[ ١ / ١٤٤ ]
ذَلِكَ لَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إلى ﴿غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] والهيثم بن زريق الرَّاوِي لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْأَسْلَعِ هُوَ وَأَبُوهُ مَجْهُولَانِ وَالْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ الْمُنْقِرِيُّ رَاوِيهِ عَنْ الْهَيْثَمِ فِيهِ ضَعْفٌ١.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِعْلُ ذَلِكَ فَمِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الدراوردي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَتْ لَهُ قُمْقُمَةٌ يُسَخَّنُ فِيهَا الْمَاءُ٢.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالْحَمِيمِ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ٣ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني في "الكبير" "١/٢٩٩" رقم "٨٧٧" والحسن بن سفيان في "مسنده" ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" "١/٥- ٦" كتاب الطهارة باب التطهير بالماء المسخن، من طريق العلاء بن الفضل عن الهيثم بن رزيق عن أبيه عن الأسلع بن شريك به. وهذا إسناد ضعيف. العلاء بن الفضل قال ابن حبان في "المجروحين" "٢/١٨٣" كان ممن ينفرد بأشياء مناكير عن أقوام مشاهير لا يعجبني الاحتجاج بأخباره التي انفرد بها … اهـ. والهيثم بن رزيق ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" "٩/٨٣". ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكره العقيلي في "الضعفاء" "٤/٣٥٤" وقال: لا يتابع على حديثه. وأبو رزيق ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" "٣/٥٠٤" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" "١/٢٦٥" وقال: وفيه الهيثم بن رزيق قال بعضهم: لا يتابع على حديثه والحديث ضعفه أيضا ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٢٨- ١٣١" وزاد نسبته إلى أبي نعيم في "معرفة الصحابة". ٢ أخرجه ابن أبي شيبة "١/٢٥" من طريق الداروردي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وأخرجه الدارقطني "١/٣٧" كتاب الطهارة: باب الماء المسخن حديث "١" والبيهقي "١/٦" كتاب الطهارة: باب التطهير بالماء المسخن، من طريق علي بن غراب عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر به. وقال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. وتعقبه ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٣٣" وقال: فيه وقفه ففي إسناده علي بن غراب وهشام بن سعد وقد ضعفا فلعل الدارقطني اختار تعديلهما اهـ. وقال أبو الطيب آبادي في "التعليق المغنى" "١/٣٧- ٣٨": فيه رجلان تكلم فيهما أحدهما علي بن غراب فممن وثقه الدارقطني وابن معين وممن ضعفه أبو داود وغيره وقال الخطيب: تكلموا فيه لمذهبه فإنه كان غاليا في التشيع والآخر هشام بن سعد فهو وان أخرج له مسلم فقد ضعفه النسائي. أهـ. تنبيه: صحح ابن الملقن طريق الداروردي على شرط الشيخين. ٣ أخرجه البخاري "١/٣٥٧" كتاب الوضوء: باب وضوء الرجل مع امرأته معلقًا ووصله عبد الرزاق "١/١٧٤" رقم "٦٧٥" وسعيد بن منصور كما في "الفتح" "١/٣٥٨" وصحح سنده الحافظ. ٤ تقدم تخريج هذه الرواية وذكر تعقب ابن الملقن له في تصحيحها وذكر كلام أبي الطيب آبادي في الكلام على هذه الرواية.
[ ١ / ١٤٥ ]
وَعَنْ بن عمر روى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ١.
و[عن] ٢ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّا نَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ وَقَدْ أُغْلِيَ عَلَى النَّارِ٣.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُغْتَسَلَ بِالْحَمِيمِ وَيُتَوَضَّأَ مِنْهُ٤.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ كَانَ يُسَخِّنُ الْمَاءَ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ٥.
٨ - حَدِيثُ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْمَاءَ الْمُشَمَّسَ وَقَالَ إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ بِهِ.
وَصَدَقَةُ ضَعِيفٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى تَضْعِيفِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَقُولُ إنَّهُ صَدُوقٌ وَإِنْ كَانَ مُبْتَدِعًا وَأَطْلَقَ النَّسَائِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ كُنَّا نُسَمِّيه وَنَحْنُ نَطْلُب الْحَدِيثَ خُرَافَةَ
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: كَانَ قَدَرِيًّا مُعْتَزِلِيًّا٦ رَافِضِيًّا كُلُّ بِدْعَةٍ فِيهِ وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ
_________________
(١) ١ أخرجه عبد الرزاق "١/١٧٥" رقم "٦٧٦" ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط ""١/٢٥١". وأخرجه ابن أبي شيبة "١/٢٥" وأبو عبيد في "كتاب الطهور" "٢٥٦" من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن نافع أنه سأله عن الماء المسخن قال نافع: كان ابن عمر يتوضأ بالحميم. وقال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٣٧":. وهذا الإسناد والذي قبله رجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني في "الإرواء" "١/٥٠": هذا سند صحيح على شرط الشيخين. ٢ سقط في الأصل. ٣ أخرجه ابن أبي شيبة "١/٢٥" عنه بالفظ: إنا ندهن بالدهن وقد طبع على النار ونتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار. وقال ابن الملقن "٢/١٣٧": وهذا إسناد صحيح. ٤ أخرجه عبد الرزاق "١/١٥٧" رقم "٦٧٧" ومن طريقه ابن المنذر في " الأوسط " "١/٢٥١" وصححه أيضًا ابن الملقن في " البدر المنير" "٢/١٣٧". ٥ أخرجه ابن أبي شيبة "١/٢٥" وأبو عبيد في "كتاب الطهور" "٢٥٧" وابن المنذر في "الأوسط" "١/٢٥١" وقال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/١٣٧": وهذا إسناد على شرط الشيخين. ٦ كان للحسن البصري تلميذ يتلقى عليه فلما سمعه يقرر أن مرتكب الكبيرة مذنب عاص إن لم يتب فأمره لربه إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عقابًا لا خلود معه في النار وأن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة للَّه تعالى. عند ذلك خالف أستاذه في هاتين المسألتين واعتزل مجلس أستاذه إلى مجلس آخر يقرر في المسألة الأولى أنه ليس بمؤمن ولا بكافر بل هو واسطة بينهما فلا هو بمؤمن لأن الإيمان عقيدة وعمل ولا بكافر ويقرر في الثانية أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بأقدار من اللَّه تعالى عند ذلك قال الحسن: اعتزلنا واصل فسموا معتزلة لذلك ثم كثر أتباع واصل وصار لهم مذهب معروف في مسائل كثيرة منها وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي ومنها نفي الصفات القديمة ومنها مسألة الحسن والقبح العقليين ومسألة الصلاح والأصلح.
[ ١ / ١٤٦ ]
النَّاسِ لَكِنَّهُ غَيْرُ ثِقَةٍ
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: نَظَرْت فِي حَدِيثِهِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مُنْكَرًا١ وَلَهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ
وَقَالَ السَّاجِيُّ: لَمْ يُخْرِجْ الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ حَدِيثًا فِي فَرْضٍ إنَّمَا جَعَلَهُ شَاهِدًا.
قُلْت: وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا وَكَمْ مِنْ أَصْلٍ أَصَّلَهُ الشَّافِعِيُّ لَا يُوجَدُ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ لَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ اخْتِلَافًا فِي إبْطَالِ الْحُجَّةِ بِهِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَثْبُت عِنْدَهُ الْجَرْحُ فِيهِ فَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ٢ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلِحَدِيثِ عُمَرَ الْمَوْقُوفِ هَذَا طَرِيقٌ أُخْرَى رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ
_________________
(١) ١ ينظر الكامل لابن عدي "١/٢٢٢". ٢ الأثر أخرجه الشافعي في " الأم" "١/٣" ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" "١/٦" كتاب الطهارة باب كراهة التطهير بالماء المشمس، وفي "المعرفة" "١/١٣٩" كتاب الطهارة: باب الوضوء بالماء المسخن والماء المشمس حديث "٢٣". وهذا إسناد ضعيف جدًا وفيه علل كثيرة إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى المدني الأسلمي شيخ الشافعي أورد فيه المصنف كلام المجروحين وقد قيل فيه أكثر من هذا. أما قول المصنف: وفي الجملة فإن الشافعي لم يثبت عنده الجرح فيه فلذلك اعتمده فيه نظر فإن الجمهور على ترك هذا الرجل وبعضهم رماه بالوضع وآخرون بالزندقة وأنه يذهب إلى كلام جهم وقد قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" "ص ١٢" هو متروك عند الجمهور. وقال في "المغني" "١/٢٣": تركه جماعة وضعفه آخرون للرفض والقدر. وقال المصنف في "التقريب" "١/٤٢": متروك وقد حاول البيهقي في "المعرفة": تقوية حال إبراهيم وسكت على الأثر في "السنن " وتعقبه ابن التركماني بما يفيد ضعف إبراهيم بن محمد. العلة الثانية: وهي ضعف صدقة بن عبد الله السمين قال أحمد: ضعيف، وقال يحيى والنسائي والدارقطني: ضعيف، وقال البخاري ضعيف جدًا، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. ينظر "العلل" للإمام أحمد "١/١٩٩، ٢١٣، ٢١٤"، و"تاريخ يحيى" برواية الدوري "٢/٢٦٨" "ضعفاء النسائي" "ص ٥٨" وضعفًاء الدارقطني "٢٥١"، وضعفًاء البخاري "ص ٦١" و"المجروحين لابن حبان" "١/٣٧٤". قال ابن الملقن في " البدر المنير" "٢/١٤٩": فتلخص أن هذا الأثر ضعيف للعلتين المذكورتين وقال الحافظ أبو محمد المنذري في " كلامه على أحاديث المهذب ": هذا الأثر حسن وفي ذلك ما لا يخفى ا. هـ. ولهذا الأثر علة ثالثة لم ينبه عليها ابن الملقن والمصنف وهي عنعنة أبي الزبير فقد كان مدلسًا. والأثر ذكره المصنف في "الدراية" "١/٥٥" وقال: وأخرجه الشافعي موقوفًا على عمر بإسناد ضعيف وذكره أيضًا الحافظ السيوطي في "النكت البديعات" "ص ٦٥" وقال: أخرجه الشافعي في "الأم " بسند رجاله ثقات إلا إبراهيم بن أبي يحيى فإنه مختلف فيه وشيخه صدقة بن عبد الله ضعيف. ا. هـ. قلت: هكذا تكون شهوة التعقب والتعصب فجعل السيوطى إبراهيم هذا مختلف فيه مع أن الذهبي حكى في المغني أن الجمهور على تركه.
[ ١ / ١٤٧ ]
عَيَّاشٍ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ حَسَّانَ بْنِ أَزْهَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: "لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ".
وَإِسْمَاعِيلُ صَدُوقٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْ الشَّامِيِّينَ١ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْفَرِدْ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْمُغِيرَةِ عَنْ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فِي تَرْجَمَةِ حَسَّانَ٢.
قَوْلُهُ: إنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِالتَّعْفِيرِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَلِيلٍ.
٩ - قَوْلُهُ وَسُؤْرُهُ نَجِسٌ يَعْنِي الكلب لورد الْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ فِي خَبَرِ الْوُلُوغِ.
قُلْت: وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ من حديث٣ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي رَزِينٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ" قَالَ النَّسَائِيُّ لَمْ يَذْكُرْ "فَلْيُرِقْهُ" غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الْإِرَاقَةِ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادُهُ حَسَنٌ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ "فَلْيُهْرِقْهُ" ٤ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطني "١/٣٩" كتاب الطهارة: باب الماء المسخن ح "٤". قال ابن الملقن في "البدر" "٢/١٥٠": وهذا إسناد جيد وأشار الزيلعي إلى صحته فقال: وصفوان بن عمرو حمصي ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيحة. ٢ قال ابن حبان في ثقاته كما في " البدر المنير" "٢/١٥٠" ثنا محمد بن إبراهيم بن خالد ثنا عبد الأعلى بن سالم الكتاني ثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج ثنا صفوان بن عمرو ثنا حسان بن أزهر عن عمر بن الخطاب قال: "لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه ينزع إلى البرص". ٣ في الأصل: من طريق. ٤ أخرجه مسلم "١/٢٣٤": كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، الحديث "٨٩/٢٧٩"، والنسائي "١/١٧٦- ١٧٧": كتاب المياه: باب سؤر الكلب، وابن الجارود ص "٢٨": باب في طهارة الماء، الحديث "٥١"، والدارقطني "١/٦٤": كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء، الحديث "٢"، واللفظ عنده "فليهرقه". والبيهقي "١/١٨": كتاب الطهارة: باب المنع من الانتفاع بجلد الكلب، وأحمد "٢/٢٥٣" وابن خزيمة "١/٩٨" وابن حبان "١٢٩٦"، والطبراني في "الأوسط " "١/٩٣"، كلهم من رواية علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي رزين، وأبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ به، وقال النسائي: لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله: "فليرقه"، قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٣٢٥": ولا يضر تفرده بها فإن علي بن مسهر إمام حافظ متفق على عدالته والاحتجاج به ولهذا قال- بعد تخريجه لها- الدارقطني "إسنادها حسن ورواتها ثقات " هـ. قلت: وقد صحح لفظ الإراقة أيضًا ابن خزيمة وابن حبان فقد أخرجه في صحيحه "١٢٩٦". وقال المصنف في " الفتح" "١/٢٧٥": وقد ورد الأمر بالإراقة أيضًا من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا أخرجه ابن عدي لكن في رفعه نظر والصحيح أنه موقوف اهـ. وأخرجه الدارقطني "١/٦٤" من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء قال: "يهراق ويغسل سبع مرات! " وقال الدارقطني: صحيح موقوف.
[ ١ / ١٤٨ ]
عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِك وَرُوِيَ عَنْهُ إذَا وَلَغَ وَهَذَا هُوَ لَفْظُ أَصْحَابِ أَبِي الزِّنَادِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ١ إلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْجَوْزَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ "إذَا شَرِبَ" وَكَذَا وَقَعَ فِي عَوَالِي أَبِي الشَّيْخِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ "إذَا وَلَغَ" وَكَذَا رَوَاهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ بن سيرين عَنْهُ بِلَفْظِ "إذَا شَرِبَ" ٢ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ
_________________
(١) ١ والحديث بدون ذكر الإراقة من طريق مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا، "إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبع مرات". أخرجه مالك "١/٣٤": كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء "٣٥". ومن طريق مالك رواه الشافعي في المسند بترتيب السندي "١/٢٣": كتاب الطهارة: "الباب الثاني في الأنجاس وتطهيرها، الحديث "٤٣"، وفي الأم "١/٦"، وأحمد "٢/٤٦٠"، والبخاري "١/٢٧٤": كتاب الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، الحديث "١٧٢"، ومسلم "١/٢٣٤": كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، الحديث "٩٠/٢٧٩"، والنسائي "٦٣"، وأبو عوانة "١/٢٠٧"، وابن الجارود رقم "٥٠" والحميدي "٢/٤٢٨" والبيهقي "١/٢٤٠" والبغوي في "شرح السنة" "١/٣٧٨- بتحقيقنا". ٢ الذي قال: إذا شرب: الإمام مالك ﵀ في "الموطأ ". قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "١/٢٠٨": كذلك قال مالك: "إذا شرب الكلب" وسائر رواة هذا الحديث عن أبي الزناد وغيره على كثرة طرقه عن أبي هريرة كلهم يقول: "إذا ولغ" لا أعلم أحد يقول: "إذا شرب" غير مالك. قلت: وكلام ابن عبد البر متعقب كما سيأتي. وممن استغرب لفظه إذا شرب أيضًا الحافظ أبو بكر الإسماعيلي فقال كما في " نصب الراية " "١/١٣٢": أن مالكًا انفرد عن الكل بهذه اللفظة. واستغر بها أيضًا ابن مندة كما في "نصب الراية" فقال: رواه هشام بن عروة وموسى بن عقبة وأبن عيينة وشعيب ابن أبي حمزة وغيرهم عن أبي الزناد وقالوا: إذا ولغ وكذلك رواه جعفر بن ربيعة وغيره عن عبد الرحمن الأعرج ورواه عبيد بن حسين وثابت الأعرج وعبد الرحمن بن أبي عمرة وأبو يونس سليم بن جبير ومحمد بن سيرين وأبو صالح وأبو رزين كلهم عن أبي هريرة واتفقوا على قوله: إذا ولغ. اهـ. قلت: أما ادعاء ابن عبد البر بأن مالكًا تفرد بهذه اللفظة فهر أمر متعقب فقد تابعه المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به. أخرجه أبو الشيخ في "الجزء الثالث من العوالي" كما في "نصب الراية" "١/١٣٣" و"البدر المنير""٢/٣٢٣" والمغيرة بن عبد الرحمن. قال الحافظ في "التقريب " "٢/٢٦٩": ثقة له غرائب وتابعه أيضًا ورقاء بن عمر أخرجه الجوزقي في كتابه كما في " البدر" "٢/٣٢٣". وورقاء قال الحافظ في "التقريب" "٢/٣٣٠": صدوق في حديثه عن منصور لين. أما رواية هشام عن ابن سيرين عن أبي مريرة والتي أشار إليها المصنف أخرجها ابن خزيمة "١/٥١" رقم "٩٧" وابن المنذر في "الأوسط" "١/٣٠٤" رقم "٢٢٨" وإليها عزاه الحافظ في "الفتح" "١/٣٣٠" بعد أن تعقب ابن عبد البر.
[ ١ / ١٤٩ ]
عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ غُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ١ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ بن سيرين فَقَالَ: "أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ" وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ عَنْ قتادة عن بن سيرين "السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ" وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ ذِكْرُ التُّرَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ بن سيرين.
قُلْت: قَدْ رَوَاهُ أَبُو رَافِعٍ عَنْهُ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إنْ كَانَ مُعَاذٌ حَفِظَهُ فَهُوَ حَسَنٌ فَأَشَارَ إلَى تَعْلِيلِهِ٢ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ٣.
وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ" ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَقَالَ: "إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ" لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ٤ وَعَكَسَ ابْنُ
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "٢/٤٢٧"، ومسلم "١/٢٣٤": كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، الحديث "٩١/٢٧٩"، وأبو داود "١/٥٧": كتاب الطهارة: باب الوضوء بسؤر الكلب، الحديث "٧١"، والترمذي "١/١٥١": كتاب الطهارة: باب ما جاء في سؤر الكلب، الحديث "٩١"، والنسائي "١/١٧٧- ١٧٨": كتاب المياه: باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، والطحاوي في شرح معاني الآثار "١/٢١": كتاب الطهارة: باب سؤر الكلب، والدارقطني "١/٦٤": كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء، الحديث "٥"، والبيهقي "١/٢٤٠": كتاب الطهارة: باب إدخال التراب في إحدى غسلاته، وأبو عوانة "١/٢٠٧- ٨ ٠ ٢" وعبد الرزاق "٠ ٣٣"، وابن أبي شيبة "١/١٧٣" وابن خزيمة "١/٥٠" رقم "٩٥" وابن حبان رقم "١٢٩٧"، وابن حزم في "المحلى" "١/١١٠"، والجوزقاني في "الأباطيل" "٣٥٦"، من طرق عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات أولًاهن بالتراب". ٢ أخرجه النسائي "١/١٧٧": كتاب المياه: باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، والدارقطني "١/٦٥": كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء، الحديث "١٠"، والبيهقي "١/٢٤١": كتاب الطهارة: باب إدخال التراب في إحدى غسلاته، والدارقطني "١/٦٤": كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء، الحديث "٤"، كلهم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مثله، وقال الدارقطني: هذا صحيح. ٣ أخرجه الدارقطني "١/٦٤" كتاب الطهارة: باب ولوغ الكلب في الإناء حديث "٤". أما مسألة سماع الحسن من أبي هريرة فنفاها يونس بن عبيد وأبو حاتم وابن المديني وأيوب وعلي بن زيد وأبو زرعة. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم و"جامع التحصيل" للعلائي "ص ١٦٣- ١٦٦". ٤ أخرجه أحمد "٤/٨٦"، والدارمي "١/١٨٨": كتاب الطهارة: باب في ولوغ الكلب، ومسلم "١/٢٣٥": كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب، الحديث "٩٣/٢٨٠"، وأبو داود "١/٥٩": كتاب=
[ ١ / ١٥٠ ]
الْجَوْزِيِّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّحْقِيقِ فَوَهَمَ١.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَفْتَى بِأَنَّ غَسْلَة التُّرَابِ غَيْرُ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ بِالْمَاءِ غَيْرِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ انْتَهَى.
وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِأَجْوِبَةٍ٢.
أَحَدُهَا: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ٣: بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى وَهَذَا الْجَوَابُ مُتَعَقَّبٌ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ صَحِيحٌ.
قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ إسْنَادُهُ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَهِيَ زِيَادَةُ ثِقَةٍ٤ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ
_________________
(١) =الطهارة: باب الوضوء بسؤر الكلب، الحديث "٧٤"، والنسائي "١/١٧٧": كتاب الطهارة: باب تعفير الإناء بالتراب مع ولوغ الكلب فيه، وابن ماجة "١/١٣٠": كتاب الطهارة: باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، الحديث "٣٦٥"، وابن أبي شيبة "١/١٧٤" وأبو عوانة "١/٢٠٨" وابن حبان "٤/١٢٩٨"، وابن الجارود "٥٣"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار""١/٢٣"، والدارقطني، والبيهقي، وابن حزم فى "المحلى" "١/١١٠"، وابن عبد البر في "التمهيد" "٨/٤٠٤"، وابن عدي في "الكامل" "٣/٢٦١ ١"، والبغوي في "شرح السنّة" "١/٣٧٨"، من طرق عن شعبة، عن أبي التياح عن مطرف عن عبد الله بن مغفل به. ١ ينظر التحقيق "١/٣٨- ٣٩" وقد تابعه على هذا الوهم الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" فلم ينبه على هذا الوهم. قال ابن الملقن في "البدر المنير" "٢/٣٢٨": قال ابن الجوزي في "التحقيق ": انفرد به البخاري وهو سبق قلم منه قطعًا فلعله أراد أن يكتب: انفرد به مسلم فسبق القلم إلى البخاري فليصلح. ٢ ينظر "التمهيد" "١٨/٢٦٦". ٣ ينظر "السنن الكبرى" للبيهقي "١/٢٤١". وقال في "معرفة السنن والآثار" "١/٣١٠": يحتمل أن يكون التعفير في التراب في إحدى الغسلات السبع عدّه ثامنة وإذا صرنا إلى الترجيح بزيادة الحفظ فقد قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. اهـ. قلت: وهذا الكلام متعقب كما سيأتي بيانه. ٤ قال ابن الصلاح: مذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد، بأن رواه ناقصًا مرة، رواه مرة أخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصًا خلافًا لمن رد من أهل الحديث مطلقًا وخلافًا لمن رد الزيادة منه وقبلها من غيره. فذكر ثلاثة مذاهب كما ترى ثم ذكر تحقيقًا من عند نفسه فقال: وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد. الثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلًا لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلًا، فهذا مقبول، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه.
[ ١ / ١٥١ ]
إلَيْهَا١، وَقَدْ أَلْزَمَ الطَّحَاوِيُّ الشَّافِعِيَّةَ بِذَلِكَ٢.
ثَانِيهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَقِفْ عَلَى صِحَّتِهِ وَهَذَا الْعُذْرُ لَا يَنْفَعُ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ وَقَفُوا عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا سِيَّمَا مَعَ وَصِيَّتِهِ.
ثَالِثُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَهَا ثَامِنَةً لِأَنَّ التُّرَابَ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْمَاءِ فَجَعَلَ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مَعْدُودًا بِاثْنَيْنِ وَهَذَا جَوَابٌ الْمَاوَرْدِيِّ٣ وَغَيْرِهِ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ نَسِيَ اسْتِعْمَالَ التُّرَابِ فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ اغْسِلُوا سَبْعَ
_________________
(١) = الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث، ثم مثل بحديث مالك في زكاة الفطر بزيادة "من المسلمين" على قوله: "على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى" وزيادة "ترتبها" في حديث "جعلت الأرض مسجدًا وطهورًا" ثم قال: فهذا وما يشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما ما رواه الجماعة عام وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوع من المخالفة، يختلف بها الحكم. ويشبه أيضًا القسم الثاني من حيث انه لا منافاة بينهما، قال النووي: والصحيح قبول هذا الأخير. وما قاله ابن الصلاح في هذا التفصيل يصح أن يكون قولًا رابعًا. وحرر ابن الحاجب الخلاف على نحو آخر فقال: إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف، مثل أن يزيد على: "دخل البيت" قوله: "وصلى" فإن كان المجلس مختلفًا. قبلت باتفاق. وإن كان واحدًا، فإن انتهى غيره إلى حد لا يتصور غفلتهم عن مثلها لم يقبل. لهان لم ينته. فالجمهور يقبل. وقال بعض المحدثين وأحمد في أحد قوليه: لا يقبل. فحرر الخلاف في محل عدم المخالفة. وكان المجلس متحدًا، وكان من في المجلس لا يبلغون حدًا لا يتصور معه غفلتهم عن مثلها. أما في حمل المخالفة فقال: فان كانت الزيادة مخالفة بحيث يتعذر بها الجمع فالظاهر التعارض. أما مع اختلاف المجلس فقال: قبلت باتفاق. أما إذا بلغوا حدًا لا يتصور معه غفلتهم عن الزيادة فقال: لم تقبل ولا يسع أحدًا مخالفته. ينظر البحر المحيط للزركشي ٤/٣٢٩ حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/٧١. ١ ومن المتعقبين أيضًا ابن التركماني فقال فبم "الجوهر النقي" "١/٢٤١": بل رواية ابن مغفل أولى لأنه زاد الغسلة الثامنة والزيادة مقبولة خصوصًا من مثله. ٢ قال الطحاوي في " شرح معاني الآثار" "١/٢٣": فهذا عبد الله بن المغفل قد روى عن النبي ﷺ " أنه يغسل سبحًا ويعفر الثامنة بالتراب وزاد على أبي هريرة والزائد أولى من الناقص فكان ينبغي لهذا المخالف لنا أن يقول: لا يطهر الإناء حتى يغسل ثماني مرات السابعة بالتراب والثامنة كذلك ليأخذ بالحديثين جميعًا. ٣ علي بن محمد بن حبيب، القاضي أبو الحسن الماوردي، البصري، أحد أئمة أصحاب الوجوه، تفقه على أبي القاسم الصيمري، وسمع من أبي حامد الإسفرايني، قال الخطيب: كان ثقة، من وجوه الفقهاء الشافعيين وقال الشيرازي: وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب، وكان حافظًا للمذهب. ومن تصانيفه: الحاوي. قال الأسنوي: ولم يصنف مثله، والأحكام السلطانية والتفسير المعروف بالنكت والعيون وغيرها. مات سنّة ٤٥٠. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/٢٣٠، تاريخ بغداد ١٢/١٠٢، ط. لسبكي ٣/٣٠٣.
[ ١ / ١٥٢ ]
مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ "فَإِنْ لَمْ تُعَفِّرُوهُ فِي إحْدَاهُنَّ فَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ" وَيُغْتَفَرُ مِثْلُ هَذَا الْجَمْعِ بَيْنَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ بَعْضِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ١.
فَائِدَةٌ قَالَ الْقَرَافِيُّ٢: سَمِعْت قَاضِيَ الْقُضَاةِ صَدْرَ الدِّينِ٣ الْحَنَفِيَّ يَقُولُ إنَّ الشَّافِعِيَّةَ تَرَكُوا أَصْلَهُمْ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ٤ عَلَى الْمُقَيَّدِ٥ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْت لَهُ هَذَا لَا
_________________
(١) ١ ينظر: فتح الباري "١/٣٣٣". ٢ هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن أبو العباس شهاب الدين الصنهاجي القرافي: من علمًاء المالكية نسبته إلى قبيلة صنهاجة "من برابرة العرب" والى القرافة "المحلة المجاورة لقبر الإمام الشافعي" بالقاهرة وهو مصري المولد والمنشأ والوفاة له مصنفات جليلة في الفقه والأصول ينظر الأعلام "١/٩٤-٩٥". ٣ سليمان بن وهيب، أبو الربيع بن أبي العز، قاضي القضاة صدر الدين. تفقه على الحصيري، وتولى القضاء ب "مصر" والشام، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة. توفي سنّة سبع وسبعين وستمائة في شعبان. ينظر: الجواهر الحصينة ٢/٢٣٧، العبر ٥/٣١٥، الفوائد البهية ٨١٢٨ ٤ تنوعت آراء الأصوليين في تحريف المطلق على مذهبين رئيسين: المذهب الأول: ويمثله جمهور الشافعية ومن وافقهم من الفقهاء الذين سووا بين المطلق والنكرة، وقد دهب سيف الدين الآمدي إلى أن المطلق: النكرة في سياق الإثبات، أي الوحدة الشائعة؟ لأن النكرة في الإثبات إنما تنصرف إلى الفرد المنتشر. وعرفه ابن الحاجب: بما دل على شائع في جنسه، وقد اختار هذا التعريف صاحب التلويح، و"صاحب المرآة" من الحنفية، وعبر عنه في "المرآة" فقال: المطلق: وهو الشائع في جنسه. وعرفه ابن قدامة: بأنه التناول لواحد بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، وهي النكرة في سياق الأمر. المذهب الثاني: وهو مذهب الجمهور من الأحناف، ومنهم البزدوي، وكذلك القرافي في أالتنقيح "، وابن السبكي في "جمع الجوامع"، و" الابهاج في شرح المنهاج". قال البزدوي: المطلق هو المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، أي أنه الدال على الماهية من حيث هي هي، ومثله لفناري في "فصول البدائع ". وقيل: المطلق هو ما لم كن موصوفًا بصفة على حدة. وقال القرافي: المطلق هو كل حقيقة اعتبرت من حيث هي هي، أي أنه الدال على الماهية بلا قيد، إلا أن الإطلاق عنده أمر نسبي اعتباري، فقد يكون المطلق مقيدًا- كرقبة- مطلقًا بالنظر لقيد الإيمان في المؤمنة، فاللفظ لا يكون مطلقًا بالوضع، وانما نسبته إلى أمر آخر هي التي تصيره مطلقًا، وهو يشير إلى ضابط الإطلاق بما اقتصر اللفظ فيه على مسمى اللفظة المفردة كرقبة، وإنسان. وقال ابن السبكي في "الإبهاج": المطلق على الإطلاق هو المجرد عن جميع القيود، الدال على ماهية الشيء من غير أن يدل على شيء من أحوالها وعوارضها. ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/٤١٥، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/٣، سلاسل الذهب للزركشي ص ٢٨٠، نهاية السول للأسنوي ٢/٣١٩، زوائد الأصول له ٢٩٨، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٨٢، التحصيل من المحصول للأرموي ١/٤٠٧، المستصفى للغزالي ٢/١٨٥، حاشية البناني ٢/٤٤، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/٧٦، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٢٦٢، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/٧٩، المعتمد لأبي الحسين ١/٢٨٨، تيسير التحرير لأمير بادشاه ١/٣٢٨، ميزان الأصول للسمرقندي ١/٥٦١، كشف الأسرار للنسفي ا/ ٤٢٢، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/١٥٥، الوجيز للكراماستي ص ١٤، تقريب الوصول لابن جزيّ ص ٨٣، إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٤، شرح الكواكب المنير للفتوح ص ٤٢٠. وينظر الروضة لابن قدامة "١٣٦" الحدود للباجي "٤٧".
[ ١ / ١٥٣ ]
_________________
(١) ٥ أما المقيد فقد تنوعت آراء علمًاء الأصول في تعريفه تبعًا لتنازعهم في تعريف المطلق على مذهبين هما: الأول: وإليه ذهبت الشافعية ومن لف لفهم من العلمًاء، ومنهم سيف الدين الآمدي، والعلامة ابن الحاجب. وذكر الآمدي أن المقيد يطلق باعتبارين: أحدهما: ما دل من الألفاظ على مدلول معين كزيد وهذا الرجل. وثانيهما: ما دل من الألفاظ على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة، وذلك مثل قولنا: دينار أردني، فهو وان كان مطلقًا في جنسه من حيث إنه دينار أردني، إلا أنه في الواقع مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار، فهر مطلق من وجه، مقيد من وجه آخر. وقد عرفه ابن الحاجب بما دل لا على شائع في جنسه، أي أنه يخالف حد المطلق عنده. وقيل: المقيد ما دل على معنى غير شائع في نفسه، وهذا يخالف ما جرى عليه ابن الحاجب، لأنه يعني دلالة المقيد على المعينات، إذ يتناول جميع المعارف، وما دل على شائع في نوعه كالعام، في حين يخرج منه ما دل على شائع في نفسه- كرجل مؤمن- فإنه شائع للمؤمنين من الرجال، ونحو- رقبة مؤمنة- فإن فيه شيوعًا للمؤمنات من الرقبات. وعرف ابن قدامة المقيد في "روضة الناظر": بأنه المتناول لمعين أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه، كقوله ﷿ في كفارة القتل خطأ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] حيث قيد الدية بالتسليم والرقبة بالإيمان والصيام بالتتابع. ينظر البحر المحيط للزركشي ٣/٤٣٤، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/٣، سلاسل الذهب للزركشي ص ٢٨٠، زوائد الأصول للأسنوي ص ٢٩٨، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص٨٢، التحصيل من المحصول للأرموي ١/٤٠٧، المستصفى للغزالي ٢/١٨٥، حاشية البناني ٢/٤٤، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/٧٦، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص ٢٦٢، المعتمد لأبي الحسين ١/٢٨٨، تيسير التحرير لأمير بادشاه ١/٣٣٠، ميزان الأصول للسمرقندي ١/٥٦١، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/١٥٥، الوجيز للكراماستي ص ١٤، تقريب الوصول لابن جزي ص ٨٣، إرشاد الفحول للشوكاني ص ١٦٤، نشر البنود للشنقيطي١/٢٥٨. وينظر كشف الأسرار ٢/٢٨٦ المدخل "٠ ٢٦" الروضة "١٣٦" الحدود للباجي "٤٨". وتنوعت آراء العلماء في موجب حمل المطلق على المقيد على مذاهب عدة: الأول: مذهب يرى أن موجب العمل هو اللغة مطلقًا. الثاني: وذهب بعض علماء الشافعية إلى أن موجب الحمل هو اللغة فيما أوجبوا الحمل فيه، وهو صورة تعدد الحكم دون الحادثة. الثالث: وذهب المحققون منهم إلى أن موجب الحمل هو القياس الصحيح. الرابع: وذهب بعض الفقهاء إلى أن موجب الحمل هو العقل.
[ ١ / ١٥٤ ]
_________________
(١) = أما الذين ذهبوا إلى أن موجب الحمل هو اللغة مطلقًا، فقد استدلوا على مذهبهم بأن حمل المطلق على المقيد أسلوب من أساليب أهل اللغة؛ لأن العرب تحذف وتثبت في كلامها اعتمادًا على ما هو مثبت في الكلام، وذلك نحو ما جاء من قول قيس بن الخطيم [المنسرح]: نحن بما عندنا وأنت بما … عندك رأض والرأي مختلف فنرى أن الشاعر هنا قد حذف كلمة "راضون" في صدر البيت؛ لدلالة قوله في العجز "راض" على المحذوف، فالشاعر يريد أن يقول: نحن بما عندنا راضون، فحذف خبر المبتدأ "نحن" واكتفى بذكر خبر المبتدأ "أنت "؛ ليدل على خبر المبتدأ "نحن". ومن أمثلة ذلك قول عمرو بن أحمد الباهلي [الطويل]: رماني بأمر كنت منه ووالدي … بريئًا ومن أجل الطوي رماني حيث حذف الشاعر هنا كلمة "بأمر" في عجز البيت؟ لدلالة الصدر عليه، فهو يريد أن يقول: من أجل الطوي رماني بأمر. قالمستقرىء لأساليب العرب، يلمح بوضوح أن الحذف إنما تستعمله العرب إذا دل دليل لفظي، أو غير لفظي على مراد المتكلم، والقرآن الكريم ذاخر بالشواهد والنماذج على ذلك، جريًا على أساليب العرب. مثال ذلك قول الله ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] أي: من عمل صالحًا فعمله لنفسه، ومن أساء فإساءته على نفسه، ومن ذلك أيضًا قوله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر. وأما علماء الشافعية الذين ذهبوا إلى وجوب حمل المطلق على المقيد في صورة تعدد الحكم دون الحادثة، تنازعوا في موجب الحمل، فقد ذهبت طائفة منهم إلى أن موجب الحمل هو اللغة، من غير نظر إلى قياس أو دليل، وجعلوه من باب المحذوف، فإن أهل اللسان العربي يحذفون القيد في موضع، استنادًا على دلالة ذكره في موضع آخر من الكلام، مثال ذلك في قوله ﷿: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] أي: والحافظات لها، ومثله أيضًا قوله ﷿: ﴿والذَّاكرينَ اللَّه كثيرًا والذَّاكراتِ﴾ [لأحزاب: ٣٥] أي: والذاكرات الله كثيرًا، فقد دل عليه ما سبق. وقد رد هنا بأن المراد بالآية الكريمة: "والذاكرات الله " حيث انصرف الكلام إلى ذكر الله مطلقًا، فلا يتأتى تقييده بصرفه إلى جميع أنواع الذكر؛ لأن الخطاب إنما ورد في سياق المدح لهن وإرشادهن إلى ذكر الله مطلقًا بغير قيد. ومما ينبغي أن نذكره هنا أن طائفة من الفقهاء ينكرون حصل المطلق على المقيد من جهة اللغة، ودللوا على ذلك بأن إطلاق المطلق يستلزم الأمر به وإيقاعه دون غيره، فلو قلنا بتقييده باللفظ المقيد، لكان من الواجب أن يكون بين المطلق والمقيد صلة، وإلا فإن تقييده ليس بأولى من إطلاقه، وترجع الصلة بين المطلق والمقيد إلى اللفظ أو الحكم، أما صلة اللفظ فإنما تكون بالعطف أو الإضمار، وان صلة كهذه غير موجودة بين المطلق والمقيد، بينما الصلة التى مرجعها الحكم فهي قسمان: الأول: أن يتفق المطلق والمقيد في علة تقييد الحكم فيهما بالصفة، ولا علاقة لهذا بالتقييد باللفظ؛ لأنه من باب التقييد بالقياس. الثاني: أن يكون الحكم فيهما مقيدًا في كفارة، غير مقيد في كفارة أخرى مانعًا من التعبد، فإن المصلحة قد تكون بإيجاب التقييد فيهما، وقد تكون المصلحة في اختلافهما بذلك التقييد، فلو=
[ ١ / ١٥٥ ]
_________________
(١) =جاز لنا حمل المطلق على المقيد مع عدم وجود الصلة بينهما، لجاز لنا إثبات البدل لأحدهما؛ لأن الآخر قد تحقق له البدل. وأما أهل التحقيق من الشافعية، فقد قالوا بأن موجب الحمل هو القياس الصحيح الذي يقتضى التقييد، كما في تقييد الرقبة بالمؤمنة في آيتي الظهار والقتل. قال الشيرازي: "وان لم يعارض المقيد مقيدّ آخر كالرقبة في كفارة القتل" والرقبة في الظهار، قيدت بالأيمان في القتل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وأطلقت في الظهار بقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [القصص: ٣] حمل المطلق على المقيد، فمن أصحابنا من قال: يحمل من جهة اللغة، أي: بمجرد ورود اللفظ من غير حاجة إلى جامع؛ لأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة، أي: أن بعضه يفسّر بعضًا، فإذا قيدت الرقبة في كفارة القتل بالإيمان قيدت في كفارة الظهار به. وقال بعضهم: يحمل من جهة القياس- أي: قياس المطلق على المقيد بجامع بينهما وهو اتحاد الحكم- وهو الأصح. وقال أصحاب الإمام أبي حنيفة: لا يجوز حمل المطلق على المقيد، لأن ذلك زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، وربما قالوا: لأنه حمل منصوص، والدليل على أنه لا يحمل من جهة اللغة أن اللفظ الوارد فيه التقييد وهو القتل، لا يتناول المطلق وهو الظهار، فلا يجوز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة كلفظ البُرَّ؛ لما لم يتناول الأرز، لم يجز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة، فكذلك هنا، والدليل على أنه يحمل عليه بالقياس هو أن حمل المطلق على المقيد تخصيص عموم بالقياس، فصار كتخصيص سائر العمومات. وذهب بعض العلمًاء إلى عدم جواز الحمل بالقياس، واستدلوا على فساد ذلك الحمل بحجج تثبت ما ذهبوا إليه، بينما رأى البعض أن موجب الحمل هو العقل، فالعقل عندهم هو الأصل في جواز الحمل، غير أنهم لم يسوقوا حجة تؤكد ما ذهبوا إليه، ولعل هذا الرأي هو أضعف الآراء في هذه القضية. ولقد اشترط من قال بحمل المطلق على المقيد عدة شروط يجدر بنا أن نذكرها كالآتي:
(٢) اشترطوا أن تكون الذوات ثابتة في كل من المطلق والمقيد، وأن يختص المقيد بكونه من باب الصفات حتى يحمل المطلق عليه، أما إذا كان في أحدهما زيادة أو عدد في أصل الحكم، فلا يجوز حمل أحدهما على الآخر، على سبيل المثال إذا أوجب الشارع غسل أربعة أعضاء عند الوضوء مع إيجابه المسح على عضوين عند التيمم، فقد انعقد الإجماع على عدم جواز حمل مطلق التيمم على مقيد الوضوء، فلا يلزم المكلف مسح أربعة أعضاء بدلًا من عضوين؟ حيث إن ذلك يعني إثبات حكم جديد، وإثبات حكم جديد يختص بالذوات دون الصفات، وجواز الحمل إنما يختص بالصفات دون الذوات، ومن الذين قالوا بهذا الشرط القتال الشاشي وأبو حامد الإسفراييني، والماوردي، والروياني، والأبهري من المالكية.
(٣) اشترطوا أيضًا أن يكون للمطلق أصل واحد فقط، وعلى سبيل المثال: اشتراط عدالة الشهود في الوصية والرجعة، مع إطلاقها في البيوع وغيرها، فالشهادة شرط في الجميع، أما إذا وقع المطلق ببن قيدين متنافيين، فإن اختلف السبب لم يحمل المطلق على أحد القيدين إلا بدليل، فيحمل على ما دل عليه القياس من باب أولى، أو يحمل على ما قوي دليل حكمه، وممن ذهب إلى هذا الشرط أبو إسحاق الشيرازي، ونقل القاضي عبد الوهاب الاتفاق عليه، ونقضه الزركشي في "البحر".
(٤) واشترطوا أن يكون حمل المطلق على المقيد في باب الأمر، أما في باب النهي والنفي فلا يصح الحمل؟ إذ يلزم في النهي والنفي الإخلال باللفظ المطلق، فلو قال الشارع مثلًا: لا تعتق رقبة،=
[ ١ / ١٥٦ ]
يَلْزَمُهُمْ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ أَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا دَارَ بَيْنَ مُقَيَّدِينَ مُتَضَادَّيْنِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ فَإِنَّ اقتضى القياس تقييده بِأَحَدِهِمَا قُيِّدَ وَإِلَّا سَقَطَ اعْتِبَارُهُمَا مَعًا وَبَقِيَ الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ١ انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ صَحِيحٌ ولكنه لا يتوجه ههنا بَلْ يُمْكِنُ هُنَا حَمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ فِيهَا "إحْدَاهُنَّ" وَالْمُقَيَّدَةُ فِي بَعْضِهَا "أُولَاهُنَّ" وَفِي بَعْضِهَا "أُخْرَاهُنَّ" وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ "أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ" فَإِنْ حَمَلْنَا أَوْ هُنَا عَلَى التَّخْيِيرِ اسْتَقَامَ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيَتَعَيَّنُ التُّرَابُ فِي أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ لَا فِي مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَإِنْ حَمَلْنَا أَوْ هُنَا عَلَى الشَّكِّ امْتَنَعَ ذَلِكَ لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّكِّ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِي وَفِي الْبُوَيْطِيِّ مَا يُعْطِي أَنَّهَا عَلَى التَّعْيِينِ فِيهِمَا وَلَفْظُهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ "وَإِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ
_________________
(١) =ثم قال: لعتق رقبة كافرة ولا مؤمنة، لم يجزئه إعتاق واحدة منهما، وقد ذهب إلى هذا الشرط كل من الآمدي وابن الحاجب وهو الأصح، كما اعتبر ابن دقيق العيد هذا الشرط، وجعله شرطًا في بناء العام على الخاص، وذهب صاحب" المحصول " وصاحب" المنهاج" إلى التسوية بين الأمر والنهي، فإذا قال: لا تعتق مكاتبًا، ثم قال: لا تعتق مكاتبًا كافرًا- حمل الأول على الثاني، ويكون المنهي عنه هو إعتاق المكاتب الكافر، وأما الحمل عند الأصفهاني فإنه لا يقتصر على قسم من الكلام دون سائر الأقسام، بل هو جائز لإطلاق، ولعل الأصح في هذا الباب عدم جواز الحمل في النهي والنفي.
(٢) واشترطوا ألا يكون الحمل في باب الإباحة، وقد قال بهذا الشرط ابن دقيق العيد؟ لأنه ليس ثمة تعارض بين الدليلين حينئذ.
(٣) أن حمل المطلق على المقيد يكون إذا تعذر الجمع بين الدليلين المطلق والمقيد، أو عندما يتعذر العمل بكل منهما في موضعه الذي جاء فيه، أما إذا أمكن الجمع بين الدليلين: المطلق والمقيد، أو العمل بكل منهما في موضعه، فإن عدم الحمل أولى من الحمل؛ لأن الحمل يقتضي إلغاء العمل بأحد النصين، وإعمال النصين أولى من إهمال أحدهما، وقد قال بهذا الشرط ابن الرفعة.
(٤) ألا يرد مع المقيد أمر زائد يبينه الشارع على ما ذكره في المطلق؟ بحيث يقصد بالقيد ذلك الأمر الزائد، ويذكر من أجله، فإذا ذكر المقيد ومعه زيادة مقصودة، فإن الحمل لا يصح؟ لأن ذكر القيد حينئذ إنما هو لأجل ذلك الأمر الخاص.
(٥) ألا يرد دليل على عدم التقييد، فإن ورد دليل على ذلك فإن الحمل لا يصح، بل يعمل بكل واحد من الدليلين في موضحه الذي ورد فيه، أي يعمل بالمطلق حيثما ورد مطلقًا، ويعمل بالمقيد حيثما ورد مقيدًا. ١ وعبارته فيه فائدة: قال صدر الدين قاضي قضاة الحنفية يوما نقض الشافعية أصلهم فإنهم يقولون يحمل المطلق على المقيد وقد ورد قوله ﵊: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" وهذا مطلق وروي "أولًاهن بالتراب وإحداهن بالتراب" فإحداهن مطلق ولم يحملوه على المقيد الذي هو أولاهن، قال وناظرت جماعة منهم من جملتهم شمس الدين الأرموي قاضي العسكر ولم يجدوا له جوابًا قلت له: جوابه إن هذا الحديث تعارض فيه قيدان "أولاهن وأخراهن " فليس حمل المطلق الذي هو "إحداهن" على أحدهما بأولى من الآخر، وقاعدة القائلين بالحمل أنه إذا تعارض قيدان بقي المطلق على إطلاقه، فلم يتركوا أصلهم، بل اعتبروا أصلهم. ينظر: تنقيح الفصول ص "٢٦٩".
[ ١ / ١٥٧ ]
غُسِلَ سَبْعًا أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ لَا يُطَهِّرُهُ غَيْرُ ذَلِكَ١ وَبِهَذَا جَزَمَ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ قُلْت وَهَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَهُ٢ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ٣ بَحْثًا لَكِنْ أَفَادَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ٤ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إحْدَاهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ وهذه الرواية قد أخرجها الشافعي في "مسنده" "١/٢٣- ٢٤" كتاب الطهارة: باب الأنجاس وتطهيرها حديث "٤٣" عن ابن عيينة عن أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين عن أبي هريرة به. وأخرجه أبو عبيد في "كتاب الطهور" "ص ٢٦٧" رقم "٢٠٤" من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة به موقوفًا وقال أبو عبيد: ولم يرفعه أيوب. ٢ علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري الخزرجي، الشيخ الإمام الفقيه، المحدث الحافظ، المفسر، المقرىء، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، الأديب الحكيم، المنطفي، الجدلي، الخلافي، النظار، شيخ الإسلام، قاضي القضاة تقي الدين السبكي، ولد بسبك من أعمال الشرقية في صفر سنّة ثلاث وثمانين وستمائة، قال ابن الرفعة: إمام الفقهاء ومصنفاته تزيد على المائة والخمسين. توفي في جمادى الآخرة سنّة ست وخمسين وسبعمائة ابن قاضى شهبة ٣/٣٧، الدرر الكامنة ٣/٥٨؛ شذرات الذهب ٦/١٨٧. ٣ المسمى بـ "الابتهاج في شرح المنهاج " وصل فيه إلى الطلاق. ٤ عيون المسائل في نصوص الشافعي في "أحمد بن الحسين بن سهل أبو بكر الفارسي،، قال ابن قاضي شهبة "١/١٢٣": وهو كتاب جليل على ما شهد به الأئمة الذين وقفوا عليه.
[ ١ / ١٥٨ ]