ولما بلغ من العمر تسع سنين اصطحبه والده معه في رحلته للشرف لأداء فريضة الحج، وبعد عودته استكمل حفظ القرآن الكريم ثم شرع في حفظ المتون كالآجرومية والمرشد المعين والأربعين النووية -وكان يكتب في كل يوم حديثًا- والسنوسية وألفية أبن مالك والجوهرة والبيقونية وألفية العراقي في الحديث وبعض مختصر خليل (إلى كتاب النكاح منه)، وكذلك قرأ شروح تلك الكتب، وقرأ ختمة من القرآن الكريم على يد الفقيه عبد الكريم البرَّاق الأنجري، وكان يتقن علم الرسم فأتقن عليه ذلك بنظم الخراز وشرحه فتح المنان لعبد الواحد بن عاشر.
كل ذلك وعين أبيه عليه ساهرة، فهو لم يزل يحثه على الطلب والتعب
[ مقدمة / ٥٤ ]
في التحصيل والإقبال على العلم والعمل مع الزهد في الدنيا وترك ما فيه شهوات النفس وحظوظها، وكان يذاكره في شتى العلوم، وأثناء المذاكرة يذكر له الكتب النفسية وفائدتها حتى صار من أعرف الناس بهذا الفن.
وكانت علوم الحديث والمصطلح تحتل المكانة الكبرى في قراءات الشيخ ومطالعاته، فهو مجبول بفطرته على حب هذه العلوم معرضٌ عما سواها من قوانين مجردة مما هو مسطور في المتون والحواشي، فقرأ كتاب سفراء الأسفار للمحدث محمد الكتاني، وله عليه استدراكات، وقرأ اللآلئ المصنوعة للسيوطي والقول المسدد في الذب عن مسند أحمد لابن حجر والميزان للذهبي والمقاصد الحسنة للسخاوي وتذكرة الموضوعات لابن طاهر المقدسي واللؤلؤ المرصوع، ومنتخب كنز العمال، ومسند الإمام أحمد، ومشكاة المصابيح وذيلها للقنوجي، وتيسير الوصول لابن الربيع، والتيسير على الجامع الصغير للمناوي، وشرح الإحياء لمرتضى الزبيدي وغيرها، مستعينا على ذلك بما حباه اللَّه به من تمام الحفظ وحسن الاستحضار، فما يكاد يشرع في قراءة علم حتى يصبح بعد فترة وجيزة من الأئمة المبرزين فيه، وبقي على هذه الحال من الإعداد والتكوين إلى أن أذَّن مؤذِّن الرحيل.