هذا الحديث هو معنى الحديث المتداول بين الصوفية: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن".
وقد روى أحمد في الزهد عن وهب بن منبه ما هو قريب من اللفظ المتداول المذكور، فقال أحمد:
أخبرنا إبراهيم بن خالد حدثني عمرو بن عبيد أنه سمع وهب بن منبه يقول: "إن اللَّه ﷿ فتح السماوات لحزقيل حتى نظر إلى العرش -أو كما قال- فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يا رب، فقال اللَّه: إن السموات والأرض لم تطق أن تحملني، وضقن من أن تسعني، ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين"، ذكره (ص ٨١) طبع مكة المكرمة.
١٠٧٦/ ٢٣٧٦ - "إِنَّ للإِسْلام صُوًى ومَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ".
(ك) عن أبي هريرة
قلت: هكذا أخرجه الحاكم مختصرًا من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني:
ثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة به، وقال: صحيح على شرط البخاري، فقد روى عن محمد بن خلف العسقلاني، واحتج بثور بن يزيد الشامي، فأما سماع خالد بن معدان من أبي هريرة فغير مستبعد، فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيت سبعة عشر رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ-.
ولعل متوهمًا يتوهم أن هذا متن شاذ، فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة التي ليس لها إلا إسناد واحد ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها اهـ.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وهو كلام حسن للغاية وعلى ضوئه نسير -والحمد للَّه- في اجتهادنا وكلامنا على المتون قبل أن نقف عليه، وهو طريق اجتهاد كل الحفاظ، أما من وقف مع القواعد المقعدة والأصول المقررة في الكتب، فإنه يضيع عليه علم جم، ويفوته خير كبير.
والحديث خرجه جماعة مطولًا، فقال ابن السني في اليوم والليلة [ص ١٥٧]:
أخبرني أبو عروبة ثنا سليمان بن عمر بن خالد ثنا عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد اللَّه ﷿ لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المفروضة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم شهر رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، وتسليمك على من مررت به من المسلمين، فإن ردوا عليك ردت عليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك ولعنتهم أو سكتت عنهم، فمن ترك شيئًا من ذلك فهو سهم من الإِسلام تركه، ومن نبذهن فقد ولى الإِسلام ظهره".
وقال ابن شاهين في الترغيب:
حدثنا عبد اللَّه بن سليمان بن الأشعث ثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال ثنا محمد بن عيسى بن سميع عن ثور بن يزيد به مثله مطولًا.
وقال أبو نعيم في الحلية [٥/ ٢١٧ - ٢١٨]:
حدثنا عبد الرحمن بن العباس الوراق ثنا محمد بن يونس الكديمي ثنا روح بن عبادة ثنا ثور بن يزيد به مثله أيضًا، ثم قال: تفرد به ثور، حدث به أحمد بن حنبل والكبار عن روح.
١٠٧٧/ ٢٣٧٩ - "إِنَّ للحَاجِّ الرَّاكِب بِكُلِّ خَطْوَةٍ تَخْطُوهَا رَاحِلَتُه سَبْعِينَ حَسَنَةً، وَلِلمَاشِي بِكلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا سَبْعَمِائْةِ حَسَنَةٍ".
(طب) عن ابن عباس
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كتب الشارح في الكبير والصغير على قوله: "بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة": من حسنات الحرم، ثم قال: وفيه يحيى بن سليم، فإن كان الطائفي فقد قال النسائي: غير قوي ووثقه ابن معين، وإن كان الفزاري فقال البخاري: فيه نظر عن محمد بن مسلم الطائفي، وقد ضعفه أحمد.
قلت: في هذا أمور، الأول: أن للحديث بقية لم يذكرها المصنف وهي قوله: "سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول اللَّه، وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة"، هكذا هو عند مخرجه الطبراني وسائر من خرَّجه كما سأذكره.
الثاني: أن الشارح عكس القضية فزاد هذه الزيادة في غير موضعها عند ذكر حسنات الراكب، وسكت عنها في موضعها عند ذكر حسنات الماشي.
الثالث: أنه لم يعرف يحيى بن سليم المذكور، هل هو الطائفي أو الفزاري؟
والواقع أنه الطائفي كما هو معروف من الشيوخ والرواة، وكما هو مصرح به في نفس الإسناد.
الرابع: أنه تعرض لمن في السند من الثقات، وسكت عمن فيه من المجهول الذي لا يعرف، فإن محمد بن مسلم الطائفي رواه عن إبراهيم عن سعيد بن جبير، وإبراهيم هذا غير معروف.
والحديث رواه البزار، والطبراني في الأوسط [١/ ١١٢/ ٢]، والكبير [٣/ ١٦٥/ ٢]، قال الحافظ الهيثمي: وله عند البزار إسنادان، أحدهما: فيه كذاب، والآخر: فيه إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد بن جبير، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
قلت: ومن هذا الطريق الثاني أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [٢/ ٣٥٤]، لكن وقع عنده: إبراهيم لا إسماعيل بن إبراهيم.
قال أبو نعيم في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الحمال:
[ ٢ / ٥٠٥ ]
حدث عنه عبد العزيز بن محمد الخفاف: ثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الحمال ثنا سهل بن عثمان ثنا يحيى بن سليم عن محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قال لبنيه: أخرجوا من مكة مشاة حتى ترجعوا إلى مكة مشاة، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول اللَّه، وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة".
واختلف فيه على يحيى بن سليم اختلافًا آخر، قال أبو يعلى الموصلي في معجمه رواية أبي بكر بن المقرى:
حدثنا مجاهد بن موسى ثنا يحيى بن سليم الطائفي عن (من) حدثه عن سعيد ابن جبير به مثله.
وللحديث طريق آخر قال الدولابي في الكني [٢/ ١٣]:
أخبرنا أحمد بن شعيب -هو النسائي- أنبأنا عمار بن الحسين ثنا أبو الصباح عيسى بن سوادة النخعي ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زاذان قال: مرض ابن عباس مرضة ثقل فيها فجمع إليه بنيه وأهله فقال لهم: يا بني إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من حج مكة ماشيًا كتب اللَّه له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، فقال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ قال: كل حسنة بمائة ألف حسنة".
وقال ابن خزيمة في صحيحه:
حدثنا علي بن سعيد ثنا عيسى بن سوادة (ح)
وقال الحاكم في المستدرك [١/ ٤٦١]:
ثنا أبو علي الحافظ ثنا محمد بن الحسين بن حفص الخثعمي ثنا علي بن سعيد ابن مسروق الكندي ثنا عيسى بن سوادة له، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد،
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وقال ابن خزيمة: إن صح الخبر ففي القلب من عيسى بن سوادة اهـ.
ولذلك تعقب الذهبي الحاكم فقال: ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذبا، وعيسى قال أبو حاتم: منكر الحديث اهـ.
وهذا منه غلو وإسراف، مع أن أبا حاتم قال في هذا الحديث: إنه منكر، وهو تابع في ذلك للبخاري، فإنه خرجه في الضعفاء الكبير: ثنى عبد اللَّه ثنا محمد بن حميد ثنا عيسى به، وقال: منكر الحديث.
ورواه البيهقي في السنن [٤/ ٣٣١، رقم ٨٦٤٦] من طريق بشر بن موسى الأسدي: ثنا فروة بن أبي المقراء الكندي ثنا عيسى بن سوادة به، وقال: تفرد به عيسى بن سوادة وهو مجهول.
وتعقبه المارديني بأن الحاكم خرج له في المستدرك، وذكره ابن حبان في الثقات [٧/ ٢٣٦]، وقال: روى عن عمرو بن دينار المقاطيع، روى عنه أهل مصر (١). وخفى عليه أنه لم ينفرد به كما قال البيهقي، بل ورد من غير طريقه كما سبق، وبه يرد على الذهبي ومن سبقه في الحكم على الحديث بالنكارة.
١٠٧٨/ ٢٣٨١ - "إنَّ للشَّيطَان كُحْلًا وَلَعُوقًا، فَإذَا كَحَّلَ الإِنْسَانَ من كُحْله نَامَتْ عَيْنَاهُ عن الذِّكْر، وَإِذَا لَعَّقَهُ من لَعْوقه ذَرِبَ لسَانُهُ بالشَّرِّ".
ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان (طب. هب) عن سمرة
قال في الكبير: قال الهيثمي: فيه الحكم بن عبد اللَّه القرشي وهو ضعيف اهـ. وأقول: تعصيبه الجناية برأس الحكم وحده مع وجود من هو أشد جرحًا فيه غير صواب، كيف وفيه أبو أمية الطرسوسي المختط؟، وهو كما قال الذهبي
_________________
(١) في المطبوع من الثقات: روى عنه أهل البصرة، وفي هامش الصفحة المذكورة إشارة إلى أن الموجود في نسخة المكتبة الظاهرية من كتاب الثقات هو: روى عنه أهل مصر، أما المذكور في النسخة المطبوعة فهو من مخطوطة المكتبة الآصفية. بحيدرآباد بالهند.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
في الضعفاء: متهم، أي: بالوضع، وهو أول من اختط دارًا بطرسوس، وفيه الحسن بن بشر الكوفي، قال ابن خراش: منكر الحديث.
قلت: الشارح أحمق يختلق أغلاطًا من نفسه ثم يستدرك بها على الحفاظ، وما الهيثمي بحافظ، بل ولا محدث إذا كان يأتي بمثل ما لمزه به الشارح، ولكن الواقع أن أبا أمية الطرسوسي الذي رآه الشارح في سند البيهقي ليس هو المختط أولًا، بل هو الحافظ محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي أبو أمية الطرسوسي صاحب المسند المشهور، من رجال الترمذي والنسائي، وهو ثقة إلا أنه ربما وهم.
أما المختط فهو أقدم من هذا؛ لأنه روى عن مالك، وهذا لم يدرك مالكًا ثم إن المختط لا يعرف بأبي أمية الطرسوسي، بل يعرف بأبي أمية المختط وإنما الشارح رأى في الميزان بعد قوله: المختط: هو أول من اختط دارًا بطرسوس، فظن أنه الطرسوسي الذي رآه في سند الحديث.
ثانيًا: أبو أمية الطرسوسي مع كونه ثقة لم يقع في سند الطبراني ولا ابن أبي الدنيا، إنما وقع في سند البيهقي، فكيف يتكلم الهيثمي عن ثقة لم يقع في سند الطبراني؟!.
قال ابن أبي الدنيا:
حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن الحسين بن صبيح المروزي ثنا الحسن بن بشر بن سلم ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب به.
أما الحسن بن بشر فهو ثقة من رجال الصحيح احتج به البخاري، ومن شرط الهيثمي ألا يذكر الرجل المختلف فيه إذا كان من رجال الصحيح؛ لأن رواية صاحب الصحيح عنه ترجح جانب التوثيق عملا بالمقالة المعروفة: من روى عنه صاحب الصحيح فقد جاوز القنطرة.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
١٠٧٩/ ٢٣٨٢ - "إنَّ للشَّيطَان كُحْلا وَلَعُوقًا وَنَشُوقًا: أمَّا لَعُوقُه فالكَذبُ، وأمَّا نَشُوقُهُ فَالغَضَبُ، وأمَّا كُحْلُهُ فَالنَّومُ".
(هب) عن أنس
قال في الكبير: فيه عاصم بن على شيخ البخاري، قال يحيى: لا شيء وضعفه ابن معين، قال الذهبي: وذكر له ابن عدي أحاديث مناكير، والربيع بن صبيح ضعفه النسائي وقواه أبو زرعة، ويزيد الرقاشي قال النسائي وغيره: متروك.
قلت: الحديث على طريقة أهل الحديث إنما يعل بيزيد الرقاشي، لأنه متروك، أما غيره فالتعرض لذكرهما إنما هو من فصول الشارح وجهله بالفن، لا سيما عاصم بن على، فإنه لا يذكر لأمرين:
أحدهما: أنه ثقة من رجال الصحيح.
ثانيهما: أنه لم ينفرد به، بل ورد من غير طريقه، قال الطبراني:
حدثنا حفص بن عمر حدثنا قبيصة (ح)
وحدثنا عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن يوسف الفريابي قالا: حدثنا سفيان الثوري عن الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس به.
ثم لا يخفى ما في قول الشارح: قال يحيى: لا شيء، وضعفه ابن معين؛ إذ يحيى هو ابن معين.
١٠٨٠/ ٢٣٨٣ - "إنَّ للشَّيطَان مَصَالى وفُخُوخًا، وإنَّ مِنْ مَصَاليه وفُخُوخِه البَطَر بنعَم اللَّه تَعَالى، والفَخْرَ بعَطَاء اللَّه، والكِبْرَ عَلَى عبَاد اللَّه، وَاتباعَ الهَوَى في غير ذات اللَّه".
ابن عساكر عن النعمان بن بشير
قال في الكبير: قضية صنيع المصنف أنه لم يره مخرجًا لأشهر من ابن عساكر،
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وهو عجيب، فقد خرجه البيهقي في الشعب.
قلت: وقضية صنيع الشارح أيضًا أنه لم يره مخرجًا لغير البيهقي وهو أعجب، فقد خرجه الديلمي في مسند الفردوس المرتب على الحروف، والذي هو في هذا الباب أشهر من شعب البيهقي، فإنه أسنده من طريق ابن لال قال:
حدثنا الحسن بن محمد الفسوي ثنا يعقوب بن سفيان ثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي رواحة يزيد بن أيْهَم الحمصي عن الهيثم بن مالك عن النعمان بن بشير به مثله.
١٠٨١/ ٢٣٨٤ - "إنَّ للشَّيطان لَمَّةً بابْن آدَمَ، وَللْمَلَك لَمَّةً، فأمَّا لَمَّةُ الشَّيطان فإيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكَذْيبٌ بالحَقِّ، وأمَّا لمَّةُ المَلَك فَإيعَادٌ بالخير، وتَصْديقٌ بالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّه من اللَّه تعالى، فَلْيَحْمَد اللَّه، ومَنْ وجد الأخرى فليتعوَّذْ باللَّه من الشيطان".
(ت. ن. حب) عن ابن مسعود
قال الشارح في الكبير: قال (ت): حسن غريب لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص وسندهما سند مسلم إلا عطاء بن السائب، فلم يخرج له مسلم إلا متابعة.
قلت: الشارح يأتي إلى رجال ثقات قيل فيهم كلام لا يضر فيعلل الحديث بهم، ويأتي لأناس ضعفاء فيسكت عنهم، فعطاء بن السائب ثقة ولكنه تغير وساء حفظه بأخرة، بل اختلط فصار يخلط في الحديث، فلم يبق عليه اعتماد، وقد اضطرب في هذا الحديث واختلف عليه فيه، فرواه الترمذي [رقم ٢٩٨٨] والنسائي في "الكبرى" وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن جرير في التفسير، خمستهم قالوا:
حدثنا هناد بن السري ثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي -ﷺ- به.
[ ٢ / ٥١٠ ]
ورواه ابن حبان عن أبي يعلى بسنده.
ورواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن عطاء عن مرة عن عبد اللَّه موقوفًا.
ورواه أيضًا عن ابن حميد عن الحكم بن بشير بن سليمان: ثنا عمرو عن عطاء مثله موقوفًا.
ورواه أيضًا عن يعقوب: ثنا ابن علية ثنا عطاء بن السائب فقال: عن أبي الأحوص -يعني عوف بن مالك- أو عن مرة عن عبد اللَّه موقوفًا كذلك.
ورواه مسعر عنه فقال: عن أبي الأحوص -ولم يشك- ذكره ابن كثير ووافقه على وقفه المسيب بن رافع عن عامر بن عبدة أبي إياس البجلي عن عبد اللَّه ابن مسعود قال: "من تطاول تعظما خفضه اللَّه ﷿، ومن تواضع للَّه تخشعًا رفعه اللَّه ﷿، وإنَّ للملك لمة وللشيطان لمة. . . " وذكر مثله.
أخرجه أحمد في الزهد عن إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن المسيب بن رافع واللفظ له.
وأخرجه ابن جرير عن المثنى عن سويد بن نصر: أخبرنا ابن المبارك عن فطر عن المسيب بنحوه ولم يذكر متنه.
وكذلك أوقفه الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير عن الحسن بن يحيى أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري به.
وقد تعقب ابن كثير قول الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم بأن ابن مردويه رواه في التفسير من طريق هارون الفرون عن أبي ضمرة عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن عبد اللَّه مرفوعًا.
وخفى عليه أن معمرًا رواه عن الزهري موقوفًا أيضًا كما قدمناه، واللَّه أعلم.
[ ٢ / ٥١١ ]
١٠٨٢/ ٢٣٨٥ - "إِنَّ للصَّائِم عند فطْره لَدَعْوَةٌ مَا تُرَدُّ".
(هـ. ك) عن ابن عمرو
قال الشارح: في كتاب الجنائز من حديث إسحاق بن عبد اللَّه عن ابن أبي مليكة عن ابن عمرو بن العاص، قال الحاكم: إن كان إسحاق مولى زائدة فقد روى له مسلم وإن كان ابن أبي فروة فواهٍ.
قلت: أبى اللَّه للشارح إلا أن يهم، فإن الحديث معلوم بالضرورة أنه مخرج في كتاب الصيام، ولكن الشارح أراد أن ينص على هذا العلم الضروري فضولا منه فوقع في الغلط المضحك فقال: في كتاب الزكاة، معاملة من الحق تعالى له على قدر كبره وغمطه حق الأئمة الحفاظ.
ثم نقله عن الحاكم أنه قال: وإن كان ابن أبي فرواة فواه، هو من تهوره أيضًا، فإن هذه عبارة الذهبي في تلخيص المستدرك لا عبارة الحاكم؛ لأن الذهبي تصرف فيها حسب نظره واجتهاده؛ لأنه يتعقب على الحاكم، والشارح اغتر بقوله: قال الحاكم، فنسب ذلك إليه، وعبارة الحاكم بعد إخراجه الحديث من طريق الوليد بن مسلم:
ثنا إسحاق بن عبد اللَّه قال: سمعت عبد اللَّه بن أبي مليكة يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص [يقول]: سمعت النبي -ﷺ- به، ثم قال: إسحاق هذا إن كان ابن عبد اللَّه مولى زائدة فقد خرج عنه مسلم، وإن كان ابن أبي فروة فإنهما لم يخرجاه اهـ.
والواقع أنه ليس واحدًا منهما، بل هو إسحاق بن عبيد اللَّه المدني، وعبيد اللَّه بالتصغير كما عند ابن ماجه وابن السني في عمل اليوم والليلة، كلاهما من رواية الوليد بن مسلم أيضًا، وإسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات [٦/ ٤٨].
١٠٨٣/ ٢٣٨٦ - "إنَّ للطَّاعِم الشَّاكر من الأجْر مثْلَ مَا للصَّائم
[ ٢ / ٥١٢ ]
الصَّابر".
(ك) عن أبي هريرة
قال الشارح في الكبير: رواه في الأطعمة ولم يصححه بل سكت عليه، ورواه البخاري تعليقًا.
قلت: الحاكم خرجه أولًا في الصيام [٤/ ١٣٧] وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي بقوله: هذا في الصحيحين فلا وجه لاستدراكه اهـ.
وهو واهم في ذلك، بل ما ذكره إلا البخاري تعليقًا.
١٠٨٤/ ٢٣٨٩ - "إنَّ للقُلُوب صَدأ كَصَدإ الحَديد، وجلَاؤُهَا الاسْتغْفَار".
الحكيم (عد) عن أنس
قال (ش): قال الهيثمي: فيه الوليد بن سلمة الطبراني وهو كذاب.
قلت: ومع ذلك فإن الهيثمي أورد الحديث في ترجمة شيخه النضر بن محرز، قال الحكيم الترمذي في الأصل السادس والثلاثين ومائة (١):
حدثنا الفضل بن محمد ثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الدمشقي قال: حدثنا أبي حدثنا النضر بن محرز عن محمد بن المنكدر عن أنس به.
وقال الطبراني في الصغير [١/ ١٨٤]:
ثنا طاهر بن على الطبراني ثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الطبراني به.
وقال الديلمي في مسند الفردوس:
أخبرنا أبي أخبرنا عبد الملك بن عبد الغفار أخبرنا عمر بن إبراهيم حدثنا عبد
_________________
(١) في الأصل الخامس والثلاثين ومائة من النسخة المطبوعة من النوادر، وبدون ذكر السند (١/ ٦٥٦).
[ ٢ / ٥١٣ ]
اللَّه بن الحسن بن سليمان ثنا عبد اللَّه بن يزيد بن محمد ثنا أحمد بن على بن فضالة البصري ثنا إبراهيم بن الوليد به.
١٠٨٥/ ٢٣٩١ - "إنَّ للمُسْلِمِ حَقّا إذَا رَآه أخُوهُ أنْ يَتَزَحْزَحَ لَهُ".
(هب) عن واثلة بن الخطاب
قال الشارح في الكبير: فيه إسماعيل بن عياش، قال الذهبي: مختلف فيه وليس بقوي، ومجاهد بن فرقد قال في اللسان: حديثة منكر تكلم فيه.
قلت: إسماعيل بن عياش ثقة إذا روى عن أهل بلده الشام، والظاهر أن شيخه شامي، ثم إنه مع ذلك لم ينفرد به، بل تابعه محمد بن يوسف الفريابي، قال البيهقي في الآداب -وتوجد منه نسخة بدار الكتب المصرية-:
أخبرنا أبو طاهر الفقيه ثنا أبو بكر القطان ثنا محمد بن يوسف الفريابي ثنا مجاهد أبو الأسود عن واثلة بن الخطاب به.
١٠٨٦/ ٢٣٩٣ - "إنَّ للمُهَاجرين مَنَابرَ منْ ذَهَب يَجْلسُون عليها يومَ القيامة قَدْ أمِنُوا من الفَزَع".
البزار (ك) عن أبي سعيد
قال الشارح: بإسناد فيه مجهول وبقية رجاله ثقات.
وقال في الكبير: قال الهيثمي: رواه البزار عن شيخه حمزة بن مالك بن حمزة لم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
قلت: وإذ كان مستندك هو هذا فلا يجوز لك أن تقول: فيه مجهول كما بينته مرار، ثم إن حمزة المذكور ليس هو في سند الحاكم، فإنه قال [٤/ ٧٧]:
أخبرني أبو محمد بن زياد العدل ثنا محمد بن إسحاق ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثني عمي أخبرني سليمان بن بلال عن كثير بن زيد عن
[ ٢ / ٥١٤ ]
عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أَبيه به.
ثم قال: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي بأن أحمد بن عبد الرحمن واه، فإن كان البزار رواه من غير طريقه فهو شاهد جيد له.
١٠٨٧/ ٢٣٩٤ - "إِنَّ للوضُوء شَيطَانًا يُقَالُ له: الوَلْهَانُ، فاتَّقُوا وسْوَاسَ المَاء".
(ت. هـ. ك) عن أُبي
قال الشارح العجيب الغريب في كبيره: قال الترمذي: غريب ليس إسناده بالقوي، لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة بن مصعب اهـ. وقد رواه أحمد وابن خزيمة أيضًا في صحيحه من طريق خارجة، قال ابن سيد الناس: ولا أدري كيف دخل هذا في الصحيح؟! قال ابن أبي حاتم في العلل: كذا رواه خارجة وأخطأ فيه، وقال أبو زرعة: رفعه منكر، وقال جدي في أماليه: هذا حديث فيه ضعف، وخارجة ضعيف جدًا وليس بالقوي ولا يثبت في هذا شيء اهـ. وذلك لأن فيه خارجة بن مصعب وهاه أحمد، وكذبه ابن معين، وذكر في الميزان أنه انفرد بهذا الخبر، وقال في التنقيح: وهوه جدًا، وقال ابن حجر: خارجة ضعيف جدًا، وقال أبو زرعة: رفعه منكر، وظاهر صنيع المصنف أنه لم يخرجه غير الترمذي وإلا لذكره تقوية له لضعفه، وليس كذلك بل رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند.
قلت: اعجب لما في هذا الكلام من التكرار السخيف أولًا، ثم من قوله عقب كلام جده: وذلك لأن فيه خارجة، مع أن جده صرح بذكر خارجة، ثم لتكراره ذكر خارجة عن مرات، ثم لقوله: وظاهر صنيع المصنف أنه لم يخرجه غير الترمذي، مع أن المصنف عزاه لابن ماجه، والحاكم أيضًا، ثم لقوله: وليس كذلك، بل رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند، مع أنه سبق له قبل ذلك أنه عزاه لأحمد وابن خزيمة، ثم لقوله: وإلا لذكره تقوية
[ ٢ / ٥١٥ ]
لضعفه، مع أنه نقل عن الحفاظ تصريحهم بأن خارجة تفرد به، فهل يبقى بعد هذا شك فيما قلت من خلل الرجل، اللهم إلا أن يكون هذا من كرامات المصنف ﵁.
١٠٨٨/ ٢٣٩٥ - "إنَّ لإِبليسَ مَرَدَةً من الشَّيَاطين يقولُ لهم: عليكم بالحُجَّاج والمجاهدينَ فأَضلُّوهم عن السَّبيل".
(طب) عن ابن عباس
قال في الكبير: وفيه شيبان بن فروخ أورده الذهبي في الذيل وقال: ثقة، قال أبو حاتم: يرى القدر، اضطر الناس إليه بآخره عن نافع أبي هرمز، قال النسائي وغيره: غير ثقة.
قلت: شيبان بن فروخ ثقة على الإطلاق، احتج به مسلم، وكونه يرى القدر لا دخل له في تعليل الأحاديث، أما نافع أبو هرمز فكان متروك.
ثم إن هذا السند هو لحديث أنس لا لحديث ابن عباس اللهم إلا أن يكون المصنف وهم في قوله: عن ابن عباس، وهو عند الطبراني عن أنس، فسبقه قلمه إلى ابن عباس، وقد أسند الذهبي هذا الخبر في ترجمة نافع من طريق الكنجروذي:
أنا أبو بكر الطرازي أنا أبو القاسم البغوي ثنا شيبان بن فروخ ثنا نافع أبو هرمز عن أنس به.
١٠٨٩/ ٢٣٩٦ - "إنَّ لجهنَّم بابًا لا يَدْخُلُه إلَّا مَنْ شَفَى غَيْظَهُ بمَعْصيَة اللَّه".
ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن ابن عباس
قال في الكبير: قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف، ورواه عنه أيضًا البزار من حديث قدامة بن محمد عن إسماعيل بن شيبة، قال الهيثمي: وهما ضعيفان
[ ٢ / ٥١٦ ]
وقد وثقا وبقية رجاله رجال الصحيح.
قلت: نعم قال ذلك الهيثمي، وأورد الذهبي في الميزان في ترجمة إسماعيل بن شيبة الطائفي هذا الحديث أيضًا من روايته عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وقال: رواه عنه قدامة بن محمد الأشجعي، قال النسائي: منكر الحديث، وذكر الحافظ في اللسان [١/ ٤١٠] أن العقيلي أخرجه في ترجمته أيضًا، وأن ابن حبان ذكره في الثقات، وقال: يتقي حديثه من رواية قدامة عنه، وقال العقيلي: روى عن ابن جريج أحاديث مناكير لا تحفظ من وجه يثبت، قال: ورجح النباتي في الحافل أنه إسماعيل بن إبراهيم بن شيبة الذي تقدم ذكره (١)، وأن العقيلي صحفه ونسبه إلى جده، وذكره ابن عدي فقال: إسماعيل بن شيبة الطائفي يروي عن ابن جريج ما لا يرويه غيره، ثم ذكر الحافظ أن ابن عدي خرج في ترجمته أيضًا من طريق هارون بن موسى بن هارون عن أَبيه عن إسماعيل بن إبراهيم بن شيبة الطائفي بالسند المذكور: "لا وصية لوارث"، ثم قال: وإسماعيل بن إبراهيم هذا لا أعلم له رواية عن غير ابن جريج، فقوى قول صاحب الحافل، واللَّه أعلم، اهـ كلام الحافظ، ولم يعرج فيه على خلاف ما ذكر.
وقد أخرج هذا الحديث ابن أبي عاصم في كتاب الديات فسمى شيخ قدامة: شيبة بن عباد الطائفي وكناه: أبا عباد فقال في (ص ١٦):
حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا قدامة بن محمد بن قدامة حدثني أبو عباد شيبة ابن عباد الطائفي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس به.
وكذلك رواه الديلمي من طريق الحاكم:
حدثنا علي بن عيسى ثنا أبو عفان يسار بن حمدان ثنا إسحاق بن منصور المروزي ثنا قدامة بن محمد الخشرمي ثنا أبو عباد شيبة بن عباد الطائفي عن
_________________
(١) تقدم ذكره في الميزان (١/ ٣٩١).
[ ٢ / ٥١٧ ]
عطاء عن ابن عباس به.
وأبو عباد هذا لم أجد له ترجمة الآن، إلا أنه مذكور في التهذيب في شيوخ قدامة بن محمد، هو وإسماعيل بن شيبة بن تميم الطائفي، فكأن قدامة له في الحديث شيخان: إسماعيل بن شيبة عن ابن جريج عن عطاء، وشيبة بن عباد عن عطاء، إن لم يكن ذلك اضطرابًا منه أو غلطًا من بعض الرواة عنه في أحد الاسمين، واللَّه أعلم.
١٠٩٠/ ٢٣٩٧ - "إِنَّ لِجَوَابِ الكِتَابِ حَقًّا كَرَدَّ السَّلامِ".
(فر) عن ابن عباس
قال في الكبير: فيه جويبر بن سعيد متروك، والضحاك وقد سبق، قال ابن تيمية: والمحفوظ وقفه.
قلت: الحديث له طرق أخرى ذكرتها في مستخرجي على مسند الشهاب، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات من بعض طرقه، وتعقبه المصنف بما يراجع فيه (٢/ ١٥٧).
١٠٩١/ ٢٣٩٨ - "إِنَّ لربِّكم في أَيَّامِ دَهْرِكُم نَفَحَاتٍ فَتَعَرَّضُوا لَها، لَعلَّ أَنْ يُصِيبكُم نَفْحَةٌ مِنها فلا تَشقونَ بَعدهَا أَبدًا".
(طب) عن محمد بن مسلمة
قلت: أخرجه أيضًا الحكيم في نوادر الأصول في الخامس والثمانين ومائة:
حدثنا الفضل بن محمد حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد الأنطاكي عن يعقوب ابن كعب عن نائل بن نجيح البصري عن عائذ بن حبيب عن محمد بن سعيد الأنصاري قال: وجدت في قائم سيف محمد بن مسلمة كتابًا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن لربكم. . . " (١) وذكره.
_________________
(١) لم نهتد إليها في المطبوع من نوادر الأصول.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وانظر حديث: "اطلبوا الخير دهركم" السابق.
١٠٩٢/ ٢٤٠٠ - "إِنَّ لِصَاحِبِ القُرْآنِ عندَ كلِّ خَتْمَةٍ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً، وشَجَرَةً في الجَنَّة، لَو أَنَّ غُرَابًا طَارَ مِن أَصْلِهَا لَم يَنْتَهِ إلى فَرْعِهَا حتى يُدْرِكَهُ الهرَمُ".
(خط) عن أنس
قلت: أخرجه أيضًا أبو سعيد الكنجروذي:
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحسين بن الحسن الحليمي ثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي أنا أحمد (١) بن الحسين ثنا مقاتل بن إبراهيم ثنا نوح بن أبي مريم عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا: "لصاحب القرآن دعوة مستجابة عند ختمه"، أسنده الذهبي في التذكرة من طريقه، ثم قال: نوح الجامع مع جلالته في العلم تُرك حديثه، وكذلك شيخه مع عبادته، فكم من إمام في فن مقصر في غيره، كسيبويه مثلًا إمام في النحو ولا يدري ما الحديث، ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عرى عن غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطب قط، ومحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءة تالف في الحديث.
وللحروب رجال يعرفون بها وللدواوين حساب وكتاب
قلت: وكأن هذا من الذهبي مداراة للحنفية في هذا الشخص الذي هو من كبار أئمتهم وفقهائهم، وهو وضاع كذاب، قيل فيه: نوح الجامع؛ لتبحره في الفقه، فقال بعض الحفاظ: هو جامع لكل شيء إلا الصدق.
_________________
(١) وضع فوقها ضبة وكتب في الحاشه اليمني: "أجيد".
[ ٢ / ٥١٩ ]
أما ابن السبكي فروى هذا الحديث أيضًا عن الذهبي في ترجمة الحليمي من الطبقات، ثم قال: تفرد به نوح بن أبي مريم وهو نوح بن يزيد قاضي مرو الجامع أبو عصمة، قال أبو عبد اللَّه الحاكم: وضع نوح الجامع حديث فضائل القرآن الطويل، وقال فيه البخاري: منكر الحديث، وقد نقل ابن القطان عنه أنه قال: كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه اهـ.
١٠٩٣/ ٢٤٠١ - "إِنَّ لُغَةَ إِسْمَاعِيلَ كانت قد دَرَسَتْ فَأتَانِي بها جبريلُ فَحَفَّظنِيهَا".
الغطريف في جزئه وابن عساكر عن عمر
قال الشارح: قال ابن عساكر: غريب معلول.
قلت: تبع ابن عساكر في القول بأنه معلول الحاكم، فإنه سبقه في ذلك في كتاب علوم الحديث [ص ١١٦] فقال في الجنس السادس من علل الحديث:
حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى ثنا أبو العباس الثقفي ثنا حاتم ابن الليث الجوهري ثنا حامد بن أبي حمزة السكري ثنا علي بن الحسين بن واقد حدثني أبي عن عبد اللَّه بن بريدة عن أَبيه عن عمر بن الخطاب قال: قلت: يا رسول اللَّه، مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست. . . " الحديث.
قلت: ومن هذا الوجه خرجه أبو أحمد الغطريف عن أبي بكر أحمد بن محمد ابن أبي شيبة عن حاتم بن الليث الجوهري به، ثم قال: ولهذا الحديث علة عجيبة:
حدثني أبو عبد اللَّه محمد بن العباس الضبي أنا أحمد بن على بن رزيق الفاشاني ثنا علي بن خشرم ثنا علي بن الحسين بن واقد قال: بلغني أن عمر ابن الخطاب قال: يا رسول اللَّه، إنك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن لغة. . . " وذكره.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
قلت: وهذا من الحاكم عجيب جدًا، فإن هذا ليس بعلة أصلًا، وأي علة في أن يذكر الرَّجل حديثًا بإسناده مرة ومرة أخرى لا ينشط لذلك فيقول: بلغني أن فلانًا قال كذا، لكنه إذا سئل: من أي طريق بلغك؟ قال: حدثني فلان عن فلان عنه؟! إن هذا لعجب، ولهذا كان الجرح الذي لا يفسر غير مقبول، فلو قال الحاكم: إنه معلول وسكت لراج أمره علينا، فالحمد للَّه على البيان.
١٠٩٤/ ٢٤٠٦ - "إِنَّ لِكلِّ أُمَّةٍ حكيمًا، وحكيمُ هَذه الأُمةِ أَبُو الدَّرْدَاءِ".
ابن عساكر عن جبير بن نفير مرسلًا
قلت: أخرجه من المتقدمين الدينوري في المجالسة قال:
حدثنا محمد بن يحيى السعدي ثنا أبو أسامة ثنا الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير به.
١٠٩٥/ ٢٤٠٧ - "إِنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فِتْنةً، وفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ".
(ت. ك) عن كعب بن عياض
قال في الكبير: قال (ت): حسن غريب، وقال (ك): صحيح، وأقره الذهبي لكن قال في اللسان عن العقيلي: لا أصل له من حديث مالك، ولا من وجه يثبت اهـ. وخرجه ابن عبد البر وصححه.
قلت: كأن الشارح يتكلم على حديث آخر، أما هذا الحديث فليس هو من رواية مالك، قال الترمذي [٢/ ٥٤]:
حدثنا أحمد بن منيع ثنا الحسن بن سوار ثنا الليث بن سعد عن معاوية ابن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أَبيه عن كعب ابن عياض به.
وقال الحاكم [٤/ ٣١٨]:
[ ٢ / ٥٢١ ]
أخبرنا عبيد اللَّه بن محمد البلخي التاجر ببغداد ثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل ثنا أبو صالح ثنا معاوية بن صالح به.
وأخرجه أيضًا أحمد في المسند قال [٤/ ١٦٠]: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، بسنده السابق عند الترمذي.
وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير فقال [٤/ ١/ ٢٢٢]: حدثني مخلد ثنا حجاج بن محمد عن ليث بن سعد به.
ولعل بعض الضعفاء رواه من طريق مالك وهو غير معروف من حديثه، بل من حديث الليث، فلذلك قال العقيلي ما نقله عنه الشارح إن صح الخبر، فظن الشارح أنه يتكلم على هذا الحديث.
١٠٩٦/ ٢٤١١ - "إِنَّ لِكلِّ دِينٍ خُلُقًا، وإِنَّ خُلُقَ الإِسلامِ الحَيَاءُ".
(هـ) عن أنس وابن عباس
قال الشارح: قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وقال الدارقطني: حديث غير ثابت.
قلت: لعله يريد غير ثابت موصولًا وإلا فهو ثابت في الموطإِ مرسلًا [٢/ ٩٠٥/ ٩] على اختلاف بين الرواة عن مالك في وصله وإرساله أيضًا.
أما حديث أنس فرواه ابن ماجه [٢/ ١٣٩٩، رقم ٤١٨١] والخرائطي في مكارم الأخلاق، والقضاعي في مسند الشهاب، والخطيب في التاريخ [٨/ ٤]، من طريق جماعة عن عيسى بن يونس عن معاوية بن يحيى الصدفي عن الزهري عن أنس به، ومعاوية بن يحيى ضعيف، لكن رواه محمد بن عبد الرحمن بن سهم عن عيسى بن يونس فقال:
عن معاوية بن يحيى ومالك بن أنس كلاهما عن الزهري به، أخرجه الطبراني في الصغير [ص ١٣] عن أحمد بن محمد بن أبي موسى الأنطاكي:
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي ثنا عيسى بن يونس عن معاوية ابن يحيى ومالك بن أنس به.
ورواه أبو علي الحسن بن أحمد المالكي عن محمد بن عبد الرحمن بن سهم عن عيسى بن يونس عن مالك وحده عن الزهري به.
وأخرجه الخطيب عن البرقاني عن أبي بكر الإسماعيلي عن الحسن بن أحمد المالكي به.
ورواه الحسن بن على البراد عن معاوية بن يحيى، فزاد في الإسناد رجلًا، فقال: عن محمد بن عبد العزيز عن الزهري، أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق [ص ٤١، رقم ٩٨]:
ثنا أبو محمد ثنا أبو عتبة الحسن بن على بن مسلم البراد الحمصي -وكان من خيار المسلمين- ثنا معاوية بن يحيى به، وأبو محمد كذا وقع في الأصل غير مسمى، ولعله أسد بن عمار الذي روى عنه قبل هذا، واللَّه أعلم.
ثم إِنَّ للحديث طريقًا آخر عن الزهري أخرجه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد العزيز [ص ١٣]:
ثنا علي بن زهير ثنا علي بن عياش عن عباد بن كثير عن عمر بن عبد العزيز عن الزهري عن أنس به.
ورواه أبو نعيم في الحلية [٥/ ٣٦٣] من طريق محمد بن خلف القاضي وكيع: ثنا علي بن أبي دلامة ثنا علي بن عياش به، لكنه قال: عن أبي مطيع الأطرابلسي عن عباد بن كثير، فزاد في الإسناد ابن مطيع، وعباد بن كثير فيه مقال أيضًا.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه [٢/ ١٣٩٩، رقم ٤١٨٢]، والخرائطي في مكارم الأخلاق [ص ٤٩]، وأبو نعيم في الحلية [٣/ ٢٢٠]، كلهم من طريق سعيد بن محمد الوراق عن صالح بن حسان عن محمد بن
[ ٢ / ٥٢٣ ]
كعب القرظي عن ابن عباس، وسعيد وشيخه ضعيفان، هذا ما يتعلق بحديثي المتن.
وفي الباب عن أبي هريرة، وطلحة بن ركانة ويزيد ابنه مرسلًا، ذكرتها في المستخرج على مسند الشهاب، وبمجموعها يثبت الحديث ولا بد، خلافًا لما يقول ابن الجوزي، إن صح ما نقله عنه الشارح.
١٠٩٧/ ٢٤١٢ - "إِنَّ لكلِّ ساع غَايَةً، وغايةُ ابن آدمَ الموتُ، فعليكم بذكْر اللَّه؛ فإنَّهُ يُسَهِّلُكم ويُرَغِّبُكُمْ في الآخرة".
البغوي عن جُلاس بن عمرو
قال الشارح: أبو القاسم هبة اللَّه في معجم الصحابة عن جَلاس، قال الشارح: بفتح الجيم وتشديد اللام ابن عمرو الكندي ضعيف لضعف علي بن قرين.
قلت: أبو القاسم البغوي صاحب المعجم اسمه: عبد اللَّه بن محمد لا هبة اللَّه، والجُلاس: هو بضم الجيم وتخفيف اللام كغراب، والشارح ضبطه بحسب فهمه ونظره، لا بحسب ما في كتب الرجال واللغة، وقد نُص في القاموس على أنه كغراب -لو رجع الشارح إليه- وليس في الرجال من اسمه جَلاس كما ضبطه الشارح بالفتح والتشديد أصلًا، وكأنه ضبطه من طريق القياس فظن أنه فَعَّال كثير الإجلاس وليس كذلك، قال ابن دريد في كتاب الاشتقاق: واشتقاق جلاس من الجَلْس، والجلس: الغليظ من الأرض اهـ.
والحديث ورد أيضًا من حديث أبي أَيوب، أخرجه القضاعي في مسند الشهاب بسياق باطل موضوع.
وأخرجه ابن المبارك في الزهد [ص ٤٠٣] عن أبي جعفر معضلًا مختصرًا بلفظ: "لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق، وهو ضعيف ومنقطع أيضًا.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
١٠٩٨/ ٢٤١٤ - "إِنَّ لكل شيء أنَفَةً، وإنَّ أنَفَةَ الصَّلاة التكبيَرة الأولى فَحَافِظُوا عَلَيْها".
(ش. طب) عن أبي الدرداء
قال في الكبير: قال الحافظ ابن حجر: في إسناده مجهول، وقال الهيثمي: هو موقوف وفيه رجل لم بسم.
قلت: ما قال الهيثمي ذلك، ولكن الشارح قليل الأمانة في النقل، بل قال: رواه البزار والطبراني في الكبير بنحوه موقوفًا، وفيه رجل لم يسم اهـ.
فحكى أن البزار رواه مرفوعًا، والطبراني رواه موقوفًا بنحو رواية البزار التي ساق هو متنها، ثم ذلك إما لكونه لم يقف على الرواية المرفوعة في الطبراني أو وقع في أصله كذلك، وإلا فالحديث مرفوع عنده أيضًا، وإني أتعجب من قول الهيثمي: فيه رجل لم يسم، مع أنه ذكره مسمى، فقال ما نصه: وعن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن لكل شيء أنفة، وإن أنفة الصلاة التكبيرة الأولى فحافظوا عليها"، قال أبو عبد اللَّه: فحدثت به رجاء بن حيوة، فقال: حدثتني أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-، ثم قال: رواه البزار. . . إلخ ما سبق عنه.
وهذا يرفع وجود المبهم، ويرفع تأثيره في الحديث فلا يحتاج على تنصيص عليه؛ لأنه يوهم أن الحديث من أصله فيه راو لم يسم وليس كذلك، وبيانه أن ابن أبي شيبة قال:
ثنا أبو أسامة عن أبي فروة يزيد بن سنان ثنا أبو عبيد الحاجب قال: سمعت شيخًا في المسجد الحرام يقول: قال أبو الدرداء: قال رسول اللَّه -ﷺ-:. . . فذكره.
قال أبو عبيد: فحدثت به رجاء بن حيوة، فقال: حدثتنيه أم الدرداء عن أبي الدرداء به، فصار الحديث لا إبهام فيه أصلًا، لأن المبهم ألغى بوجود حيوة بن
[ ٢ / ٥٢٥ ]
شريح، وكذلك لا وقف فيه، اللهم إلا أن يكون الطبراني لم يقع في روايته: "قال أبو عبيد"، فيكون قول الهيثمي: فيه راو لم يسم -خاص بطريق الطبراني وهو الظاهر، واللَّه أعلم.
١٠٩٩/ ٢٤١٥ - "إِنَّ لكلِّ شيءٍ بَابًا وبابُ العبادةِ الصِّيامُ".
هناد عن ضمرة بن حبيب مرسلا
قال في الكبير: قال الحافظ العراقي: وأخرجه ابن المبارك في الزهد، وأبو الشيخ في الثواب من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف اهـ. فما اقتضاه صنيع المصنف من أنه لم يقف عليه مسندًا وإلا لما عدل للرواية المرسلة مع ضعفهما جميعًا غير سديد.
قلت: في هذا أمور، الأول: أنه كلام يشبه كلام المجانين.
الثاني: أن فيه عدم أمانة في النقل، فإن العراقي قال: أخرجه ابن المبارك في الزهد، ومن طريقه أبو الشيخ في الثواب، وهذا قد لا يدرك الفرق بينه إلا الماهر في الصناعة، وذلك العراقي رأى الحديث عند أبي الشيخ في الثواب من طريق ابن المبارك، وعلم أن الحديث عند ابن المبارك في الزهد فعزاه لهما معا بنوع تساهل، فإن الحديث عند ابن المبارك في الزهد مرسلًا كما عند هناد، قال ابن المبارك:
حدثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني حدثني ضمرة بن حبيب قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:. . . فذكره.
وهكذا أيضًا أخرجه القضاعي في مسند الشهاب من طريق ابن المبارك.
أما وصله عن أبي الدرداء فكان بعض رجال الإسناد الضعفاء عند أبي الشيخ قبل ابن المبارك وصله عنه، فظن الحافظ العراقي أنه كذلك في أصل الزهد.
الثالث: هب أنه رأى المسند وأراد الاقتصار على المرسل، فماذا فيه؟!
[ ٢ / ٥٢٦ ]
١١٠٠/ ٢٤١٨ - "إِنَّ لكلِّ شيء دِعَامَةً، وِدعَامةُ هذا الدين الفقهُ، ولفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من أَلف عابد".
(هب. خط) عن أبي هريرة
قال في الكبير: وفيه خلف بن يحيى كذبه أبو حاتم، قال الذهبي: قال أبو حاتم: كذاب اهـ.
وأورده ابن الجوزي في العلل وقال: هذا لا يصح، فيه خلف بن يحيى كذبه أبو حاتم.
قلت: ما أسخف هذا التكرار، والحديث له طرق أخرى ذكرتها في مستخرجي على مسند الشهاب في الحادي والأربعين ومائة.
١١٠١/ ٢٤١٩ - "إنَّ لكلِّ شيء صِقَالَةً وإنَّ صِقَالَةَ القُلُوب ذكْرُ اللَّه، ومَا مِنْ شيء أَنْجَى مِنْ عذاب اللَّه من ذكر اللَّه، ولو أنْ تضربَ بسيفِك حتى يَنْقَطعَ".
(هب) عن ابن عمر
قال في الكبير: فيه سعيد بن سنان وهما اثنان، أحدهما: قال أحمد: غير قوي، والثاني: قال الذهبي: متهم بالوضع.
قلت: الذي في السند هو الأول.
١١٠٢/ ١٤٢١ - "إن لكلِّ شيء شَرَفًا، وإنَّ شرفَ المجَالس ما استُقْبِلَ به القِبْلَةُ".
(طب. ك) عن ابن عباس
قال في الكبير: إيراد المصنف لهذا الحديث يوهم سلامته من الوضاعين والكذابين وهو ذهول عجيب، فقد قال ابن حبان في وصف الاتباع وبيان الابتداع: إنه خبر موضوع تفرد به أبو المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب
[ ٢ / ٥٢٧ ]
عن ابن عباس وهو طريق الطبراني، وقال الذهبي: رواه الحاكم من طريقين، أحدهما: هذا وهشام متروك، والآخر: فيه محمد بن معاوية النيسابوري كذبه الدارقطني وغيره قال: فبطل الحديث اهـ. وقال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: فيه هشام بن زياد أبو المقدام وهو متروك جدًا اهـ.
نعم ورد في الباب حديث جيد حسن وهو ما رواه الطبراني أيضًا عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "إن لكل شيء سيدا وإن سيد المجالس قبالة القبلة"، قال الهيثمي والمنذري وغيرهما: إسناده حسن اهـ. فاعجب للمصنف حيث آثر ما جزموا بوضعه على ما جزموا بحسنه.
قلت: هذا الحديث قطعة من حديث طويل رواه جماعة مطولًا واقتصر جماعة على ذكر جمل منه، وهو بجملته أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وأبو داود في السنن [٢/ ٧٨/ رقم ١٤٨٥] وأَحمد بن منيع في المسند، وابن أبي الدنيا، وابن حبان في الضعفاء، والطبراني [١٠/ ٣٨٩ و١٩/ ٣٨٩]، والحاكم [٤/ ٢٧٠]، وأبو نعيم في الحلية، وفي تاريخ أَصبهان، والقضاعي في مسند الشهاب، وآخرون من طرق متعددة كلها ترجع إلى أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس به.
ورواه الحاكم أيضًا من رواية محمد بن معاوية عن مصادف بن زياد المدني عن محمد بن كعب القرظي به، قال الحاكم: هذا حديث قد اتفق هشام بن زياد النضري ومصادق بن زياد المديني على روايته عن محمد بن كعب، ولم أستجز إخلاء هذا الموضوع منه، فقد جمع آدابًا كثيرة، وتعقبه الذهبي بما نقله عنه الشارح، وهو غلو من الذهبي وإسراف نشأ عن عدم اطلاعه على بقية طرق الحديث ومن تابع المذكورين عليه، وذلك مما يبرئ ساحتهما منه، ويدفع دعوى بطلانه، فقد رواه عن محمد بن كعب القرظي أيضًا عيسى بن ميمون، والقاسم بن عروة، وزيد العمى.
أما رواية عيسى بن ميمون فذكرها أبو نعيم في الحلية [٢/ ١٧٥]:
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وأما رواية القاسم بن عروة فرواها أبو عثمان الصابوني في العقيدة.
وأما رواية زيد العمى فرواها ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل.
وقد ذكرت أسانيد هذه الطرق ومتونها في مستخرجي على مسند الشهاب بما يطول نقله هنا، وبمجموع ذلك يندفع ما قاله ابن حبان والذهبى من بطلان الحديث، ولا سيما وقد خرجه أبو داود في سننه، وهو لا يخرج فيها الموضوع، فإنه أخرج منه قطعة في كتاب الدعاء أواخر الصلاة فقال [٢/ ٧٨، رقم ١٤٨٥]:
حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة ثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن عن عبد اللَّه بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس مرفوعًا: "لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه كمن نظر في النار، سلوا اللَّه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فهذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم"، قال أبو داود: روى هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا اهـ مما أخرجه أبو داود وهو قطعة منه.
وقد صرح بأن له طرقا واهية، وأن هذا ضعيف، ومجموعها يحدث قوة، فأين جزمهم بوضعه كما يقول الشارح؟ أما جزم ابن حبان والذهبي فليس هو حجة على المصنف؛ لأنه مجتهد له رأيه ونظره في الأسانيد، وقد أوضحنا خطأ الذهبي فيما قال، والحمد للَّه.
١١٠٣/ ٢٤٢٦ - "إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فتْرةً، فَمَنْ كَانَتْ فتْرَتُهُ إِلى سُنَّتِي فقد اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ إلى غَيْرِ ذلك فَقَدْ هَلَكَ".
(هب) عن ابن عمر
قال الشارح: بإسناد صحسِح.
قلت: نقل ذلك في الكبير عن الحافظ الهيثمي وهو كذلك، لكن اختلف فيه
[ ٢ / ٥٢٩ ]
على مجاهد اختلافًا كثيرًا، فرواه أحمد بن أبي أسامة، والطحاوي في مشكل الآثار كلهم من رواية شعبة عن حصين عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو، وهكذا أخرجه الطحاوي أيضًا، ومن طريقه القضاعي من رواية هشيم عن حصين مثله.
ورواه الطحاوي في المشكل أيضًا [٢/ ٨٩]، وكذلك القضاعي في مسند الشهاب من طريق مسلم بن كيسان الأعور عن مجاهد فقال: عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-.
ورواه الحارث بن أبي أسامة عن أبي النظر: ثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد فقال: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة مرسلًا.
ورواه الطحاوي [٢/ ٨٩] من طريق يحيى بن سعيد عن سمان عن منصور عن مجاهد فقال: عن جعدة بن هبيرة.
ورواه الطحاوي [٢/ ٨٩] أيضًا من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد فقال: دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فقال. . . وذكره عن رسول اللَّه -ﷺ- في قصة، وفيه اختلاف آخر ذكره ابن أبي خاتم في العلل وذكر عن أَبيه أن حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن النبي -ﷺ- مرسلًا أشبه، وقد ذكرت أسانيده ومتونه في المستخرج.
١١٠٤/ ٢٤٣٩ - "إِنَّ مَا قَدْ قُدِّرَ في الرحِمِ سَيكُوْنُ".
(ن) عن أبي سعيد الزرقي
قال الشارح: بفتح الزاي وسكون الراء وآخره قاف نسبة إلى زرق قرية من قرى مرو.
قلت: أبو سعيد هذا صحابي أنصاري ونسبته زُرَقي بضم الزاي وفتح الراء وآخره [ياء النسب] نسبة إلى بني زريق، وكل ما يأتي من الرواة ولا سيما الأنصاري فهذه نسبته، بل ليس في الرواة زُرْقي بالضبط الذي ذكره الشارح إلا
[ ٢ / ٥٣٠ ]
رجل واحد، قال الذهبي في المشتبه: الزرقي بنو زريق، وهم خلق من الأنصار وأقاربهم، بالفتح وشكون الراء نسبة إلى زرق من قرى مرو محمد ابن أحمد بن يعقوب الزرقي روى عن أبي حامد أحمد بن عيسى، وعنه أبو مسعود البجلي اهـ.
١١٠٥/ ٢٤٤١ - "إِنَّ مَثَلَ العُلَمَاء في الأَرْضِ كَمَثَل النُّجُوْمِ فِي السَّمَاءِ؛ يُهْتَدى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ أَوشَكَ أَنْ تَضِلَّ الهُدَاةُ".
(حم) عن أنس
قال في الكبير: قال المنذري: فيه رشدين ضعيف، وأبو حفص صاحب أنس لا أعرفه، وكذلك قال الهيثمي.
قلت: وأخرجه أيضًا الآجري في فضل العلم من هذا الوجه، ثم أخرجه من طريق زهير بن محمد عن الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن أبا الدرداء قال: "مثل العلماء في الناس كمثل النجوم في السماء يهتدى بها".
١١٠٦/ ٢٤٤٤ - "إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيئات ثُمَّ يَعْمَلُ الحَسَناتِ كَمَثل رَجُلٍ كَانَتْ عَليهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقتهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلَقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ أخرى فَانْفكَّتْ الأُخْرَى، حَتَّى يَخْرُجَ إِلى الأَرْضِ".
(طب) عن عقبة بن عامر
قال في الكبير: ظاهره أنه لا يوجد مخرجًا لأعلى من الطبراني ولا أحق بالعزو منه إليه، وأنه لا علة فيه والأمر بخلافه، أما الأول: فقد رواه الإِمام أحمد بهذا اللفظ عن عقبة بن عامر، وأما الثاني: فلأن فيه ابن لهيعة.
قلت: أما الثاني: فليس من شرطه ذكر الرجال في علل المتون، بل استغنى عنهم بالرموز وقد رمز للحديث بالضعف، فقوله: ظاهره أنه لا علة له تهور
[ ٢ / ٥٣١ ]
بالغ، كيف يكون ظاهره عدم العلة وهو مرموز بضعفه؟!.
وأما الأول: فلا ضير على المحدث في عزوه إلى كتاب وعدم عزوه إلى آخر، فذكر هذا من فضول الشارح، ولولا وجود مجمع الزوائد وكتاب المصنف هذا لما عرف هو عن الحديث شيئًا ولا سمع به قط، ولو كان من أهل هذا الشأن لعيرناه أيضًا بأن الحديث خرجه أيضًا البيهقي في الزهد قال:
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأنا أحمد بن عبيد ثنا محمد بن أحمد العوى ثنا كامل ثنا ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر به مثله.
وأخرجه أيضًا البغوي في التفسير في سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الآية ٢٢] من طريق عبد اللَّه بن المبارك عن ابن لهيعة به مثله أيضًا، ولكن هذه الكتب ليست من شرط مجمع الزوائد فلذلك لا يعلم عما فيها شيئًا.
١١٠٧/ ٢٤٤٥ - "إِنَّ مَجُوسَ هَذِه الأُمَّةِ المكذِّبُون بأقْدَارِ اللَّه تعالى، إِنْ مَرِضُوا فَلا تَعُودُوهم، وَإِنْ مَاتُوا فَلا تَشْهَدُوهُم، وَإِنْ لَقِيتُمُوهُمْ فَلا تُسَلَّمُوا عَلَيهِم".
(هـ) عن جابر
قال في الكبير: قال ابن الجوزي: حديث لا يصح، وأطال في بيانه، وهو مما انتقده السراج القزويني على المصابيح وزعم وضعه، ونازعه العلائي ثم قال. مدار الحديث على بقية وقد قال فيه عن الأوزاعي: والذي استقر عليه أكثر الأمر من قول الأئمة أن بقية ثقة في نفسه، لكنه مكثر من التدليس عن الضعفاء والمتروكين فلا يحتج من حديثه إلا بما قال فيه: حدثنا أو أخبرنا أو سمعت أو عن.
قلت: هذا كلام مضحك، وإذا كانت عنعنة المدلس الثقة تقبل فماذا يرد من
[ ٢ / ٥٣٢ ]
حديثه؟! إن هذا لعجب.
١١٠٨/ ٢٤٤٦ - "إِنَّ مَحَاسِنَ الأَخْلاقِ مَخزُوْنَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا مَنَحَهُ خُلُقًا حَسَنَا".
الحكيم عن العلاء بن أبي كثير مرسلًا
قال في الكبير: والعلاء هو الإسكندراني مولى قريش ثقة عابد.
قلت: إذا كان هو الإسكندراني كان الواجب على المصنف أن يقول: معضلًا لا مرسلًا؛ لأن الإسكندراني لم يدرك أحدًا من الصحابة، والحديث رواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق [ص: ٢٦، رقم ٣٤] عن علي بن شعيب: ثنا ابن أبي فديك عن بعض أشياخه عن النبي -ﷺ- مثله.
ورواه أيضًا [ص: ٢٥، رقم ٣١] عن الحسن بن الصباح: ثنا سمان بن عيينة عن عمر وابن دينار عن أبي المنهال قال: "مر رسول اللَّه -ﷺ- على رجل له عكَر من أبل وغنم وبقر فاستضافه فلم يضفه، ومر بامرأة لها شويهات فاستضاقها فأضافته وذبحت له، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ألم تروا إلى فلان مررنا وله عكر من أبل وغنم وبقر فاستضفناه فلم يضفنا، ومررنا بهذه ولها شويهات فاستضفناها فأضافتنا وذبحت لنا، إن هذه الأخلاق بيد اللَّه من شاء أن يمنحه خلقة حسنًا فعلًا.
وروى أيضًا عن سليمان بن يسار نحوه.
وقال الطبراني في مكارم الأخلاق:
ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي ثنا محمد بن يوسف الأنباري ثنا أبي عن يحيى بن أبي أنس المكي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عمر قال: "قال رسول اللَّه -ﷺ-: يقول اللَّه ﷿: أنا خلقت العباد بعلمي فمن أردت به خيرًا منحته خلقًا حسنًا، ومن أردت به شرًا منحته خلقًا سيئًا".
١١٠٩/ ٢٤٤٧ - "إِنَّ مَرْيَمَ سَأَلَت اللَّهَ أَنْ يُطْعِمَهَا لَحْمًا لا دَمَ فِيْه
[ ٢ / ٥٣٣ ]
فَأَطْعَمَهَا الْجَرَاد".
(عق) عن أبي هريرة
قال الشارح: بإسناد ضعيف.
وقال في الكبير: ورواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي، وكذا الديلمي.
قلت: لم يبين سبب ضعف الأول ولا تكلم على الثاني أيضًا، وكأنه رآه في مسند الفردوس من طريق الطبراني لا في مجمع الزوائد فكذلك لم يجد ما يقول عنه.
والأول: رواه العقيلي في ترجمة النضر بن عاصم الهجري وقال: لا يتابع عليه كذا قال.
وقال الأزدي: متروك، ورواه ابن حبان في الثقات، قال العقيلي:
حدثنا موسى بن هارون ثنا حفص بن عمر المازني ثنا النضر بن عاصم أبو عباد عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة به.
وأما الثاني: فرواه أيضًا البندهي في شرح المقامات قال:
أخبرنا الوزير أبو المظفر سعد بن سهل بن محمد الفلكي بدمشق ثنا الإمام أبو الحسن علي بن أحمد المدينى الأخرم إملاء بنيسابور أنا أبو صادق محمد بن أحمد بن شاذان العطار ثنا أبو العباس الأصم ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي ثنا بقية بن الوليد ثنا نمير بن يز العسى عن أَبيه قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: "قال رسول اللَّه -ﷺ-: إن مريم ابنة عمران سألت ربها أن يطعمها لحمًا لا دم فيه فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع".
ورواه الذهبي [الميزان: ٩٠٧١] فقال:
أخبرنا أبو الفضل بن عساكر أنا زين الأمناء (ح)
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وأخبرنا محمد بن حازم أنا محمد بن غسان قالا: أخبرنا سهل بن محمد الخوارزمي ثنا علي بن أحمد المدينى به مثله، وزاد: قلت: "يا أبا الفضل ما الشياع؟ قال: الصوت"، قال الذهبي: فهذا الإسناد على ركاكة متنه أنظف من الأول، ويريبني فيه هذا الدعاء، فإنها ما كانت تدعو بأمر واقع، وما زال الجراد بلا رضاع ولا شياع اهـ.
قال الحافظ: وهذا الإشكال غير مشكل لجواز أن يكون الجراد ما كان موجودًا قبل اهـ.
١١١٠/ ٢٤٤٩ - "إِنَّ مِصْرَ سَتُفْتَحُ عليكم فانْتَجِعُوا خَيْرَهَا، ولا تَتَّخِذُوها دارًا؛ فَإِنَّها يُسَاقُ إليها أَقَلُّ النَّاسِ أَعمارًا".
(تخ) والباوردي، (طب) وابن السني، وأبو نعيم في الطب عن رباح اللخمي
قلت: هذا حديث موضوع يلام المصنف على ذكره في هذا الكتاب.
١١١١/ ٢٤٥٠ - "إِنَّ مَطْعَمَ ابنِ آدَمَ قَدْ ضُرِبَ مَثَلًا للدُّنْيَا وَإِنْ قَزَّحَهُ ومَلَّحَهُ فَانْظُرْ إِلى مَا يَصِيرُ".
(حم. طب) عن أبي بن كعب
قال الشارح: وإسناده جيد قوي.
قلت: قلد في ذلك الحافظ المنذري وقوله صحيح من جهة ظاهر الإسناد، ولكنه معلول بالاضطراب كما بينته سابقًا في حديث: "إن اللَّه جعل ما يخرج من ابن آدم" فأرجع إليه.
١١١٢/ ٢٤٥٢ - "إِنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانًا".
(د) عن عمر
قال الشارح: بإسناد فيه مجاهيل.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
قلت: عجيب جدًا أن يكون فيه مجاهيل مع أنه أخذ ذلك من قول الحافظ المنذري وقد روى أبو داود الحديث من طريق عامر بن عبد اللَّه بن الزبير قال: ذهبت مولاة لآل الزبير بابنة لهم إلى عمر وفي رجلها أجراس فقطعها ثم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ-. . . وذكره.
ومولاتهم مجهولة، وعامر لم يدرك عمر اهـ.
فغاية ما في هذا أن في السند امرأة مجهولة، فمن أين جاءت جماعة المجاهيل؟ على أن الحافظ المنذري رحمه [اللَّه] لم يحسن التعبير ولم يدقق النظر في الإسناد، فإن عامر لم يصرح بروايته الحديث عن المولاة، بل ذكر الحديث بسياق يفيد حضور القصة، وإذ شهد التاريخ بعدم إدراكه عمر فالحديث منقطع ولا دخل للمجهول فيه؛ لأنه لم يصرح برواية الخبر عن المولاة، فيحتمل أنه رواه عنها أو أنه رواه عن أهل بيته ممن حضر القصة أيضًا أو ممن سمعه من المولاة، وكيفما كان الحال فالشارح مخطئ في قوله: بإسناد فيه مجاهيل.
١١١٣/ ٢٤٥٥ - "إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلٌ بِالقُرْآنِ، فَمَنْ قَرَأَ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يُقَوِّمْهُ، قَوَّمَهُ المَلَكُ وَرَفَعَهُ".
أبو سعيد السمان في مشيخته، والرافعي في تاريخه عن أنس
قال الشارح في ضبط لفظ السمان وقد كتبه بزيادة ياء النسبة بعد النون ما نصه: بكسر السين وشدة الميم نسبة إلى سعد السمان الحافظ المروزي.
وقال في الكبير: السمَّاني بشد الميم بخط المصنف، وفي التحرير للحافظ ابن حجر: السماني بكسر السين المهملة وتشديد الميم، وبعد الألف نون معروف منسوب إلى سعد السمان الحافظ الرازي، ثم قال: وفي صنيع المصنف إشعار بأنه لم يره لأشهر من هذين في فن الحديث وهو عجيب، فقد رواه البخاري في الضعفاء عن أنس المذكور باللفظ المزبور، وفيه يعلى بن هلال قال الذهبي: رماه السفيانان بالكذب.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
قلت: في هذا من عجر الشارح وبجره أمور، الأول: قد أعاذ اللَّه الحافظ ابن حجر أن يقول شيئًا مما نقله عنه بل هو برئ منه براءة الشارح من التحقيق.
الثاني: كتاب الحافظ اسمه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" لا "التحرير" كما يقول الشارح.
الثالث: ليس السمان من موضوع كتابه غالبًا، لأنه ليس من المشتبه، ولم يذكره الذهبي في كتابه الذي هو أصل كتاب الحافظ.
الرابع: ليس في الرواة سماني بكسر السين، ولا بياء النسبة أصلًا، وإنما هو السَمان بفتح السين وفي آخره نون دون ياء النسبة.
الخامس: قوله: منسوب إلى سعد السمان الحافظ كلام لا أصل له، بل لا معنى له.
السادس: قال في الصغير: الحافظ المروزي، وقال في الكبير: الحافظ الرازي، وبين المروزي والرازي فرق لا يخفى على أهل العلم، قال السمعاني في الأنساب: السَمان بفتح السين المهملة وتشديد الميم وفي آخرها النون هذه النسبة إلى بيع السمن، ثم ذكر جماعة من المعروفين بهذه النسبة، ثم قال: وأبو سعد إسماعيل بن على بن الحسين الحافظ الرازي من أهل الري. . . فأطال في ترجمته ثم قال: وابن أخيه أبو بكر طاهر بن الحسن بن على السمان من أهل الري، ثم قال: وابنه أبو سعيد يحيى بن طاهر بن الحسين بن علي بن الحسين السمان من أهل الري يروي عن أَبيه، وأبي الحسين يحيى بن الحسين الشجري (١) العلوي الحسني، وكان يعلم الصبيان بباب رامهران سمعت منه، وكتبت عنه بالري في مكتبه وتركته حيا سنة ٥٣٧.
السابع: قوله: وفي صنيع المصنف إشعار. . . إلخ، كلام ساقط مسقط لقائله كما نبهنا عليه مرارًا، على أن ضعفاء البخاري ليس هو بأشهر من تاريخ قزوين
_________________
(١) في الأصل المخطوط: الشجري الشجري، هكذا مرتين.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
للرافعي بين أهل الحديث.
الثامن: من دلائل الحمق في الرجل إبداؤه التعجب من غير عجيب.
١١١٤/ ٢٤٥٦ - "إنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا، وإِنَّ مِنَ العِلْمِ جَهْلًا، وإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا، وإِنَّ مِنَ القَوْلِ عِيالًا".
(د) عن بريدة
قال في الكبير: قال الحافظ العراقي: في إسناده من يجهل.
قلت: كأنه صخر بن عبد اللَّه بن بريدة، فإنه لا يعرف له في سنن أبي داود [رقم ٥٠١١، ٥٠١٢] إلا هذا الخبر، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود، لكن روى عنه أبو جعفر عبد اللَّه بن ثابت النحوي، وحجاج بن حسان القيسي، وذكره ابن حبان في الثقات [٦/ ٤٧٣] ومع ذلك فلم ينفرد به كما سأذكره.
وقد خرجه من طريقه أيضًا الدولابي في الكني عن النسائي عن أبي زرعة الرازي:
ثنا سعيد بن محمد الجرمي ثنا يحيى بن واضح حدثني أبو جعفر النحوي عبد اللَّه بن ثابت حدثني [صخر] بن عبد اللَّه بن بريدة عن أَبيه عن جده به.
أما المتابعة فقال أبو نعيم في تاريخ أَصبهان [١/ ٣٣٨]:
ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عمر أبو علي المعدل ثنا أبو العباس أحمد بن الحسن بن أبي عبد اللَّه ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا يحيى بن أبي بكير ثنا حسام بن مصك ثنا عبد اللَّه بن بريدة عن أَبيه به.
ورواه الفضاعي من طريق أبي عروبة الحراني في الأمثال:
ثنا مغيرة بن عبد الرحمن ثنا يحيى بن السكن ثنا شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن ابن بريدة عن صعصعة بن صوحان عن علي ﵇ به مرفوعًا.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وهذا غلط من بعض رجاله واللَّه أعلم.
١١١٥/ ٢٤٦١ - "إِنَّ مِنَ الذُّنُوب ذُنُوبًا لا يُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَلا الصِّيَام ولا الحَجُّ ولا العُمْرَةُ، يُكفِّرُها الهُمُومُ في طلبِ المَعِيشَةِ".
(حل) وابن عساكر عن أبي هريرة
قال في الكبير: قال الحافظ العراقي في المغني: سنده ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط والخطيب في تلخيص المشتبه من طريق يحيى بن بكير عن مالك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال ابن حجر: وإسناده إلى يحيى واه، وقال الحافظ الهيثمي: فيه محمد بن سلام المصري، قال الذهبي: حدث عن يحيى بن بكير بخبر موضوع وهذا مما روى عن يحيى بن بكير.
قلت: ظاهر صنيعه يقتضي أن سند الطبراني غير سند أبي نعيم، لأنه نقل تضعيفه أولًا عن العراقي ثم عطف عليه تخريج الطبراني وتكلم عليه.
والواقع أن أبا نعيم رواه عن الطبراني وذلك في ترجمة مالك (٦/ ٣٣٥) وقال: غريب تفرد به محمد بن سلام عن يحيى عن مالك اهـ.
وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من وجوه أخرى عنه مع اختلاف في نسبته، وكان العمل فيه عليه كما قال الحافظ، وقد رواه بعض الضعفاء من حديث أبي أمامة مثله إلا أنه قال: "الغموم والهموم في طلب العلم".
قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان [١/ ٢٨٧]:
ثنا القاضي محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثني أحمد بن علي بن زيد الدينوري ثنا يزيد بن شريح بن مسلم الخوارزمي ثنا علي بن الحسين بن واقد حدثني أبي ثنا أبو غالب عن أبي أمامة مرفوعًا: "إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها صيام ولا صلاة ولا حج ولا جهاد إلا الغموم والهموم في طلب العلم".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
١١١٦/ ٢٤٦٢ - "إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ".
(هـ) عن أنس
قال في الكبير: رواه ابن ماجه من حديث بقية عن يوسف بن أبي كثير عن فرح بن ذكوان عن الحسن عن أنس، ورواه عنه أيضًا ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع، والبيهقي، قال المنذري: وقد صحح الحاكم إسناده لمتن غير هذا، وحسنه غيره اهـ. وأقول: بقية حاله معروف، ويوسف قال الذهبي: شيخ لبقية لا يعرف، ونوح قال أبو حاتم: ليس بشيء، وابن عدي: أحاديثه غير محفوظة، وابن حبان: منكر الحديث جدًا، وساق من مناكيره هذا الخبر، وعده ابن الجوزي في الموضوع، لكن تعقب بأن له شواهد.
قلت: هذا تطويل لا داعي إليه، والحديث من مفردات نوح بن ذكوان وإن أعله ابن الجوزي به، وبيحيى بن عثمان راويه عن بقية عند الدارقطني، وذلك أيضًا من قصوره، فإنَّ يحيى بن عثمان لم ينفرد به عن بقية بل رواه عنه أيضًا هشام ابن عمار ويحيى بن سعيد بن كثير بن دينار كما عند ابن ماجه [٢/ ١١١٢، رقم ٣٣٥٢].
ورواه أبو نعيم في الحلية [١٠/ ٢١٣] عن أولهما فقط.
وسويد بن عبد العزيز كما عند أبي يعلى وابن حبان في الضعفاء، ومحمد بن عبد العزيز الرملي كما عند الخرائطي في اعتلال القلوب.
فعلة الحديث هو نوح بن ذكوان، فإنه الذي انفرد به، وفي ترجمته أورده رجال الجرح والتعديل وقالوا: إنه ينفرد عن الحسن بمناكير، ويؤيد ذلك أن هذا الكلام مروي عن الحسن عن عمر ﵁ من قوله: قال أحمد في كتاب الزهد:
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا يونس عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبد اللَّه وإذا عندهم لحم، فقال: ما هذا اللحم؟! فقال: اشتهيته، قال:
[ ٢ / ٥٤٠ ]
أو كلما اشتهيت شيئًا أكلته؟! كفي بالمرء سرفًا أن يأكل كلما اشتهاه.
فكأن نوح بن ذكوان سمع هذا من الحسن هكذا فركب له إسنادًا عن أنس ورفعه واللَّه أعلم.
١١١٧/ ٢٤٦٣ - "إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرجلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلى بَابِ الدَّارِ".
(هـ) عن أبي هريرة
قال في الكبير: قال البيهقي: وفي إسناده ضعف اهـ. وذلك لأن فيه عدي بن عروة الدمشقي، قال في الميزان عن ابن رجب: يضع الحديث، وكذبه صالح جزرة وغيره ثم أورد له هذا الخبر.
قلت: أخرجه من طريقه أيضًا ابن الأعرابي في المعجم والقضاعي في مسند الشهاب، وله شاهد بلفظه من حديث ابن عباس، لكنه من رواية سلم بن سالم البلخي وهو منكر الحديث أيضًا، قال ابن حبان في ترجمته من الضعفاء [١/ ٣٤٤٤]:
حدثنا محمد بن صالح بن دريح ثنا جبارة بن مغلس ثنا سلم بن سالم البلخي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن من السنة تشييع الضيف إلى باب الدار".
١١١٨/ ٢٤٦٥ - "إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ للْشَرِّ، وإِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مفاتيحَ للشرِّ مغاليقَ للخيرَ، فطُوبى لمَنْ جَعلَ اللَّهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديهِ، وويلٌ لمنْ جعلَ اللَّهُ مفاتيحَ الشرِّ على يَدِيهِ".
(هـ) عن أنس
قال الشارح في الكبير: ورواه الطيالسي كلاهما من حديث محمد بن أبي حميد عن حفص بن عبيد اللَّه بن أنس عن جده أنس بن مالك، ومحمد بن أبي حميد قال في الكاشف: ضعفوه، وقال السخاوي: منكر الحديث، وله
[ ٢ / ٥٤١ ]
شاهد مرسل ضعيف.
قلت: السخاوي لم يقل: له شاهد مرسل، بل ذكر له شاهدا من حديث سهل ابن سعد وضعفه أيضًا.
ثم إن حديث أنس له طريق آخر لم يتعرض له السخاوي أخرجه ابن شاهين في جزء له من أحاديث شيوخه فقال:
حدثنا الحسن ابن عبد الرحمن الثقفي بحمص ثنا عيسى بن غيلان ثنا سعيد بن سليمان ثنا النضر بن إسماعيل ثنا حميد عن أنس مرفوعًا: "إن من الرجال مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الرجال مغاليق للخير مفاتيح للشر".
أما حديث سهل بن سعد فعزاه السخاوي لابن ماجه أيضًا، وهو أيضًا عند الطبراني في مكارم الأخلاق:
حدثنا محمد بن الفضل السقطي ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي ثنا معتمر ابن سليمان عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبي حازم عن سهل رفع الحديث إلى النبي -ﷺ- قال: "عند اللَّه خزائن الخير والشر ومفاتيحها الرجال، فطوبى لمن جعله اللَّه مفتاحًا للخير ومغلاقًا للشر، وويل لمن جعله اللَّه مفتاحًا للشر ومغلاقًا للخير".
وعبد الرحمن بن زيد ضعيف ومن طريقه رواه ابن ماجه.
١١١٩/ ٢٤٦٧ - "إِنَّ مِنَ النِّسَاءِ عِيّا وَعَوْرَةً، فكفُّوا عِيهُنَّ بالسُّكُوتِ، وَوَارُوا عَوْرَاتِهِنَّ بِالبيوتِ".
(عق) عن أنس
قال في الكبير: قال العقيلي: هذا حديث غير محفوظ، وقال ابن الجوزي: موضوع، وإسماعيل وزكريا -يعني هنا رجال سنده- متروكان، وتعقبه المؤلف بأن له شاهدًا.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
قلت: هذا باطل فيه شائبة حق، وذلك أن ابن الجوزي أورد في الموضوعات [٢/ ٢٨٢] من طريق ابن عدي عن الحسن بن سفيان:
ثنا زكريا بن يحيى الخزاز ثنا إسماعيل بن عباد الكوفي ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعًا: "استعينوا على النساء بالعرى".
ثم قال: إسماعيل وزكريا متروكان، فتعقبه المصنف بقوله: أخرجه الطبراني في الأوسط، ورواه العقيلي [١/ ٨٥] بلفظ آخر فقال:
حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ثنا زكريا بن يحيى الخزاز بالسند السابق مرفوعًا: "إن من النساء عيا وعورة. . ." الحديث، ونقل عن العقيلي أنه قال: هذا حديث غير محفوظ ولم يزد شيئًا، فأتى الشارح بالباطل في أمور، الأول: زعمه أن ابن الجوزي أورده في الموضوعات وليس كذلك، فابن الجوزي إنما أورد حديثًا آخر بإسناد حديث الباب.
الثاني: زعمه أن ابن الجوزي أعله بإسماعيل وزكريا، وهو إنما أعل بهما حديثًا آخر.
الثالث: زعمه أن المؤلف تعقبه بأن له شاهدًا وليس كذلك، فالمؤلف ما أورد له شاهدًا أصلًا، وإنما أعاد الحديث بالسند عينه بسياق آخر.
الرابع: لو اعتبرنا مخالفة اللفظ مع اتحاد السند شاهدًا فلفظ الكتاب هو الذي زاده المصنف شاهدًا إلا أنه أورد غيره شاهدًا له، مع أن ما يريده الشارح على ما فيه من قلب الحقائق فاسد باطل؛ إذ لا شاهد مع اتحاد السند، فما أبرع الشارح في الأوهام وأطول باعه في تناول الأخطاء وأساليب الأغلاط.
هذا وقد وجدت للحديث شاهدًا من حديث علي ﵇، قال الطوسي في المجالس:
أخبرنا جماعة عن أبي المفضل قال: حدثنا أبو عبد اللَّه جعفر بن محمد بن جعفر الحسني ثنا موسى بن عبد اللَّه بن موسى الحسني عن جده موسى بن
[ ٢ / ٥٤٣ ]
عبد اللَّه عن أبيه عبد اللَّه بن الحسن وعميه إبراهيم والحسن ابني الحسن عن أمهم فاطمة بنت الحسين عن جدها علي بن أبي طالب ﵇ عن النبي -ﷺ- قال: "النساء عي وعورة، فاستروا عيهن بالسكوت وعورتهن بالبيوت".
١١٢٠/ ٢٤٦٩ - "إِنَّ مِنْ إجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَة المسلمِ، وحَامِلِ القرآنِ غيرِ الغَالِي فيه والجَافِي عنه، وإِكرامَ ذِي السُّلطانِ المُقْسِطِ".
(د) عن أبي موسى
قال في الكبير: سكت عليه أبو داود، وقال في الرياض: حديث حسن، وقال الحافظ العراقي، وتلميذه ابن حجر: سنده حسن، وقال ابن القطان: ما مثله يصح، وأورده ابن الجوزي في الموضوع بهذا اللفظ من حديث أنس، ونقل عن ابن حبان أنه لا أصل له ولم يصب، بل له الأصل الأصيل من حديث أبي موسى، واللوم فيه على ابن الجوزي أكثر.
قلت: في هذا أمور، الأول: ابن الجوزي لم يورد هذا الحديث من حديث أنس بل من حديث ابن عمر ومن حديث جابر بن عبد اللَّه.
الثاني: قوله: ولم يصب. . . إلخ، هو كلام الحافظ لم يعزه إليه، لكنه حذف منه جملة أفسدت معناه وهو لم يره في نفس كتب الحافظ بل نقله من اللآلئ المصنوعة للمصنف، فإنه نقل فيه عن الحافظ أنه قال في تخريج أحاديث الرافعي: لم يصب ابن حبان ولا ابن الجوزي جميعا في قولهما: لا أصل لهذا الحديث أصلًا، بل له الأصل الأصيل من حديث أبي موسى الأشعري بهذا اللفظ عند أبي داود بسند حسن، قال: واللوم فيه على ابن الجوزي أكثر، لأنه خرج على الأبواب اهـ.
فقوله: لأنه خرج على الأبواب هي محل الفائدة الموجهة لقوله: واللوم فيه على ابن الجوزي أكثر.
الثالث: أطال المؤلف في اللآليء المصنوعة في إيراد الطرق والشواهد لهذا
[ ٢ / ٥٤٤ ]
الحديث بحيث كتب في ذلك نحو صحيفتين، وهنا يلتزم الشارح السكوت غمطًا لحق الفضلاء، ولكنه إذا لم يكن في الباب ما يطيل به المؤلف في التعقب على ابن الجوزي هناك يتكلم الشارح.
١١٢١/ ٢٤٧٠ - "إِنَّ مِنْ إِجْلالي تَوقيرُ الشَّيخِ مِنْ أُمَّتِي".
(خط) في الجامع عن أنس
قلت: هذا حديث موضوع.
١١٢٢/ ٢٤٧١ - "إِنَّ مِنْ أَخْلاقِ المؤمنِ قُوَّةً في دينٍ، وحَزْمًا في لِينٍ، وإِيمانًا في يقينٍ وحِرْصًا في علمٍ، وشفقةً في مِقَةٍ، وحِلْمًا في علمٍ، وقصدًا في غنى وتَجَمُّلًا في فَاقَةٍ، وتَحَرُّجًا عن طمعٍ، وكسبًا في حلال، وبرّا في استقامةٍ، ونشاطًا في هدى، ونهيًا عن شهوةٍ، ورحمةً للمجهودِ، وإِنَّ المؤمنَ من عبادِ اللَّهِ لا يحيفُ على مَنْ يبغضُ، ولا يَأْثَمُ فيمن يُحِبُّ، ولا يضِّيعُ ما استُودِعَ ولا يَحْسُدُ، ولا يَطْعَنُ، ولا يَلْعَنُ، ويَعْتَرِفُ بالحقِّ وَإِنْ لَمْ يُشْهَدْ عليه، ولا يتنابز بالأَلْقَاب، في الصَّلاة مخشعًا، إلى الزكاة مُسْرِعًا، في الزلازِلِ وقُورًا، في الرَّخَاءِ شَكُورًا، قَانِعًا بالَّذِي له، لا يدعي مَا لَيْسَ له، ولا يَجْمَعُ في الغَيْظِ، ولا يَغلبُهُ الشُّحُّ عن معروفٍ يُرِيدُهُ، يُخالِطُ النَّاسَ كي يَعْلَم، ويناطقُ النَّاسَ كي يفهَم، وإِنْ ظُلِمَ وبُغِى عليه صبرَ حتَّى يكونَ الرحمنُ هو الذي ينتصرُ له".
الحكيم عن جندب بن عبد اللَّه
قلت: هو حديث ركيك وآثار الوضع لائحة عليه.
١١٢٣/ ٢٤٧٧ - "إِنَّ مِنْ أَعظمِ الأمانة عند اللَّه تعالى يَومَ القيامةِ الرجلَ يُفْضِي إِلى امرأتِهِ وتُفْضِي إِليه ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا".
(حم. م. د) عن أبي سعيد
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قال الشارح في الشرحين معًا: هو خبر إِنَّ وذكر تمام الحديث.
قلت: قوله في الرجل: خبر إن غلط يدركه صغار طلبة العربية.
١١٢٤/ ٢٤٨٦ - "إِنَّ مِنْ تَمَامِ إِيمَانِ العبدِ أَنْ يَسْتَثْنِي في كُلِّ حَدِيثِهِ".
(طس) عن أبي هريرة
قال في الكبير: حكم ابن الجوزي بوضعه، وقال: فيه معارك بن عباد متروك منكر الحديث، قال المصنف: وفيه نظر اهـ، ولم يوجهه بشيء.
قلت: هذا كذب على المصنف لا أدري كيف استباحه الشارح لنفسه فاسمع ما قاله المصنف بنصه:
أورد ابن الجوزي من طريق الحسن بن سفيان: ثنا علي بن سلمة ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ثنا معارك بن عباد عن عبد اللَّه بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن من تمام إيمان العبد أن يستثني فيه"، ثم قال ابن الجوزي: لا يصح، ومعارك منكر الحديث متروك، قال المصنف: وشيخه أيضًا واه، ولكن الجوزقاني أورد هذا الحديث على أنه ثابت واستدل به على بطلان الأحاديث الثلاثة السابقة على عادته، وقال عقبه: هذا حديث غريب والاستثناء في الإيمان سنة فمن قال: إنه مؤمن فليقل: إن شاء اللَّه تعالى، وهذا ليس باستثناء شك، ولكن عواقب المؤمنين مغيبة عنهم، ثم أورد حديث جابر: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. . . " الحديث.
وحديث ابن مسعود: "إن أحدكم يجمع خلقه. . . " الحديث.
وحديث أبي هريرة في المقبرة "وإنَّا إن شاء اللَّه بكم لاحقون". فجعل هذه الأحاديث دالة على سنة الاستثناء في الإيمان وعلى بطلان تلك الأحاديث المعارضة لها.
نعم، قال الذهبي في الميزان: داود بن المحبر حدثنا معارك بن عباد القيسي عن
[ ٢ / ٥٤٦ ]
عبد اللَّه بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن من تمام إيمان العبد أن يستثني في كل حديثه"، ثم قال الذهبي: هذا الحديث باطل، قد يحتج به المرازقة الذين لو قيل لأحدهم: أنت مسيلمة الكذاب؟ لقال: إن شاء اللَّه اهـ.
وهذا الحديث غير الذي أورده المؤلف -يعني ابن الجوزي- والآفة فيه من داود، فإنه وضاع.
وقد أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من طريقه واللَّه أعلم اهـ.
فاعجب لأمانة الشارح، ثمَّ مما نقلناه يعلم ما في قوله: إن حديث الباب أورده ابن الجوزي في الموضوعات، فإن الذي أورده لفظ آخر دون المذكور هنا.
وإن كان المصنف نقل عن الذهبي بطلان هذا أيضًا وأقره على ذلك بسبب وجود داود بن المحبر فيه بخلاف الذي أورده ابن الجوزي، فإن المصنف نازع في الحكم بوضعه وذلك مما يدعو إلى العجب من حال المصنف أيضًا؛ إذ أورد المتن الذي حكم هو بوضعه وترك الذي نازع في الحكم بوضعه.
١١٢٥/ ٢٤٨٩ - "إنَّ منْ حَقِّ الوَلَد عَلَى وَالده أَنْ يُعَلِّمَه الكِتابةَ، وَأنْ يُحْسنَ اسْمَه، وأنْ يُزَوِّجَه إذَا بَلَغَ".
ابن النجار عن أبي هريرة
قال الشارح: بإسناد ضعيف لكن له شاهد.
قلت: كأنه يشير إلى ما رواه محمد بن مخلد الدوري في جزئه:
ثنا علي بن شاذان -المعروف بابن أبي مكرمة- حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رواد أخبرني أبي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن من حق الولد على والده ثلاث خصال: أن يحسن أدبه، وأن يحسن اسمه، وأن يعفه إذا بلغ".
علي بن شاذان ضعفه الدارقطني.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
١١٢٦/ ٢٤٩١ - "إنَّ منْ شَرِّ النَّاص عنْدَ اللَّه مَنْزَلةً يَوْمَ القيامَة: الرَّجُلَ يُفْضي إلى امْرأته، وَتُفْضي إلَيْه ثُمَّ يَنْشُر سرَّهَا".
(م) عن أبي سعيد
قال في الكبير: قال ابن القطان: إنما يرويه مسلم من طريق عمر بن حمزة عن عبد الرحمن بن سعد عن أبي سعيد، وعمر ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، فالحديث به حسن لا صحيح.
قلت: هذا بحث ضائع، فإن الرجل وثقه مسلم وأخرج له بعد سبر أحواله، واعتبار أحاديثه وثبوت ثقته عنده، ولم يكفه ذلك حتى كان هذا المعنى واردًا في أحاديث أخرى تشهد لأصله وتبين أنه لم ينفرد بمعناه، ولهذا احتج به أيضًا الحاكم وقال: أحاديثه كلها مستقيمة، وهذا يقوله الحاكم بعد علمه بقول ابن معين وأحمد، كأنه لم يرض قوله أن أحاديثه مناكير.
والحق يقال أن النكارة تكون ظاهرة على متن الحديث، ولا نكارة في هذا الحديث بل نور النبوة لائح عليه، ثم إنه لا معنى لأن يكون حسنا كما ينقله الشارح، لأنه إما أن يعتبر توثيق مسلم له ومن وافقه على توثيقه فيكون الحديث صحيحًا لاسيما بعد دخوله في الكتاب المجمع من الأمة على صحته، وإما أن يعتبر قول أحمد فيه: إنه منكر الحديث، فيكون الحديث ضعيفًا كما هو مقتضى هذه اللفظة من الجرح، أما كونه حسنا فلا محل له من الحديث.
١١٢٧/ ٢٤٩٢ - "إنَّ منْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزلَةً عنْدَ اللَّه يَوْمَ القيَامَة، عَبْدًا أذهَبَ آخرَتَهُ بدُنْيَا غَيْره".
(هـ. طب) عن أبي أمامة
قلت: سكت عليه الشارح، وهو من رواية شهر بن حوشب عن أبي أمامة، كذا رواه ابن ماجه [٢/ ١٣١٢، رقم ٣٩٦٦] عن سويد بن سعيد عن مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الحكم عن شهر بن حوشب.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
ورواه القضاعي في مسند الشهاب من طريق يوسف بن عدي عن مروان بن معاوية الفزاري بهذا الإسناد فقال: عن أبي هريرة بدل: أبي أمامة.
وكذلك رواه الطيالسي في مسنده عن عبد الحكم عن شهر عن أبي هريرة.
ومن طريق الطيالسي رواه أبو نعيم في الحلية [٦/ ٦٥].
فالصواب حينئذٍ: أنه من حديث أبي هريرة لا من حديث أبي أمامة، وأن ذكر أبي أمامة وهم من سويد واللَّه أعلم.
١١٢٨/ ٢٤٩٣ - "إنَّ مِنْ ضَعْف اليَقين أَنْ تُرْضى النَّاسَ بسَخَط اللَّه تَعَالى، وَأَنْ تَحمدَهُمْ عَلى رزْق اللَّه تَعَالى، وَأَنْ تَذُمَّهمْ عَلى مَا لَمْ يؤْتكَ اللَّهُ تعَالَى، إنَّ رزْقَ اللَّه لا يَجُرُّهُ إليْكَ حِرْصُ حَريْص، وَلا يَردُّهُ كَراهَةُ كَاره، وَإِنَّ اللَّه بِحِكْمَته وَجَلاله الرَّوحَ والفَرَحَ في الرِّضَا واليَقيْن، وجَعَلَ الهَمَّ وَالحَزَنَ في الشَّكِّ والسَّخَطِ".
(حل. هب) عن أبي سعيد
قال في الكبير: وظاهر صنيع المصنف أن البيهقي خرجه وأقره؛ والأمر بخلافه، بل تعقبه بقوله: محمد بن مروان السدي -أي أحد رجاله- ضعيف اهـ. وفيه أيضًا عطية العوفي قال الذهبي: ضعفوه، وموسى بن بلال قال الأزدي: ساقط.
قلت: الحديث إنما يعل بمحمد بن مروان السدي كما فعل البيهقي، وعطية العوفي أحاديثه متماسكة، أما موسى بن بلال فلا معنى لذكره أصلا؛ لأنه توبع عليه، وليس هو عند أبي نعيم، إنما هو عند البيهقي، قال أبو نعيم [٥/ ١٠٦]:
حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد قال: ثنا محمد بن الحسين بن حفص ثنا علي بن بن مروان ثنا أبي عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد به، ثم قال: غريب من حديث عمرو، تفرد به علي بن محمد بن مروان
[ ٢ / ٥٤٩ ]
عن أبيه اهـ.
يريد تفرده من طريق معروفة وإلا فقد رواه هو أيضًا في ترجمة أبي يزيد البسطامي من روايته عن أبي عبد الرحمن السندي عن عمرو بن قيس الملائي به.
لكن شيخ أبي نعيم فيه -وهو أبو الفتح أحمد بن الحسين بن سهل الحمصي- كان كذابا، ولذلك صرح أبو نعيم [١٠/ ٤١] ببطلان هذه الطريق فقال:
وهذا الحديث مما ركب على أبي يزيد، والحمل فيه على شيخنا أبي الفتح فقد عثر منه على غير حديث ركبه اهـ.
ولأجل هذا لم يعتبر أبو نعيم هذا الطريق وصرح بتفرد على بن محمد بن مروان وأبيه بهذا الحديث، وذلك أيضًا بالنسبة لحديث أبي سعيد الخدري وإلا فقد ورد من حديث عبد اللَّه بن مسعود وأنس بن مالك.
فحديث ابن مسعود رواه أبو نعيم في الحلية [٤/ ١٢١] عن أبي أحمد محمد ابن أحمد بن إسحاق عن أحمد بن سهل بن أيوب:
ثنا خالد بن يزيد العمري ثنا سفيان الثوري وشريك [بن عبد اللَّه] (١) وسفيان بن عيينة عن سليمان الأعمش عن خيثمة عن عبد اللَّه عن النبي -ﷺ- قال: "لا ترضين أحدا بسخط اللَّه، ولا تحمدن أحدا على فضل اللَّه، ولا تَذُمَّنَّ أحدا على ما لم يؤتك اللَّه، فإن رزق اللَّه لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن اللَّه بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط"، وقال أبو نعيم: تفرد به العمري.
قلت: كذا وقع في روايته سليمان الأعمش.
ورواه القشيري في الرسالة عن أبي محمد بن الحسين بن فورك:
_________________
(١) الزيادة من الحلية.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ثنا أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي ثنا أحمد بن سهل بن أيوب ثنا خالد بن يزيد ثنا الثوري وشريك وابن عيينة عن سليمان التيمي عن خيثمة به.
ورواه القضاعي في مسند الشهاب من طريق الحسن بن رشيق عن الحسين بن حميد العكي عن محمد بن روح القشيري عن خالد عن الثوري عن سليمان -ولم يعينه- عن خيثمة به، قال القضاعي: ووقع في الأصل خالد بن نجيح وإنما هو خالد بن يزيد العمري.
وحديث أنس رواه ابن ودعان في الأربعين من طريق موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن حميد وثابت جميعا عن أنس مرفوعًا: "إن من ضعف اليقين. . . " فذكر مثله، وزاد فيه زيادة أخرى وإسناده مركب مفتعل كسائر أسانيد الأربعين المذكورة، فإنها كلها موضوعة مركبة.
ورواه الدينوري في المجالسة:
ثنا محمد بن إسحاق ثنا إسماعيل بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال جعفر ابن محمد: "إن من اليقين ألا ترضى الناس بما يسخط اللَّه. . . " وذكر نحوه.
١١٢٩/ ٢٤٩٨ - "إِنَّ منْ مَعَادن التَّقْوَى تَعَلُّمَكَ إلى مَا قَدْ عَلمْتَ علْمَ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَالنَّقْصُ فيمَا قَدْ عَلمْتَ قلَّةُ الزِّيَادَة فِيْه، وَإنَّمَا يُزَهِّدُ الرَّجُلَ في علْم مَا لَمْ يَعْلَمْ قلَّةُ الانْتفَاع بمَا قَدْ عَلمَ".
(خط) عن جابر
قلت: هو حديث موضوع، وقد رواه أيضًا ابن عبد البر في العلم (١/ ٩٥).
١١٣٠/ ٢٤٩٩ - "إِنَّ مِنْ مُوْجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بِذْلَ السَّلامِ، وَحُسْنَ الكَلام".
(طب) عن هانئ بن يزيد
[ ٢ / ٥٥١ ]
قال في الكبير: قال الهيثمي: فيه أبو عبيدة بن عبد اللَّه الأشجعي، روى عنه أحمد وغيره ولم يضعفه أحد وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. وهو ذهول، فإن الأشجعي هذا من رجال الصحيحين.
قلت: هو ذهول حقيقة ولكنه من الشارح لا من الهيثمي الحافظ، فإن أبا عبيدة المذكور لم يرو له من أصحاب الكتب الستة إلا أبو داود وحده، ولم يضعفه أحد كما قال الحافظ الهيثمي، بل ذكره ابن حبان في الثقات وسماه: عبادا، والحديث له عند الطبراني أسانيد متعددة، وأخرجه أيضًا في مكارم الأخلاق عن حفص بن عمر السدوسي:
ثنا عاصم بن علي ثنا قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده به، لكنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن من موجبات المغفرة إطعام الطعام وبذل السلام".
ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [١/ ٢٠٧] عن الطبراني فقال:
حدثنا محمد بن يحيى بن منده ثنا عبد اللَّه بن داود العابد ثنا إبراهيم بن أيوب عن أبي هانئ إسماعيل بن خليفة عن سفيان الثوري عن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول اللَّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: إن موجبات المغفرة بذل الطعام وحسن الكلام".
قال أبو نعيم: وحدثناه أبو محمد بن حيان هو أبو الشيخ: ثنا علي بن رستم ثنا الهذيل ثنا إبراهيم بن أيوب ثنا أبو هانئ مثله: "بذل الطعام. . . ".
ورواه أحمد بن حنبل فيما أعطاه الأشجعي من كتاب أبيه عن الثوري فقال: "بذل السلام وحسن الكلام".
١١٣١/ ٢٥٠٠ - "إِنَّ مِنْ مُوْجِبَاتِ المَغْفِرَةِ إِدْخَالَكَ السُّرُورَ عَلى أَخِيْكَ الْمُسْلِمِ".
(طب) عن الحسن بن علي
[ ٢ / ٥٥٢ ]
قال في الكبير: ضعفه المنذري، وقال الهيثمي: فيه جهم بن عثمان وهو ضعيف، وقال ابن حجر: جهم بن عثمان فيه جهالة وبعضهم تكلم فيه.
قلت: رواه القضاعي في مسند الشهاب، من هذا الوجه أيضًا من رواية يعقوب ابن محمد الزهري:
ثنا جهم بن عثمان أبو رجاء النهدي عن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن عن أبيه عن جده به.
وله شاهد من حديث أنس وجابر بن عبد اللَّه.
فحديث أنس رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج [ص ٤٥، رقم ٣٤] ومكارم الأخلاق معا من طريق وهب بن راشد عن فوقد السبخي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "يا أنس أما علمت أن من المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم تنفسى عنه كربة، تفرج عنه غما، تزجى له صنعة، تقضي عنه دينًا لحقه في أهله".
وحديث جابر رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية [٧/ ٩٠] وفي جزء أفرده لترجمة الحارث، وبعض أحاديثه من رواية الحارث عن يحيى بن هاشم:
ثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا: "إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم إشباع جوعته، وتنفيس كربته".
ويحيى بن هاشم كذاب.
١١٣٢/ ٢٥٠٩ - "إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ مَتِيْنٌ فَأَوْغِلْ فِيْهِ بِرِفقٍ؛ فَإنَّ الْمُنبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ وَلا ظَهْرًا أَبْقَى".
البزار عن جابر
قال في الكبير: قال الهيثمي: فيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب اهـ. ورواه البيهقي في السنن من طرق وفيه اضطراب، روى موصولًا ومرسلًا
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ومرفوعًا وموقوفًا، واضطرب في الصحابي أهو جابر أو عائشة أو عمر؟ ورجح البخاري في التاريخ إرساله.
قلت: ليس في رواة هذا الحديث عمر ولا اختلف به على راويه، وإنما الحديث يروى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص من وجه آخر لا يدخل في حكم الاضطراب بالنسبة لراوي حديث جابر، كما أن حديث الباب لم يختلف الرواة في رفعه ووقفه، بل ذكروه مرفوعًا، وإنما اختلفوا على محمد بن سوقة في وصله وإرساله وفي تعيين صحابيه، والذي اختلف في رفعه ووقفه هو حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
أما حديث الباب فرواه الحاكم في علوم الحديث، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين، والخطابي آخر العزلة، والبيهقي في كتاب الصلاة من سننه، كلهم من طريق أبي يحيى بن أبي مسرة وسماه النقاش عبد اللَّه بن أحمد بن زكريا:
حدثنا خلاد بن يحيى ثنا أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة اللَّه، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى"، هذا لفظ الحديث عند جميعهم، ورواية البزار وقع فيها اختصار، قال الحاكم: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، وكل ما روى فيه فهو من الخلاف على محمد بن سوقة.
فأما ابن المنكدر عن جابر فليس يرويه غير محمد بن سوقة وعنه أبو عقيل وعنه خلاد بن يحيى، وقال البيهقي: هكذا رواه أبو عقيل، وقد قيل: عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن عائشة، وقيل: عنه عن محمد بن المنكدر عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وقيل عنه غير ذلك.
قلت: المرسل رواه البخاري في التاريخ الكبير [١/ ١/ ١٠٢، رقم ٢٨٧] في ترجمة محمد بن سوقة فقال: قال لي إسحاق: أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا
[ ٢ / ٥٥٤ ]
محمد بن سوقة قال: حدثني [ابن محمد] (١) بن المنكدر قال النبي -ﷺ-: "إن هذا الدين متين. . . ".
قال البخاري [١/ ١/ ١٠٣]: ورواه أبو عقيل يحيى عن ابن سوقة عن ابن المنكدر عن جابر عن النبي -ﷺ- والأول أصح.
وأما حديث عبد اللَّه بن عمرو فلا يدخل في الاضطراب في هذا الحديث، لأنه مروي من وجه آخر من طريق الليث عن ابن عجلان عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا سفرًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فاعمل عمل إمرئ يظن أن لن يموت أبدا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدا". رواه البيهقي هكذا مطولًا مجودًا.
ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وابن قتيبة في عيون الأخبار، وابن زنجويه، والديلمي في مسند الفردوس مختصرًا، وبعضهم وقفه على عبد اللَّه ابن عمرو مع اختصار متنه، فهذا حديث آخر غير حديث الباب، وهذا هو الذي اختصره بعضهم، ورواه بالمعنى فجاء بذاك اللفظ الباطل الموضوع المتداول بين الناس لاسيما جهلة الخطباء والمدرسين منهم وهو: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، فإنه لا أصل له من حديث النبي -ﷺ- كما بينته في كتاب أفردته لذلك سميته: "إياك من الاغترار بحديث: اعمل لدنياك"، واختصرته في جزء صغير سميته: "سبل الهدى إلى إبطال حديث: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا" وهذا الاختصار طبع مرتين والحمد للَّه على فضله وامتنانه.
١١٣٣/ ٢٥١٠ - "إِنَّ هَذَا الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ".
(طب. هب) عن ابن مسعود وعن أبي موسى
_________________
(١) الزيادة من التاريخ الكبير (١/ ١/ ١٠٢، رقم ٢٨٧).
[ ٢ / ٥٥٥ ]
قال في الكبير: قال الهيثمي بعد ما عزاه للطبراني: فيه يحيى بن المنذر وهو ضعيف.
قلت: الهيثمي قال ذلك في كتاب الزكاة عن حديث ابن مسعود.
أما حديث أبي موسى فقال عنه في كتاب الزهد: إسناده حسن، فهذا من الشارح خلط للموضوع.
وحديث أبي موسى أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية [٤/ ١١٢] من طريق مؤمل بن إهاب.
ثنا أبو داود ثنا شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن أبي موسى به.
١١٣٤/ ٢٥١١ - "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ".
(ك) عن أنس، السجزي عن أبي هريرة
قال في الكبير: قال ابن الجوزي في العلل: فيه إبراهيم بن الهيثم وخليد بن دعلج ضعيف.
قلت: سقط من الأصل وصف إبراهيم بن الهيثم من الجرح وهذا كلام لا تمييز فيه بين من في سند حديث أنس وحديث أبي هريرة، وخليد بن دعلج إنما هو في سند حديث أنس، كما أن حديث أبي هريرة روى من غير طريق إبراهيم ابن الهيثم، ثم إن المصنف عزا الحديث للحاكم وأطلق فيقتضي ذلك أنه في المستدرك وما أظنه فيه، فإني ما رأيته فيه في كتاب العلم، وإنما أسنده من طريقه الديلمي في مسند الفردوس، وهو إنما يسند غالبًا عنه من التاريخ، قال الديلمي:
أخبرنا ابن خلف كتابة أخبرنا الحاكم ثنا إسماعيل الشعراني ثنا علي بن الفضل ابن طاهر الحافظ البلخي ثنا حامد بن محمد الكتاني ثنا مخيمرة بن سعيد ثنا خليد بن دعلج عن قتادة عن أنس به.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وورد عن أنس من وجه آخر أسقط من هذا، بل ظاهر البطلان، لأن فيه كذابين وضاعين، قال أبو نعيم في رياضة المتعلمين:
حدثنا أبو النضر شافع بن محمد بن أبي عوانة ثنا يعقوب بن إسحاق بن حجر ثنا محمد بن سليمان بن هشام ثنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس به.
يعقوب وشيخه كذابان.
وحديث أبي هريرة رواه أيضًا أبو نعيم في رياضة (١) المتعلمين قال:
حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا أحمد بن القاسم بن مساور ثنا سريج بن يونس ثنا أصرم بن غياث عن سويد بن سنان عن هارون بن عنترة عن أبي هريرة قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه"، قال أبو نعيم: رواه محمد بن معاوية من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا.
قلت: طريق محمد بن معاوية أخرجه الديلمي عن الروني عن أبي نصر الدستوائى عن سهل بن يحيى عن عبد اللَّه بن الوكيل عن عبدان عن محمد ابن معاوية عن جعفر ابن أخي الماجشون عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به مرفوعًا.
ثم قال أبو نعيم: والصحيح من ذلك كله ما حدثناه أبو بكر بن خلاد:
ثنا محمد بن يونس السامي ثنا أزهر بن سعد ثنا عبد اللَّه بن عون عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه".
قلت: وهكذا هو في مقدمة صحيح مسلم كما ذكره الشارح أيضًا.
١١٣٥/ ٢٥١٣ - "إِنَّ هَذَا القُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَاقْبَلُوا مِنْ مَأْدُبَتَهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ".
(ك) عن ابن مسعود
_________________
(١) هنا كتب رياض.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قال في الكبير: قال الحاكم: تفرد به صالح بن عمر عن إبراهيم الهجرى وهو صحيح، وتعقبه الذهبي بأن صالحًا ثقة خرج له مسلم، لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف.
قلت: الحديث عند الحاكم مطولًا اختصره المصنف، والشارح غيَّر كلام الحاكم فأفسده، فإن الحاكم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر، فتعقبه الذهبي بما نقله الشارح، وبهذا اتضح الكلام فالحاكم ادعى أن الشيخين لم يخرجاه من أجل أنه من رواية صالح بن عمر، فقال له الذهبي: صالح من رجال مسلم، ولكنهما لم يخرجاه من أجل إبراهيم بن مسلم فهو ضعيف.
أما كون صالح تفرد به فلم يقله الحاكم، بل هو من زيادة الشارح عليه وهي زيادة لا يرضاها الحاكم، لأنها تنادي عليه بالقصور، فإن صالح بن عمر لم ينفرد به عن إبراهيم، بل رواه علي بن عاصم عنه أيضًا مرفوعًا، وجعفر بن عون وغيره عنه موقوفًا، أخرج الأولى البغوى في التفسير من طريق أبي بكر الآجري:
ثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصولي ثنا الحسن بن محمد الزعفراني ثنا علي ابن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد [اللَّه] قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- بمعناه.
وأخرج الموقوف حميد بن زنجويه عن جعفر بن عون: أنا إبراهيم بن مسلم به موقوفًا.
ثم إن إبراهيم بن مسلم لم ينفرد به أيضًا لا مرفوعًا ولا موقوفًا، بل ورد من غير طريقه على الوجهين أيضًا.
فالمرفوع أخرجه أبو نعيم في التاريخ عن أبي الشيخ:
حدثنا محمد بن الحسن ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أيوب بن سليمان ثنى أبو
[ ٢ / ٥٥٨ ]
بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن هذا القرآن مأدبة اللَّه فتعلموا من مأدبة اللَّه ما استطعتم".
والموقوف له طرق، فرواه عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص به، ورواه ابن المبارك في الزهد عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن أبي الأحوص به.
ورواه أبو نعيم في التاريخ من طريق سعد بن الصلت عن القاسم بن معن عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص به، وآخرون.
١١٣٦/ ٢٥١٨ - "إِنَّ هَذِهِ القُلُوْبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَإِذَا سَأَلْتُم اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ وَاثِقُونَ بَالإِجابَةِ، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءَ مَن دَعَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ".
(طب) عن ابن عمر
قال في الكبير: قال الهيثمي: فيه بشر بن ميمون الواسطى مجمع على ضعفه.
قلت: ورد من غير طريقه لكنه مرسل عمن يرسل عن ابن عمر أيضًا، قال ابن المبارك في الزهد [ص ٣٩١، رقم ٨٥]:
أخبرنا سعيد بن أبي أيوب عن بكر بن عمرو عن صفوان بن سليم قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-. . . فذكره.
١١٣٧/ ٢٥٣٥ - "إِنَّكُمْ سَتُبْتَلونَ فِي أَهْلِ بَيْتِي مِنْ بَعْدِي".
(طب) عن خالد بن عرفطة
قال الشارح في الكبير: بفتح المهملة أوله.
قلت: بل بضمها وضم الفاء.
١١٣٨/ ٢٥٤٢ - "إِنَّكُمْ فِي زَمَان مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِه هَلَكَ،
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بهِ نَجَا".
(ت) عن أبي هريرة
قال في الكبير: قال (ت): غريب، وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: قال النسائي: حديث منكر، رواه نعيم بن حماد وليس بثقة.
قلت: رواه أيضًا أبو نعيم في الحلية من رواية إسماعيل بن عبد اللَّه عن نعيم ابن حماد عن ابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به، ثم قال: غريب، تفرد به نعيم عن سفيان، وأسنده الذهبي في ترجمة نعيم بن حماد من التذكرة من طريق الترمذي عن إبراهيم الجوزجاني عن نعيم به، ثم قال: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث رسول اللَّه -ﷺ- ولا شاهد، ولم يأت به عن سفيان سوى نعيم، وهو مع إمامته منكر الحديث اهـ.
كذا قال، وهو ظلم وإسراف، وليس في الحديث ما ينكر، بل الحال والواقع شاهد له، فإن السلف الصالح ولا سيما الصحابة لو رأوا زماننا وأعمالنا لحكموا علينا بالردة، نعوذ باللَّه من سوء القضاء.
وليس المراد بعشر ما أمر به الفرائض، ولكن المراد جملة المأمورات؛ بحيث يكون التمسك بالفرائض وحدها أو مع بعض المؤكدات من نوافل الخيرات عشر ما أمر به المرء، فلا يكون في الحديث نكارة، واللَّه أعلم.
ومن غريب ما يدخل في هذا الباب قول حذيفة ﵁: "يأتي على الناس زمان لا يصلح فيه إلا بالذي كان ينهى عنه"، أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد بسند صحيح (ص ٧٩).
١١٣٩/ ٢٥٤٣ - "إِنَّكُمْ لا تَرْجِعُونَ إِلى اللَّهِ تَعَالى بِشَيءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ، يَعْنِي القُرْآنَ".
(حم) في الزهد، (ت) عن جبير بن نفير مرسلًا (ك) عنه عن أبي ذر
[ ٢ / ٥٦٠ ]
قال في الكبير: سكت عليه المصنف فلم يشر إليه بعلامة الضعيف فاقتضى جودته، وكأنه لم يقف على قول سلطان هذا الشأن -البخاري- في كتاب خلق الأفعال: إنه لا يصح لإرساله وانقطاعه؛ هكذا قال وأقره عليه الذهبي.
قلت: البخاري قال ذلك حسب الرواية المرسلة أو ترجيحًا منه للإرسال، والرواية الموصولة سندها صحيح بل هو عين سند المرسلة فإن الحديث رواه أحمد في الزهد عن عبد الرحمن بن مهدي.
ورواه الترمذي عن إسحاق بن منصور عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا [٢/ ١٥٠] قال:
حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير به مرسلًا.
ورواه الحاكم في المستدرك [١/ ٥٥٥] عن عبد اللَّه بن محمد بن زياد العدل:
حدثنا جدي أحمد بن عبد اللَّه ثنا سلمة بن شبيب حدثني أحمد بن حنبل به موصولًا عن أبي ذر، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره على ذلك الذهبي، هكذا رواه في كتاب فضائل القرآن، ورواه في كتاب التفسير عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى:
ثنا الفضل بن محمد الشعراني ثنا عبد اللَّه بن صالح حدثني معاوية بن صالح به موصولًا أيضًا، لكن قال: عن عقبة بن عامر بدل: أبي ذر، وزاد [٢/ ٤٤١] أن رسول اللَّه -ﷺ- تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه. . . " وذكره، ثم قال أيضًا: صحيح الإسناد، وأقره عليه الذهبي، مع أن عبد اللَّه بن صالح فيه مقال، والوهم منه في قوله: عقبة بن عامر، إن لم يكن اضطرابًا من زيد بن أرطأة، فإنه روى حديثًا بمعناه عن أبي أمامة وهو لم يدركه، إنما روى عنه
[ ٢ / ٥٦١ ]
بواسطة جبير بن نفير أيضًا، وهو ثقة لم يوصف بضعف إلا أن الثقة قد يهم وينسى.
والغالب -إن شاء اللَّه تعالى- أن حديث أبي أمامة شاهد لحديث أبي ذر، وأن عقبة بن عامر وهمٌ من عبد اللَّه بن صالح فإنه ضعيف، وأن الإرسال لا يضر الموصول، والمتقدمون غالبًا يرجحون المرسل وذكره على الموصول، وكم حديث خرجه الأئمة موصولًا خرجه أحمد في الزهد مرسلًا، بل ربما خرج في الزهد مرسلًا ما خرجه هو نفسه في المسند مسندا، وكذلك أحاديث عبد اللَّه بن المبارك أكثرها عنده في الزهد وفي البر مرسلة، وهي في المسند والأصول الأخرى مروية من طريقه موصولة، وذلك اختيارًا منهم لذكر المرسل، فلا يدل على ضعف الحديث ولا على كون المرسل أرجح (١)، فقول الشارح باطل على كل حال.
١١٤٠/ ٢٥٤٨ - "إِنَّمَا الأَعْمَالُ كَالْوِعَاءِ إِذَا طَابَ أَسْفَلهُ طَابَ أَعْلاهُ، وَإِذَا فَسَدَ أَسْفَلهُ فَسَدَ أَعْلاهُ".
(هـ) عن معاوية
قال في الكبير: فيه الوليد بن مسلم وسبق أنه ثقة، وعبد الرحمن بن يزيد أورده الذهبي في الضعفاء وقال: ضعفه أحمد، وقال البخاري: منكر الحديث.
قلت: عبد الرحمن بن يزيد المذكور في سند هذا الحديث هو ابن جابر أبو عتبة الأزدي وهو ثقة، وعبد الرحمن بن يزيد الذي ذكره الشارح هو ابن تميم الدمشقي، فأين هذا من ذاك؟!
والوليد بن مسلم مع كونه ثقة لم ينفرد بالحديث، بل تابعه عبد اللَّه بن المبارك وصدقة بن خالد وغيرهما، فمتابعة [ابن] المبارك عنده في كتاب الزهد.
_________________
(١) راجع بحث المؤلف في قاعدة الوصل والإرسال ص ٥٣٦ من الجزء السادس.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
ومن طريقه رواه أحمد في المسند [٤/ ٩٠٤]، والقضاعي في مسند الشهاب، ومتابعة صدقة أخرجها أبو نعيم في الحلية من طريق جعفر الفريابي:
ثنا هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.
فالتحقيق مشرق والشارح مغرب.
١١٤١/ ٢٥٥٠ - "إِنَّمَا الأَمَلُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّه لأمَّتي لَوْلا الأَمَلُ مَا أَرْضَعَتْ أُمٌّ وَلَدًا، وَلا غَرَسَ غَارِسٌ شَجَرًا".
(خط) عن أنس
قلت: أخرجه أيضًا الديلمي في مسند الفردوس كلاهما من طريق محمد بن إسماعيل الرازي وهو كذاب وضاع انفرد به، فيلام المصنف على إيراده هذا الحديث هنا.
أما انتقاد الشارح على المصنف فساقط كما نبهنا عليه في كثير من أمثاله.
١١٤٢/ ٢٥٥٤ - "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاثَة: فِي الْفَرَس، وَالْمَرْأَةِ، وَالْدَّارِ".
(خ. د. هـ) عن ابن عمر
قال الشارح في الكبير: قال الذهبي: هو مع نكارته إسناده جيد ولم يخرجوه.
قلت: هذا من عجائب الشارح في أوهامه، ولعله يريد بنقله هذا حديثًا لعائشة خرجه البيهقي، وأورده هو قبل ذكر مخرجي حديث الأصل، لكنه أخر الكلام عنه إلى ما بعد حديث الأصل فأتى بهذه الأعجوبة.
١١٤٣/ ٢٥٦٧ - "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، تَدْمَعُ الْعَينُ، وَيَخْشَعُ الْقَلْب وَلا نَقُوْلُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيم إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ".
ابن سعد عن محمود بن لبيد
قال في الكبير: ورواه البخاري وأبو داود في الجنائز، ومسلم في الفضائل عن
[ ٢ / ٥٦٣ ]
أنس بلفظ: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" اهـ. وقد سمعت غير مرة أن الحديث إذا كان في أحد الصحيحين ما يفيد معناه فالعدول عنه لغيره ممنوع عند المحدثين.
قلت: وكذلك الغفلة المفرطة والبلادة المتناهية ممنوعة عندهم وصاحبها في عرفهم ساقط، فإن الذي يستدرك حديثا مصدرًا بـ "إن" في موضع أحاديث مصدرة بـ "إنما" في كتاب مرتب ترتيبًا دقيقًا على حروف المعجم ساقط عن درجة الاعتبار، وكذلك الذي يخلط موضوع كتب الأبواب والتراجم بكتب الحروف المعجمة.
١١٤٤/ ٢٥٨١ - "إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبدُ، وَأَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُ الْعَبْدُ".
(عد) عن أنس
قلت: في الباب عن أبي هريرة عند الديلمي في مسند الفردوس (١/ ٣٢٠) من الأصل المخطوط بدار الكتب المصرية.
وعن ابن عمر عند أبي نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٧٣).
وعن أبي جحيفة عند أبي نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٦)، وسيأتي في حرف "لا" وهو أول حديث فيه.
وعن عطاء بن أبي رباح مرسلًا في زهد أحمد (ص ٥).
وعن الحسن مرسلًا عنده أيضًا (ص ٦).
وانظر حرف الهمزة أول الكتاب فقد اطلنا في طرقه والحمد للَّه.
١١٤٥/ ٢٥٩٢ - "إِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الأَبْرَارَ؛ لأَنَّهُمْ بَرُّوا الآبَاءَ وَالأمَّهَاتِ وَالأَبْنَاءَ، كَمَا أَنَّ لِوَالِدَيكَ عَلَيكَ حَقّا كَذَلِكَ لِوَلدِكَ".
(طب) عن ابن عمر
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قال في الكبير: وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره لأعلى من الطبراني، وهو قصور فقد رواه البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر وترجم عليه باب بر الأب لولده، فالضرب عنه صفحًا والعدول عنه إلى الطبراني من سوء التصرف.
قلت: هو كما يقول: قصور وسوء تصرف بل وجهل مفرط، ولكن من الشارح المسكين لا من المصنف الحافظ، فالبخاري ما خرجه في الأدب المفرد مرفوعًا، بل موقوفًا على ابن عمر من قوله، فلا يليق خلط الموقوف بالمرفوع إلا من فاقد التحقيق كالشارح، أما المصنف الحافظ المحقق فأعاذه اللَّه من ذلك، راجع (ص ١٧) من الأدب المفرد طبعة التازي بمصر.
وقد أخرجه الدينوري في المجالسة عن محارب بن دينار من قوله دون ذكر ابن عمر أيضًا.
وأخرجه مرفوعًا ايضًا ابن عساكر، كما أورده من عنده ابن كثير في التفسير (٩/ ١٣٦).
١١٤٦/ ٢٥٩٤ - "إِنَّمَا سُمِّى الخضرُ خَضرًا؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِي تَهْتَزُّ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ".
(حم. ق. ت) عن أبي هريرة (طب) عن ابن عباس
قال في الكبير: ما ذكره من أن الشيخين معًا خرجاه هو ما جرى عليه البعض فتبعه، لكن الصدر المناوي قال: لم يخرجه مسلم فليحرر.
قلت: ما رأيته في صحيح مسلم، وقد عزاه الحافظ في الإصابة للصحيحين أيضًا، وذكر غيره أنه من أفراد البخاري، والواقع كذلك والعلم عند اللَّه تعالى.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد للَّه رب العالمين، كمل الجزء الثاني من المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي، للفقير إلى اللَّه تعالى خادم الحديث أحمد بن محمد بن الصديق الحسني الغماري المنصوري التجكاني بعد عصر يوم الجمعة خامس عشر شعبان سنة ست وستين وثلاثمائة وألف ويليه الجزء الثالث والحمد للَّه رب العالمين أولًا وآخرًا.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
تأليف
الحافظ أبي الفيض أحمد بن محمد ابن الصديق الغماري الحسني المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ
[الجزء الثالث]
[ ٣ / ١٣٢٤ ]
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ٢٨٩١/ ٩٦
الترقيم الدولي: ٠ - ٠٣ - ٥٢٣٥ - ٩٧٧
بتاريخ: ٣/ ٢/ ١٩٩٦
الطبعة الأولى
[ ٣ / ٢ ]
«من أَرَادَ صناعَة الحَدِيث فَعَلَيهِ بالمداوي»
عبد اللَّه بن الصّديق
[ ٣ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٤ ]
هَذِه هِيَ الطبعة الشَّرْعِيَّة الوحيدة لكتاب «المداوي» علمًا بِأَن الْحُقُوق مَمْلُوكَة بالكامل لدار الكتبي وَحدهَا وكل من يتجرأ على طبع الْكتاب سَوف يُتَابع قضائيًا
[ ٣ / ٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم
١١٤٧/ ٢٥٩٥ - "إنَّما سُمِّى القلبُ من تقلُّبِه، إنَّما مثلُ القلبِ مثل الرِّيشةِ بالفلاةِ تَعلقتْ في أصلِ شجرةٍ يُقلِّبُها الرِّيحُ ظهرا لبطنٍ".
(طب) عن أبي موسى
قال في الكبير: قال العراقي: إسناده حسن، وقضية صنيع المؤلف أن هذا لم يخرجه أحد من الستة وإلا لما عدل عنه على القانون المعروف وهو ذهول، فقد خرجه منهم بعضهم باللفظ المزبور.
قلت: هذا كلام ساقط يشتمل على كذب وجهل وتدليس كما نشرحه من وجوه، الأول: قوله: خرجه بعضهم باللفظ المزبور كذب صراح، بل خرجه ابن ماجه في باب القدر [١/ ٣٤، رقم ٨٨] من رواية يزيد الرقاشي عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "مثل القلب مثل الريشة تقلبهما الرياح بفلاة"، فأين هو اللفظ المزبور في الكتاب المصدر
[ ٣ / ٧ ]
بـ "إنما" الزائد فيه عدة جمل؟.
الثاني: أن المصنف قد أورده بهذا اللفظ في حرف الميم، وعزاه لابن ماجه، فالشارح إما جاهل بذلك، وإما عنيد ملبس.
الثالث: قوله: فقد خرجه منهم بعضهم تدليس قصد به التستر حتى لا يفتضح إن صرح باسم المخرج من الستة ووقع الرجوع إليه.
الرابع: عدم تصريحه باسم المخرج له من الستة زيادة لا فائدة فيها إلا تسويد الورق، وإيقاع الناظر في حيرة إذ لا يعلم هل خرجه البخاري أو مسلم أو أحد الأربعة أهل السنن؟، فلم يكن في كلامه فائدة أصلا.
الخامس: الحديث خرجه أحمد في مسنده مع هذا كان على الشارح ألا [يعزوه] لابن ماجه، قال أحمد [٤/ ٤٠٨، رقم ١٩٦٨٣]:
ثنا عفان ثنا [عبد الواحد بن زياد] ثنا عاصم الأحول عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: "قال رسول اللَّه -ﷺ-: إنما سمى القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا لبطن" ورواه (١) والقضاعى في مسند الشهاب وسيأتى الكلام عليه.
١١٤٨/ ٢٥٩٥ - "إنما سُمِّى رمضانُ لأنَّه يَرمضُ الذنوبَ"
محمد بن منصور السمعانى وأبو زكريا يحيى بن منده في أماليهما عن أنس
قلت: هذا موضوع، ويأتى الكلام عليه في الذي بعده.
١١٤٩/ ٢٥٩٧ - "إنما سُمِّى شعبانُ لأنه يَتشعبُ فيه خيرٌ كثيرٌ للصائمِ فيه حتى يَدخلَ الجنةَ".
الرافعى في تاريخه عن أنس
_________________
(١) سقط من المخطوطة.
[ ٣ / ٨ ]
قلت: هذا حديث موضوع باطل لا أصل له عن النبي -ﷺ- كالذى قبله وهما حديث واحد، فرقهما المصنف بحسب مما وقع له في كتب المخرجين، قال أبو زكريا بن منده في أماليه:
حدثنا سعد بن أبي سعيد الصوفى ثنا عمر بن أحمد بن محمد النيسابورى ثنا عبد الرحمن بن حمدان ثنا إسحاق بن أحمد بن مهران الرازى أبو يعقوب ثنا الحارث بن مسلم ثنا زياد بن ميمون أبو عمار صاحب الفاكهة عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "تدرون لم سمى رمضان؟ لأنه ترمض فيه الذنوب، وإن في رمضان ثلاث ليال من فاتته فاته خير كثير: ليلة سبع وعشرين، وليلة إحدى وعشرين وآخر ليلة، فقال عمر: يا رسول اللَّه هي سوى ليلة القدر؟ قال: نعم، ومن لم يغفر له في شهر رمضان ففى أى شهر يغفر له؟ ".
وقال أبو الشيخ:
حدثنا على بن أبي على ثنا إسحاق بن أحمد الجزار الرازى ثنا الحارث بن مسلم به، ولفظه: "تدرون لم سمى شعبان؟ لأنه يتشعب فيه لرمضان خير كثير، وإنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب، أى يذيبها من الحر".
فهذا كله من افتراء زياد بن ميمون الوضاع الدجال، الذي اعترف أنه لم يلق أنسا ولم يسمع منه شيئًا وأن كل ما حدثه به عنه فهو كذب وافتراء عليه، فقد أساء المصنف بإيراد هذه الأخبار المكذوبة، واللَّه المستعان.
١١٥٠/ ٢٥٩٨ - "إنّما سُميتِ الجمعةُ لأن آدمَ جمعَ فيها خلقهُ".
(خط) عن سلمان
قال في الكبير: وفيه عبد اللَّه بن عمرو بن أبي أمية، قال الذهبى: فيه جهالة، وقرثع الضبى ذكره ابن حبان في الضعفاء.
قلت: فيه تعقب على المصنف والشارح.
[ ٣ / ٩ ]
أما المصنف فإنه عزاه إلى الخطيب وأطلق والخطيب لم يوصله، بل ذكره معلقا فقال في ترجمة محمد بن عيسى بن أبي موسى العطار: روى عنه محمد بن عمر العطار: ثنا محمد بن عيسى، فذكره بسنده، ثم بعد هذا أسند عنه الخطيب حديثا بواسطتين.
وأما الشارح ففى قوله: فيه عبد اللَّه بن عمرو بن أبي أمية، قال الذهبى: فيه جهالة فإن الذهبى لم يذكر الرجل في الضعفاء ولا قال ذلك عنه في الميزان.
١١٥١/ ٢٥٩٩ - "إنَّما مثلُ المؤمنِ حينَ يُصيبه الوعكَ أو الحمى كمثلِ حديدةِ تدخل النَّار فيذهبُ خبثها ويبقى طيبها".
(طب. ك) عن عبد الرحمن بن أزهر
قال في الكبير: قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبى وقال في المهذب: مرسل جيد.
قلت: نعم قال ذلك الذهبى وهو وهم منه وتناقض، فعبد الرحمن بن أزهر لا شك في صحبته ولا اختلاف، فكان الواجب على الشارح أن يتعقب الذهبى على هذا الوهم والتناقض، ولا يسكت عليه فيوقع الناظر في الحيرة.
١١٥٢/ ٢٦٠١ - "إنَّما مثلُ الجليسِ الصالحِ، والجليسِ السوءِ كحاملِ المسكِ ونافخِ الكير: فحاملُ المسكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أن تبتاعَ منه وإما أنْ تجدَ منه ريحا طيبةً، ونافخُ الكيرِ إما أن يَحرقَ ثيَابَك، وإما أنْ تجدَ ريحا خبيثةً"
(ق) عن أبي موسى
قلت: ينتقد على المصنف عزو هذا الحديث إلى المتفق عليه بهذا اللفظ الداخل في حرف الهمزة على حسب اصطلاحه في هذا الكتاب، فإن البخارى لم يخرجه بلفظ: "إنما" في أوله، بل الذي خرجه كذلك مسلم وحده، وقد
[ ٣ / ١٠ ]
أعاده المصنف بدونها في حرف "الميم"، وعزاه إلى البخارى وحده فكان الواجب عزوه لهما معا هناك أيضًا كما هو الواجب المتبع بين أهل الحديث، فلا هو تمسك باصطلاحه في كتابه، ولا اتبع طريقة أهل الحديث.
١١٥٣/ ٢٦٠٢ - "إنَّما مثلُ صوم التطوعِ مثلُ الرَّجلِ يخرجُ مِن مَالِهِ الصَّدقَةَ، فإن شاءَ أمضَاهَا، وإنْ شَاءَ حبَسَهَا".
(ن. هـ) عن عائشة
قال الشارح في معناه: يصح النفل بنية من النهار أى قبل الزوال والفطر عند الشافعى، ويثاب من طلوع الفجر، ثم قال عقب عزوه: فيه انقطاع ونقل ذلك في الكبير عن عبد الحق، وأنه قال: إنه من رواية طلحة بن يحيى عن مجاهد عن عائشة، ومجاهد لم يسمعه منها كما في علل الترمذى.
قلت: فيه أمور، الأول: أن الحديث مشرق والمعنى الذي ذكره الشارح مغرب، بل معناه: أن الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم صومه، وإن شاء أفطر ولم يتم صومه، كالمتصدق إن شاء أمضاها وإن شاء ردها، أو كون التطوع يصح بنية من النهار، فلا دلالة في الحديث عليه أصلا.
الثانى: إنما دخل الوهم على الشارح في هذا المعنى من جهة كون الحديث له أصل وقصة تفيد ذلك الحكم، وعليه اقتصر مسلم وغيره في رواية الحديث، ولم يذكروا هذه الزيادة التي خرجها النسائي وابن ماجه، بل ذكرها مسلم مدرجة في الحديث من قول مجاهد فروى من طريق طلحة يحيى بن عبيد اللَّه:
حدثتنى عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "قال لى رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم يا عائشة هل عندكم شيء؟ قالت: فقلت يا رسول اللَّه ما عندنا شيء، قال: فإنى صائم، قالت: فخرج رسول اللَّه -ﷺ-، فأهديت لنا هدية أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع
[ ٣ / ١١ ]
رسول اللَّه -ﷺ-، قلت: يا رسول اللَّه أهديت لنا هدية أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئًا، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاته، فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائما"، قال طلحة: فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها هذا لفظ الحديث، فكأن الشارح رأى من تكلم عليه واستخرج منه حكم صيام النافلة وأنه يجوز بنية في النهار كما هو صريح أول الحديث، فنقله إلى آخره الذي ذكر مرفوعًا مجردا في الكتاب مع أنه لا ارتباط له بذلك أصلا.
الثالث: ما ذكره من أن الحديث منقطع، وأن مجاهدا لم يسمع من عائشة غير صحيح، بل الصحيح أنه سمع من عائشة كما صرح بذلك في صحيح البخارى.
الرابع: لو أعل الحديث بالوقف كما وقع في صحيح مسلم لكان له وجه أو بالاختلاف على طلحة بن يحيى، فإنه رواه مرة عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة، وزاد في آخره الزيادة المذكورة عن مجاهد من قوله، ورواه مرة عن مجاهد عن عائشة عن النبي -ﷺ- مرفوعًا.
١١٥٤/ ٢٦٠٤ - "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قْبلَكُمْ بِاخِتلاِفهم في الكِتَابِ"
(م) عن ابن عمرو بن العاص
قال في الكبير: وقضية كلام المؤلف أن ذا مما تفرد به مسلم عن البخارى وهو ذهول بل خرجه عن النزال بن سبرة عن ابن مسعود ليس بينهما إلا اختلاف قليل، ومن ثم أطلق عزوه إليهما أئمة كالديلمى.
قلت: هذا باطل من وجهين، أحدهما: أن لفظ البخارى لا يدخل في هذا الكتاب، أو على الأقل في هذا الحرف.
قال البخارى: حدثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن
[ ٣ / ١٢ ]
النزال بن سبرة عن عبد اللَّه "أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي -ﷺ- قرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي -ﷺ- فقال: كلاكما محسن فأقرأ أكبر علمى قال: فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم". [٦/ ٢٤٥، رقم ٥٠٦٢]:
الثانى: لا يتصور من الأئمة عزوهم الحديث إلى المتفق عليه مع أن مسلما خرجه من حديث ابن عمرو [٤/ ٢٠٥٣، ٢/ ٢٦٦٦]، والبخارى من حديث ابن مسعود اللهم إلا أن يكون وقع ذلك في كلام بعض الفقهاء الذين يقصدون المعنى من حيث هو دون مراعاة الطرق واصطلاح أهل الحديث، وأولئك لا يعتبر قولهم في كتب التخريج فضلا عن هذا الكتاب المرتب على حروف المعجم، والشارح يتيقن ذلك، ولكنه يتغافل لحاجة في نفسه.
١١٥٥/ ٢٦٠٦ - "إنَّمَا هُما اثنَتَان، الكلام والهدى، فَأحْسن الكلام كَلامُ اللَّه، وَأحسن الهدى هَدى مُحمَّدٍ، ألا وَإِيَّاكُم وَمحَدثات الأمُورِ، فإنَّ شر الأمُورِ مُحدثَاتُها، وَكلّ مُحدثةٍ بدعة، وَكلُّ بدعة ضلالة، ألا لا يطُولنَّ عَليكُم الأمد فَتقسُو قُلُوبكُم، ألا إنَّ كُلَّ مَا هُو آتٍ قَرِيب، وَإنَّما البعيدُ مَا لَيسَ بِآتٍ، ألا إنَّما الشَّقيُّ مَن شقى في بطنِ أمهِ والسعيدُ من وُعِظ بغيره، ألا إن قِتالَ المؤمن كفر، وسبَابُه فسوقَ، ولا يحل لمسلمَ أن يهجرَ أخَاهُ فوقَ ثلاث، ألا وإياكم والكذب، فإن الكذبَ لا يصلح لا بالجدِّ ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه لا يفى له، وإن الكذبَ يهدى إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدى إلى النَّارِ، وإنَّ الصدقَ يَهدِى إلى البرِ، وإن البرَ يَهدِى إلى الجنةِ، وإنه يقال للصادقِ: صدق وبر، ويُقَال للكاذبِ: كذب وفجر، ألا وإن العبدَ يكذب حتّى يُكْتَبَ عَنْد اللَّه كذابًا".
(هـ) عن ابن مسعود
[ ٣ / ١٣ ]
قلت: هذا الحديث ورد عن ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا، ومختصرًا كما هنا ومطولًا في نحو ورقة، وقد بسطت طرقه في مستخرجى على مسند الشهاب في عدة مواضع منها في الخامس والعشرين والثانى عشر بعد اللَّه الثمانمائة وغيرهما.
١١٥٦/ ٢٦٠٨ - "إنَّما يُبْعَثُ المقتَتِلُونَ عَلى النّياتِ"
ابن عساكر عن عمر
قال في الكبير: وفيه عمرو بن شمر، قال في الميزان عن الجوزجانى: كذاب وعن ابن حبان: رافضى يروى الموضوعات، وعن البخارى: منكر الحديث ثم ساق له مناكير هذا منها. ثم قال: وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز وهو عجب، فقد خرجه أبو يعلى والطبرانى باللفظ المزبور. قال الهيثمى [١٠/ ٣٣٢]: وفيه جابر الجعفى، ضعيف.
قلت: بل هذا من التهور الظاهر، والكذب المكشوف، فأبو يعلى والطبرانى خرجاه بلفظ: "إنما يبعث المسلمون" (١) وهو أعم من المقتتلين، فأين اللفظ المزبور؟!.
_________________
(١) لم أجده في معاجم الطبرانى الثلاثة، وإنما هو في مسند أبي يعلى (١١/ ١٢١، رقم ٦٢٤٧) عن أبي هريرة بلفظ: "يبعث الناس على نياتهم". وذكره في المطالب العالية (٢/ ١٤٣، رقم ١٨٧٧) عن عمر بلفظ: "إنما يبعث المقتتلون يوم القيامة على النيات" وعزاه إلى أبي يعلى فقط. وقال في المجمع (١٠/ ٢٣٢) بعد أن ذكر الحديث: رواه أبو يعلى في الكبير اهـ. ولأبى يعلى المسند الكبير، فعله ظن العبارة: رواه أبو يعلى والطبرانى في الكبير فنسبه إليهما، فاللَّه أعلم.
[ ٣ / ١٤ ]
١١٥٧/ ٢٦١٠ - "إنَّما يَدخل الجنَّةَ مَنْ يرجُوها، وإنَّما يُجنب النَّار مَنْ يَخافها، وإنَّما يرحمُ اللَّه من يَرحَم"
(هب) عن ابن عمر
قال في الكبير: قال العلائى: إسناده حسن على شرط مسلم، وأقول: هذا غير مقبول، ففيه سويد بن سعيد، فإن كان الهروى فقد قال الذهبى: قال أحمد: متروك، وقال البخارى: عمى فلقن فتلقن، وقال النسائى: غير ثقة. وإن كان الدقاق فمنكر الحديث كما في الضعفاء للذهبى.
قلت: الشارح تسلط على الحديث وهو ليس من أهله ولا ضُرب له بسهم فيه ومن لا يفرق بين سويد بن سعيد الهروى الحدثانى، وبين سويد بن سعيد الطحان، كيف يتعقب على مثل الحافظ العلائى إن هذا لعجب، فسويد بن سعيد المذكور في سند الحديث هو الأول، وهو من رجال مسلم، فالحديث على شرطه كما قال العلائى.
وسويد بن سعيد وإن كان مختلفا فيه إلا أن أكثر ما عيب به التدليس، وكونه عمى فصار يتلقن، وإنما أفحش القول فيه ابن معين للعصبية المذهبية، ومشاركته نعيم بن حماد في رواية الحديث الوارد في ذم الحنفية، وإلا فقد وثقه جماعة، وقال مسلمة: هو ثقة ثقة، وقال إبراهيم بن أبي طالب: قلت لمسلم كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح؟ فقال: ومن أين كنت آتى بنسخة حفص بن ميسرة؟! اهـ.
فمسلم روى عنه نسخة حفص بن ميسرة وهى معروفة مأمون أمرها؛ لأنها مكتوبة محفوظة، وهذا الحديث أيضًا منها، فإن سويدا رواه عن حفص بن
[ ٣ / ١٥ ]
ميسرة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر.
قال أبو نعيم [٣/ ٢٢٥]: حدثنا حميد ثنا عبد اللَّه بن محمد بن ناجية ثنا سويد بن سعيد ثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عن ابن عمر به، ثم قال: غريب من حديث زيد مرفوعًا متصلا تفرد به حفص، ورواه ابن عجلان عن زيد مرسلا اهـ.
وقال أبو الشيخ: ثنا قاسم بن زكريا ثنا سويد بن سعيد به.
ورواه الديلمى في مسند الفردوس من طريق أبي الشيخ، فالقول ما قال العلائى.
أما قول الشارح "وإن كان الدقاق فمنكر الحديث كما قال الذهبى في الضعفاء" فداهية أخرى تنبئك ببعد الشارح عن فن الحديث وفهم اصطلاح أهله، فسويد بن سعيد الدقاق لم يقل فيه الذهبى منكر الحديث، بل قال: لا يكاد يعرف، روى عن على بن عاصم خبرا منكرا قاله ابن الجوزي اهـ.
وبون كبير بين قولهم روى خبرا منكرا، وقولهم منكر الحديث كما هو ظاهر حتى في قواعد اللغة العربية فضلا عن اصطلاح أهل الحديث.
والرجل ذكره [ابن] حبان في الثقات، وقال عنه الحافظ: لين الحديث.
وأين هذا من منكر الحديث؟! بل الشارح منكر الكلام في الحديث.
١١٥٨/ ٢٦١٢ - "إنَّما يَرحمُ اللَّه مِن عِبادِه الرحماءُ"
(طب) عن جرير
قال في الكبير: وعزوه للطبرانى كالصريح في أنه لم يره في شيء من الكتب
[ ٣ / ١٦ ]
الستة وهو غفول قبيح، فقد عزاه هو نفسه في الدرر للشيخين معًا من رواية أسامة بن زيد، وهو في كتاب الجنائز من البخارى ولفظه عن أسامة بن زيد: قال: "أرسلت بنت للنبي -ﷺ- تقول إن ابنى قد احتضر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول إن للَّه ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم [عليه] ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إليه الصبى فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد: يا رسول اللَّه ما هذا؟ قال هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".
قلت: في هذا أمور: الأول: حيث عرف أن المصنف نفسه عزاه في الدرر إلى الشيخين فكان حقه أن يستحى ويعلم أنه غير جاهل بوجوده فيهما.
الثانى (١): صنيع المصنف في الدرر صنيع أهل التخريج، والكلام على الحديث من حيث هو، وصنيعه في هذا الكتاب مقيد باصطلاح خاص وهو إيراد الأحاديث القولية المختصرة مرتبة على حروف المعجم في الأول والذي يليه بحسب لفظ النبي -ﷺ- على ما عند كل راوٍ على حسب روايته، وحديث أسامة بن زيد كما ترى وقع في آخر حديث، وأوله "إن للَّه ما أخذ وله ما أعطى"، ولو اعتبرنا الجملة الأخيرة وحدها فأولها "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده" فحقه أن يذكر الحديث في حرف "الهاء" فكيف وهو لا يقتصر على أواخر الحديث بل يذكره بتمامه، ولذا خص هذا الكتاب
_________________
(١) في الأصل: "الثالث".
[ ٣ / ١٧ ]
بالمختصرات دون المتون المطولة فأفردها بكتابه "زوائد الجامع الصغير"، وحديث جرير هو حديث بتمامه غير مختصر.
الثالث (١): ولو حكمنا على المصنف بإيراد آواخر الحديث في كتابه فحقه أن يذكلر في حرف "الواو" لأن الرواية "وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء".
الرابع: الحديث بزيادة الواو كما ذكرنا والشارح حذفها سهوًا أو عمدًا.
الخامس: الحديث ذكره البخارى في عدة مواضع من صحيحه منها: في الجنائز [٢/ ١٠٠، رقم ١٢٨٤] وفي الطب [٧/ ١٥٢، رقم ٥٦٥٥] وفي النذور [٨/ ١٦٦، رقم ٦٦٥٥] وفي التوحيد [٩/ ١٤١، رقم ٧٣٧٧] في مواضع مكررة وقع في جميعها بزيادة الواو إلا في موضع واحد في التوحيد [٩/ ١٦٤، رقم ٧٤٤٨] قال فيه: "فقال سعد بن عبادة، أتبكى فقال إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء"، فلو كان التعقب حقا لكان بما في هذا الموضع لا بما في الجنائز.
١١٥٩/ ٢٦١٣ - "إنما يعرف الفضلَ لأهل الفضلِ أهلُ الفضل".
(خط) عن أنس، ابن عساكر عن عائشة.
قال الشارح: بإسناد ضعيف، وقال في الكبير: وقضية تصرف المصنف أن الخطيب خرجه وسكت عليه وهو تلبيس فاحش، فإنه أورده في ترجمة جعفر الدقاق الحافظ من روايته عنه. فإن أبا زرعة ذكر عن الجرجانى أنه قال: ليس هو بمرضى في الحديث ولا في كتبه كان فاسقًا كذابًا هذه عبارته، فاقتصار
_________________
(١) في الأصل: "الرابع"
[ ٣ / ١٨ ]
المصنف على عزوه إليه وسكوته عما أعلَّه به غير صواب، ثم إن فيه أيضًا محمد بن زكريا الغلابى، قال الذهبى في الضعفاء: قال الدارقطنى: يضع الحديث، وقال ابن الجوزي: موضوع، فإن الغلابى يضع.
قلت: الشارح ﵀ يخلق المعايب ويفتريها بجهله ثم ينسبها إلى المؤلف وهو منها برئ، وانظر كيف عبر عنه هنا بأنه لبَّس تلبيسًا فاحشا مع ما كان عليه الحافظ ﵀ من خدمة الشريعة المحمدية والسنة النبوية والنصح للَّه ولرسوله ولدينهما والذب عن كل ما يحوم حوله مما له أدنى تعلق بالدين مع الإخلاص والصدق والمبالغة وبذل المجهود في الإيضاح والتبيين، بحيث قضى عمره ﵁ كله في الذب والانتصار والجهاد للمبتدعة والجهلة وفسقة العلماء المتلاعبين بالشريعة، ولذلك ابتلاه اللَّه تعالى بكثرة الحسدة والأعداء في حياته وحتى بعد مماته.
فهنا نسب المؤلف إلى التلبيس وهو الملبس على الحقيقة، فإن المؤلف رمز للحديث بعلامة الضعيف على ما اصطلح عليه في كتابه، وجعل ذلك بدل النص والتصريح اختصارا كما فعل في أسماء المخرجين، والضعيف يشمل المنكر والواهى وما هو أقوى منهما وسائر أنواع الضعيف، وبذلك أدَّى ما وجب عليه خدمة للدين والشريعة، بل جميع محدثى الدنيا ومؤلفيها ما التزم أحد منهم أن ينص عقب كل حديث على رتبته كما التزمه هو في هذا الكتاب مع أن الحفاظ المتقدمين والفقهاء والصوفية والمتكلمين والمفسرين لكلام اللَّه تعالى يكثرون من إيراد الأحاديث الباطلة الموضوعة من غير بيان بل ولا عزو ولا تخريج (١) فهم أولى أن يحكم عليهم الشارح الملبس بالتلبيس الفاحش ومعاذ اللَّه أن يقصد أحد منهم التلبيس في دين اللَّه والتلاعب بشريعته
_________________
(١) ظاهر جدًا أن مقصود المصنف محمول على الأغلب، وإلا فهناك من المحدثين قد صنف ونص على درجة كل حديث، وما في جامع الترمذى لشاهد على ذلك.
[ ٣ / ١٩ ]
نعم الملبس على الحقيقة بدون شك ولا ريب هو الشارح في كتابه كنوز الحقائق، فإنه يزعم معرفة الحديث والاطلاع على كتب المحققين من أهله، ككتب الحافظ العراقى، وتلميذه الحافظ، وتلميذه السخاوى، والمؤلف والحافظ نور الدين الهيثمى، وإلى كتب هؤلاء المرجع في معرفة غالب الأحاديث ومع ذلك، فقد لبس على الناس في ذلك الكتاب وسخفه بالموضوعات الباطلة المنكرة مع علمه بأكثرها، بل الغالب أنه نقلها من كتب الموضوعات وجعلها كتاب حديث، فهو المدلس الملبس الخداع لأهل العلم والدين، لا المؤلف الإمام الحافظ ناصر الشريعة والذاب عن الدين.
وبعد فلنبين ما وقع له من التلبيس والأخطاء في هذه الجملة وذلك من وجوه:
الأول: أن المصنف غير ملزم بالتبيين كسائر أهل الحديث والمؤلفين الذين منهم الشارح.
الثانى: أنه قد تبرع وبين بالرمز له بعلامة الضعيف.
الثالث: أنه ليس من صنيعه في كتابه نقل كلام الناس على الحديث، لأن ذلك وظيفة الشروح والتخاريج لا المصنفات.
الرابع: أن الخطيب لم يتعقب الحديث ولم يتكلم عليه بحرف واحد ولا ذلك من وظيفته، بل ذكر الحديث ثم ذكر ما قيل في راويه لا باعتبار الكلام على الحديث، بل باعتبار ما قيل في الرجل لأنه بصدد الترجمة.
[ ٣ / ٢٠ ]
قال الخطيب [٧/ ٢٢٣، رقم ٢٢٤]: جعفر بن على بن سهل أبو محمد الدقاق الدورى الحافظ، حدث عن أبي إسماعيل الترمذى وعن محمد ابن زكريا الغلابى وإبراهيم بن إسحاق الحربى ونحوهم في الطبقة، روى عنه عبد اللَّه بن إبراهيم بن ماسى وأبو أحمد الغطريفى الجرجانى، وعلى بن عمرو الحريرى وأبو الحسن الدارقطنى.
أخبرنا على بن طلحة بن محمد المقرئ حدثنا عبد اللَّه بن إبراهيم بن أيوب ثنا جعفر بن على الحافظ ثنا محمد بن زكريا الغلابى بالبصرة ثنا عبيد اللَّه بن عائشة أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: "دخل أبو بكر الصديق ﵁ على رسول اللَّه -ﷺ- فجلس عنده ثم استأذن على بن أبي طالب، فدخل فلما رآه أبو بكر تزحزح له وتزعزع فقال له النبي -ﷺ-: لم فعلت هذا يا أبا بكر؟ فقال إكراما له وإعظاما يا رسول اللَّه، فقال: إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل".
حدثنى على بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجرجانى يقول: جعفر الدقاق الحافظ ليس بمرضى في الحديث ولا في دينه كان فاسقا كذابا، قرأت في كتاب أبي القاسم بن الثلَّاج بخطه: توفى أبو محمد جعفر بن على بن سهل الدقاق الحافظ الدورى في سنة ثلاثين وثلاثمائة اهـ.
فلم يتكلم على الحديث بحرف، وما ذكره الشارح جهل منه على المصنف، وكذب على الخطيب.
الخامس: يدلك على صدق ما نقول -إن لم تكن من أهل معرفة هذا الشأن
[ ٣ / ٢١ ]
أن الخطيب خرج هذا الحديث في موضع آخر من تاريخه، فلم يتكلم بحرف واحد أيضًا لا عليه ولا على راويه فقال [٣/ ١٠٥] في ترجمة محمد بن على الأنبارى ما نصه:
محمد بن على بن أحمد بن إسماعيل بن جعفر أبو طاهر الواعظ يعرف بابن الأنبارى كان يسكن بدرب الموالى، وحدث عن محمد بن عبد اللَّه بن محمد الموصلى، والحسن بن العباس بن الفضل الشيرازى وغيرهما، كتبت عنه حديثا واحدا: أخبرنا أبو طاهر محمد بن على الأنبارى، فذكر الحديث بالقصة كما سبق، ثم قال عقبه: سألت ابن الأنبارى عن مولده فقال في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وقد سمعت من الدارقطنى وابن شاهين، لكن ذهبت كتبى. ومات يوم الأربعاء العاشر من شعبان سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
السادس: لو كان الخطيب يتكلم على الأحاديث، ويبين عللها، لعلله بمحمد ابن زكريا الغلابى، لأنه آفته كما سأذكره، فكيف وهو لا يتعرض للأحاديث أصلًا إلا نادرًا جدا لغرض يدعوه إلى ذلك؟
السابع: لو كان المصنف يتكلم على أحاديث الكتاب وينقل كلام الناس فيها لما أجار له علمه وتحقيقه أن ينقل عليه كلام الخطيب في الدقاق، فإنه لا دخل له في الحديث أصلا، بل الحديث معروف بزكريا الغلابى، وبه أعله الحفاظ.
أما جعفر الدقاق فقد توبع عليه فرواه ابن الأعرابى في معجمه: ثنا محمد بن زكريا الغلابى ثنا العباس بن بكار الضبى أبو الوليد ثنا عبد اللَّه [بن] المثنى الأنصارى عن عمه ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس عن أنس به.
[ ٣ / ٢٢ ]
ورواه القضاعى في مسند الشهاب [٢/ ١٩١، رقم ١١٦٤] عن عبد الرحمن بن عمر النحاس عن ابن الأعرابى.
ورواه الخطيب [٣/ ١٠٥] عن أبي طاهر محمد بن على الأنبارى أنبأنا القاضى أبو الحسن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن حماد الموصلى ثنا الحسن بن هشام بن عمرو ثنا محمد بن زكريا الغلابى به. فبرئ جعفر ابن على الدقاق من عهدته.
والحديث آفته الغلابى، فإنه وضاع لاسيما وقد اضطرب فيه، فمرة قال عن العباس بن بكار الضبى عن عبد اللَّه بن المثنى عن عمه عن أنس، ومرة قال: عن عبيد اللَّه بن عائشة عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به، كما سبق في رواية جعفر الدقاق عنه.
وتابعه أحمد بن نصر الذارع فرواه عن صدقة بن موسى عن العباس بن بكار الضبى بسنده السابق، والذارع وضاع أيضًا، فكأنه سرقه من الغلابى. أخرج متابعته الخطيب [٣/ ١٠٥] في ترجمة محمد بن على الأنبارى، ولو سلم من الذارع والغلابى، فالعباس بن بكار الضبى وضاع أيضًا، فيمكن أن يكون هو السابق إلى وضعه، وسرقه منه الباقون.
وقد ورد من وجه آخر عن أبي سعيد قال الديلمى [٥/ ٣٩٨، رقم ٨٢٨٠]: أخبرنا محمد بن أبي القاسم بن على بن خيثمة ثنا عبد اللَّه بن شبيب ثنا المظفر ابن الحسين بن على السمسار ثنا على بن محمد بن عامر النهاوندى ثنا محمد ابن رزيق ثنا حسين بن الفضل ثنا مأمون بن سعيد بن يوسف ثنا سليمان عن سليم عن أبي سعيد مرفوعًا: "يا أبا بكر إنما يعرف الفضل لذوى الفضل
[ ٣ / ٢٣ ]
أهل الفضل"، وهذا السند يجب الكشف عنه، وأرى فيه انقطاعا.
الثامن: أن الشارح نقل في الكبير حكم ابن الجوزي بوضعه وأنه من رواية محمد بن زكريا الغلابى الوضاع، ثم اقتصر في صغيره على قوله: بإسناد ضعيف، فكان ذلك غاية التلبيس ونهاية الغش والتدليس.
أما المصنف فإنه مجتهد لم يظهر له في اجتهاده أنه موضوع بدليل تعقبه على ابن الجوزي الحكم بوضعه، فلذلك أورده هنا ورمز لضعفه، وإن كان الحق عندنا أنه موضوع، والمجتهد مأجور ولو أخطأ، ولا لوم عليه في خطئه مع الاجتهاد.
١١٦٠/ ٢٦١٦ - "إنَّمَا يَكْفِى أَحَدَكُمْ ما كان في الدُّنْيا مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ"
(هب) عن خباب
قلت: حديث خباب أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية [١/ ٣٦٠]، وورد عن حديث سلمان وبريدة وعائشة، نذكرها إن شاء اللَّه تعالى في حرف "اللام" عند حديث "ليكف الرجل منكم"، وقد أطلت الكلام على طرقه في مستخرجى على مسند الشهاب.
١١٦١/ ٢٦١٧ - "إنَّمَا يكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ المَال خَادِمٌ وَمرْكَبٌ في سَبِيلِ اللَّه"
(ت. ن. هـ) عن أبي هاشم بن عتبة
قلت: أخرجه أيضًا أحمد في مسنده [٥/ ٢٩٠، ٣/ ٤٤٣، ٤٤٤]
[ ٣ / ٢٤ ]
والبغوى وابن السكن وأبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب [١٢/ ١٦٦] وفي كتاب العلم أوائل الجزء الثانى من وجهين عنه.
ورواه أحمد أيضًا والنسائى وابن عبد البر في العلم، والضياء المقدسى في المختارة من حديث بريدة، وسيأتى للمصنف في حرف "اللام".
١١٦٢/ ٢٦٢٠ - "إِنَّمَا يَنصُرُ اللَّه هذه الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَاِ بدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وإخلاصِهِمْ"
(ن) عن سعد
قلت: أخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية [٥/ ٢٦] قال: حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص السدوسى ثنا عاصم بن على ثنا محمد بن طلحة عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: "رأى سعد أن له فضلًا عن من دونه فقال النبي -ﷺ-: إنما ينصر اللَّه هذه الأمة بضعفائها بدعواتهم وإخلاصهم".
قال أبو نعيم: رواه يحيى عن أبي زائدة عن محمد بن طلحة مثله، ورواه عن طلحة ليث بن أبي سليم وزهير ومسعر والحسن بن عمارة ومعاوية بن سلمة.
قلت: ورواه عن مصعب بن سعد عمرو بن مرة أيضًا فقال: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ينصر المسلمون بدعاء المستضعفين". أخرجه أبو نعيم أيضًا [٥/ ١٠٠] من طريق عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالانى عن عمرو بن مرة به.
[ ٣ / ٢٥ ]
١١٦٣/ ٢٦٢١ - "إنَّهُ لَيُغان عَلَى قَلْبِى، وإنِّى لأسْتَغْفِرُ اللَّه في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ".
(حم. م. د. ن) عن الأغر المزنى.
قلت: ورد من حديث أبي موسى بسند ظاهر الصحة لكنه معلول كما قال الحاكم في علوم الحديث [ص ١١٤، ١١٥]:
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغانى ثنا ابن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إنى لأستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة".
قال الحاكم: وهذا إسناد لا ينظر فيه حديثى إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا أبو الربيع ثنا حماد بن زيد عن ثابت البنانى قال: سمعت أبا بردة يحدث عن الأغر المزنى وكانت له صحبة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنه ليغان على قلبى فأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة".
قال الحاكم: رواه مسلم بن الحجاج في الصحيح [٤/ ٢٠٧٥، رقم ٢٧٠٢/ ٤١] عن أبي الربيع، وهو الصحيح المحفوظ.
ورواه الكوفيون أيضًا: مسعر وشعبة وغيرهما عن عمرو بن مرة عن أبي بردة كذلك.
قلت: ورواه جماعة عن أبي بردة عن الأغر أيضًا منهم ثابت البنانى وغيره (١)
_________________
(١) منهم أحمد في مسنده (٤/ ٢١١)، والبيهقى في السنن الكبرى (٧/ ٥٢).
[ ٣ / ٢٦ ]
١١٦٤/ ٢٦٢٣ - "إنِّى أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ"
(حم. م) عن ابن مسعود.
قال في الكبير: ظاهره أن هذا مما تفرد به مسلم عن البخارى، والأمر بخلافه، فقد رواه البخارى في الطب إلخ.
قلت: هذه سخافة لم يمل منها الشارح ويكفى في إبطال كلامه صيغة المتن الذي ذكره الذي أوله "أجل".
١١٦٥/ ٢٦٢٥ - "إِنِّى فِيمَا لَمْ يُوحَ إِلَيَّ كَأَحَدِكُمْ".
(طب) وابن شاهين في السنة عن معاذ.
قال الشارح: بإسناد حسن.
وقال في الكبير: قال الهيثمى: فيه أبو العطوف، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
قلت: في هذا عدة أخطاء الأول: قوله في الصغير عن الحديث: إنه حسن، باطل لا أصل له ولا مستند إلا التهور والتلاعب بنصوص الشرع، بل الحديث باطل موضوع كما ستعرفه.
الثانى: أنه أخذ ذلك من كلام الحافظ الهيثمى اتكالا على قوله: "وبقية رجاله ثقات" مع إلغاء قوله: "فيه أبو العطوف لم أعرفه" والبلاء منه، مع أن الشارح نفسه دائما يجعل قول النور الهيثمى "لا أعرفه" حكمًا على الرجل بالجهالة، وكيف يكون حسنا ما في سنده مجهول؟!
الثالث: أن الشارح نفسه حكم على هذا الحديث بالضعف، بل
_________________
(١) الزيادة من المجمع (١/ ١٧٨).
[ ٣ / ٢٧ ]
نسى ذلك لكونه بعيدًا من دراية الفن، فحكم بحسنه هنا وذلك أن هذا الحديث له قصة وهو مشتمل على جملتين مرفوعتين تقدم إحداهما؛ ولفظ الحديث عن معاذ "أن رسول اللَّه -ﷺ- لما أراد أن يسرح معاذًا إلى اليمن فاستشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة بن الزبير وأسيد بن حضير، فاستشارهم فقال أبو بكر: لولا أنك استشرتنا ما تكلمنا، فقال: إنى فيما لم يوح إلى كأحدكم، قال فتكلم القوم فتكلم كل إنسان برأيه فقال: ما تريد يا معاذ؟ فقلت: أرى ما قال أبو بكر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إن اللَّه يكره فوق سمائه أن يخطئ أبو بكر".
هكذا أخرجه الطبرانى في الكبير [٢٠/ ٦٧، رقم ١٢٤]:
حدثنا الحسن بن العباس الرازى وغيره قالوا: حدثنا سهل بن عثمان ثنا أبو يحيى الحمانى عن أبي العطوف عن الوضين بن عطاء عن عبادة بن نسى عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به.
قال الحافظ الهيثمى بعد أن أورده في كتاب العلم: فيه أبو العطوف، لم أر من ترجمه [يروى] عن الوضين بن عطاء، وبقية رجاله موثقون اهـ.
وهو غريب من الحافظ المذكور، فإن أبا العطوف مترجم في الميزان، ذكره الذهبى في الكنى وقال: هو الجواح بن منهال قد ذُكر، وذُكر في الجراح ما سنذكر منه، وكذلك صرح باسمه ابن شاهين في كتاب "السنة" فقال:
حدثنا إبراهيم بن حماد بن إسحاق القاضى ثنا عبد الكريم بن الهيثم ثنا مصرف بن عمرو ثنا أبو يحيى الحمانى عن أبي العطوف جراح بن منهال عن الوضين بن عطاء به.
ولما ذكر المصنف فيما سبق الجملة الأخيرة من هذا الحديث وهى قوله: "إن اللَّه يكره فوق سمائه أن يخطئ أبو بكر"، وعزاه للطبرانى وابن شاهين في
[ ٣ / ٢٨ ]
السنة أيضًا كما فعل هنا، كتب عليه الشارح في الكبير ما نصه: وأورده ابن الجوزي في الموضوع وقال: تفرد به أبو الحارث نصر بن حماد عن بكر بن خنيس، وقال يحيى: نصر كذاب ومحمد بن سعيد هو المصلوب كذاب يضع إلى هنا كلامه، ونازعه المؤلف على عادته فلم يأت بطائل اهـ.
يعنى أن الحديث موضوع كما قال ابن الجوزى وتعقب المصنف عليه غير مفيد وهنا يقول: إن الحديث حسن، أما هناك فقد وفيناه حقه على تلك الجهالة، وبينا أن المصنف أتى بكل طائل وبما لا يستطيع ملء الأرض من الشارح أن يأتوا بمثله وهو كل ما في الإمكان.
الرابع: أنه أقر الهيثمى على أن أبا العطوف لا يعرف له ترجمة مع أن أبا العطوف مترجم في الميزان وهو عمدة الشارح، وقد قال الذهبى في ترجمته: قال ابن المدينى: لا يكتب حديثه، وقال البخارى ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائى والدارقطنى: متروك، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر، مات سنة ١٦٨، وزاد الحافظ في اللسان: قال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال أبو حاتم والدولابى: متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، وذكره البرقى في باب "من اتُهم بالكذب"، وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال ابن الجارود: ليس بشيء، وذكره الساجى والعقيلى والجوزجانى في الضعفاء اهـ.
وحكم ابن الجوزى على حديثه أنه موضوع، أعنى حديثا غير هذا حكم بوضعه وأعله به، فكيف يكون حديث هذا حسنا لاسيما وآثار النكارة ظاهرة على متنه والغرابة بادية عليه، وكون لفظه ورد من حديث سهل بن سعد بسند رجاله ثقات كما يقوله الهيثمى، لا يفيد هذا قوة، على أن قول الحافظ
[ ٣ / ٢٩ ]
الهيثمى في مثل ما يرويه الضعفاء والكذابون لا تقوم به حجة، لكونه لا ينظر في العلل، بل يقتصر على الحكم لمجرد ظاهر الإسناد وذلك لا يفيد، فكم حديث قال عنه: رجاله ثقات، واتضح أنه معلول موضوع لا أصل له من كلام رسول اللَّه -ﷺ-.
١١٦٦/ ٢٦٢٦ - "إِنِّي لَمْ ابْعَثُ لَعَّانًا"
(طب) عن كريز بن أسامة
قال الشارح: وفيه مجهول.
وقال في الكبير: قال الهيثمى: وفيه من لم أعرفهم.
قلت: فما قاله في الصغير يناقض ما نقله في الكبير الذي هو عمدته فيما قال من وجهين:
أحدهما: أن الهيثمى قال: من لم أعرفهم بميم الجمع، والواقع كذلك، فإن فيه ثلاثة لا يعرفون.
فقد أخرجه ابن أبي عاصم قال:
حدثنا عمر بن راشد أبو حفص ثنا يحيى بن راشد عن الرحَّال ابن المنذر قال: حدثنى أبي عن أبيه عن كريز قال: "قيل للنبي -ﷺ- العن بنى عامر، قال: إنى لم أبعث لعانا".
ومن هذا الوجه أخرجه الطبرانى وأبو نعيم في الصحابة، إلا أنه وقع عندهما كريز بتصغير كما في المتن، وزاد أبو نعيم بعد قوله: "لم أبعث لعانا"، "اللهم اهد بنى عامر".
والرحال بمهملتين، لا يعرف حاله ولا حال أبيه ولا جده كما قال الحافظ
[ ٣ / ٣٠ ]
أيضًا، فهؤلاء هم الذين عنى الحافظ الهيثمى بقوله: لم أعرفهم، فمن أين اقتصر الشارح على قوله "فيه مجهول"؟
ثانيهما: قدمنا مرارا أن ما يقول فيه المتاخرون: لا أعرفه، يجب أن ينقل قوله كذلك، ولا يتصرف فيه بأنه مشغول، لأن كثيرا ممن يقول فيه أمثال الهيثمى: "لا أعرفه" قد يكون معروفا مترجما لغيره، والمجهول عند أهل الحديث خلاف هذا كما هو معروف.
١١٦٧/ ٢٦٢٨ - "إِنِّى لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إلا حَقّا"
(طب) عن ابن عمر، (خط) عن أنس
قال في الكبير: قال الهيثمى: إسناد الطبرانى حسن اهـ. وإنما لم يصح لأن فيه الحسن بن محمد بن عنبر، ضعفه ابن قانع وغيره، وقال ابن عدى: حدث بأحاديث أنكرتها عليه منها هذا.
قلت: الحسن المذكور لا يوجد في هذا الحديث، لا في سند حديث ابن عمر ولا في سند حديث أنس.
أما حديث ابن عمر فقال الطبرانى: حدثنا محمد بن أبي النعمان الأنطاكى ثنا الهيثم بن جميل ثنا مبارك بن فضالة عن بكر بن عبد اللَّه المزنى عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- وذكره (١).
قال الطبرانى: لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد.
وأما حديث أنس فقال الخطيب [٣/ ٣٧٨]: أخبرنى الأزهرى ثنا محمد بن
_________________
(١) هذا الإسناد لم أره إلا في الصغير (٢/ ٥٩، رقم ١٧٩)، والأوسط (١/ ٢٩٨، رقم ٩٩٥) حدثنا أحمد، ثنا الهيثم به، و(٩/ ٢١٧، رقم ٧٣٢) حدثنا محمد ابن العباس، ثنا محمد بن مسعود العجمى ثنا الهيثم به، ورواه الطبرانى في الكبير (١٢/ ٣٩١، رقم ١٣٤٤٣) بإسناد آخر عن ابن عمر، واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٣١ ]
المظفر ثنا محمد بن محمد الباغندى حدثنى محمد بن يزيد بن سعيد النهروانى ثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصارى ثنا وكيع بن الجراح ثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- به.
والذي أوقع الشارح في هذا هو أنه رتب أحاديث الميزان على حروف المعجم فرأى في ترجمة الحسن المذكور هذا الحديث، فحكم عليه بأنه في هذا الإسناد أيضًا، فقد قال الذهبى في الميزان: قال ابن عدى: حدث بأحاديث أنكرتها عليه، ثم قال:
حدثنا الحسن ثنا محمد بن بكار ثنا جعفر بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أنس بن سيرين عن أنس به.
زاد الحافظ في اللسان: قال ابن عدى: وهذا باطل بهذا الإسناد، وإنما يرويه محمد بن بكار عن أبي معشر عن سعيد عن أبي هريرة ﵁، فإن لم يكن ابن عنبر تعمد، فلعله دخل له حديث في حديث اهـ.
وهذا من ابن عدى غير مقبول فقد ورد حديث أنس من وجه آخر كما سبق، وحديث أبي هريرة الذي يشير إليه خرجه أحمد [٢/ ٣٤٠، ٣٦٠]، والبخارى في الأدب المفرد [ص ١٠٢، رقم ٢٦٥]، والترمذى في الجامع [٤/ ٣٥٧، رقم ١٩٩٠] والشمائل [ص ١٩٥، رقم ٢٣٨] من طرق عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة قال: "قالوا: يا رسول اللَّه إنك تداعبنا، قال إنى لا أقول إلا حقا" وهو المذكور في المتن بعد هذا.
[ثم إن] الشارح تكلم على سبب عدم ارتقاء حديث ابن عمر من الحسن إلى الصحة، وبين أن ذلك لوجود الحسن بن عنبر فيه مع [أن] الحسن إنما وقع في حديث أنس من رواية ابن عدى خاصة دون رواية الخطيب المذكورة في
[ ٣ / ٣٢ ]
في المتن، فكيف انتقل الحكم به من حديث أنس إلى حديث ابن عمر؟.
ثم إن من يُذكر بالضعف والوصف الذي حكاه الشارح كيف يكون حديثه حسنا؟ فما الشارح إلا مخلط متهور.
١١٦٨/ ٢٦٣٢ - "إِنِّى لأَرْجُو أَنْ لا تَعْجزَ أُمَّتِى عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ"
(حم. د) عن سعد
قال الشارح: أى أغنياؤها عن الصبر على الوقوف للحساب عند ربها أن يؤخرهم في الدنيا نصف يوم من أيام الآخرة.
قلت: انظر كلام الشارح أولا وأخيرا وتعجب من غفلته المتناهية، فبينما هو يخصص العام ويحمل الأمة على الأغنياء فقط، وأن المراد صبرهم للحساب في الآخرة، إذ يقول: "أن يؤخرهم في الدنيا نصف يوم"، فهذا أشبه شيء بكلام المجانين وإلى اللَّه ترجع الأمور.
١١٦٩/ ٢٦٣٣ - "إِنِّى نهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ"
(د) عن أبي هريرة
قال في الكبير: أورده ابن الجوزى في الواهيات وقال: لم يثبت، وقال الزين العراقي: ضعيف، وعده في الميزان من المناكير.
قلت: الذهبى لم يعده من المناكير، بل تعقب من قال ذلك ورده بقوله: "قلت: قد رَوى عن أبي يسار إمامان، الأوزاعى والليث، فهذا شيخ ليس بضعيف، وهذا الحديث في سنن أبي داود من طريق مفضل بن يونس عن الأوزاعى عنه، والمفضل هذا كوفى مات شابا، ما علمت به بأسا، تفرد بهذا وقد وثقه أبو حاتم" اهـ.
وله شاهد من حديث أنس، قال ابن عدى:
[ ٣ / ٣٣ ]
ثنا عبد اللَّه بن العباس الطيالسى ثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدى ثنا أبي ثنا عامر بن عبد اللَّه بن يساف عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: "ذُكر عند النبي -ﷺ- رجل فقيل: يا رسول اللَّه ذاك كهف المنافقين، فلما رآهم اكثروا فيه رخص لهم في قتله ثم قال: هل يصلى؟ قالوا: نعم، صلاة لا خير فيها، قال: إنى نهيت عن قتل المصلين".
١١٧٠/ ٢٦٣٥ - "إِنِّى لا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ"
(طب) عن كعب بن مالك
قال الشارح في الكبير: رواه (طب) عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن كعب بن مالك قال: "جاء ملاعب الأسنة إلى رسول اللَّه -ﷺ- بهدية، فعرض عليه الإسلام فأبى" فذكره.
قال الهيثمى: رجاله رجال الصحيح وفيه قصة، وقال ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم عن الزهرى ولا يصح.
قلت: في هذا إجمال وبيانه أن الحديث رواه عن الزهرى جماعة فقالوا: عنه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجال من أهل العلم أن "عامر بن مالك الذي يدعى ملاعب الأسنة قدم وهو مشرك" الحديث ورواه بعضهم عن الزهرى فقال: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه في رجال من أهل العلم حدثوه "أن عامرا" الحديث، بزيادة أبيه كعب بن مالك، والمحفوظ ما رواه الأكثرون عن الزهرى مرسلا دون ذكر أبيه.
١١٧١/ ٢٦٤٤ - "إِنِّى لا أَخِيسُ بِالعَهْدِ وَلا أَحْبسُ البَردَ"
(حم. د. ن. حب. ك) عن أبي رافع
[ ٣ / ٣٤ ]
قال الشارح: "إنى لا أخيس" بفتح الخاء (١) المعجمة وسكون المثناة التحتية بـ "العهد".
"ولا أحبس البرد" قال الشارح بضم فسكون، جمع بريد.
قلت: ما ضبط بـ "أخيس" و"البرد" باطل معروف بالبداهة.
١١٧٢/ ٢٦٤٨ - "إنِّى أَشْهدُ عددَ تُرابِ الدُّنيا أن مُسَيْلَمَةَ كَذَّابٌ"
(طب) عن وبر الحنفي
قال الشارح في ضبط أشهد: بضم الهمزة وكسر الهاء.
قلت: هذا باطل، بل بفتح الهمزة والهاء كما هو ظاهر.
١١٧٣/ ٢٦٥١ - "إنى أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضَّعيفَين: اليتيمُ والمرأةُ"
(ك. هب) عن أبي هريرة
قال في الكبير: قال الحاكم: على شرط مسلم وأقره الذهبى، لكن فيه أبو صالح كاتب الليث ضعيف ومحمد بن عجلان أورده الذهبى في الضعفاء وقال: ذكره البخارى في الضعفاء، وقال الحاكم: سئ الحفظ، وسعيد ابن أبي سعيد المقبرى، قال الذهبى: لا يحل الاحتجاج به.
وقضية صنيع المؤلف أن هذا لم يخرجه أحد من الستة، والأمر بخلافه، فقد رواه النسائى عن خويلد بن عمرو الخزاعى مرفوعًا بلفظ "اللَّهم إنى أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة"، قال في الرياض: وإسناده حسن جيد، فلو عزاه المؤلف إليه كان أولى.
قلت: بل لو سكت الشارح كان أولى بل أوجب:
[أولا]: لأن هذا موضع "إني" لا موضع "اللهم"، بل موضع الأحاديث
_________________
(١) الذي في النسخة المطبوعة من فيض القدير: "إنى لا أخيس" بكسر الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية. انظر ٣/ ١٨ رقم ٢٦٤٤
[ ٣ / ٣٥ ]
المصدرة بها قد مضى، ولو جاز للمصنف ذلك هنا لعزاه لأحمد الذي رواه من حديث أبي هريرة نفسه مصدرا بـ "اللهم" أيضًا، فكيف بحديث غيره؟.
الثانى: أن النسائى لم يخرجه في الصغرى التي هي أحد الكتب الستة، والنووى واهم في إطلاق ذلك.
الثالث: أن الحديث ليس في سنده عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، قال الحاكم [١/ ٦٣، رقم ٢١١/ ٢١١]:
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحافظ ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا مسدد (ح)
وثنا على بن حمشاد أنبأنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثنى أبي قالا يعنى هو ومسدد: ثنا يحيى بن سعيد ثنا ابن عجلان عن سعيد المقبرى عن أبي هريرة به.
وهكذا هو في مسند أحمد (٢/ ٩٣٤).
الرابع: ابن عجلان صدوق من رجال مسلم، قال عنه الذهبى في الميزان: إمام صدوق مشهور، وثقه أحمد وابن معين وابن عيينة وأبو حاتم، وروى عنه مالك وشعبة ويحيى القطان، وكفى بهذا توثيقا له وفخرا.
الخامس: ما نقله عن الذهبى من أنه قال في سعيد بن أبي سعيد المقبرى: لا يحل الاحتجاج به، كذب صراح على الذهبى، ولقد أعاذ اللَّه الذهبى من ذلك، وأشهد باللَّه أن الذهبى لو سلب اللَّه عقله وجن ما نطق بذلك، ولكن الشارح لا يحل قبول قوله ولا الاعتماد على نقله، فسعيد المقبرى ثقة من رجال البخارى ومسلم، وإنما ذكره الذهبى في الميزان لكونه هرم آخر عمره ومع ذلك فقد رمز له بعلامة الصحة، واسمع ما قاله بالحرف:
[ ٣ / ٣٦ ]
"سعيد بن أبي سعيد المقبرى صاحب أبي هريرة وابن صاحبه، ثقة حجة، شاخ ووقع في الهرم ولم يختلط. وروى أن شعبة قال: حدثنا بعدما كبر، وقال أحمد وابن معين: ليس به بأس، وقال ابن المدينى وأبو زرعة والنسائى: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن خراش وغيره: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، لكنه اختلط قبل موته بأربع سنين ومات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل سنة ثلاث وعشرين. قلت: ما أحسب أن أحدا أخذ عنه في الاختلاط، فإن ابن عيينة أتاه فرأى لعابه يسيل، فلم يحمل عنه، وحدث عنه مالك والليث، ويقال: أثبت الناس فيه الليث" اهـ.
١١٧٤/ ٢٦٥٢ - "إنَّى رأيتُ البارحةَ عجبًا: رأيتُ رجلا من أمَّتى قد احْتَوَشَتْهُ ملائكة العذابِ، فجاء وُضُوؤُهُ فاسْتنقذهُ من ذلك، ورأيتُ رجلا من أمَّتى قدَ بُسط عليه عذابُ القبرِ فجاءتهُ صلاتهُ فاستنقذتْهُ من ذلك، ورأيت رجلا من أمَّتى قد احْتَوَشَتْه الشَّياطينُ فجاءه ذكر اللَّه فخلصه منهم، ورأيت رجلا من أمَّتى يلهث عطشًا فجاءه صيامُ رمضان فسقاه، ورأيتُ رجلا من أمَّتى من بين يَديهِ ظُلمةٌ ومن خلفه ظُلمةٌ وعن يمينه ظلمةٌ وعن شماله ظُلمةٌ ومن فوقه ظُلمةٌ ومن تحته ظُلمةٌ فَجاءته حجَّتهُ وعُمرتُهُ فاستخرجاه من الظُّلمةِ، ورأيتُ رجلا من أمَّتى جاءه ملك الموت ليقبض رُوحَهُ فجاءه بره بوالديه فردَّه عنه، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يُكلِّم المؤمنين ولا يُكلِّمونهُ فجاءته صلةُ الرَّحم فقالت: إنَّ هذا كان واصلا لرحمه فكلَّمَهم وكلَّمُوهُ وصار معهم، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يأتى النَّبيِّين وهم حِلقٌ حِلقٌ كلَّما مرَّ على حَلقةٍ طُرد فجاءه اغْتسالُهُ من الجنابة فأخذ بيده فأَجْلسهُ إلى جنبى، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يتَّقى وهجع النَّار بيديه عن وجههِ فجاءته صدقتُه فصارت ظلا على رأسه وستْرًا عن وجهِهِ،
[ ٣ / ٣٧ ]
ورأيتُ رجلا من أمَّتى جاءتْهُ زبانيةُ العذاب فجاءه أمرُهُ بالمعروف ونهيُهُ عن المنكر فاسْتنقذَهُ من ذلك، ورأيتُ رجلا من أمَّتى هوى في النَّار فجاءته دُموعُهُ اللاتى بكى بها في الدُّنيا من خشية اللَّه فأخرجتْهُ من النَّار، ورأيتُ رجلا من أمَّتى قد هوت صحيفتُهُ إلى شماله فجاء خوفهُ من اللَّه تعالى فأخذ صحيفتَهُ فجعلها في يمينه، ورأيتُ رجلا من أمَّتى قد خفَّ ميزانُهُ فجاءه أفْراطُه فثقَّلوا ميزانَهُ، ورأيتُ رجلا من أمَّتى على شَفير جهنَّم، فجاءه وَجلُهُ من اللَّه تعالى فاسْتنقذَهُ من ذلك، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يرْعد كما ترعد السَّعْفةُ فجاءه حُسنُ ظنِّه باللَّه تعالى فسكّن رعْدتَهَ، ورأيتُ رجلا من أمَّتى يزحفُ على الصِّراط مرَّة ويحبو مرة فجاءته صلاتُهُ عليَّ فأخذتْ بيَده فأقامتْهُ على الصِّراط حتَّى جاز، ورأيتُ رجلا من أمَّتى انتهى إلى أبوابِ الجنَّة فَغُلقت الأَبوابُ دُونَهُ فجاءتْهُ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّه فأخذت بيَدهِ فأدْخلتهُ الجنّةَ"
الحكيم، (طب) عن عبد الرحمن بن سمرة
قال في الكبير: قال الهيثمى: رواه الطبرانى بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطى، وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومى، وكلاهما ضعيف اهـ. وعزاه الحافظ العراقى إلى الخرائطى في الأخلاق، وقال: سنده ضعيف اهـ، وقال ابن الجوزى بعد ما أورده من طريقيه: هذا الحديث لا يصح، لكن قال ابن تيمية: أصول السنة تشهد له، وإذا تتبعت متفرقات شواهده رأيت منها كثيرا.
قلت: الحديث له طرق متعددة، من رواية مجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهما عن عبد الرحمن بن سمرة.
فأما رواية مجاهد فقال الباغبان في فوائده واسمه أبو الخير محمد بن أحمد بن
[ ٣ / ٣٨ ]
محمد بن عمر:
أخبرنا أبو عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد اللَّه البصرى حدثنا أحمد بن معاذ السلمى حدثنا خالد بن عبد الرحمن السلمى حدثنا عمر بن ذر -أراه- عن مجاهد عن عبد الرحمن ابن سمرة قال: "خرج رسول اللَّه -ﷺ- على أصحابه فقال: رأيت الليلة عجبا، رأيت رجلا من أمتى" وذكره وزاد في آخره بعد شهادة أن لا إله إلا اللَّه "ورأيت أعجب العجب، ناس تقرض شفاههم، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: المشاءون بالنميمة بين الناس، ورأيت رجالا يعلقون بألسنتهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا".
قال ابن منده: هذا حديث غريب بهذا الإسناد، تفرد به خالد بن عبد الرحمن عن عمر بن ذر. وروى من حديث يحيى بن سعيد الأنصارى وعبد الرحمن بن حرملة وعلى بن زيد وغيرهم عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة.
قلت: وكذلك رواه عن سعيد بن المسيب: هلال أبو جبلة، كما سأذكر كل ذلك.
ومن هذه الطريق -أعنى طريق مجاهد- خرجه الطبرانى كما سبق تعليل الهيثمى إياه بخالد بن عبد الرحمن، وهو وإن كان ضعيفا فغاية ما يمكن أن يعلل به رواية الحديث من طريق مجاهد عن عبد الرحمن لتفرده به عن عمر ابن ذر عنه، كما يقول ابن منده.
أما أصل الحديث فوارد عن سعيد بن المسيب عنه من طريق الجماعة السابق ذكرهم في كلام أبي عمرو بن منده وغيرهم.
[ ٣ / ٣٩ ]
أما رواية يحيى بن سعيد فقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان [١/ ٩]:
حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر من أصله ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زكريا ثنا على بن بشر ثنا نوح بن يعقوب بن عبد اللَّه الأشعرى عن أبيه عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي -ﷺ- به، إلا أنه لم يورد متنه بتمامه بل اقتصر على ذكر "رمضان" منه فقال: "خرج رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتى يلهث عطشا كلما ورد حوضا مُنع، فجاءه صيام رمضان فسقاه وأرواه" ذكره في ترجمة نوح بن يعقوب الأشعرى.
وأما رواية على بن زيد فقال أسلم بن سهل الواسطى بحشل في تاريخ واسط [ص ١٨٩، ١٩٠]:
حدثنا سريع أبو عبد الرحمن قال: حدثنا حمزة بن عبد القاهر بن حمزة ثنا مخلد بن عبد الواحد الواسطى عن على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- ونحن في مسجد المدينة فقال: ألا أخبركم بالعجب فلقد رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتى أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرده عنه"، وذكر الحديث بطوله إلا أن فيه تقديما وتأخيرا.
ورواه ابن حبان في الضعفاء [٣/ ٤٣، ٤٤] قال:
حدثنا الحسين بن عبد اللَّه بن يزيد القطان بالرقة من كتابه ثنا عامر بن سنان ثنا مخلد بن عبد الواحد أبو الهذيل البصرى عن على بن زيد به، أورده في ترجمة مخلد بن عبد الواحد وقال: إنه منكر الحديث جدا، ينفرد بأشياء مناكير لا تشبه حديث الثقات، فبطل الاحتجاج به إلا فيما وافق الروايات اهـ. وتبعه الذهبى، فأورد الحديث في ترجمته من الميزان، ولا معنى لإيراد
[ ٣ / ٤٠ ]
الحديث في ترجمته لأنه لم ينفرد به لا مطلقا ولا عن على بن زيد بن جدعان، بل تابعه عليه جماعة متابعة تامة وقاصرة، والرجل إنما يورد في ترجمته ما تفرد بروايته وقد اعترف ابن حبان بأن الحديث مشهور فقال بعد أن ذكر جملة من الحديث نحو عشرة أسطر ما نصه: "وذكر حديثا طويلا مشهورا تركت ذكره لشهرته" اهـ.
وما كان مشهورا لا يتهم به واحد ولا يضعف به، فقد تابعه هلال بن عبد الرحمن وأبو عبد اللَّه المدينى عن على بن زيد.
أما متابعة هلال بن عبد الرحمن، فقال أبو على الحسن بن أحمد بن شاذان في مشيخه:
أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن الحسن بن محمد بن العدل السقطى أخبرنا أبو يعقوب إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربى حدثنا الفضل بن زياد ثنا عباد بن عباد المهلبى عن سعيد بن عبد اللَّه عن هلال بن عبد الرحمن عن على بن زيد به مطولا.
ورواه الخرائطى في مكارم الأخلاق [ص ٩] قال: حدثنا نصر بن داود الصاغانى ثنا محمد بن كثير الحضرمى ثنا عباد بن عباد المهلبى به مختصرا.
وذكره العقيلى في الضعفاء [٤/ ٣٥٠، ترجمة ١٩٥٦] في ترجمة هلال بن عبد الرحمن فقال: وروى عن على بن زيد عن سعيد عن عبد الرحمن بن سمرة الحديث الطويل في المنام، ثم ذكر له حديثين آخرين ثم قال: وكل هذه مناكير لا أصول لها ولا يُتابع عليها اهـ.
وهو كلام مردود على العقيلى بوجود الأصول والمتابعات الكثيرة له على هذا الحديث.
وأما متابعة أبي عبد اللَّه المدينى فقال ابن شاهين في الترغيب [٢/ ٤٠٣،
[ ٣ / ٤١ ]
رقم ٥٢٦]:
حدثنا محمد بن محمد بن عثمان بن عبيد اللَّه بن المنذر بن الزبير بن العوام بالبصرة ثنا عمرو بن على بن مقدام أبو محمود حدثتنا حمادة بنت شهاب بن سهيل بن عبد اللَّه بن الأخنس الأسدية أم بدر الجوهرية قالت: حدثنى أبو عبد اللَّه المدينى عن على بن زيد به مطولا نحو رواية الكتاب أو مثلها.
وأما رواية عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب فقال أبو عثمان الصابونى: حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدى إملاء أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسى ثنا عمرو بن محمد بن يحيى القمانى ثنا عبد اللَّه بن نافع عن ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة به مطولا.
وعبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه هو ابن حرملة فيما أرى واللَّه أعلم.
وأما رواية هلال أبي جبة فقال الخرائطى في مكارم الأخلاق [ص ٩]:
حدثنا أبو سهل بنان بن سليمان الدقاق حدثنا بشر بن الوليد حدثنا المفضل بن فضالة ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب به مختصرا.
قلت: كذا وقع عنده بشر بن الوليد عن المفضل بن فضالة.
ورواه أبو موسى المدينى في الترغيب والترهيب من طريق بشر بن الوليد فوقع عنده عن فرج بن فضالة بدل مفضل بن فضالة:
ثنا هلال أبو جبلة عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال: "خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- ونحن في صفة المدينة فقام علينا فقال: إنى رأيت البارحة عجبا" فذكر الحديث بطوله.
قال أبو موسى المدينى: هذا حديث حسن جدا، رواه عن سعيد بن المسيب وعمر بن ذر جماعة منهم على بن زيد بن جدعان.
[ ٣ / ٤٢ ]
قال ابن القيم في كتاب الروح بعد إيراده في المسالة العاشرة من هذا الطريق: وراوى هذا الحديث عن سعيد بن المسيب، هلال أبو جبلة مدنى لا يُعرف بغير هذا الحديث ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه هكذا، وذكره الحاكم أبو أحمد والحاكم أبو عبد النه أبو جبل بلا هاء، وحكياه عن مسلم ورواه عنه الفرج بن فضالة وهو وسط الرواية ليس بالقوى ولا المتروك، ورواه عنه بشر بن الوليد الفقيه المعروف بأبى الخطيب، كان حسن المذهب جميل الطريقة، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يعظم أمر هذا الحديث وقال: أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث اهـ.
قلت: وقد قدمنا أن الحديث وقع عند الخرائطى من رواية مفضل بن فضالة بدل فرج بن فضالة. ونقل الحافظ السخاوى في القول البديع عن الحافظ رشيد الدين العطار أنه قال: هذا أحسن طرقه، يعنى رواية هلال أبي جبلة عن ابن المسيب، ثم قال السخاوى: وذكر الشيخ العارف أبو ثابت محمد بن عبد الملك الأيلى في كتابه أصول مذاهب العرفاء باللَّه ما معناه: أن هذا الحديث وإن كان غريبا عند أهل الحديث فهو صحيح لا شك فيه ولا ريب، حصل له العلم القطعى بصحته من طريق الكشف في كثير من وقائعه وأحواله. كذا قال والعلم عند اللَّه تعالى اهـ.
وذكر التاج السبكى في الطبقات أنه خرج جزءًا أملاه في طرق هذا الحديث واستوعبها، قال: وليس هو في شيء من الكتب الستة.
١١٧٥/ ٢٦٥٣ - "إِنْ أتَّخذ منبرًا فقد اتَّخذَهُ أبي إبراهيم، وإنْ أتَّخذ العصا فقد اتَّخذَها أبي إبراهيم"
البزار (طب) عن معاذ بن جبل
[ ٣ / ٤٣ ]
قال في الكبير عن الهيثمى: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى وهو ضعيف.
قلت: ومن طريقه خرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان [٢/ ١٧٥]:
حدثنا عبد اللَّه بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهانى ثنا عقبة هو ابن خالد عن موسى بن محمد بن إبراهيم حدثنى أبي عن السلولى عن معاذ بن جبل به.
١١٧٦/ ٢٦٥٤ - "إن اتَّخذَت شَعْرًا فأكرمه"
(هب) عن جابر
قال في الكبير: وفيه أحمد بن منصور الشيرازى، قال الذهبى: في الضعفاء، قال الدارقطنى: أدخل [على] جمع من الشيوخ بمصر وأنا بها.
قلت: أنا في شك من صدق هذا وأخشى أن يكون أحمد بن منصور المذكور في سند الحديث غير هذا، فإن الشارح لا يميز يين رجال الحديث وقد يكون فيه من هو أضعف من هذا، بل هذا لا يعلل به الحديث.
وكيفما كان فالحديث له شاهد حسن أو صحيح في سنن أبي داود [٤/ ٧٤، رقم ٤١٦٣] ومشكل الطحاوى [٨/ ٤٣٥، رقم ٣٣٦٥] من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان له شعر فليكرمه".
١١٧٧/ ٢٦٥٥ - "إنْ أُدخلتَ الجنة أُتيتَ بفرسٍ من ياقُوتةٍ له جناحان فحُملتَ عليه ثمَّ طار بك حيث شئت"
(ت) عن أبي أيوب
قال في الكبير: قال الترمذى: إسناده ليس بالقوى ولا نعرفه من حديث أبي أيوب الأنصارى إلا من هذا الوجه اهـ. نعم رواه الطبرانى عنه بهذا
[ ٣ / ٤٤ ]
اللفظ المزبور، قال المنذرى والهيثمى: ورجاله ثقات اهـ. فكان ينبعى للمصنف أن يضمه إلى الترمذى في العزو.
قالت: الحديث الذي قال عنه الحافظان: رجاله ثقات هو من حديث عبد الرحمن بن ساعدة لا من حديث أبي أيوب.
قال الهيثمى: باب في خيل الجنة: عن عبد الرحمن بن ساعدة قال: "كنت أحب الخيل فقلت: يا رسول اللَّه هل في الجنة خيل؟ فقال: إن أدخلك اللَّه الجنة يا عبد الرحمن كان لك فيها فرس من ياقوت له جناحان يطير بك حيث شئت". رواه الطبرانى ورجاله ثقات اهـ.
وهكذا أورده الحافظ المنذرى فكيف يتأتى الاشتباه فيه وعزوه لأبي أيوب إن هذا لعجب.
والحديث وإن قال الحافظان المذكوران: رجاله ثقات فإنه معلول، وقد خرجه الترمذى في جامعه إلا أنه ساق سنده ولم يسق متنه ووقع عنده مرسلا، فقال [٤/ ٦٨١، رقم ٢٥٤٣]:
حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن ثنا عاصم بن على ثنا المسعودى عن علقمة ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي -ﷺ- فقال: "يا رسول اللَّه هل في الجنة من خيل؟ قال إن أدخلك اللَّه الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت، قال: وسأله رجل فقال: يا رسول اللَّه هل في الجنة من إبل؟ قال: فلم يقل ما قاله لصاحبه، قال: إن أدخلك اللَّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
حدثنا سويد بن نصر أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي -ﷺ- نحوه بمعناه [٤/ ٦٨٢]، وهذا
[ ٣ / ٤٥ ]
أصح من حديث المسعودى.
قال الحافظ في الإصابة: يريد -يعنى الترمذى- على قاعدتهم أن طريق المرسل إذا كانت أقوى من طريق المتصل رجح المرسل على الموصول اهـ.
وأما ابن القيم فقال: لأن سفيان أحفظ من المسعودى وأثبت اهـ.
وكيفما كان الحال فإن علقمة بن مرثد اضطرب فيه اضطرابا يمنع صحة الحديث مع ثقة رجاله، فإنه روى عنه على أقوال:
الأول: عنه عن سليمان بن بريدة عن أبيه.
الثانى: عنه عن عبد الرحمن بن سابط مرسلا، وهذا الذي صححه الترمذى.
الثالث: عنه عن عبد الرحمن بن ساعدة، وهو الذي قال عنه المنذرى والهيثمى: رجاله ثقات.
الرابع: عنه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمير بن ساعدة قلت: "يا رسول اللَّه".
الخامس: عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة أن أعرابيا قال: "يا رسول اللَّه".
السادس: عنه عن يحيى بن إسحاق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة.
خرج هذه الطرق أبو نعيم في كتاب صفة الجنة [٢/ ٢٧٦، رقم ٤٢٧ مكرر] الموجود منه نسخة بمكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، وأشار إليها ابن القيم في حادى الأرواح، والحافظ في الإصابة باختصار.
[ ٣ / ٤٦ ]
١١٧٨/ ٢٦٥٨ - "إنْ أردتَّ أنْ يلين قلبُك فأطعِم المسكينَ وامسحْ رأسَ اليتيمِ"
(طب) في مكارم الأخلاق (هب) عن أبي هريرة.
قال الشارح: وفي إسناده مجهول.
قلت: تقدم هذا الحديث بنحوه من رواية أبي الدرداء بلفظ "أتحب أن يلين قلبك"، وتعرض الشارح في الكلام عليه لهذه الرواية فاخطأ هناك كما أخطأ هنا، وقد فصلنا القول في ذلك وأوردنا طرقه وأشبعنا القول فيه هناك فارجع اليه.
١١٧٩/ ٢٦٦٠ - "إنْ استطعتَ أنْ تكون أنت المقتول ولا تقتل أحدًا من أهل الصَّلاة فافعل"
ابن عساكر عن سعد
قلت: أخرجه من قبل ابن عساكر الخطيب في التاريخ [٣/ ٤٤٧، ٤٤٨] أيضًا من طريق إسماعيل بن محمد الصفار:
ثنا محمد بن عبد اللَّه المنادى ثنا محمد بن يعلى زنبور الكوفى أخبرنا الربيع ابن صبيح عن على بن زيد بن جدعان عن الحسن عن سعد. وفيه قصة.
ومحمد بن يعلى زنبور وشيخه وشيخ شيخه كلهم فيهم مقال.
١١٨٠/ ٢٦٦٢ - "إن تغفر اللهمَّ تغفر جمَّا وأى عبد لك لا ألمَّا"
(ت. ك) عن ابن عباس
قال الشارح: في الكبير خرجه (ت) في التفسير و(ك) في الإيمان والتوبة، قال: وهذا بيت لأمية بن أبي الصلت تمثل به المصطفى -ﷺ-
[ ٣ / ٤٧ ]
قلت: في هذا أمران الأول: أن الحاكم خرجه في ثلاثة مواضع من المستدرك في الإيمان والتفسير والتوبة، فأما في الإيمان والتفسير فصرح برفعه وأما في التوبة فلم يصرح برفعه، فإطلاق أنه خرجه في الموضعين مرفوعًا كما في المتن غير صواب.
الثانى: أنه جزم بأن البيت لأمية بن أبي الصلت وفيه خلاف وأقوال الأول: أنه من كلام النبي -ﷺ- كما [هو] ظاهر قول ابن عباس فيما رواه أبو عاصم عن زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: قال النبي -ﷺ- وذكره. هكذا رواه الترمذى [٥/ ٣٩٦، رقم ٣٢٨٤] عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصرى عن أبي عاصم، ثم قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق اهـ.
وكذا قال البزار في مسنده: لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه اهـ.
ورواه ابن جرير [٢٧/ ٣٩] عن سليمان بن عبد الجبار عن أبي عاصم به مثله، إلا أنه قال عن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول اللَّه -ﷺ- وذكره.
وهكذا رواه بهذه الزيادة الحاكم في المستدرك [١/ ٥٤، ٥٥، رقم ١٨٠]: عن الأصم عن محمد بن منان القزاز عن أبي عاصم به لكنه قال: "اللَّهم إن تغفر"، فاختل بذلك وزنه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لحديث منصور عن مجاهد عن ابن عباس به ولم يرفعه، قال: والتوقيف لا يوهن سند المرفوع، فإن زكريا بن إسحاق حافظ ثقة، وقد حدث به روح بن عبادة عن زكريا.
[ ٣ / ٤٨ ]
قلت: رواية روح أخرجها هو أيضًا في كتاب التفسير [٢/ ٤٦٩، رقم ٣٧٥٠] من طريق الحارث بن أبي أسامة:
ثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس في الآية قال: "يلم بها ثم يتوب منها" قال ابن عباس: "كان النبي -ﷺ- يقول: إن تغفر اللَّهم" وذكره وصححه على شرطهما أيضًا لكنه أعاده بهذا الإسناد عينه في التوبة [٤/ ٢٤٥، رقم ٧٦٢٠] فقال فيه ابن عباس: "هو الرجل يصيب الفاحشة يلم بها ثم يتوب منها قال: يقول إن تغفر اللَّهم" وذكره غير مصرح باسم النبي -ﷺ-.
القول الثانى: أنه من كلام شاعر وهو منقول عن ابن عباس أيضًا أخرجه الحاكم [١/ ٥٥، رقم ١٨١] من طريق شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في هذه الآية ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾، قال: "الذي يلم بالذنب ثم يدعه ألم تسمع قول الشاعر إن تغفر اللهم" وذكره.
هكذا رواه موقوفًا على ابن عباس من رواية آدم بن أبي إياس وعفان بن مسلم عن شعبة.
ورواه ابن جرير [٢٧/ ٦٦] من طريق غندر عن شعبة فوقف به على مجاهد، ولم يذكر ابن عباس.
القول الثالث: أنه من قول أهل الجاهلية وهو كالذى قبله إلا أن فيه تعيين أنه شعر جاهلى قديم رواه ابن جرير [٢٧/ ٦٦]:
ثنا ابن حميد ثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قول اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: "الرجل يلم بالذنب ثم ينزع منه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون إن تغفر اللَّهم" وذكره.
القول الرابع: أنه لأبي خراش خويلد بن مرة الهذلى كما ذكر ذلك السكرى
[ ٣ / ٤٩ ]
في أشعار هذيل، وابن الشجرى في أماليه كلاهما من طريق الأصمعى عن أبي طرفة الهذلى عن أبي خراش، كما حكاه الحافظ السيوطى في شرح شواهد المغنى، وفي لسان العرب عن ابن برى قال: وذكر عبد الرحمن عن عمه عن يعقوب عن مسلم بن أبي طرفة الهذلى، قال: مرَّ أبو خراش يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول:
لا همَّ هذا خامس إن تمَّ أتمه اللَّه وقد أتمّا
إن تغفر اللهم تغفر جمّا وأى عبد لك لا ألمّا
وأبو خراش هذا من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ومات في زمن عمر ﵁.
القول الخامس: أنه لامية بن الصلت وهو الذي ذكره الأكثرون ووقع من شعره في قصة غريبة خرجها إسحاق بن بشر "في المبتدأ" عن محمد بن إسحاق عن الزهرى وعن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: "قَدِمَت الفارعة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول اللَّه -ﷺ- وكانت ذات لب وعقل وجمال فقال لها ذات يوم: يا فارعة هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا؟ فقالت نعم، وأعجب من ذلك ما قد رأيت، قالت: كان أخى في سفر فلما انصرف بدأنى فدخل عليّ فرقد على سريرى وأنا أحلق أديما في يدى إذ أقبل طائران أبيضان فوقع على الكوة أحدهما ودخل الآخر فوقع عليه فشق ما بين قصمه إلى عانته ثم أدخل يده في جوفه فأخرج قلبه فوضعه في كفه ثم شمه فقال له الطائر الآخر أوعى؟ قال وعى قال: أزكى؟ قال: أبي، ثم رد القلب إلى مكانه فالتأم الجرح أسرع من طرفة عين ثم ذهبا، فلما رأيت ذلك دنوت منه فحركته فقلت: هل تجد شيئًا؟ قال لا إلا توهينا في جسدى وقد كنت ارتعبت مما رأيت، فقال: ما لى أراك مرتاعة؟
[ ٣ / ٥٠ ]
قالت: فأخبرته الخبر فقال: خير أريد بى ثم صرف عنى ثم أنشأ يقول:
باتت همومى تسرى طوارقها أكفَّ عينى والدمع سابقها
مما أتانى من اليقين ولم أُوتَ برآة بُغْضِ ناطقهما
أم مَّن تلظى عليه واقدة النـ ـارِ محيطٌ بهم سرادقها
أم أسكُنِ الجنة التي وُعِد الأ برار مصفوفةٌ نمارقها
لا يستوى النزلان ثم ولا لأ عمال لا تستوى طرائقها
هما فريقان فرقة تدخل الجـ ـنة حفت بهم حدائقها
وفرقةٌ منهم قد أدخلت النا ر فسائتهم مرافقها
تعاهدت هذه القلوب إذا همت بخير عاقت عوائقهما
وصدها للشقاء عن طلب الجـ ـنة دنيا اللَّه ما حقها
عبدٌ دعا نفسه فعاتبها يعلم أن الصبر رامقها
فأرغب النفس في الحياة وإن تحيى قليلا فالموت لاحقها
يوشكٍ من فرَّ من منيته يوما على غرةٍ يوافقها
إن لم تمت غبطةً تمت هرما للموت كأسٌ والمرءُ ذائقها
قال: ثم انصرف إلى رحله فلم يلبث إلا يسيرا حتى طُعن في صيارته (١) فأتانى الخبر فانصرفت إليه فوجدته منعوشا قد سُجى عليه فدنوت منه فشهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السعف ورفع صوته وقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيفدينى، ولا ذو أهل فتحمينى، ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقلت قد هلك الرجل، فشق بصره نحو السعف فرفع صوته
_________________
(١) كذا بالأصل، وكتب المؤلف فوقها كلمة "كذا".
[ ٣ / ٥١ ]
فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فاعتذر ولا ذو عشيرة فأنتصر، ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة وشق بصره ونظر نحو السعف فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، بالنعم محفود وبالذنب محصود، ثم أُغمى عليه إذ شهق شهقة فقال:
لبيكما لبيكما ها أنا فا لديكما
إن تغفر اللهم تغفر جما وأى عبد لك لا ألما
ثم أُغمى عليه إذ شهق شهقة فقال:
كل عيش وإن تطاول دهرا صائرٌ مرة إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى في قلال الجبال أرعى الوعول
قالت: ثم مات، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا فارعة، إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه اللَّه آياته فانسلخ منها" الآية.
وقال أبو الفرج في الأغانى [٤/ ١٣٤١]:
أخبرنى أحمد بن عبد العزيز حدثنا عمر بن شبة ثنا أبو غسان محمد بن يحيى ثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عامر بن مسعود عن الزهرى قال: "دخل يوما أمية بن أبي الصلت على أخته" فذكر القصة دون الأبيات التي أولها "باتت هموم تسرى" والباقى سواء وفيها البيت المذكور والبيتان بعده.
وقال أيضًا: أخبرنى الخرقى قال: حدثنى عمى عن مصعب بن عثمان عن ثابت بن الزبير قال: "لما مرضه أمية مرضه الذي مات فيه جعل يقول: قد دنا أجلى وهذه المرضة منيتى، وأنا أعلم أن الحنيفية [حقّ] ولكن الشك يداخلنى في محمد، قال: ولما دنت وفاته أغمى عليه قليلا ثم أفاق وهو يقول "وذكر نحو ما سبق وفيه البيت المذكور والبيتان بعده، وزاد فيهما ثالث وهو قوله:
[ ٣ / ٥٢ ]
اجعل الموت نصب عينيك واحذر غولة الدهر إن للدهر غولا
قال: ثم قضى نحبه ولم يؤمن بالنبي -ﷺ-.
ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب [٤/ ٤٤٥] عن أبي القاسم خلف بن القاسم: حدثنا أحمد بن الحسن بن عتبة الرارى ثنا روح بن الفرج القطان حدثنا وثيمة بن موسى ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق حدثنى محمد بن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: "قدمت الفارعة" فذكر مثل ما سبق عند إسحاق بن بشر إلا أنه اختصر القصة وبعض الأبيات.
وذكرها أيضًا ابن الأثير في أسد الغابة.
١١٨١/ ٢٦٦٥ - "إِنْ شئتُم أنبأْتكُم ما أوَّلُ ما يقولُ اللَّه تعالى للمؤمنين يومَ القيامةِ، وما أوَّلُ ما يقولون لَهُ، فإنَّ اللَّه تعالى يقولُ للمؤمنين: أحْببتُم لقائى؟ فيقولون: نعمْ يا ربَّنا، فيقول لِمَ؟ فيقولون: رجَونا عفْوَك ومغفرتَك، فيقول: قد أوْجبتُ لكم عفوى ومغفرتى".
(حم. طب) عن معاذ
قال الشارح: بإسنادين أحدهما حسن.
قلت: هذا يقتضى أن كلا من أحمد والطبرانى خرجاه بإسنادين وليس الأمر كذلك، يل الحافظ الهيثمى قال ذلك عن الطبرانى وحده، كما نقله الشارح نفسه في الكبير فقال: قال الهيثمى: فيه عبيد اللَّه بن زحر، ضعيف، وأعاده مرة أخرى وقال: رواه الطبرانى بسندين أحدهما حسن اهـ.
والحديث رواه عبد اللَّه بن المبارك [ص ٩٣، رقم ٢٧٦] عن يحيى بن أيوب عن عبيد اللَّه بن زحر عن خالد بن أبي (١) عمران عن أبي عياش عن معاذ.
_________________
(١) هو خالد بن أبي عمران التُّجيبيُّ، انظر التاريخ الكبير (٣/ ١٦٣) وتهذيب الكمال (٨/ ١٤٢) ترجمة (١٦٣٩).
[ ٣ / ٥٣ ]
وأخرجه أيضًا أبو داود الطيالسى [ص ٧٧، رقم ٥٦٤] والحسن بن سفيان في مسنديهما، وأبو نعيم في الحلية [٨/ ١٧٩]، كلهم من طريق ابن المبارك وقال أبو نعيم: لا يعرف له راو غير معاذ عن النبي -ﷺ- تفرد به عبيد اللَّه عن خالد.
١١٨٢/ ٢٦٦٨ - "إنْ قامتِ السَّاعة وفي يد أحدكم فَسِيلَةٌ، فإنِ اسْتطاع أن لا يقوم حتَّى يغرِسَها فليغرسْها"
(حم. خد) عن أنس
قال في الكبير: وكذا خرجه البزار والطيالسى والديلمى ورجاله ثقات أثبات كما قال الهيثمى.
قلت: سقط من قلم الشارح في الكبير من المخرجين: عبد بن حميد، وهو ثابت في جميع نسخ المتن، قال عبد بن حميد في مسنده [ص ٣٦٦، رقم ١٢١٦]: حدثنى أبو الوليد ومحمد بن الفضل قالا: حدثنا حماد بن سلمة ثنا هشام بن زيد عن أنس به.
وأخرجه الخلال في "الحث على التجارة": أخبرنا محمد بن إسماعيل أنبأنا وكيع عن حماد بن سلمة به.
١١٨٣/ ٢٦٦٩ - "إنْ كان خرج يسْعى على ولدِهِ صغارًا فهو في سبيل اللَّه، وإنْ كان خرج يسْعى على أبوَيْن شيخين كبيرَيْن فهو في سبيل اللَّه، وإنْ كان خرج يسْعى على نفسه يُعِفُّها فهو في سبيل اللَّه، وإنْ كان خرج يسْعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيَل الشَّيطان"
(طب) عن كعب بن عُجرة
قال في الكبير: بفتح فسكون.
قلت: هذا غلط، بل بضم فسكون.
[ ٣ / ٥٤ ]
١١٨٤/ ٢٦٧٥ - "إِنْ كنت صائمًا بعد شهرِ رمضان فَصُم المحرَّم، فإنَّهُ شهرُ اللَّه فيه يومٌ تاب اللَّه على قومٍ، ويتوبُ فيه على آخرينَ"
(ت) عن على
قال الشارح في الكبير: قال الزين العراقى: تفرد بإخراجه الترمذى، وقد أورده ابن عدى في الكامل، في ترجمة عبد الرحمن الواسطى، ونقل تضعيف الأئمة له، أحمد وابن معين والبخارى والنسائى اهـ. وما ذكره من تفرد الترمذى به لعله من حديث على وإلا فقد أخرجه النسائى من حديث أبي هريرة، قال: "جاء أعرابى بأرنب شواها فوضعها بين يديه فأمسك رسول اللَّه -ﷺ- فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا، فأمسك الأعرابى فقال رسول اللَّه -ﷺ-: ما يمنعك أن تأكل؟ قال: إنى أصوم من كل شهر ثلاثة أيام فذكره".
قلت: الشارح فضولى جدا، يتعقب الحفاظ فيفضح نفسه ويأتى بمثل هذه المخازى التي لولا فضوله لما وقع فيها، فهذا الحديث الذي استدركه على العراقى مغرب وكلام العراقى في حديث مشرق، وشتان بين مشرق ومغرب. قال النسائى [٤/ ٢٢٢]: أخبرنا محمد بن معمر ثنا حبان ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: "جاء أعرابى إلى رسوله اللَّه -ﷺ- بأرنب قد شواها" فذكر الحديث إلى قوله -ﷺ- "إنى أصوم ثلاثة أيام من الشهر، قال: إن كنت صائما فصم الغر -يعنى البيض-".
فكيف يستدرك بحديث في صيام البيض على حديث في صيام المحرم؟ إن هذا لعجب وأعجب منه أنه لم يذكر محل الشاهد منه حتى يخيل لى (١) أنه يتعمد التدليس والكذب، ولولا أنه تعقب على جده من قبل الأم لقلت: إنه تعمد ذلك، سامحنا اللَّه وإياه.
_________________
(١) في الأصل: "له" والسياق يقتضى ما أثبتناه، واللَّه أعلم.
[ ٣ / ٥٥ ]