بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد، ففي المدة التي كنت فيها ملازمًا لشيخنا العلامة عبد اللَّه بن الصديق بطنجة أثناء التحاقي بالقرويين، كنت حريصًا على حضور درس فضيلته المقام بعد صلاة الصبح والذي كان يتناول فيه كتاب "نيل الأوطار" شرحًا وتعليقًا وتحقيقًا على مدى ما يقرب من عشر سنين (١).
وكان فضيلته في أثناء الدرس كثيرًا ما يلوح بذكر كتاب "المداوي" لشقيقه أبي الفيض الحافظ أحمد بن الصديق، فيثني عليه ويطريه ذاكرًا أنه من أجود ما ألف في بابه، وأن من أراد صناعة الحديث فعليه بلبابه.
ثم اتفق أن يسر اللَّه وأنشئت دارًا للنشر بالقاهرة أثناء فترة إقامتي بطنجة عام (١٤١٠ هـ) وتشرفت بطبع بعض الرسائل العلمية لشيخنا عبد اللَّه بن الصديق.
_________________
(١) وكانت دروس نيل الأوطار كأنها روضة من رياض الجنة يسودها التؤدة والسكينة خاصة في تلك الساعة المباركة. فكان الأخ الفاضل مصطفى البقالي يقوم بسرد أحاديث الباب جملة واحدة، ثم يتناولها الشيخ بالشروح والتعليقات والكلام على مذاهب العلماء في المسألة، فلا يترك شاردة ولا واردة إلا ذكرها، ثم يقوم أحد الطلبة بسرد كلام الشوكاني في الباب، وكلما كان موضع للتعليق استوقفه الشيخ معلقًا أو مصححًا لما تحرَّف من النسخ المطبوعة.
[ مقدمة / ٧ ]
وكان الشيخ شديد الاهتمام بشأن كتاب "المداوي"، يسعى السعي الحثيث لكي يطبع الكتاب ويظهر إلى حيز الوجود، ولما عرض الأمر علي في أول نشأة الدار كنت أعتذر له بكبر حجم الكتاب واحتياجه لكثير من النفقة لكي يظهر في الصورة المشرفة اللائقة بموضوعه.
وألحَّ علي الشيخ في الطلب عن طريق غير مباشر -من خلال الأخ الفاضل محسن خلاف- ثم عن طريق مباشر من خلال رسالة أرسلها لي يحثني فيها على بذل الجهد لإتمام هذا العمل.
ولما يسر اللَّه الأمر وتهيأت الفرصة لتلبية رغبته شرعت في الإعداد لنسخ الكتاب وكنت لم أزل في مرحلة الطلب بالقرويين.
غير أن الشيخ وافته المنية قبل إتمام هذا العمل ورؤيته إياه وكان ذلك في شعبان عام (١٤١٣ هـ)، فلم يمنعني ذلك عن إتمام ما بدأت، فاتصلت بشيخنا الأستاذ الدكتور المحقق/ إبراهيم بن الصديق وعرضت عليه الأمر وما كان من رغبة الشيخ عبد اللَّه الملحة في طبع الكتاب، فأيدني إلى ما عزمت عليه وكنت قد انتهيت حينئذ من أكثر من ثلثي الكتاب.
إلى أن ظهر ما يكدر الصفو ممن يدَّعي الحقوق معنا، حيث جاء بورقة كاد يطير بها فرحا، وأبرق وأرعد وهدد وتوعد، ومن خلفه جماعة الخائنين يهولون له الأمر ويعظمونه، مستغلين في كل ذلك شوائب كانت تشوب العلاقة بيني وبين فضيلة العلامة المحدث/ عبد العزيز بن الصديق (أحد ورثة المؤلف) منعتني من الاتصال المباشر به، فاعتمدت على الواسطة التي لم تأت بخبر.
[ مقدمة / ٨ ]
ولم أعبأ بتهديداته ولم ألتفت لإرجافاته، فما زاده ذلك إلا خوفًا وهلعًا فسعى إلى كل طريق غير مشروع ليحول بيني وبين ما عزمت عليه، وما قصر في إلحاق الإذاية بنا بطرق ساذجة عاف عليها الزمن، يستحي من فعلها صغار الذراري، وكأنني لست بمسلم وليس لي حرمة المسلمين (١).
ولكن اللَّه عامله بخلاف مقصوده، وتم العمل على أحسن وجه وللَّه الحمد على ما أنعم وأسبغ.
وبعد، فإن جميع حقوق طبع كتاب "المداوي" ثابتة لدار الكتبي بموجب الإذن العام الممنوح لنا من قبل فضيلة الشيخ/ عبد اللَّه بن الصديق، وبموجب العقد المبرم مع ورثة الحافظ أحمد بن الصديق.
وما كنت أحب الخوض في هذا لولا أن تأكد لي رغبة من رغب في شن الحرب، وما اعتدينا ولكن الظالم اعتدى، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون ..
مصطفى صبري
_________________
(١) والعجب من مرتزقة اليوم كيف ساغ لهم التمحل في العلم الشريف غرض نشره، وهم غاية مقصودهم جمع المال بأي وسيلة كانت، يتحيلون في ذلك الحيل ويسلكون كل مسلك مشروع وغير مشروع، ويكيدون المكائد، ويتناحرون، و. . . و. . . و. . . فأي شرف في ذلك؟! خيب اللَّه سوقهم جميعًا، فهم أصدق مثال لحديث رسول اللَّه -ﷺ-: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".
[ مقدمة / ٩ ]