وكما كان ﵀ شديدًا في تمسكه بالسنة، كان كذلك شديدًا في مخالفته للكفار، يظهر ذلك جليًا من خلال جوابه لمن سأله عن حكم لبس الجبة الضيقة الكمين حيث قال:
وأما شبهة الملاعين في كونه -ﷺ- لبس جبة ضيقة الكمين فضاحكة لأمور: الأولى أنه -ﷺ- كان في المدينة المنورة في ضيق من العيش وذلة من الأشياء في الملبس والطعم، فكان لذلك يلبس ما وجد.
الثانى: أنه -ﷺ- عُرف من خلقه الكريم وهديه الشريف أنه كان يقبل الهدية ويستعملها تطييبا لخاطر مهديها سواء كان حاضرا حتى يُسَّر برؤيتها عليه -ﷺ- أو بعيدًا حتى يصله خبر ذلك.
الثالث: أن لبس الجبة الضيقة الكمين كانت من لباس العرب لكثرة ترددهم في التجارة إلى بلاد الشام واحتياجهم إلى الملابس، فكانوا يلبسونها حتى
[ مقدمة / ٧٩ ]
اشتهرت بينهم وصارت كأنها من ملابس الحضارة وسكان المدن والتجار منهم كما استوت عادتهم بذلك إلى يومنا هذا، فلم يبق فيها تشبه.
الرابع: أنه -ﷺ- لم يقصد التشبه ولا كان فيه تشبه لما ذكرنا، ومن ظن خلاف هذا كَفر وجَهل، هذا ما يتعلق بالنبي -ﷺ-، أما هؤلاء الزنادقة فنقول لهم: نعم أبحنا لكم لبس الجبة الضيقة الكمين الطويلة إلى نصف الساقين وحكمنا بأنها من السنن النبوية، والآن فالبسوا عمامة ضخمة من سبعة أذرع من الكتان الغليظ وارخو لها العذبة وطولوا لحيتكم قبضة واخضبوها بالحناء وجزوا شاربكم والبسوا الإزار والرداء أو القميص والنعلين أو السباط، ثم مع هذه الصفة البسوا الجبة الضيقة الكمين كما فعل سيد الكونين -ﷺ- لأن لبسها على هذه الصفة يبعد من التشبه بالكفار بُعد السماء من الأرض، وهم لعنهم اللَّه لو أعطى أحدهم ما يغنيه لما فعل هذا، ولكنه يقص شره على الطريقة الكافرة ويحلق لحيته ويلبس القميص والجكيتة والكرباطة والسروال والبوطات، ويعرى رأسه ويبقى لا يعرف أمسلم الأصل هو أم كافره، فأين السنة؟!
فهذا جوابهم القاطع لباطلهم، فإنهم إن ادعوا لبس الجبة فإنه لم يلبس الكرباطة ولم يلبس السروال ولم يحلق لحيته ولا قص شعره ولا لبس البوطات والتقاشير ولا ولا ولا. . . فليقتصروا على السنة ونحن معهم، والسلام (١).
_________________
(١) جاء ذلك ضمن مجموعة رسائل الشيخ العلمية، انظر "حياة الشيخ أحمد بن الصديق" (ص ٧٦، ٧٧).
[ مقدمة / ٨٠ ]
كما كان لا ينقضي عجبه من علماء العصر المتلبسين بالىهيئة الفرنجية المتهافتين على شغل المناصب، ومواقفه مع علماء الأزهر في هذا الشأن كثيرة، يتأكد هذا المعنى في العديد من كتاباته ﵀، من ذلك:
"وإذا كان العارف أبو الحسن بن ميمون ألَّف في أواخر القرن التاسع كتابه "غربة الإسلام بين المتفقه والمتفقر بمصر والشام وما والاها من بلاد الأعجام" وحكم فيه بكفرهم وردتهم ومروقهم من الدين، فما بالك لو رأى هؤلاء المتفرنجين، بل هم واللَّه شر من تحت أديم السماء كما ورد في السنة المطهرة" (١).
وبالجملة فقد كان الرجل في هذا المضمار نبراسًا يقتدى به في الليل البهيم الذي نعيشه الآن وسط قوم قد تشبعت أرواحهم بداء التفرنج، باعوا آخرتهم بدنياهم تحت شعار التمدن والحضارة.
وفي نقده لتلك الشخصية المنحلة، كان يرى أن إفكها منوط بما أسماه "أدوات الكفار" للقضاء على الإسلام، والمتمثلة في الكنائس والمستشفيات والمدارس التبشيرية من جهة، والجرائد والمجلات (٢) من جهة أخرى، فهي بمجموعها قادرة على خلق جيل متفسخ من أولاد المسلمين قد ضعفت فيهم الروح الإسلامية والتعاليم الدينية.
_________________
(١) انظر "التصور والتصديق" (ص ١٢٢).
(٢) من مسائله الاجتهادية أنه كان يرى حرمة النظر في الجرائد والمجلات لأسباب منها: أنها لا تنقل إلا كذبا، وأنها من أسباب نشر الإلحاد والضلال، وأنها بالرغم من عدم خلوها من قرآن أو حديث أو اسم من أسماء اللَّه ﷿ إلا أنها تحقر برميها في المزابل والمراحض، ولعله أراد أن يكتب في هذا كتابًا نيابة عن أبيه سماه: "الضرب بالحدائد لقراء الجرائد".
[ مقدمة / ٨١ ]