﷽
الحمد للَّه مميز الخبيث من الطيب، ومحرز الحديث بنقاده من الخطأ والكذب، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وعلى آله وأزواجه ومن له صحب، صلاةً وسلاما نرجو بهما الاستقامة للنفس والأهل والعقب.
وبعد: فهذا كتاب رغب إلي فيه بعض الأئمة الأنجاب، أبين فيه بالعزو والحكم المعتبر، ما على الألسنة اشتهر، مما يظن إجمالا أنه من الخبر، ولا يهتدي لمعرفته إلا جهابذة الأثر، وقد لا يكون فيه شيء مرفوع، وإنما هو في الموقوف أو المقطوع وربما لم أقف له على أصل أصلا، فلا أبت بفصل فيه قولا، غير ملتزم في ذلك الاستيفاء ولا مقدم على تنقيص لمتقدم أو جفاء، وإن لم يسلم كلامه من خلل، ولا تكلم بما يتضح به زوال العلل، تأدبا مع الأئمة كالزركشي وابن تيمية، فالفضل للسابق، والعدل هو الموافق، مرتبا على حروف المعجم في أول الكلمات، وإن كان ترتيبه على الأبواب للعارف من أكبر المهمات، ولذا جمعت بين الطريقتين، ورفعت عني اللوم ممن يختار إحدى الجهتين، فبوبت للأحاديث بعد انتهائها، وأشرت لمظانها من ابتدائها، ولاحظت في تسميتها أحاديث - المعنى اللغوي، كما أني لم أقصد في الشهرة
[ ٣٥ ]
الاقتصار على الاصطلاح القوي، وهي ما يروى عن أكثر من اثنين في معظم طباقه أو جميعها بدون مين، بل القصد الذي عزمت على إيضاحه وأن أتقنه، ما كان مشهورا على الألسنة من العالم المتقن في سبره أو غيره في بلد خاص، أو قوم معينين، أو في جل البلدان وبين أكثر الموجودين، وذلك يشمل ما كان كذلك، وما انفرد به راويه بحيث ضاقت مما عداه المسالك، وما لا يوجد له عند أحد سند معتمد، بل عمن عرف بالتضعيف والتلفيق والتحريف، وما لم يجيء كما أشرت إليه إلا عن الصحابة، فمن بعدهم من ذوي الرجاحة والإصابة، وما لم يفه به أحد من المعتمدين بالظن الغالب لا اليقين، وربما أنشط لشيء من المعنى، وأضبط ما يزول به اللبس بالحسنى، وكان أعظم باعث لي على هذا الجمع، وأهم حاث لعزمي فيما تقر به العين ويلتذ به السمع، كثرة التنازع لنقل ما لا يعلم في ديوان، مما لا يسلم عن كذب وبهتان، ونسبتهم إياه إلى الرسول، مع عدم خبرتهم بالمنقول، جازمين بإيراده، عازمين على إعادته وترداده، غافلين عن تحريمه، إلا بعد ثبوته وتفهيمه، من حافظ متقن في تثبيته، بحيث كان ابن عم المصطفى علي بن أبي طالب، لا يقبل الحديث إلا ممن حلف له من قريب أو مناسب، لأن الكذب عليه ﵌ ليس كالكذب على غيره من الخلق والأمم، حتى اتفق أهل البصيرة والبصائر، أنه من أكبر الكبائر، وصرح غير واحد من علماء الدين وأئمته، بعدم قبول توبته، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فكفره وحذر فتنته وضرره، إلى غيره من الأسباب، التي يطول في شأنها الانتخاب وسميته:
[ ٣٦ ]
المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة
واللَّه أسأل أن يسلك بنا طريق الحق والاعتدال وأن لا يترك الأحمق المائق يتمادى بالضلال، فيما لم يحققه مع الفحول الأبطال، وأن يجعل هذا التأليف خالصا لوجهه الكريم، موجبا لرضاه العميم، إنه قريب مجيب.
[ ٣٧ ]