هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، الملقب شمس الدين أبو الخير، وأبو عبد الله بن الزين، أو الجلال أبي الفضل، وأبي محمد السخاوي، القاهري، الشافعي، المصنف.
ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، بحارة بهاء الدين، علو الدرب المجاور لمدرسة شيخ الإسلام البلقيني محل أبيه وجده، ثم تحول منه حين دخل في الرابعة مع أبويه لملك اشتراه أبوه مجاور لسكن شيخه ابن حجر.
ودخل المكتب؛ فحفظ القرآن، وجوده بالقرآت على جماعة من العلماء، مثل: الزيني رضوان العقبي، والشهاب السكندري، وجعفر السنهوري.
ثم حفظ كثيرًا من كتب الفقه والحديث وعلوم العربية، مثل: عمدة الأحكام، والتنبيه، والمنهاج الأصلي، والنخبة وشرحها، وألفية الزين العراقي، وألفية ابن مالك، ومعظم الشاطبية، وغير ذلك.
وكلما انتهى من حفظ كتاب عرضه على شيوخ عصره، مثل: المحب بن
[ ٢١ ]
نصر الله البغدادي الحنبلي، والشمس بن عمار المالكي، والنور التلواني، والجمال عبد الله الزيتوني.
وأخذ الفقه عن العلم صالح البلقيني، ودرس عليه الروضة والمنهاج. وقرأ التنبيه على الشمس الونائي، والشمس الشنشي، وابن خضر. ودرس المهذب على الزين البوتيجي، وحضر كثيرًا من دروس التقي الشمني في الأصلين والمعاني والبديع والبيان. وأخذ الفرائض والحساب وعلم الميقات عن الشهاب بن المجدي، والأصول عن الكمال إمام الكاملية. وأخذ الصرف والمنطق عن العز عبد السلام البغدادي. وقرأ من القاموس في اللغة على المحب بن الشحنة، وشرح ألفية العراقي على الزين السنديسي والزين قاسم الحنفي، وغير ذلك .. بل أذن له غير واحد من هؤلاء ومن غيرهم بالإفتاء والتدريس والإملاء.
وقبل ذلك كله سمع مع والده ليلًا الكثير من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشهاب بن حجر، فكان أول ما وقف عليه من ذلك في سنة ثمان وثلاثين، وأوقع الله في قلبه محبته، فلازم مجلسه، وعادت عليه بركته في هذا الشأن؛ حتى حمل عنه علمًا جمًا، واختص به كثيرًا بحيث كان من أكثر الآخذين عنه.
وقد قرأ عليه الاصطلاح بتمامه، وسمع عليه جل كتبه كالألفية وشرحها مرارًا، وعلوم الحديث لابن الصلاح إلا اليسير من أوائله، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها؛ كالتقريب، وثلاثة أرباع أصله، ومعظم تعجيل المنفعة، واللسان بتمامه، وأشياء أخرى يطول إيرادها. وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف، وصلى به إمامًا التراويح في بعض ليالي رمضان. وتدرب به في طريق القوم ومعرفة العالي والنازل والكشف عن التراجم والمتون وسائر الاصطلاح وغير ذلك.
[ ٢٢ ]
وكذا تدرب على كثير من علماء عصره، مثل: الزين رضوان العقبي، والنجم عمر بن فهد الهاشمي، وانتفع بإرشاد كل منهم وأجزائه وإفادته.
وبعد وفاة شيخه سافر إلى دمياط، فسمع بها من بعض المسندين، وكتب عن نفر من المتأدبين، ثم توجه في البحر لقضاء فريضة الحج، وصحب والدته معه؛ فلقي بالطور والينبوع وجدة غير واحد أخذ عنهم، ووصل مكة أوائل شعبان، فأقام بها إلى أن حج، وقرأ بها من الكتب الكبار والأجزاء القصار ما لم يتهيأ لغيره من الغرباء. وقرأ في رجوعه بالمدينة الشريفة تجاه الحجرة النبوية على غير واحد من العلماء.
ثم رجع إلى القاهرة، فأقام بها ملازمًا السماع والقراءة والتخريج والاستفادة من الشيوخ والأقران، غير مشتغل بما يعطله عن مزيد الاستفادة، إلى أن توجه لمنوف العليا، وفيشا الصغرى، والاسكندرية، ودسوق، وقوة، ورشيد، والمعلة، وسمنود، وغيرها. فحصل في هذه الرحلة أشياء جليلة من الكتب والأجزاء والفوائد عن نحو خمسين نفسًا.
ثم ارتحل إلى حلب، وسمع في توجهه إليها بسرياقوس، والخانقاه، وبلبيس، وغزة، والرملة، والقدس، ونابلس، وحمص، وغيرها .. فبلغ عدد من سمع منهم أثناء هذه الرحلة قريبًا من مائة نفس.
ويربو عدد البلدان والأماكن التي سمع فيها على الثمانين. وفي هذه البلاد أملي كثيرًا من مؤلفاته، ورواها عنه العلماء، وأجازهم وأجازوه.
واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا، فروى الكتب الستة وما التحق بها، والمسانيد، والمعاجم، والأجزاء، وكتب المناقب، والأربعينيات، والمؤلفات في التفسير واللغة والنحو، وغيرها. وليس المراد بما ذكر الحصر؛ إذ لو سرد كل نوع منه لطال ذكره،
[ ٢٣ ]
وعسر الآن حصره، بل لو سرد مسموعه ومقروءه على شيخه فقط لكان شيئًا عجبًا.
ثم حج في سنة (٨٧٠ هـ) هو وأهله وأولاده وجاور وانتفع به أهل الحرمين، ثم عاد إلى القاهرة، وأملى الحديث على ما كان عليه أكابر مشايخه ومشايخهم، وانتفع الناس به، ثم حج مرات، وجاور مجاورات.
ثم لما عاد للقاهرة، تزايد انجماعه عن الناس، وامتنع من الإملاء المزاحمة من لا يحسن فيها وعدم التمييز من معظم الناس بين العلمين. وذلك مع ملازمة الناس له في منزله للقراءة دراية ورواية في تصانيفه وغيرها، بحيث بحيث ختم عليه ما يفوق الوصف من ذلك، وأخذ عنه من الخلائق من لا يحصى كثرة.
وقد شرع في التصنيف والتخريج قبل الخمسين وهلم جرًا. وصنف زهاء مائتي كتاب، أشهرها "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" اثنا عشر جزءًا، و"شرح ألفية العراقي" في مصطلح الحديث، و"القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع"، و"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ"، و"المعين" رسالة في تراجم المذكورين في الأربعين النووية، و"الاهتمام" في ترجمة النووي، و"التبر المسبوك" ذيل لتاريخ المقريزي، و"وجيز الكلام في الذيل على كتاب الذهبي دول الإسلام"، و"الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"، والجواهر المجموعة" أدب، و"بغية العلماء والرواة" ذيل لكتاب رفع الإصر عن قضاة مصر، و"الغاية في شرح الهداية"، و"عمدة القارئ والسامع" في الحديث. وغير ذلك.
وقد قرض أشياء من تصانيفه وأثنى عليه غير واحد من العلماء منهم: شيخه ابن حجر، والمناوي، والبدر العيني، والبدر بن القطان، والتقى القلقشندي، والشمس القرافي، والجلال المحلى، والعز الكناني، وغيرهم -. ومما وصفوه به: زين الحفاظ، وعمدة الأئمة الأيقاظ، وشمس
[ ٢٤ ]
الدنيا والدين، والمحدث البارع الأوحد المفيد الحافظ الأمجد، والحجة المتقن المحقق، وشيخ السنة، وأوحد الدهر، وغير ذلك.
ومما قيل في مدحه نظمًا:
أعني الإمام العالم العلامة … المسند المحدث الفهامه
الحافظ المفوه السخاوي … بعلم كل عالم ورواي
وقيل فيه أيضًا:
يا خادمًا أخبار أشرف مرسل … وسخا فنسبته إليه سخاوي
وحوى السياسة والرئاسة ناهجًا … منهاج حبر للمكارم حاوي
وكانت وفاته رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته في مجاورته الأخير بالمدينة الشريفة في عصر يوم الأحد سادس عشر شعبان سنة ٩٠٢ هـ (^١).