مما لا شك فيه أن علماء المسلمين قد بذلوا جهودًا شتى في حفظ السنة النبوية المطهرة. وقد تجلت هذه الجهود في تخصص رجال في علم الحديث، الذي به من القواعد والأصول ما يكفل للمرء المعرفة التامة بالحديث سندًا ومتنًا من حديث القبول والرد وتمييز الصحيح من السقيم.
ومن ضمن الجهود التي بذلها هؤلاء العلماء المتخصصون القيام بتصنيف كتب جمعوا فيها الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وبينوا صحيحها من
_________________
(١) انظر في ترجمة السخاوي: الضوء اللامع ٨: ٢ - ٣٢، والكواكب السائرة ١: ٥٣، وشذرات الذهب ٨: ١٥، وخطط مبارك ١٢: ١٥، والنور السافر ١٦، وابن إياس ٢: ٣٢١، وتاريخ العراق ٣: ١٤، وآداب اللغة ٣: ١٦٩، والفهرس التمهيدي ٣٨١، وإيضاح المكنون ١: ٢٧ و٢٣٨، والدهلوي في مجلة المنهل ٧: ٤٤٢، والعبدلية ٢٠١ و٢٢٦، وجولة في دور الكتب الأميركية ٥١ و٧٠، ومعجم المطبوعات ١٠١٢، ومجلة المجمع العلمي العربي ٤٣: ٩١٣، والأعلام للزركلي ٦: ١٩٤.
[ ٢٥ ]
سقيمها، وبينوا من رواها وخرجها من أصحاب المصنفات إن كان لها أصل.
والشهرة في هذه الأحاديث ليست هي الشهرة الاصطلاحية التي معناها أن يُرْوَى الحديث من ثلاثة طرق أو أكثر، بل المراد بها الشهرة اللغوية، أي انتشار واشتهار هذه الأحاديث على السنة الناس ومعرفتها في مختلف أوساطهم وطبقاتهم.
وقد بدأت تلك الجهود المتعلقة بالأحاديث المشتهرة على الألسنة بداية مبكرة. وكان من أوائل الذين اهتموا بالإشارة إليها الإمام ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) وقد قام الشيخ ابن العطار بجمع أقوال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) في أحاديث شائعة، وذلك في كتاب "المسائل المنثورة" الذي يحوي فتاوي الإمام النووي، وكان لهذه الأقوال تأثير واضح على كل من صنف في هذا المجال.
وللإمام ابن تيمية ﵀ (ت ٧٢٨ هـ) رسالة وجيزة في هذا الفن، هي "أحاديث القصاص"، التي أجاب فيها الإمام على أحاديث يرويها القصاص عن النبي ﷺ وبعضها عن الله تعالى.
وجاء بعد الإمام ابن تيمية الإمام الزركشي (ت ٧٩٤)؛ فصنف كتابه المعروف باسم "التذكرة في الأحاديث المشتهرة".
ثم جاء الإمام ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)؛ فألف في هذا الفن تأليفًا قيمًا، هو "اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة".
ثم جاء الإمام السخاوي تلميذ الإمام ابن حجر؛ فصنف أشمل كتاب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وهو الكتاب الذي بين أيدينا الآن: "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة".
وفي نفس هذه الحقبة الزمنية ألف الإمام السيوطي (ت ٩١١) كتاب
[ ٢٦ ]
"الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة"، لخص فيه كتاب "التذكرة" للزركشي وزاد عليه.
ولما جاء الشيخ عبد الوهاب الشعراني (ت ٩٧٣) صنف كتابًا سماه "البدر المنير في غريب أحاديث البشير النذير".
ثم جاء غرس الدين (ت ١٠٥٧)؛ فسلك مسلكًا جديدًا في هذا الشأن؛ حيث نظم قصيدة مطولة سمّاها: "كشف الالتباس عن الأحاديث التي تدور بين الناس"، جمع فيها كما يقول - من الأحاديث النبوية ألوفًا، ومن الفوائد الأثرية صنوفًا، أبياتها نحو من عشرة آلاف بيت ثم كتب كتابًا يسهل الوصول إلى هذه المنظومة الصعبة، هو "تسهيل السبيل إلى كشف الالتباس عما دار من الأحاديث بين الناس".
ثم جاء نجم الدين بن محمد الغزي (ت ١٠٦١)؛ فصنف "إتقان ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن" ضمّنه كتاب "التذكرة" و"الدرر المنتثرة" و"المقاصد الحسنة"، وزاد عليها فوائد حسنة.
ثم جاء العجلوني (ت ١١٦٢)؛ فصنف "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" حاول فيه أن يجمع كل أحاديث كتب الأئمة الذين سبقوه في هذا الفن.
ثم جاء محمد بن درويش الشهير بالحوت البيروتي (ت ١٢٧٦)؛ فصنف كتاب "أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب"، جرد فيه مؤلفه أحاديث ابن الديبع التي اختصرها من كتاب "المقاصد الحسنة"، وزاد عليها زيادات، ثم قام ولده عبد الرحمن بعد وفاة والده فضم الزيادات إلى الأصل ورتبها كلها على حروف الهجاء تسهيلًا للفائدة.
[ ٢٧ ]