تحامل بعض العلماء المعاصرين للسخاوي عليه، للمنافسة التي تكون بين الأقران، فتكلموا فيه، وألفوا في نقده والكلام في مؤلفاته، بغير إنصاف، حسدًا منهم،
_________________
(١) شذرات الذهب.
(٢) البدر الطالع.
[ ١٧ ]
- ص -
يتقدمهم جلال الدين السيوطي، ويؤيده، الحافظ الدِّيمي، والبرهان البقاعي (^١)، وغيرهم.
فألف السيوطي مقامته المعروفة - بالكاوي في تاريخ السخاوي - والقول المجمل في الرد على المهمل. وترجم للسخاوي، في كتابه: نظم العقيان. ترجمة لا تليق بالسخاوي، ولم ينصفه فيها، وطعن في علمه، صريحًا في رسالته: الدوران الفلكي. علي ابن الكركي، وفي رسالته: ألوية النصر في خصّيصي بالقصر. ومن تعريضه به قوله:
قل للسخاوي إن تعروك مشكلةٌ … علمي كبحر من الأمواج متلطمِ
والحافظ الدِّيمي غيث الزمان فخذ … "غرفًا من اليم أو رشَفًا من الديم" (^٢)
انتقد السيوطي كتاب السخاوي "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" - وذكر أن المؤلف، جرح كثيرًا من العلماء، وذكر مساوئهم، واحتقرهم، على وجه لا يحل، وبغير إنصاف في حكمه عليهم، حتى إنه ذكر ما رماهم به الشعراء في أهاجيهم، مع أنهم أئمة أعلام، ومن مشايخ الإسلام، مثل البلقيني، والقاياتي، والقلْقشَندي، والمناوي، وغيرهم، وذكر أن التجريح للرجال، لا حاجة إليه في هذه العصور، بعد أن دونت الكتب في رجال الإسناد، وبعد انتهاء عصر الرواية، والكلام في شأن من لا رواية له، من الغيبة المحرمة. وقول السيوطي بذلك مردود. فإن معرفة العدالة في كل عصر، لا بد منها، لقبول قول الفقيه، والمفتي، والشاهد، والمؤرخ. وحتى تقليد العالم بعد موته، مشروط بمعرفة عدالته، على أن علوم الأوائل، ورواياتهم، لا يقوم الاحتجاج بها، إلا إذا وصلت إلينا من طريق صحيح، يعتمد نقلَ العدل الثقة طبقة عن طبقة (^٣)، فأمر السيوطي ينتهي بتسجيل الحسد منه على السخاوي، للمنافسة بينهما، وقول المتنافسين لا يقبل في بعض (^٤).
_________________
(١) الرفع والتكميل للكنوي.
(٢) النور السافر.
(٣) مقدمة ميزان الاعتدال للذهبي.
(٤) جامع بيان العلم لابن عبد البر.
[ ١٨ ]
- ق -
قال الشوكاني: السخاوي وإن كان إمامًا كبيرًا، غير مدفوع لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يَعرف ذلك من طالع كتابه "الضوء اللامع"، فإنه لا يقيم لهم وزنًا، بل لا يسلم غالبهم من الحط عليه - وقال أيضًا: وليته صان ذلك الكتاب عن الوقيعة في أكابر أقرانه، ولكن ربما كان له مقصد صالح.
والسيوطي تنقص السخاوي أيضًا، وادعى أنه قاصر في علم الحديث، وأن مؤلفاته فيه هي مسودات ظفر بها من تركة شيخه ابن حجر، فنسبها إلى نفسه.
وهذه الدعوى مردودة أيضًا. فإن السخاوي، رجل ممارس للعلوم منقولها ومعقولها، وطويل الباع فيها، وهو وارث علوم شيخه، وليس في مؤلفاته عبارات تشترك مع عبارات شيخه، وذلك لازم النقل عنه، بل في مؤلفات السخاوي، كثير مما لم يكمله شيخه، أو بيَّض له.
وذكر السيوطي أيضًا: أن علم السخاوي بالعربية قليل، ووصفه بالجهل به، فإنه لم يقل بأن "خصيصَي " - وهو مصدر بمعنى الخصوصية - يتعين قصرها وحينما كاتبه السيوطي، وبين له نقول أهل العربية، لم يرجع إلى الصواب، في حين أن غيره من العلماء، قد رجعوا عن جواز أن تكون بالياء الساكنة على أنها مثناة مضافة لما بعدها، فقد رجع: أمين الدين الأقصرائي، والفخر الديمي، وزين الدين قاسم الحنفي، وسراج الدين العبادي، بعد أن كاتبهم السيوطي (^١).
وصحة هذه الحادثة، لا تنزل بالسخاوي عن درجة الحافظ، لكن السيوطي كان حريصًا على تفرده بعلم العربية، لتتم دعواه بالاجتهاد، ويسلم له الأقران بأنه مجدد القرن، فقد ذكر (^٢) أنه لا يعلم أحدًا على وجه الأرض، أعلم بالعربية منه، إلا أن يكون الخضر ﵇، أو وليًا للَّه تعالى.
وكذلك الحافظ السخاوي - انتقص السيوطي، وانتصر له جماعة، فترجمه السخاوي في الضوء اللامع، ترجمة مظلمة، كما يقول الشوكاني، وألف ابن العُليّف،
_________________
(١) ألوية النصر للسيوطي.
(٢) الرد على من أخلد إلى الأرض للسيوطي.
[ ١٩ ]
- ر -
أحمد بن الحسين، الشاعر المكي، كتاب "الشهاب الهاوي، على منشئ الكاوي" وكتاب "المنتقِد اللوذعي، على المجتهد الدعي" (^١).
واتهمه السخاوي. بعدم الإمعان في كل الفنون، وأنه يقع في التحريف والتصحيف كثيرًا، لأنه يعتمد على بطون الدفاتر، وأنه تزبّب " قبل أن يصير حصرمًا". ووصفه بالبلادة، لأنه لا يحسن علم الحساب كما ذكره عن نفسه، وأن مؤلفاته ليست له، وإنما هي من كتب المتقدمين التي لا عهد لكثير من المعاصرين بها، قد أخذها من المكتبة المحمودية، فغير فيها يسيرًا، وقدم وأخر، ثم نسبها إلى نفسه، وأنه اختلس تصانيف الحافظ ابن حجر، ومسخها على غير وجهها، وأنه كان كثير الوقيعة في شيوخه فمن فوقهم، وأنه متهوس، ومترفع حتى على أمه (^٢).
وقد رد هذه التهم، العلامة الشوكاني (^٣)، وذكر أنها تحامل على السيوطي، وأن الأقران لا يقبل قول بعضهم في بعض، وأن ترجمة السخاوي له بهذه التهم، قد صدرت من خصم له، غير مقبول عليه.
وأنت ترى بعد ما ذكرناه لك، من قول أحدهما في الآخر، أن كثيرًا من هذه التهم متبادلة بينهما، والذي يعرفه العلماء عنهما، أن السخاوي كان متفوقًا بمعرفة علل الحديث، لكثرة شيوخه، وقراءاته وسماعاته، وتدريبه بالمدربين المهَرَة، وأن السيوطي: كان متفوقًا بالحفظ، ومعرفة المتون، والإحاطة بها، وأنه امتاز بالوقوف على كثير من الروايات التي لم تشتهر عند العلماء، وبالوقوف على رجالها، مما جعله وحيدًا في جمع الأجزاء الحديثية، وهي قد أضافت إلى العلم مادة جديدة، إذ بها يصير الضعيف التي تعددت طرقه مقبولًا، وهو عند من لم يغصْ غوصَه ليس بمقبول، وترفع السيوطي على السخاوي، وادعاؤه الاجتهاد، من بين أقرانه. وعدم مزاحمته لمجالس العلماء، كما زاحم السخاوي، هو السبب في تحامل السخاوي عليه.
مع أن كلاهما جيد في فنه، ومشارك في غيره، ولا يقبل قول المتنافسين بعضهم في البعض.
_________________
(١) الرفع والتكميل للكنوي.
(٢) الضوء اللامع.
(٣) البدر الطالع.
[ ٢٠ ]
- ش -