وهاك الأسس والقواعد الرئيسة، التي انتقيتُ بها وعليها الأحاديث في (السلسلتين)، مع ذكر أمثله، ومع التنبيه على بعض الأمور في ثنايا هذه الأسس:
١ - الأحاديث المراسيل، وإن صحَّ الإسناد إلى المُرسل، أو لم يصح، أخرجتها في (السلسلة الضعيفة). لا أُبالي إن فعلتُ، فالمرسل من أقسام الحديث الضعيف، وقد قال مسلمٌ - عليه رحمة الله تعالى - في "مقدمة صحيحه": والمُرسَل من الرِّوَاياتِ في أصلِ قولِنا، وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ، ليس بِحُجَّةٍ. اهـ.
والترمذيُّ - عليه رحمة الله - يقول في كتاب "العلل - المطبوع في نهاية الجامع": الحديثُ إذا كان مرسلًا فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث، قد ضعَّفهُ غيرُ واحد منهم. اهـ.
وأبو محمد عبد الرحمن ابنُ أبي حاتم - عليه رحمة الله - قال في أول "كتاب المراسيل" له: سمعتُ أبي وأبا زرعة، يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا. اهـ.
ومثاله ما أخرجته في الضعيفة (٤): (تزوج النبيّ - ﷺ - بعض نسائه وهو مُحْرِمٌ) (رواه: عبد الرحمن بنُ مهدي، عن أبي عوانة، عن المغيرة، عن شباك الضبي الكوفي الأعمى، عن أبي الضحى مسلم ابن صبيح، عن مسروق به هكذا مرسلًا). (وقال معلي بنُ أسد وإبراهيم ابنُ الحجاج: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة ﵂ بنحوه. وهو في السلسلة الصحيحة. معلى
_________________
(١) تنبيهٌ: عدلتُ عن هذا المنهج، طالما صح المتنُ وضعته وطرقه في (الصحيحة)؛ وانظر فيما يأتي الفقرة رقم ١٥، والتي تليها.
[ ١ / ١٩ ]
ابنُ أسد وهو ثقةٌ ثبتٌ. وإبراهيم بنُ الحجاج النيليّ وقد وثقه ابنُ حبان والدارقطنيُّ والذهبيُّ، رواه كلاهما عن أبي عوانة مسندًا. وخالفهما عبد الرحمن بنُ مهدي، وهو مَنْ هو، فرواه عن أبي عوانة مرسلًا، كما مر. والذي يظهر لي هو صحةُ الروايتين جميعا، لثقة من روى الوجهين عن أبي عوانة، ولا أرى أنْ يُعلَّ أحدهما الآخر) (س كبرى) (تنبيه ٤ / رقم ١١٤٠؛ تنبيه ٤ / رقم ١٢٤٩؛ تنبيه ١٢/ رقم ٢٤٨٣).
٢ - أمَّا الآثار الموقوفة على الصحابة أو حتى المقطوعة على التابعين، لو جاءت بإسناد صحيح، خرَّجتُها انتقاءً في (المنيحة بالسلسلة الصحيحة)؛ ولو جاءت بإسناد ضعيف، خرَّجتُها في (الضعيفة).
٣ - وقد لا أذكر كلمة: (حديث صحيح) أو (ضعيف)، فهو مفهومٌ ومتبادرٌ من كون الحديث مخرَّجًا في (الصحيحة) أو في (الضعيفة).
٤ - إذا قلتُ: (قال شيخُنا) فهو لشيخنا. وإذا لم أقل: (قال شيخنا) فهو لشيخنا أيضًا. وإذا قلتُ: (قلتُ) فهو قولي، إلا ما كان في سياق شيخنا.
٥ - أقتصر في التخريج على تخريج الرواية الصحيحة. أما الرواية المخالفة فمن النادر لو خرَّجتها إلا لو انتقيتها في الضعيفة فلا بد من ذكر تخريجها.
٦ - ولا أذكر في التخريج اسم صاحب الكتاب إن كان الحديث المنتقى من كتابه.
يعني أحاديث من كتاب (الزهد لأسد بن موسى). لا أكتب رمز (أسد بن موسى) في التخريج. إنما اكتفيت بذكر الكتاب في مكان موضع الحديث في كتب الشيخ.
[ ١ / ٢٠ ]
٧ - وقد توسعت في التخريج، ظنًا مني أنه في مصلحة طالب العلم، حتى يصير لديه كل الكتب، ولا سيما المخطوط منها، التي أخرجت الحديث والتي ذكرها الشيخ الحويني في أثناء تحقيقه للحديث وهو عادة يتوسع في ذلك.
٨ - وجعلت هذا التخريج بالرموز منعا من زيادة حجم الكتاب، وجعلت بابًا مستقلا لمعرفة الرموز والاختصارات المستخدمة في التخريج، كما أشرت سابقًا.
٩ - وفي هذا الباب رتبت الرموز والاختصارات على حروف الهجاء لتكون أيسر إذا ما أراد النَّاظرُ معرفة مَنْ صاحب هذا الاختصار؛ وقمت بتحديث هذا الباب في كل جزء جديد من أجزاء (المنيحة).
١٠ - قد أنتقي من الأحاديث في (الصحيحة) على أساس الإسناد الصحيح المشهور عند أهل العلم بذلك، مثل: (أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة)، وإن لم يذكر شيخُنا أنها صحيحة اكتفاء منه بشهرتها وخاصة في كتابه (تنبيه الهاجد)، على ألا يكون لأهل الصناعة الحديثية كلام في ردِّ الرواية، أو هي بالفعل مُخرّجة في أحد الكتب التي يشترط أصحابها الصحة.
١١ - وأيضًا قد انتقي من الأحاديث التي أراها مخرجة في صحيحي: البخاري ومسلم، أو أحدهما، وأذكرها في (الصحيحة).
١٢ - أترضى على الصحابي واجعل هذا دأبي، وإن لم يكن بالأصل.
١٣ - قد أُعَقِّب بعد متن الحديث، بكلام يُبَيِّنُ المعنى، ليسهُل الإفادة من الحديث،
مثاله في الصحيحة: (أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -. يعنى: لأنه خرج من المسجد وقد أذَّنَ المؤُذِّنُ) (أبو الأحوص، وسفيان الثوري، وشعبة بنُ الحجاج، وعُمر بنُ عُبَيد الطنافسيُّ، كلُّهُم رووه
[ ١ / ٢١ ]
عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء، قال: كنا قعودًا في المسجد، مع أبي هريرة - ﵁ -، فأذَّنَ المُؤذِنُ، فقام رجلٌ من المسجد، فأتبعه أبو هريرة بصره حتي خرج من المسجد، فقال أبو هريرة .. فذكره. وقد توبع إبراهيم بنُ المهاجر: تابعه أشعث بنُ أبي الشعثاء، فرواه عن أبيه بهذا. وتابعه أبو صخرة جامع بنُ شداد، فرواه عن أبي الشعثاء بسنده سواء. ورواه حبيب بنُ أبي ثابت عن سُلَيم كذلك. وسُلَيم هو أبو الشعثاء. وقد توبع أبو الشعثاء على هذا السياق: تابعه أبو صالح، قال: رأى أبو هريرة - ﵁ - رجلًا قد خرج من المسجد، وقد أذَّنَ المُؤذّنُ، فقال: .. وذكر مثله). (أصحُّ حديثٍ في هذا الباب) (م، نعيم، عو، د، ت، س، س كبرى، ق، حم، مي، إسحاق، حمي، خز، حب، طب أوسط، قط علل، وأفراد، هق) (تنبيه ١٢ رقم ٢٣٨٠).
١٤ - أخطاء الرواة لا أبالي إن انتقيتها في (السلسلة الضعيفة):
ومثاله ما أخرجته في الضعيفة (٥): (من يُرِدِ اللهُ به خيرًا، يفقهه في الدين) (رواه عبد الواحد بنُ زياد، وعبد الأعلي بنُ عبد الأعلى البصريان، كلاهما عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا). (قال شيخنا: كذا رواه معمر بنُ راشد، ووهم فيه، وقد تكلَّم العلماء في رواية أهل البصرة عن معمر، فقد وقعت منه أوهامٌ في البصرة حملها عنه أهلها، وعبد الواحد وعبد الأعلى بصريان.
_________________
(١) تنبيهٌ: عدلتُ عن هذا، طالما صح المتنُ وضعته وطرقه في (الصحيحة)؛ وانظر الفقرة رقم ١٥] والتي تليها.
[ ١ / ٢٢ ]
وقد اختلف أصحابُ الزهريّ عليه في إسناده. فرواه شعيب بنُ أبي حمزة، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ورواه يونس بنُ يزيد، وعبد الوهاب بنُ أبي بكر، عنه، عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية مرفوعًا. وهذا الوجه هو المحفوظ كما جزم به الدارقطنيُّ وغيرُهُ. قال أبو عمرو: وهو اختيار البخاري ومسلم وغيرهما، وانظر سياقه وتخريجه في "المنيحة بسلسلة الأحاديث الصحيحة"، والحمد لله رب العالمين) (ق، حم، يع، الآجري أخلاق العلماء، طح مشكل، قط علل، خط الفقيه، ابن عبد البر الجامع) (تنبيه ١ / رقم ١٠٠).
١٥ - انتقاء الأحاديث في (الصحيحة) أو في (الضعيفة) يكون الاعتماد فيه على الإسناد (٦). وإن كان المتنُ واحدًا أو كادَ. وهكذا العلماء يفعلون، قال السيوطيُّ في ألفيته: «واحملْ مقالَ عُشْرِ ألفِ ألفِ أحْوِي عَلَى مُكَرَّرٍ وَوَقْفِ».
فإن قال البخاري: «أحفظُ مائةَ ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح». فهذا باعتبار الإسناد لا باعتبار المتن، ومعناه: مائة ألف إسناد صحيح، ومائتا ألف إسناد غير صحيح.
قال الشيخ أحمد شاكر - ﵀ - في شرحه على الألفية: هو يريد بهذا العدد اختلاف طرق الحديث باختلاف رواته، ويدخل فيه أيضًا الأحاديث الموقوفة، فإنَّ الحديثَ الواحدَ قد يرويه عن الصحابي عددٌ من التابعين، ثم يرويه عن كل واحد منهم عددٌ من أتباع التابعين، ثم يرويه عن كل واحد منهم عددٌ من أتباع التابعين، وهكذا، فيكونُ الحديثُ الواحد أحاديثَ كثيرة متعددة بهذا الاعتبار. اهـ.
_________________
(١) تنبيهٌ: عدلتُ عن هذا؛ وانظر الفقرة التي تليها.
[ ١ / ٢٣ ]
مثاله، حديث: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». رواه عن النبيّ - ﷺ - جمعٌ من الصحابة الكرام - ﵃ -، منهم: عثمان بنُ عفان - ﵁ -، وعليّ بنُ أبي طالب - ﵁ -، وعبد الله بن عَمرو ﵄، وابن مسعود - ﵁ -، وأبو أمامة - ﵁ -، وسعد بنُ أبي وقاص - ﵁ -.
إسناد الأول: صحيحٌ. والثاني: منكرٌ فيه عبد الرحمن بنُ إسحاق قال البخاريُّ فيه: فيه نظر. والثالث: فيه ابنُ لهيعة وهو سيء الحفظ. والرابع: لا يصح لاضطرابه. والخامس: فيه موسى بنُ عُمَير القرشيّ وكذَّبه أبو حاتم. والسادس: ضعيفٌ جدًا. فأخرجتُ الأول في الصحيحة، وأخرجتُ الباقين في الضعيفة؛ ونبهتُ في كل موضع علي أن الحديثَ صحيحٌ عن عثمان - ﵁ -. وراجع (المعجم المفهرس) أرقام: ٦٥٩٢، ٦٥٩٣، ٦٥٩٤، ٦٥٩٥، ٦٥٩٦، ٦٥٨٥، ٦٥٨٦.
١٦ - ثم عَدَلتُ عن هذا المنهج بناء على رغبة الشيخين -أبي إسحاق وأبي عمار، بارك الله فيهما- ليكون الاعتماد على المتن لا على الإسناد، بحيث أنْ يُوضع المتن الصحيح في (السلسلة الصحيحة) بكامل أسانيده المتاحة على ما فيها من كلام، أبدأ أولًا بالأسانيد الصحيحة مع سياقاتها، ثم أُثني بذكر الطرق التي فيها ضعف مع سياقاتها مبتدأة بكلمة (فصلٌ)، من غير ترقيم جديد.
١٧ - ويوضع المتن الضعيف في (السلسلة الضعيفة)، وسيراعى ذلك فيما يطبع من أجزاء بإذن الله تعالى.
١٨ - ذكرتُ اختلافَ الروايات في السياقات كما تناولها شيخُنا في نقده للحديث، وفرَّقتُ هذه السياقات في الأبواب المختلفة، فلا يتوهم أنه تكرار. فإن كان حديثًا
[ ١ / ٢٤ ]
يصلح أن يترجم به في أبواب (الحج والعمرة والمناسك) وأيضًا في أبواب (النكاح) وضعته برواية في (الحج) وبرواية أخرى في (النكاح) وهكذا.
١٩ - وأوليتُ الألفاظ عناية كبيرة، وضبطها بالشكل وبالحروف، وذكرت معانيها وما يمكن أن يستفاد منها وكل هذا في الغالب لم يتيسر من الأصل يعنى في كتاب الشيخ المنتقى منه الحديث فذهبت إلى المصادر الأصلية لاستكمال ما قصدتُ:
مثاله ما أخرجته في الصحيحة: (إِنَّ عفريتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ الصلاة، فَأَمْكَنَنِي الله منه، فَذَعَتُّهُ، وأردتُ أنْ أربِطَهُ إلى سَارية مِنْ سَواري المسجد حتي تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سُلَيمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. فَرَدَّهُ الله خاسئًا. قوله: (فَذَعَتُّهُ) بالذال المعجمة بعدها عين مهملة ومخففة ومثناة مشددة، يعني: فخنقته. ووردت في روايةٍ هكذا (فدعَّتُّه) بالدال الهملة وتشديد العين والتاء، ومعناها: دفعته. وفي رواية أخرى: (فأخذته). وكلُّها في الصحيح. ويستفاد من الحديث جواز العمل الخفيف في الصلاة) (رواه محمد بنُ زياد، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا به). (هذا حديثٌ صحيحٌ، متفقٌ عليه. وفي الباب عن أبي الدرداء - ﵁ -) (صحيح القصص/ ٣٨).
٢٠ - انتقيتُ طرفًا من الأخبار التي تعنى بأدب التابعين مع الصحابة:
[ ١ / ٢٥ ]
ومثاله في الصحيحة: (لقد كان ابنُ عباس - ﵄ - يُحَدِّثُنِي الحديثَ، لو يأذنُ لي فأقومُ، فأُقَبِّلُ رأسه، لفعلتُ) (عن سعيد بن جبير). (إسناده جيدٌ. فرحمةُ الله على سعيد، وعلمٌ بلا أدب، كنارٍ بلا حطب، فنسأل الله أن يرزقنا الأدب مع مشايخنا، وأقراننا، ومن هم دوننا، إن كان دوننا أحدٌ) (سعيد بن منصور، ابن سعد) (حديث الوزير/ ٥٣ ح ١٩).
٢١ - حرصتُ على ذكر ما قد يوجد في تحقيقات الشيخ من فوائد إسنادية، أو فقهية وخلافه، وجعلت ذلك مع درجة الحديث، وفي أوجز عبارة:
ومثاله ما أخرجته في الصحيحة: (تُدْنِي الشمسُ يومَ القيامةِ مِنْ الخلقِ، حتى تكونَ منهم كمقدارِ مِيلٍ. قال سُلَيْمُ بنُ عامرٍ: فواللهِ ما أدرِي ما يعني بالميلِ؟ أَمَسَافَةَ الأَرض، أم المِيلَ الذي تُكْتَحَلُ بهِ العينُ؟ قالَ: فيكونُ الناسُ على قَدْرِ أعمَالهم في العَرَقِ، فمنهم مَنْ يكونُ إلى كَعْبَيْهِ، ومنهم مَنْ يكونُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومنهم مَنْ يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجَامًا، قالَ: وأشارَ رسولُ الله - ﷺ - بِيَدِهِ إلى فِيهِ) (قال مسلمٌ: ثنا الحكم بنُ موسى أبو صالح: ثنا يحيى بنُ حمزة، عن عبد الرحمن بن جابر: حدثني سُلَيم بنُ عامر: حدثني المقداد ابنُ الأسود - ﵁ -، قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: .. فذكره. وأخرجه الترمذيُّ وأحمد من طريق ابنِ المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر،
[ ١ / ٢٦ ]
بسنده سواء مسلسلًا بالتحديث). (صحيحٌ. قال أبو عَمرو - غفر الله له -: وفيه إثبات سماع سليم بنِ عامر من المقداد بن الأسود - ﵁ -. وردٌّ على قول أبي حاتم الرازي، فيما نقله ابنُهُ عبد الرحمن عنه في "المراسيل" (ص ٨٥): "سُلَيم بنُ عامر لم يدرك المقداد بنَ الأسود". اهـ. قال شيخُنا أبو إسحاق - ﵁ -: والصواب في هذا أنه إذا جاءنا سماعُ راوٍ مِنْ شيخه بإسنادٍ صحيحٍ، لا مطعنَ فيه، فالواجب تقديمه على قول العالم بالنفي فإنَّ مستندهم في إثبات السماع ونفيه = إنما هو الأسانيد، والأمثلة على ذلك يطول ذكرها) (م، ت، حم) (التسلية /ح ٣١؛ تنبيه ٩ / رقم ٢١٢٤؛ ١١ / رقم ٢٣١٠).
٢٢ - قد يعرض الشيخ لحديث ما ويذكره إشارة وتلميحًا، فلا يذكر منه إلا طرفًا صغيرًا، ويكون هذا الحديث مما يعم به النفع، ويفاد منه المسلمون فائدةً عظيمةً، فأرى أنَّ مثل هذا الحديث جدير بالانتقاء، فأنتقيه هنا، وأقوم بذكر متنه كاملًا، وأقوم بتخريجه من مصادره الأصلية، من الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، وأقوم بالتعليق عليه، وشرح بعض الألفاظ الغريبة إن لزم الأمر.
ومثال على ذلك: فقد ذكر الشيخ-في كتاب التسلية / ح ٤ - حديثًا رُوِيَ عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعا بلفظ: "ألا لا أعرفنَّ أحدًا منكم أتاه عَنِّي حديثٌ، وهو متكيءٌ على أريكته، فيقول: اتلوا عليَّ به قرآنا، ما جاءكم عَنِّي مِنْ خيرٍ قلتُهُ، أو لم أقلهُ، فأنا قلتُهُ، وما أتاكم عَنِّي مِنْ شرٍّ، فإني لا أقول الشر".
وحكم عليه بقوله: حديثٌ منكرٌ جدًا. وترى هذا الحديث وأمثاله في
[ ١ / ٢٧ ]
كتابي: "المنيحة بسلسلة الأحاديث الضعيفة". ثم تكلم عليه سندًا ومتنًا، وكان مما قاله، وهو ينقض متن هذا الحديث: ثم اعلم أنَّ معنى هذا الحديث باطلٌ، لأنه يفتح باب التقوُّلِ على النبيّ - ﷺ - على مصراعيه .. ثم ذكر كلامًا، ثم قال: وأما قوله: "وما أتاكم عني من شر، فإني لا أقولُ الشر": فإن عقول العباد لا تستقل بمعرفة ما يحبه الله ويبغضه.
والناس يختلفون في الشيء الواحد. فبعضهم يراهُ شرًا، وبعضهم يراهُ خيرًا، ومعرفتُهم بالخير والشر فرعٌ على علمهم بعلل الأحكام. وقد روى مسلمٌ وغيرهُ عن رافع بن خديج، قال، عن بعض عمومته: "نهانا رسولُ الله - ﷺ - عَنْ أمرٍ كان لنا نافعا، وطاعةُ الله ورسوله أنفعُ لنا". والهدى هدى الله. انتهى كلام شيخنا.
فرأيت هذا طرفًا من حديث مُهِمّ، ينهى فيه الشارِعُ عن بعض المعاملات المُحرمة، فَسُقْتُهُ هنا في "السلسلة الصحيحة"، على طريقتي من ذكر المتن كاملًا، مع شرح غريبه. ثم أذكر سند الحديث. ثم درجة الحديث. ثم تخريجه. وأنتهي بذكر موضعه في كتب الشيخ. وكل ذلك أجعله بين معكوفين. فكان كالتالي:
(نهانا رسولُ الله - ﷺ - عَنْ أمرٍ كان لنا نافعا، وطواعيةُ الله ورسوله أنفعُ لنا، نهانا أنْ نُحَاقِلَ بالأرض فنُكرِيها على الثُّلُثِ والرُّبعِ والطَّعَامِ المسمُّى، وأمرَ رَبَّ الأرض أنْ يَزْرَعَهَا أو يُزْرِعَهَا، وكَرِهَ إكْرَاءَهَا، وما سوى ذلك. هذا لفظ مسلم
[ ١ / ٢٨ ]
في "صحيحه ". وفي "لسان العرب" (١١/ ١٦٠): الحاقِل: أي: الأكَّار. والمحاقِل: المزارِع. والمُحَاقَلة: بيع الزرع قبل بَدْو صلاحه. وقيل: بيع الزرع في سنبله بالحنطة. وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث والربع أو أقل من ذلك أو أكثر، وهو مثلُ المخابرة. وقيل: المحاقلة اكتراء الأرض بالحنطة وهو الذي يسميه الزراعون المجاربة. ونهى النبي ﷺ عن المحاقلة، وهو بيع الزرع في سنبله بالبر مأخوذ من الحقل القراح. وروي عن ابن جريج، قال قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة بيع الزرع بالقمح. قال الأزهريُّ: فإنْ كان مأخوذًا مِنْ إحقال الزرع إذا تشعب فهو بيعُ الزرع قبلَ صلاحه، وهو غررٌ. وإن كان مأخوذًا مِنْ الحقل وهو القراح وباع زرعا في سُنْبُلِهِ نابِتًا في قراح بالبر فهو بيع بر مجهول ببر معلوم، ويدخله الربا لأنه لا يؤمن التفاضل، ويدخله الغرر لأنه مغيب في أكمامه. وروى أبو العباس، عن ابن الأعرابي قال: الحقل بالحقل أن يبيع زرعًا في قراح بزرع في قراح. قال ابنُ الأثير: وإنما نهى عن المحاقلة لأنها من المكيل ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثلٍ ويدًا بيدٍ، وهذا مجهول لا يدري أيهما أكثر، وفيه النسيئة. والمحاقلة: مفاعلة مِن الحقل، وهو الزرع الذي يزرع إذا تشعب قبل أن تغلظ سوقه. وقيل: هو مِنَ الحقل، وهي الأرض التي تزرع وتسميه أهل العراق القراح) (رواه: إسماعيل بنُ عُلَية، عن أيوب، عن يعلى بن حَكِيم، عن سُلَيمان بنِ يَسَار، عن رافع بنِ خَديج، قال: كنا نحَاقِلُ الأرضَ على عهد رسول الله - ﷺ -، فنُكْرِيهَا بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذاتَ يوم رجلٌ مِنْ عُمُومَتِي، فقال:
[ ١ / ٢٩ ]