• "تَقَرَّرَ عند العلماء:
"أَنَّ حَدِيثَ الْمُسِيءِ هُوَ الْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِيهِ وَاجِبٌ". (^١)
• وقال جماعة منهم: ما لم يذكر في حديث المسيء فليس بواجب " فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ"
واستدلوا على ذلك بما يلي:
[١] "أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ تَعْلِيمٍ، وَبَيَانٍ لِلْجَاهِلِ، وَتَعْرِيفٍ لِوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ. وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْوَاجِبَاتِ فِيمَا ذَكَرَ".
[٢] قالوا: وَيُقَوِّي مَرْتَبَةَ الْحَصْرِ: أَنَّهُ -ﷺ- ذَكَرَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِسَاءَةُ مِنْ هَذَا الْمُصَلِّي، وَمَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ إسَاءَتُهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْصِرْ الْمَقْصُودَ عَلَى مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْإِسَاءَةُ فَقَطْ.
• قالوا: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا:
فَكُلُّ مَوْضِعٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِهِ -وَكَانَ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ -فَلَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِهِ فِي وُجُوبِهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا
_________________
(١) انظر: شرح الشوكاني للحديث في نيل الأوطار (٢/ ٢٠٢ و٣٠٨)
[ ٤٥ ]
فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُلْنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِهِ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، مِنْ كَوْنِهِ مَوْضِعَ تَعْلِيمٍ. وَقَدْ ظَهَرَتْ قَرِينَةٌ مَعَ ذَلِكَ عَلَى قَصْدِ ذِكْرِ الْوَاجِبَاتِ … إلخ (^١)
• واعترض على ذلك: فقيل: حديث المسيء لَمْ يَذْكُر فِيهِ كُلّ الْوَاجِبَات؛ "فَقَدْ بَقِيَ وَاجِبَات مُجْمَع عَلَيْهَا وَمُخْتَلَف فِيهَا:
فَمِنْ الْمُجْمَع عَلَيْهِ: النِّيَّة، وَالْقُعُود فِي التَّشَهُّد الْأَخِير، وَتَرْتِيب أَرْكَان الصَّلَاة.
وَمِنْ الْمُخْتَلَف فِيهِ: التَّشَهُّد الْأَخِير وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ -ﷺ- فِيهِ والسَّلَام،
وَهَذِهِ الثَّلَاثَة وَاجِبَة عِنْد الشَّافِعِيّ: تَعَالَى،
وَقَالَ بِوُجُوبِ السَّلَام الْجُمْهُور،
وَأَوْجَبَ التَّشَهُّد كَثِيرُونَ،
وَأَوْجَبَ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ -ﷺ- مَعَ الشَّافِعِيّ الشَّعْبِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَصْحَابهمَا،
وَأَوْجَبَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ نِيَّة الْخُرُوج مِنْ الصَّلَاة،
وَأَوْجَبَ أَحْمَد -﵀- تَعَالَى التَّشَهُّد الْأَوَّل، وَكَذَلِكَ التَّسْبِيح وَتَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات".
• وأجاب عن ذلك الإمام النووي؛ فقال -﵀-:
فَالْجَوَاب أَنَّ الْوَاجِبَات الثَّلَاثَة الْمُجْمَع عَلَيْهَا كَانَتْ مَعْلُومَة عِنْد السَّائِل؛
_________________
(١) ينظر: إحكام الأحكام لابن دقيق العيد: (٢٥٩)
[ ٤٦ ]
فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى بَيَانهَا، وَكَذَا الْمُخْتَلَف فِيهِ عِنْد مَنْ يُوجِبهُ يَحْمِلهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا عِنْده ا. هـ (^١)
• وهذا الجواب غير مسَلَّمٍ بِهِ:
فأين الدليل على ما ذكروه الذي يبين أن هذه الأمور كانت معلومة للمسيء، وقد قال للنبي -ﷺ-: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فعَلِّمْنِي»، كما سيأتي.
• والصحيح أن يقال:
• إن "غَايَة مَا يَدُلّ عَلَيْهِ تَرْك التَّعْلِيم: اِسْتِصْحَاب بَرَاءَة الذِّمَّة مِنْ الْوُجُوب" (^٢)
• وأن "مَا خَرَجَ عَنْهُ وَقَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةٌ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ" فَفِيهِ تفصيل سَنَذْكُرُهُ بعدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ
• قال ابن القيم -﵀-:
"حَدِيث الْمُسِيء هَذَا قد جعله الْمُتَأَخّرُونَ مُسْتَندا لَهُمْ فِي نفي كل مَا ينفون وُجُوبه وَحَمَلُوهُ فَوق طاقته وبالغوا فِي نفي مَا اخْتلف فِي وُجُوبه بِهِ
فَمن نفى وجوب الْفَاتِحَة احْتج بِهِ
وَمن نفى وجوب التَّسْلِيم احْتج بِهِ
وَمن نفى وجوب الصَّلَاة على النَّبِي -ﷺ- احْتج بِهِ
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (٤/ ٣٢٧)
(٢) قاله ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (١/ ٢٥)
[ ٤٧ ]
وَمن نفى وجوب أذكار الرُّكُوع وَالسُّجُود وركني الِاعْتِدَال احْتج بِهِ
وَمن نفى وجوب تَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات احْتج بِهِوكل هَذَا تساهل واسترسال فِي الِاسْتِدْلَال"
• قال:
وَإِلَّا فَعِنْدَ التَّحْقِيق: لَا يَنْفِي وجوب شَيْء من ذَلِك بل غَايَته:
أَنْ يكون قد سكت عَنْ وُجُوبه ونفيه فإيجابه بالأدلة الْمُوجبَة لَهُ لَا يكون مُعَارضا بِهِ.
فَإِنْ قيل: سُكُوته عَنْ الْأَمر بِغَيْر مَا أمره بِهِ يدل على أَنه لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ فِي مقَام الْبَيَان وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقت الْحَاجة غير جَائِز؟
قيل: هَذَا لَا يُمكن أحد أَنْ يسْتَدلّ بِهِ على هَذَا الْوَجْه
فَإِنَّهُ يلْزمه أَنْ يَقُول لَا يجب التَّشَهُّد وَلَا الْجُلُوس لَهُ وَلَا السَّلَام وَلَا النِّيَّة وَلَا قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَلَا كل شَيْء لم يذكرهُ فِي الحَدِيث
وطرد هَذَا أَنه لَا يجب عَلَيْهِ اسْتِقْبَال الْقبْلَة وَلَا الصَّلَاة فِي الْوَقْت لِأَنَّهُ لم يَأْمُرهُ بهما وَهَذَا لَا يَقُوله أحد
قال: فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّمَا علمه مَا أَسَاءَ فِيهِ وَهُوَ لم يسيء فِي ذَلِك!!
قيل لكم: فاقنعوا بِهَذَا الْجَواب من منازعيكم، فِي كل مَا نفيتم وُجُوبه بِحَدِيث الْمُسِيء هَذَا. (^١)
_________________
(١) جلاء الأفهام (٤٩٢، ٤٩٣)
[ ٤٨ ]
• فإذا تقرر هذا:
فإن "مَا أَمر بِهِ النَّبِي -ﷺ- من أَجزَاء الصَّلَاة دَلِيل ظَاهر فِي الْوُجُوب"
وأما ما لم يؤمر به المسيء من الواجبات "فإنهِ يحْتَمل أمورًا:
مِنْهَا: أنه لم يسئ فِيهِ؛
وَمِنْهَا: أَنه وَجب بعد ذَلِك؛
وَمِنْهَا: أَنه علمه مُعظم الْأَركان وأهمها وأحال بَقِيَّة تعليمه على مشاهدته -ﷺ- فِي صلَاته أَوْ على تَعْلِيم بعض الصَّحَابَة لَهُ فَإِنَّهُ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرهُم بتعليم بَعضهم بَعْضًا.
وعليه فلا يكون هَذَا المشتبه الْمُجْمل مُعَارضا لأدلة وجوب غَيرها من وَاجِبَات الصَّلَاة التي لم تذكر في الحديث فضلا عَنْ أَنْ يقدم عَلَيْهَا فَالْوَاجِب تَقْدِيم الصَّرِيح الْمُحكم على المشتبه الْمُجْمل وَالله أعلم". (^١)
_________________
(١) المرجع السابق بتصرف يسير
[ ٤٩ ]