"وَقَعَ الْخِلَافُ: فيما إذَا جَاءَتْ صِيغَةُ أَمْرٍ بِشَيْءٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ،
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَكُونُ قَرِينَةً بِصَرْفِ الصِّيغَةِ إلَى النَّدْبِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَبْقَى الصِّيغَةُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدِ" (^١).
• قال ابن دقيق العيد -﵀-:
وَعِنْدَنَا: أَنَّهُ إذَا اسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ بِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَجَاءَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: فَالْمُقَدَّمُ صِيغَةُ الْأَمْرِ،
وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ:
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ: وَتُحْمَلُ صِفَةُ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ
لَكِنْ عِنْدَنَا أَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى، لِأَنَّ … الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ إثْبَاتٌ لِزِيَادَةٍ، فَيُعْمَلُ بِهَا ا. هـ (^٢)
_________________
(١) نيل الأوطار (٢/ ٤١ - ٤٢/ ح ٧٦٠/ باب السجدة الثانية …).
(٢) إحكام الأحكام (٢٥٩ - ٢٦٠).
[ ٥٠ ]
• وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني -﵀-:
قَوْلُهُ: (إنَّهَا تُقَدِّمُ صِيغَةَ الْأَمْرِ إذَا جَاءَتْ فِي حَدِيثٍ آخَرَ) وَاخْتِيَارُهُ لِذَلِكَ مِنْ دُونِ تَفْصِيلٍ، فَنَحْنُ لَا نُوَافِقُهُ بَلْ نَقُولُ:
• إذَا جَاءَتْ صِيغَةُ أَمْرٍ قَاضِيَةً بِوُجُوبٍ زَائِدٍ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
أ- فَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى تَارِيخِهِ كَانَ صَارِفًا لَهَا إلَى النَّدْبِ لِأَنَّ اقْتِصَارَهُ -ﷺ- فِي التَّعْلِيمِ عَلَى غَيْرِهَا وَتَرْكَهُ لَهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْعِرَاتِ بِعَدَمِ وُجُوبِ مَا تَضَمَّنَتْهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ
ب- وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فَهُوَ غَيْرُ صَالِحٍ لِصَرْفِهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ مَا زَالَتْ تَتَجَدَّدُ وَقْتًا فَوَقْتًا وَإِلَّا لَزِمَ قَصْرُ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَغَيْرِهِ: أَعْنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالزَّكَاةَ وَالشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي مَقَامِ التَّعْلِيمِ وَالسُّؤَالُ عَنْ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَاللَّازِمِ بَاطِلٌ فَاللُّزُومُ مِثْلُهُ
ج- وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ الْوَارِدَةُ بِوُجُوبِ زِيَادَةٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ مَعْلُومَةِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ وَلَا التَّأَخُّرِ وَلَا الْمُقَارَنَةِ فَهَذَا مَحَلُّ الْإِشْكَالِ وَمَقَامُ الِاحْتِمَالِ،
• وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ عَنْ الْأَصْلِ وَالْبَرَاءَةِ،
• وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُفِيدَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى حَدِيثِ الْمُسِيءِ إذَا الْتَبَسَ تَارِيخُهُ مُحْتَمَلٌ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ وَتَأَخُّرِهِ فَلَا يَنْهَضُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ.
[ ٥١ ]
• وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا بُدَّ مِنْهُ وَتَرْكُ مُرَاعَاتِهِ خَارِجٌ عَنْ الِاعْتِدَالِ إلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ أَوْ التَّفْرِيطِ لِأَنَّ قَصْرَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى حَدِيثِ الْمُسِيءِ فَقَطْ وَإِهْدَارَ الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ بَعْدَهُ تَخَيُّلًا لِصَلَاحِيَّتِهِ لِصَرْفِ كُلِّ دَلِيلٍ يَرِدُ بَعْدَهُ دَالًّا عَلَى الْوُجُوبِ:
• سَدٌّ لِبَابِ التَّشْرِيعِ
• وَرَدٌّ لِمَا تَجَدَّدَ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ
• وَمَنْعٌ لِلشَّارِعِ مِنْ إيجَابِ شَيْءٍ مِنْهَا
وَهُوَ بَاطِلٌ لَمَا عَرَفْت مِنْ تَجَدُّدِ الْوَاجِبَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
• وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ كُلِّ مَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ يُؤَدِّي إلَى إيجَابِ كُلِّ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا الَّتِي ثَبَتَتْ عَنْهُ -ﷺ- مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهَا قَبْلَ حَدِيثِ الْمُسِيءِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهَا بَيَانٌ لِلْأَمْرِ الْقُرْآنِيِّ أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وَلِقَوْلِهِ -ﷺ-: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهُوَ بَاطِلٌ لِاسْتِلْزَامِهِ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ -ﷺ- وَهَذَا الْكَلَامُ فِي كُلِّ دَلِيلٍ يَقْضِي بِوُجُوبِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ حَدِيثِ الْمُسِيءِ لَيْسَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَالتَّوَعُّدِ عَلَى التَّرْكِ أَوْ الذَّمِّ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ. وَهَكَذَا يُفْصَلُ فِي كُلِّ دَلِيلٍ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ شَيْءٍ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ أَوْ تَحْرِيمَهُ إنْ فَرَضْنَا وُجُودَهُ … إلخ (^١)
_________________
(١) نيل الأوطار (٢/ ٤١ - ٤٢/ ح ٧٦٠/ باب السجدة الثانية …) وينظر: حاشية الأمير الصنعاني على الإحكام المسماة بالعدة (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٦)، وتهذيب السنن المطبوع مع عون المعبود (١/ ٦٤ - ٦٥).
[ ٥٢ ]