جمع ابن رشد كثيرًا من العلوم النقلية والعقلية، وبرع بها وقد وصفه النباهي في تاريخه فقال: (كان من أهل العلم والتفنن في المعارف) ويمكننا
_________________
(١) وقال المنذري في التكملة ١/ ٣٢٢: (ومولده سنة عشرين وخمسمائة قبل وفاة جدّه القاضي أبي الوليد بأشهر).
(٢) ابن العماد، شذرات الذهب ٤/ ٣٢٠، والصفدي، الوافي بالوفيات ٢/ ١١٤.
(٣) ابن فرحون، الديباج المذهب ص: ٢٨٤.
(٤) المنذري، التكملة لوفيات النقلة ١/ ٣٢٢.
(٥) الصفدي، الوافي بالوفيات ٢/ ١١٥.
(٦) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء ص: ٥٣١ - ٥٣٢.
[ ١ / ٢٤ ]
تحديد عناصر ثقافته بالمواد التالية: الفقه، الحديث، الأصول، الخلاف، علم الكلام، الأدب والعربية، الطب، الفلسفة والمنطق.
* الفقه: وقد طلبه منذ الصغر، فعرض الموطّأ، وهو أوّل كتب المالكية على والده (١)، وظل يدرس الفقه حتى برع (٢) وقد وصفه معاصره الضبي بقوله: (فقيه حافظ مشهور، شارك في علوم جمّة، وله تواليف تدل على معرفته) (٣). كما وصفه ابن أبي أصيبعة فقال: (مشهور بالفضل، معتن بتحصيل العلوم، أوْحَد في علم الفقه والخلاف) (٤). أما ابن قنفذ القسنطيني، فيقول عنه: (الفقيه القاضي الحافظ الحَفيد، أبو الوليد بن رشد صاحب "البداية والنهاية" وغيرها) (٥).
وإِن كتاب "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" الذي بين أيدينا ليدلّ دلالة واضحة على تمكّنه في الفقه المالكي، وفي الفقه المقارن بشكل عام. وله كتاب اسمه "التحصيل" جمع فيه اختلاف أهل العلم مع الصحابة والتابعين وتابعيهم، ونصر مذاهبهم، وبيّن مواضع الاحتمالات التي هي مثار الاختلاف (٦) ووصفه ابن سعيد فقال نقلًا عن الشقندي: (فقيه الأندلس وفيلسوفها) (٧).
ويقول المقرّي: (قرّب الإمام ابن رشد مذهب مالك تقريبًا لم يسبق إليه) (٨). كما ينقل عن ابن سعيد في تذييله على رسالة ابن حزم في فضائل أهل
_________________
(١) الصفدي، المصدر السابق.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) الضبي، بغية الملتمس ص: ٤٤.
(٤) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء: ص: ٥٣٠.
(٥) ابن قنفذ، الوفيات ص ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٦) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء ص ٥٣٢.
(٧) ابن سعيد، المغرب ١/ ١٠٤.
(٨) المقري، نفح الطيب ٥/ ٣٤٦.
[ ١ / ٢٥ ]
الأندلس: (وإِنك إِن تعرّضت للمفاضلة بين العلماء فأخبرني: هل لكم في الفقه مثل عبد الملك بن حبيب الذي يُعمل بأقواله إلى الآن، ومثل أبي الوليد الباجي، ومثل أبي بكر بن العربي، ومثل أبي الوليد بن رشد الأكبر، ومثل أبي الوليد بن رشد الأصغر، وهو ابن ابن الأكبر؛ نجوم الإِسلام، ومصابيح شريعة محمَّد ﵇) (١).
* الحديث: وكان من جملة العلوم التي طلبها، وقد وصفه معاصره الضبي فقال: (فقيه حافظ) (٢) وقال ابن العماد: (وتفقه وبرع وسمع الحديث) (٣). ويشهد له بذلك كتاب البداية الذي نقوم بتخريج أحاديثه.
* الأصول: وقد وصفه به ابن فرحون فقال: (ودرس الفقه والأصول وعلم الكلام) (٤)، كما ذكر المقري أن له كتابًا في الأصول فقال: (ولأبي الوليد بن رشد في أصول الفقه ما منه "مختصر المستصفى للغزالي") (٥).
* علم الكلام: وهو من العلوم الشرعية التي امتزجت بالعلوم العقلية، وتعتمد في مبادئها على المنطق والفلسفة لإثبات العقائد الإسلامية، فلا غرو أن يخوض به ابن رشد وهو فيلسوف المسلمين، ليثبت به عقائد الدين بمبادئ العقل والمنطق، وقد ذكر نسبته إِليه كل من ترجموا له، يقول الصفدي: (وأقبل على علم الكلام، والفلسفة، وعلوم الأوائل حتى صار يضرب به المثل) (٦). كما نسبه إِليه ابن فرحون فقال: (ودرس الفقه والأصول وعلم الكلام، ولم ينشأ
_________________
(١) المصدر نفسه ٣/ ١٩٢.
(٢) الصفدي، الوافي بالوفيات ٢/ ١١٤.
(٣) ابن العماد، شذرات الذهب ٤/ ٣٢٠.
(٤) ابن فرحون، الديباج المذهب ص: ٢٨٤.
(٥) المقري: نفح الطيب ٣/ ١٨١، وابن فرحون، الديباج المذهب: ٢٨٤.
(٦) الصفدي، الوافي بالوفيات ٢/ ١١٥.
[ ١ / ٢٦ ]
بالأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا) (١).
* العربية والأدب: وقد وصفه بالأديب معظم من ترجموا له وفي ذلك يقول الصفدي: (وقيل إنه حفظ ديوان أبي تمام والمتنبي، وكان يُفْزَعُ إِلى فُتْياهُ في الطبّ كما يُفْزَعُ إِلى فُتياه في الفقه، مع الحظ الوافر من العربية) (٢)، كما وصفه مخلوف بقوله: (الفقيه، الأديب، العالم الجليل) (٣).
وأخرج ابن سعيد المغربي في كتابه "المغرب" من شعر ابن رشد (٤):
ما العشقُ شأني ولكن لست أنكرُهُ كم حلَّ عُقْدَةَ سُلْوَاني تَذَكُّرُهُ
مَنْ لي بِغَضِّ جفوني عن مُخَبِّرَةِ الـ ـأجْفَانِ قد أظهرتْ ما لسْتُ أُضْمِرُهُ
لولا النُّهى لأطَعْتُ اللَّحْظَ ثانِيَةً فيمن يرُدُّ سَنَا الألْحَاظ مَنْظَرُهُ
مَا لابْنِ سِتّينَ قادَتْهُ لغايتهِ عَشْرِيَّةٌ فنأى عنه تَصَبُّرهُ
قد كان رَضْوى وقارًا فهو سافِيَةٌ الحسنُ يورده، والهون يُصدِرُهُ
* الطب: وكان إِمامًا مبرزًا فيه، وقد ترجم له ابن أبي أصيبعة (٥) في كتابه: "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" ترجمة طويلة استغرقت ثلاث صفحات ذكر فيها مكانته في الطب وإمامته فيه، يقول عنه: (وكان أيضًا متميّزًا في علم الطب) ويقول أيضًا: (وكان قد اشتغل بالتعاليم وبالطب على أبي جعفر بن هارون، ولازمه مدة، وأخذ عنه كثيرًا من العلوم الحكمية)، ويقول أيضًا: (وله في الطب كتاب "الكلّيات" وقد أجاد في تأليفه، وكان بينه وبين أبي مروان بن
_________________
(١) ابن فرحون، الديباج المذهب ص: ٢٨٤.
(٢) الصفدي، الوافي بالوفيات ٢/ ١١٥، وابن فرحون، الديباج المذهب ص: ٢٨٥.
(٣) مخلوف، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص: ١٤٦.
(٤) ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب ١/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٥) ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء ص: ٥٣٠ - ٥٣٣.
[ ١ / ٢٧ ]
زهر مودّة، ولما ألف كتابه هذا في الأمور الكلية قصد من ابن زهر أن يؤلف كتابًا في الأمور الجزئية لتكون جملة كتابَيهما ككتاب كامل في صناعة الطب. يقول ابن رشد في آخر كتابه ما نصهُ "فهذا هو القول في معالجة جميع أصناف الأمراض بأوجز ما أمكننا وأبْيَنَهُ ") ونقل من كلام ابن رشد ما نصُّه: (من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانًا بالله).
* الفلسفة: يقول المقّري: (وأما الفلسفة فإِمامها في عصرنا أبو الوليد بن رُشد القرطبي، وله فيها تصانيف) (١)، ويقول الصفدي عنه: (وأقبل على علم الكلام والفلسفة وعلوم الأوائل حتى صار يضرب به المثل) (٢) وله فيها مؤلفات كثيرة نأتي على ذكرها في فصل مؤلّفاته، كانت السبب في محنته في آخر حياته، وفي ذلك يقول المقّري: (وله فيها تصانيف جحدها لمّا رأى انحراف منصور بني عبد المؤمن عن هذا العلم، وسجنه بسببها، وكذلك ابن حبيب الذي قتله المأمون بن المنصور المذكور على هذا العلم بإشبيلية، وهو علم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره، فلذلك تخفى تصانيفه) (٣).