٩ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الاِخْتِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ».
_________________
(١) إسْنَادُهُ صَحِيْحٌ .. * الحارثُ بْنُ مسكين، هو أبو عمرو المِصريُّ. الإمامُ، الفقيهُ، الحافظُ. أخرج له أبو داود أيضًا وروى عنه المصنف (١٤٠) حديثًا. ووثقه هو وأحمدُ، وابنُ معين، والحاكمُ، والخطيبُ وغيرُهُم ثم إنه على مدار "السُنن" يقولُ المصنفُ هذه العبارة في حقِّ الحارث بن مسكين وحده: "قراءةً عليه وأنا أسمع". فقيل: إن خشونة وقعت بينه وبين شيخه الحارث، فكان النسائيُّ المصنِّفُ يحضُر وهو متخفٍّ في ناحيةٍ بحيث يسمع الصوت، ولا يراهُ شيخهُ". ذكر ذلك ابنُ الأثير في مقدمة "الجامع". * ابنُ وهبٍ، هو عبدُ الله، الإِمامُ المصرى العلمُ. أخرج له الجماعة. أثنى عليه أحمدُ، ووثقه ابْنُ معينٍ، والمصنِّفُ، وابنُ سعدٍ في آخرين. =
[ ١ / ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الخليلىُّ: "ثقةٌ متفقٌ عليه". ومن غُرر كلامه - ﵀ - ما رواه ابنُ أبي حاتمٍ بسنده الصحيح إليه، قال: "نذرتُ أني كلَّما اغتبتُ إنسانًا، أنْ أصوم يومًا، فكنتُ أغتابُ وأصومُ!! فأجهدنى، فنويتُ أني كُلَّما اغتبتُ إنسانًا أن أتصدق بدرهمٍ، فمن حُبِّ الدراهم، تركتُ الغيبة"!! قال الذهبيُّ في "السير" (٩/ ٢٢٨) معلقًا: "هكذا والله كان العلماءُ، وهذا هو ثمرة العلم النافع. وعبدُ الله حُجةٌ مطلقًا، وحديثهُ كثيرٌ في الصحاح، وفي دواوين الإِسلام، وحسبك بالنسائيّ وتعنته في النقد حيث يقولُ: ابْنُ وهبٍ ثقةٌ، ما أعلمه روى عن الثقات حديثًا منكرًا" اهـ. * يونس، هو ابنُ يزيد بن أبي النجاد. أخرج له الجماعة، وهو ثقةٌ. وقد تكلَّم أحمدُ في بعض حديثه عن الزهرىّ، من ذلك حديث: "فيما سقت السماء العُشر". وهو حديثٌ صحيحٌ لا شك فيه، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى الكلامُ عليه برقم (٢٤٨٧). وقد قال أحمد بن صالح: "نحنُ لا نقدِّمُ في الزهري على يونس أحدًا". وفيه بعضُ النظر، والمقصود تثبيت رواية يونس عن الزهريّ. * سعيد بن المسيب، هو ابْنُ حزن. الإمام، الحُجَّةُ، النبيل. =
[ ١ / ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرج أبيه الجماعةُ. قال ابْنُ حبان: "كان من سادات التابعين، فقهًا، ودينًا، وورعًا، وعبادة، وفضلًا، وكان أفقه أهل الحجاز، وأعْبَرَ الناس لرؤيا. ما نودى بالصلاة من أربعين سنة، إلا وسعيدُ في المسجد" اهـ. ﵀ ورضى عنه. وللحديث طرق عن أبي هريرة، ﵁.
(٢) سعيد بن المسيب، عنه. أخرجه البخاريُّ في "الصحيح" (١٠/ ٣٤٩ و١١/ ٨٨ - فتح)، وفي "الأدب المفرد" (١٢٩٢)، ومسلمٌ (٣/ ١٤٦ - نووى)، وأبو عوانة (١/ ١٩٠)، وأبو داود (٤١٩٨)، والمصنفُ -ويأتي في "كتاب الزينة" باب رقم ٦٥ - والترمذيُّ (٢٧٥٦)، وابْنُ ماجة (٢٩٢)، وأحمدُ (٢/ ٢٢٩، ٢٣٩، ٢٨٣، ٤١٠، ٤٨٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (ج١٠/ رقم ٥٨٧٢)، وابنُ حبان (ج ٧ / رقم ٥٤٥٥، ٥٤٥٦، ٥٤٥٧)، وابْنُ المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وتمام الرازى في "الفوائد" (رقم ١٥٨)، والطحاويُّ في "المشكل" (١/ ٢٩٦)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ١٧٤/ ٢٠٢٤٣)، والحميديُّ في "مسنده" (٩٣٦)، والبيهقيُّ (١/ ١٤٩)، وفي "الآداب" (٨٣٢)، والبغوي في "شرح السُّنة" (١٢/ ١٠٩) من طرق عن الزهريّ، عن سعيد. وقد رواه عن الزهري جماعةٌ منهم: "سفيان بْنُ عيينة، ومَعْمَرُ بْنُ راشد، ويونس بن يزيد، وإبراهيم =
[ ١ / ١٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن سعدٍ في آخرين".
(٢) أبو سلمة بْنُ عبد الرحمن، عنه. أخرجه البخاريُّ في "الأدب المفرد" (١٢٥٧)، وأبو اللَّيث السمرقنديُّ في "تنبيه الغافلين" (ص- ٢٣٣) من طريق ابن إسحق، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة به، إلا أنه جعل مكان: "الاختتان": "السواك". وسندُهُ حسنٌ، لولا عنعنة ابن إسحق.
(٣) عروة بن الزبير، عنه. أخرجه الطبرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ رقم٣٥٧) حدثنا أحمد ابن رشدين، قال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا ابْنُ الهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير به، لكنه جعل "السواك" مكان: "قصِّ الشارب". قال الطبرانُّي: "لم يرو هذا الحديث عن عروة، عن أبي هريرة، إلا أبو الأسود، تفرّد به ابنُ لهيعة". * قُلْتُ: وابنُ لهيعة وإن كان سيىء الحفظ بسبب احتراق غالب أصوله، إلا أن شيخ الطبرانيّ: "أحمد بن رشدين" واهٍ. قال ابْنُ عديٍّ: "كذبوه، وأنكرت عليه أشياء".
(٤) سعيد المقبريُّ، عنه .. أخرجه المصنفُ في "كتاب الزينة" (٨/ ١٢٨)، والبخاريُّ في "الأدب" (١٢٩٣) من طريق عبد الرحمن بن إسحق، عن سعيد =
[ ١ / ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = المقبريّ، عن أبي هريرة مرفوعًا به. * قُلْتُ: كذا رفعه عبدُ الرحمن بنُ إسحق. وخالفه مالكٌ، فرواه عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفًا أخرجه في "موطئه" (٢/ ٩٢١/ ٣)، والمصنفُ (٨/ ١٢٩)، والبخاريُّ في "الأدب" (١٢٩٤). ورواية مالك أثبت. وعبد الرحمن بنُ إسحق وإن كان حسن الحديث لكنه لم يكن بالثبت في روايته، وقد وقعت منه أوهامٌ ومناكيرُ في بعض ما يرويه. والله أعلمُ. * قُلْتُ: وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة، منهم:
(٢) عمَّارُ بْنُ ياسر، ﵁. أخرجه أبو داود (٥٤)، وابْنُ ماجة (٢٩٤)، وأحمدُ (٤/ ٢٦٤)، والطيالسيُّ (٦٤١)، وأبو عبيد في "الطهور" (ق ١٢/ ١)، والطحاويُّ في "شرح المعانى" (٤/ ٢٢٩)، وفي "المشكل" (١/ ٢٩٦)، من طرق عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر مرفوعًا: "من الفطرة: المضمضةُ، والاستنشاقُ، والسِّواكُ، وقصُّ الشارب، وتقليمُ الأظفار، ونتفُ الإِبط، والاستحدادُ، وغسلُ البراجمِ، والانتضاح، والاختتانُ" هذا سياقُ ابن ماجة، وبعضهم يزيد وينقُص. * قُلْتُ: وهذا سندٌ ضعيفٌ، كما قال النووىُّ في "المجموع" (١/ ٢٨٣). =
[ ١ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عليّ بْنُ زيد بن جدعان، كان ضعيف الحفظ. وسلمة بن محمد، مجهولٌ كما قال الحافظ. وقال البخاريُّ: "لا نعرف أنه سمع من عمار أم لا". وقال ابنُ معين: "حديثُهُ عن جدِّه: مرسلٌ". ووقع عند أبي داود من رواية موسى بن إسماعيل: "سلمة بن محمد بن عمار، عن أبيه ". ويُفهم من هذا أنَّ سلمة يرويه عن أبيه مرسلًا، ليس فيه ذكر: "عمار". ولكنَّ الأكثرين يخالفون موسى بن إسماعيل في ذلك. فرواه عفانُ بْنُ مسلم، وداود بن شبيب، وأبو داود الطيالسىُّ، وخالدُ بْنُ عبد الرحمن، جميعهم يقولُ: " سلمة بن محمد بن عمار، عن عمار". وهذا هو الصحيح. والله أعلمُ. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٧٧): "صححه ابنُ السَّكن، وهو معلولٌ". وقال الحافظ العراقي في "طرح التثريب" (٢/ ٧٤): "على تقدير صحته ".
(٢) حديث أنس بن مالك، ﵁. أخرجه الخطيبُ في "الموضح" (٢/ ١٩٩) من طريق عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنسٍ مرفوعًا: "خمسٌ من الفطرة: قصُّ الشارب، ونتفُ الإِبط، وتقليمُ =
[ ١ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأظفار، وحلق العانة، والختان". * قُلْتُ: وسندُهُ ضعيف. وعبد الله بن جعفر هو والد عليّ بن المديني وهو ضعيفٌ. وقد وهاه بعضُهُمْ.
(٢) حديث عائشة، ﵂. أخرجه مسلمٌ (٢٦١/ ٥٦)، وأبو عوانة (١/ ١٩٠ - ١٩١)، وأبو داود (٥٣)، والمصنِّفُ في "كتاب الزينة" (٨/ ١٢٦ - ١٢٨)، والترمذيُّ (٢٧٥٧)، وابْنُ ماجة (٢٩٣)، وأحمدُ (٦/ ١٣٧)، وابْنُ خزيمة (١/ ٤٧ / ٨٨)، وأبو يعلى في "مسنده" (ج ٨ / رقم ٤٥١٧)، وابنُ أبي شيبة (٨/ ٣٧٩ - ٣٨٠) مختصرًا، وابْنُ المنذر في "الأوسط" (ج ١/رقم ٣٣٩)، والطحاويُّ في شرح المعاني" (٤/ ٢٢٩)، وفي "الشكل" (١/ ٢٩٧)، والعقيليُّ في "الضعفاء" (ق ٢١١/ ١)، والبيهقيُّ (١/ ٣٦، ٥٢، ٥٣، ٣٠٠)، والدَّارقطنيُّ (١/ ٩٤ - ٩٥)، والبغويُّ في "شرح السُّنة" (١/ ٣٩٧ - ٣٩٨) من طُرُقٍ عن وكيع، ثنا زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة مرفوعًا: "عشرة من الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللّحية، والسواك، والاستنشاقُ بالماء، وقصُّ الأظفار، وغسلُ البراجم، ونتفُ الإِبط، وحلقُ العانة، وانتقاصُ الماء". قال زكريا: نسيتُ العاشرة، إلا أنْ تكون المضمضة. =
[ ١ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قال الترمذي:
"حديثٌ حسنٌ"!
وقال الدارقطنيُّ:
"تفرد به مصعبُ بْنُ شيبة، وخالفه أبو بشر، وسليمان التيمىُّ فروياه عن طلق قولهُ غير مرفوعٍ".
وسبقه المصنِّفُ -﵀- إلي ذلك، فروى الحديث (٨/ ١٢٨) من طريق سليمان التيمي وجعفر بن إياس أبي بشر، عن طلق بن حبيب قال: عشرة من الفطرة فذكره، ثم قال:
"وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبهُ بالصواب من حديث مصعب بن شيبة، ومصعب منكرُ الحديث" اهـ.
قال الزيلعيُّ في "نصب الراية" (١/ ٧٦):
"وهذا الحديث وإنْ كان مسلمٌ أخرجه في "صحيحه" ففيه علَّتان، ذكرهما الشيخُ تقيُّ الدين في "الإمام"، وعزاهما لابن مندة:
إحداهما: الكلام في مصعب بن شيبة. قال النسائيُّ: "منكَرُ الحديث" وقال أبو حاتمٍ: "ليس بقوىٍّ، ولا يحمدونه". الثانية: أنَّ سليمان التيمي رواه عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير مرسلًا. هكذا رواه النسائيُ في "سننه"، ورواه أيضًا عن أبي بشر، عن طلق ابن حبيب، عن ابن الزبير مرسلًا. قال النسائيُّ: وحديث التيمىّ وأبى بشر أولى. ومصعب بن شيبة منكر الحديث. انتهى. قال (١): ولأجل هاتين العلتين لم يخرجه البخاريّ، ولم يلتفت مسلمٌ إليهما؛ لأن =
_________________
(١) القائل هو ابنُ دقيق العيد، كما جزم بذلك السيوطي في "زهر الرُّبى" (٨/ ١٢٨). وقوله قبلها: "انتهى" يعني كلام ابن مندة. والله أعلمُ.
[ ١ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مصعبًا عنده ثقةٌ، والثقةُ إذا وصل حديثًا، يقدَّمُ وصلُهُ على الإِرسال" اهـ. * قلتُ: كذا أجاب رحمه الله تعالى!، وهو جوابٌ ضعيفٌ. وقولُ ابن دقيق العيد - ﵀ - أن مصعب بن شيبة ثقةٌ عند مسلم، فيه نظر؛ لأنه بناه عام كون مسلمٍ أخرج له، ومسلمٌ قد يخرج للراوى المتكلم فيه ما لم يُنْكِرهُ عليه، فينتقى من حديثه ما وافقه عليه الثقات، ويكونُ له عذرٌ في التخريج له، كالعلوِّ ونحو ذلك. وقد روى عن مسلمٌ عن سويد بن سعيد، نسخة حفص بن ميسرة. مع أن سويد بْنَ سعيد تكلموا فيه، حتى قال ابْنُ معين: "لو كان عندي فرسٌ ورُمْحٌ، كنتُ أغزوهُ"!! وكان لمسلم في التخريج له علَّةٌ. قال إبراهيمُ بن لأبي طالبٍ: "قُلْتُ لمسلمٍ: كيف استجزت الرواية عن سويد في "الصحيح"؟ فقال: ومن أين كنتُ آتى بنسخة حفص بن ميسرة؟! " وقال سعيد البرذعىُّ: شهدتُ أبا زُرْعة ذكر "صحيح مسلمٍ"، ونظر فيه، فإذا حديثٌ لأسباط بن نصر، فقال: ما أبعد هذا عن الصحيح!! ثم رأى "قطن ابن نُسير"، فقال لي: وهذا أطمُّ!!، ثم نظر، فقال: ويروى عن أحمد بن عيسى؟! وأشار إلي لسانه، كأنه يقول: الكذب!. تم قال: يحدثُ عن أمثال هؤلاء، ويتركُ ابن عجلان ونظراءهُ، ويطرقُ لأهل البدع علينا، فيقولوا: ليس حديثُهُمْ من الصحيح؟!. فلمَّا ذهبتُ إلي نيسابور ذكرتُ لمسلمٍ إنكار أبي زُرْعة، فقال: =
[ ١ / ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إنما أدخلتُ من حديث أسباط وقطن وأحمد ما رواه ثقات، ووقع لي بنزولٍ، ووقع لي عن هؤلاء بارتفاعٍ، فاقتصرتُ عليهم، وأصلُ الحديث معروف " اهـ. وانظر "سير النبلاء" (١٢/ ٥٧١). فلا يُتصور أن مسلمًا يوثق كل راوٍ أخرج له. فغيرُ سديدٍ إطلاق توثيق مسلمٍ لمصعب بن شيبة لمجرد أنه أخرج له. هذا مع كون الفحولِ تكلموا فيه. قال أحمدُ: "روى أحاديث مناكير". وقال أبو حاتمٍ: "لا يحمدونه، وليس بقوىٍّ". أسنده عنهما ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ١/ ٣٠٥). وقال أبو داود: "ضعيف". وقال النسائي: "منكرُ الحديث". وقال مرةً: "في حديثه شيءٌ". وقال الدارقطنيُّ: "ليس بالقوىِّ، ولا بالحافظ". ووثقهُ ابْنُ معين، والعجليُّ (١٧٣٢). وقد لخصّ الحافظ حاله في "التقريب"، فقال: =
[ ١ / ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= "ليِّنُ الحديث".
فلو تأمَّلْنا، وجدنا أن جانب الجارحين أقوى لإمامتهم، ثم لكثرتهم. ومع هذا الجرح، فقد كان مصعب بن شيبة قليل الحديث كما قال ابْنُ سعدٍ. بل هذا مما يُثبت الجرح، لأن الأوهام قد تغتفر مع سعة الرواية.
فإذا قلنا: إنَّ مصعب بن شيبة حسن الحديث في المتابعات والشواهد، فمثله لا يقوى على مخالفة سليمان التيميّ، وجعفر بن إياس، وهذا القدر قويٌّ جدًّا.
وقد وقع في كلام ابن دقيق العيد أن النسائيَّ رواه عن طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، مرسلًا.
والذي في "سنن النسائي": " عن طلق بن حبيب قال: فذكره" ولم يذكر: "ابن الزبير" فالرواية مقطوعةٌ، وليست مرسلة. والله أعلمُ (١).
ثمَّ وجدتُ جوابًا آخر عن هذا الحديث للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. فقال في "الفتح" (١٠/ ٣٣٧):
"ورجَّح النسائيُّ الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة، والذي يظهرُ لي أنها ليست بعلةٍ قادحةٍ، فإن راويها مصعب بن شيبة وثقهُ ابن معين والعجليُّ وغيرُهُما، وليَّنه أحمد وأبو حاتم وغيرُهُما، فحديثُهُ حسنٌ. وله شواهدُ في حديث أبي هريرة وغيره. فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغٌ!!، وقول سليمان التيميّ:
"سمعتُ طلق بن حبيب يذكر عشرًا من الفطرة" يُحتمل أنه يريدُ أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائيُّ، ويُحتمل=
_________________
(١) وكذا وقع في "علل الدارقطني" (ج ٥/ ق ٢٠/ ١).
[ ١ / ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن يريد أنه سمعه يذكرها وسندها، فحذف سليمانُ السند" اهـ. * قُلْتُ: كذا أجاب الحافظُ رحمه الله تعالى، وهو جوابٌ ضعيفٌ عندي أيضًا، وضعفُهُ من وجهين: * الأول: قولُهُ: "مصعب بن شيبة .. فحديثُهُ حسنٌ". فنقول: متى يُحسن حديثُهُ؟! الذي لا يشك فيه ناقد أن ذلك يكون في حالة وجود المتابعة، مع عدا وجود الخالف، لا سيّما إنْ كان المخالف أثبت وأحفظ وكلاهما مفقودٌ هنا. لأن المخالف موجودٌ، وهو أثبتُ وأحفظُ. فقد خالفه سليمان التيميُّ، وأبو بشر جعفر بن إياسٍ. أمَّا سليمانُ التيميُّ، فهو ابْنُ طرخان. وكان ثقةً، ثبتًا، متقنًا، من أثبت أهل البصرة. وجعفر بن إياسٍ، كان ثقةً كما قال الأكثرون، وإنَّما ضعَّفهُ شعبةُ في حبيب بن سالم ومُجاهدٍ. فهذان خالفا مصعب بن شيبة في إسناده، فلا يشكُّ أحدٌ في تقديم روايتهما. ثمَّ رأيتُ الدَّارقطنيَّ -﵀- سُئل في "العلل" (ج٥/ق ٢٠/ ١) عن هذا الحديث، فقال: "يرويه طلقُ بنُ حبيب، واختُلف عنه. فرواه مصعبُ بْنُ شيبة عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم. وخالفه سليمانُ التيميُّ وأبو بشرٍ جعفر بن إياس فرواه عن طلق بن حبيب قال: كان يقال: عشرٌ من الفطرة. وهما أثبتُ من مصعب بن شيبة، وأصحّ حديثًا" اهـ. =
[ ١ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وهو نصُّ قولنا والحمد لله على التوفيق.
* الثاني: ما ذكره الحافظُ - ﵀ - من وجود شواهد عن أبي هريرة، وغيره. فلا يخفى ما فيه من الخلل!
لأن حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر ﵃ شاهدان قاصران لحديث عائشة، ليس فيهما غير خمس خصالٍ فقط، وحديث عائشة هنا فيه عشرُ خصالٍ، فنحتاجُ إلى شواهد للخمس خصالٍ الأخرى. وقد وقع ذلك في حديث عمار بن ياسر، ولكنه ضعيفٌ كما تقدم تحقيقُهُ.
وقد سلك الحافظ هذا المسلك وهو يردُّ على الحافظ شرف الدين الدمياطي لأنه صحَّح حديث: "ماءُ زمزم لما شُرب له" (١) من طريق سويد بن سعيد، عن ابن أبي الموال، عن ابن المنكدر، عن جابر.
قال الحافظ في" التلخيص" (٢/ ٢٦٨):
"واغتر الحافظُ شرفُ الدين الدمياطى بظاهر هذا الإِسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح؛ لأنَّ ابن أبي الموال، انفرد به البخاريُّ، وسويد انفرد به مسلم، وغفل عن أن مسلمًا أخرج له ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلًا عمَّا خولف فيه " اهـ.
أمَّا الاحتمالُ الذي أبداهُ الحافظُ - ﵀ - في آخر بحثه، فلا يخفى ضعفُهُ وتكلُّفُه. وما فهمه النَّسائيُّ هو المتبادر عند أهل الفن، وإلَّا فيمكننا في كُلٍّ إرسالٍ، أو إعضالٍ أن نقول: لعلَّ الراوى سمع السند موصولًا، فحذفه اختصارًا! ولا يخفى فسادُهُ.
هذا، وقد استنكر العقيليُّ أيضًا العدد في حديث عائشة والله تعالى أعلمُ. وقد ذكر الحافظ ابنُ عبد الهادي حديث عائشة هذا في "المحرر" (رقم ٣٢) وقال: "له علَّةٌ مؤثرةٌ". =
_________________
(١) وهو حديثٌ صحيحٌ، سبق لي تصحيحُهُ في "فصل الخطاب بنقد المغنى عن الحفظ والكتاب" (ص ١٢٠ - ١٢٣) وأصله "جنة المرتاب" (٢/ ٤٤١ - ٤٤٥).
[ ١ / ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ٤ - حديث ابن عباسٍ -﵄- موقوفٌ.
أخرجه ابْنُ عديٍّ في "الكامل" (٣/ ٨٨٥) من طريق خالد بن يزيد بن أبي مالكٍ، ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحَّاك، عن ابْنِ عباسٍ، قال: "عشر من السُّنة، خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في البدن. فأمَّا التي في الرأس، فالسِّواك، والفرق، والاستنشاق، والمضمضة، والأخذُ من الشارب، ولم يذكر التي في الجسد".
* قُلْتُ: وسندُهُ واهٍ.
وخالد بن يزيد ضعيفٌ، بل اتهمه يحيى بْنُ معينٍ. والضحَّاكُ هو ابْنُ مزاحمٍ، لم يسمع من ابن عباسٍ.
ولكن له سندٌ آخرُ، بسياقٍ فيه اختلافٌ يسيرٌ.
أخرجه عبدُ الرزاق في "تفسيره"، ومن طريقه ابنُ جرير الطبرىُّ في "تفسيره" (١٩١٠)، وفي "التاريخ" (١/ ١٤٤)، والحاكم (١) (٢/ ٢٦٦)، والبيهقيُّ (١/ ١٤٩) من طريق معمر بن راشد، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، في قوله تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - (٢/ ١٢٤).
قال: ابتلاهُ الله بالطهارة، خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد.
في الرأس: قصُّ الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرقُ الرأس، وفي الجسد: تقليمُ الأظفار وحلقُ العانة، والختانُ، ونتف الإِبط، وغسلُ أثر الغائط والبول بالماء".
قال الحاكم: =
_________________
(١) سقط سند الحاكم من "المستدرك" وقد رواه البيهقيُّ من طريق شيخه الحاكم موصولًا.
[ ١ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "صحيحٌ على شرط الشيخين" ووافقه الذهبيُّ. وهو كما قالا، وقد اختلف عن عبد الرزاق في سنده فرواه عنه الحسن ابْنُ يحيى، بالوجه السابق. وخالفه إسحقُ، فرواه عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن ابن عباسٍ مثله، ولم يذكر "أثر البول" .. أخرجه ابنُ جرير أيضًا (١٩١١) حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحق به والوجه الأولُ أثبتُ. والحكم بن أبان في حفظه لينٌ. والقاسم بن أبي بزة يظهر لي أنه لم يسمع من ابن عباسٍ، فإنه يروى عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وغيرهم ممن أخذوا عن ابن عباس. والله تعالى أعلمُ ..
(٢) حديثُ أبي الدرداء، ﵁. أخرجه البزَّارُ (ج ٣/ رقم ٢٩٦٧)، والطبرانيُّ -كما في "التلخيص" (١/ ٦٧) - من طريق معاوية بن يحيى الصدفي، عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "الطهاراتُ أربعٌ: قصُّ الشارب، وحلقُ العانة، وتقليمُ الأظفار، والسِّواك". قال الهيثميُّ في "المجمع" (٥/ ١٦٨): "فيه معاوية بنُ يحيى الصدفي، وهو ضعيفٌ". * قُلْتُ: والراوي عن معاوية بن يحيى عند البزار هو "إسحق بن سليمان" وقد قال أبو حاتمٍ: "روى عنه إسحق بن سليمان أحاديث =
[ ١ / ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مناكير، كأنها من حفظه". وقال ابنُ خراش: "رواية إسحق الراوى عنه مقلوبةٌ". وقال الدَّارقطنىُّ: "يُكتب ما روى الهقل عنه، ويُجتنب ما سواه، خاصة رواية إسحق ابن سليمان" اهـ. ولا أدرى هل رواية الطبرانيّ عن إسحق بن سليمان أيضًا أم عن غيره؟!
[ ١ / ١٣٧ ]