٥٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ فَلَمَّا اسْتَنْجَى دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ.
_________________
(١) إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ. * محمد بن عبد الله بن المبارك المخرميُّ، أبو جعفر البغداديُّ أخرج له البخاريُّ، وأبو داود. روى عنه المصنِّفُ (٦٥) حديثًا ووثقهُ هو وأبو حاتمٍ، والدَّارقطنيُّ، وابنُ حبان، ومسلمة بن قاسمٍ، وابنُ ماكولا. * إبراهيم بن جرير، تأتى ترجمته في الحديث القادم إنْ شاء الله. * أبو زرعة، هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليُّ. أخرج له الجماعةُ، وهو ثقةٌ. وثقهُ ابنُ معين، وابنُ خراشٍ، وزاد: "صدوق". والحديث أخرجه أبو داود (٤٥)، وابنُ ماجة (٣٥٨)، وأحمدُ (٢/ ٣١١، ٤٥٤)، وابنُ حبان (١٣٨)، والبيهقيُّ (١/ ١٠٦ - ١٠٧) من طريق شريك النخعى، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة به. =
[ ١ / ٣٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ووقع عند "أبي داود" السند هكذا: " إبراهيم بن جرير، عن المغيرة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة". فوجد "المغيرة" في الإِسناد خطأ، وقد ذكر شارح سنن أبي داود دلائل على ذلك، فراجع بحثه في ذلك (١/ ٦٧ - ٦٨). * قُلْتُ: وهذا سندٌ فيه ضعفٌ من أجل شريك النخعى، فقد كان سيىء الحفظ. أما الشيخ أبو الأشبال ﵀ فصحح هذا الإِسناد كما في "شرح المسند" (١٥/ ٢٣٩)، وإنما صححه جريًا منه على أن شريك النخعى ثقةٌ! وقد أشرنا إلى خطأ ذلك في الحديث (٢٩) فراجعهُ. وقال النووي في "المجموع" (٢/ ١٠٢): "ولم يضعفه أبو داود، ولا غيرُهُ وإسنادُهُ صحيحٌ إلَّا أن فيه شريك بن عبد الله القاضى، وقد اختلفوا في الاحتجاج به"! وقد اختلف على إبراهيم بن جرير في إسناده، وانظر الحديث القادم. ***
[ ١ / ٣٩٢ ]
٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ - يَعْنِى ابْنَ حَرْبٍ - قَالَ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ -ﷺ- فَأَتَى الْخَلَاءَ فَقَضَى الْحَاجَةَ ثُمَّ قَالَ «يَا جَرِيرُ هَاتِ طَهُورًا». فَأَتَيْتُهُ بِالْمَاءِ فَاسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَقَالَ بِيَدِهِ فَدَلَكَ بِهَا الأَرْضَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
_________________
(١) إِسنادُهُ ضَعِيْفٌ لِانْقِطَاعِهِ. * أحمدُ بن الصباح، هو النهشلىُّ، أبو جعفر الرازى. أخرج له البخاريُّ وأبو داود. لم يرو عنه المصنِّفُ سوى هذا الحديث. وقد وثقهُ هو، وابنُ حبان، وزاد هذا: "يُغرب على استقامته". * شعيب بن حرب، هو المدائنى أبو صالحٍ البغداديُّ. أخرج له البخاريُّ، وأبو داود. ووثقهُ ابنُ معين، وأبو حاتمٍ، والمصنِّفُ، وابن سعدٍ، والدَّارقطنىُّ، وابنُ حبان، في آخرين. وفي "الضعفاء" للبخارى: "شعيب بن حرب منكرُ الحديث، مجهولٌ". قال الحافظ: "والظاهر أنه غيرُهُ". =
[ ١ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = * قُلْتُ: هو غيرُهُ يقينًا، وقد فرَّق بينهما الذهبيُّ. * أبان بن عبد الله البجليُّ، أخرج له أصحاب السنن. ووثقه أحمد، وابن معين، وابن نمير، والعجليُّ. قال ابنُ عدىٍ: "هو عزيز الحديث، عزيز الروايات، ولم أجد له حديثًا منكر المتن أذكرُهُ، وأرجو أنه لا بأس به". أما النسائيُّ المصنِّفُ، فقال: "ليس بالقوى". وهذا تليينٌ هينٌ. أمَّا ابنُ حبان فقد غلا في جرحه، فقال: "كان ممن فحُش خطؤه، وانفرد بالمناكير"!! * إبراهيمُ بن جرير بن عبد الله البجلىُّ. أخرج له أبو داود، وابنُ ماجة. وهو صدوقٌ. قال ابنُ معين، وأبو حاتمٍ، وأبو داود: "لم يسمع من أبيه". وقال ابنُ سعد، وإبراهيم الحربى في "كتاب العلل": "ولد بعد موت أبيه". وقال ابنُ عديٍّ: "يقولُ في بعض رواياته: حدثني أبي، ولم يُضَعَّفْ في نفسه، وإنما قيل: إنه لم يسمع من أبيه، وأحاديثه مستقيمةٌ تُكتب عنه". فتعقبه الحافظُ بقوله: "إنما جاءت روايتُهُ عن أبيه بتصريح التحديث منه من طريق داود ابن عبد الجبار عنه. وداود ضعيفٌ، وقد نسبه بعضهم للكذب". =
[ ١ / ٣٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والحديث أخرجه ابنُ ماجة (٣٥٩)، والدارميُّ (١/ ١٣٩)، وكذا ابن خزيمة (ج١ / رقم ٨٩)، والبيهقيُّ (١/ ١٠٧) من طرق عن أبان بن عبد الله، عن إبراهيم بن جرير، عن أبيه. وقد رواه عن أبان جماعة منهم: "شعيب بن حرب، وأبو نُعيم الفضل بنُ دكين، ومحمد بن يوسف، ومحمد بن عبيد الله أبو عثمان الكوفي". وخالفهم أبو أحمد الزبيرى وأبو داود، ومحمد بن يوسف فرووه عن أبان بن عبد الله، حدثني مولى لأبي هريرة، سمعت أبا هريرة فذكره بنحوه. فجعل الحديث من "مسند أبي هريرة". أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، والدارميُّ (١/ ١٣٨ - ١٣٩)، والبيهقيُّ (١/ ١٠٧) وابنُ عديّ في "الكامل" (١/ ٣٧٩) عن أبي يعلى، وهو في "مسنده" (ج١٠/ رقم ٦١٣٦). فإِمَّا أن يكون الاختلاف فيه من أبان، أو يكون له فيه شيخان والله أعلم. وقد اختلف شريكٌ النخعي وأبان بن عبد الله في هذا الحديث على إبراهيم بن جرير. فرجح المصنِّفُ حديث أبان. قال ابنُ المواق: "معنى كلام النسائي أن كون الحديث من "مسند جرير" أولى من كونه من "مسند أبي هريرة"، لا أنه حديث صحيح في نفسه، فإن إبراهيم بن جرير لم يسمع من أبيه شيئًا، قاله يحيى بن معين " اهـ. وقال الشيخُ ولىُّ الدين ابن العراقي: =
[ ١ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= "وفي ترجيح النسائي رواية أبان على رواية شريك نظرٌ، فإن شريكًا أعلى وأوسع رواية وأحفظ، وقد أخرج له مسلمٌ في "صحيحه" (١)، ولم يُخرج لأبان المذكور. مع أنه اختلف عليه فيه، فرواه الدارقطنيُّ والبيهقيُّ من طريقين عنه، وعن مولى لأبي هريرة، عن أبي هريرة، وهذا الاختلاف على أبان مما يُضعِّفُ روايتهُ، على أنه لا يمتنع أن يكون لإِبراهيم فيه إسنادان، أحدهما عن أبي زرعة، والآخر عن أبيه، وأن يكون لأبان فيه إسنادان أحدهما عن إبراهيم بن جرير، والآخر عن مولى لأبى هريرة". اهـ.
* قُلْتُ: وما ذهب إليه ابنُ العراقي هو الذي أميلُ إليه، لا سيما إذا أضيف إلى حديث شريك، ما رواه أبان عن مولى لأبى هريرة، عن أبي هريرة. وهو أحد أوجه الخلاف على أبان فيه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) هذا يوهمُ أن مسلمًا احتج بشريك، وهذا غيْرُ صحيحٍ، لأن مسلمًا أخرج له في الشواهد والمتابعات، وبهذا يظهر أن تفضيل شريك على أبان من هذه الجهة لا يجدى. والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٦ ]
تمَّ بحمد الله تعالى الجزءُ الأوَّلُ من "بذل الإِحسان"، ويتلوه الجزء الثانى وأوله: أخبرنا هنادُ بنُ السريّ، .. والله أسأل أن يتقبله مني بقبولٍ جميلٍ، وأن ينفع به إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وكتبه
أبو إسحق الحويني الأثري
تم صف وتجهيزات هذا الجزء في مطبعة الحرمين
٧٢ ش مصر والسودان - القاهرة - مصر ت: ٨٢٠٣٩٢
والحمد لله رب العالمين
[ ١ / ٣٩٧ ]
تم بحمد الله المنان الجزء الأول من بذل الإِحسان بتقريب سنن النسائي أبي عبد الرحمن
تنبيه للقارىء الكريم:
كان في النية إعداد فهارس فنية شاملة لهذا الكتاب غير أنه قد حالت ظروف دون إكمالها على الوجه المطلوب، فآثرنا إرجاءها لأجل قريب بإذن الله تعالى، مكتفين بما أوردناه ها هنا.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
الحرمين
جمع تصويري * تجهيزات * طباعة
٧٢ شارع مصر والسودان
حدائق القبة - القاهرة
تليفون: ٨٢٠٣٩٢
[ ١ / ٤٣٢ ]
تأليف
أبي إسحاق الحويني الأثري
الجزء الثاني
الناشر
مكتبة التربية الإسلامية
لإحياء التراث الإسلامي
ت: ٨٦٨٦٠٥
[ ٢ / ١ ]
الطبعة الأولى للكتاب
١٤١٢ هـ -١٩٩٢ م
كافة حقوق الطبع والنشر محفوظة
الناشر
مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي
١٤ ش سويلم من ش الهرم خلف مسجد الأنصار الطالبية ت: ٨٦٨٦٠٥
[ ٢ / ٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحَمْد لله تعالى نحمدُهُ، ونستعينُ به ونستغفرُه، ونَعُوْذُ بالله تعالى من شُرور أنفُسنا، وسيئات أعمالنا، مَنْ يَهْد اللهُ تعالى، فلا مُضل له، ومن يُضللْ فلا هَادى له. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.
أمَّا بَعْدُ:
فإنَّ أصْدَقَ الحديث: كتابُ الله تعالى، وأحْسنَ الهَدْى، هديُ محمدٍ ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
فهذا هو الجُزْءُ الثاني من "بَذْل الإحسان"، أقدمُهُ للباحثين، بعد أنْ ظلَّ حبيس المطبعة نحو عام، بَلْ أكْثَرُ، ولولا لطفُ الله تعالى، لطال أمدُهُ وتأخَّر، وذاك بسبب حَرْب الخليج التي زكا أوَارُها، واشتدَّ ضرامُها، فلله الأمر من قبلُ ومن بَعْدُ.
وقد أودعتُ فيه ما نمى إليه علمى، وبلغه فهمى، وكابَدْتُ فيه من الجُهْد، ما أكلُ تقديره لأهل العلم بالنَّقْد، وفي كُل هذا أحاولُ أن أتجنَّبَ -مَا استطعتُ- التقصيرَ فيما اشتَرَطْتُهُ على نفسى أن يكون كتابًا جامعًا عمليًّا لشتات ما تفرَّق في هذا الفن.
ذلك أنني لم أدَعْ مسألةً -إلا ما ندَّ عنِّي- تمرُّ بي إلا قَلَّبْتُ فيها وجوه النَّظر، وأطَلْتُ فيها التأمُل والسَّهر، فكم من ليالٍ أنفقْتُها في تصويب تحريف
[ ٢ / ٣ ]
حديثٍ أو غابرٍ، أو تقويم تصحيفٍ، يمر عليه القارىءُ مُرُوْرَ العَابر، حتى إنه ليهونُ أنْ يكتبَ المرءُ عِدَّة صفحاتٍ، من حُرِّ اللفظ وشريف المعنى، فيكونُ أخفَّ عليه من تصويب تحريف، يستتبعُهُ العَنَاءُ المعنَّي، والنصبُ المنصب ومع كل ذلك، بقيت أشياءُ للمُتعقِّبِ، مع حرصى على إتقان عملى تقريبًا لطُلَّابه، ولكن صدق القائلُ (١): لو عُوْرضَ كتاب سَبْعين مرَّة لوجد فيه خَطأ، أبى الله أن يكون كتاب صحيحًا غيرُ كتابِهِ.
فَقَد وَقَعَ لي في الجُزْء الأوَلِ قليلٌ من الأوْهَام، بعضُها من سَبْق القلمِ، وبعضُها مما ندَّ عن الفهم، وبعضُها بسبب ما وقعَ في النَّصِّ مِن عِوَجٍ. أما الزياداتُ في التخْرِيجاتِ، والفَوَائِدُ والتعْليقاتُ، فَحَدِّثْ عن ذلك ولا حَرَج، بحيثُ لو أوْدَعتُها كتابًا، لجاءَ في مجلدٍ لطيف، فَأنَا أنَبِّهُ على بعْضِها (٢)، وأوْدِعُ باقيه في المسْتَدركِ الذي سَأجْعَلُهُ في خَاتِمةِ الجُزْءِ
_________________
(١) هو المُزَنى، صاحب الشافعى رحمهما الله تعالى.
(٢) ومن الظاهر من هذا البعض ما يلى: الأول: أننى في (١/ ٢٠٩) بعد قول الإِمام أحمد (هو وهم). * قلت: (وعلة ذلك أن قتادة بصرى ولا دخل معمر البصرة إلخ) فقد سبق قلمى في هذه العبارة وإلا فالذي رواه عن معمر هو عبد الرزاق فما دخل أهل البصرة هنا!! وإنما صواب العبارة: وعلة ذلك أن قتادة بصرى، وقد قال ابن معين: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه، إلا عن الزهرى وابن طاووس، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، فهذا الحديث من أوهام معمر -﵀-. الثانى: (١/ ٢١٨) أن قلت: وسنده صحيح لكن قال أبو حاتم ولم يظهر لي وجه الخطأ إلخ. * قلت: ثم علمت وجه الخطأ وهو أن إبراهيم بن سعد يرويه عن الزهرى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية عن أبي أيوب. أخرجه الطبراني في الكبير والطحاوي في الشرح وابن عدى (١/ ٢٤٧) فقد خالف =
[ ٢ / ٤ ]
الثَّالِثِ -إذ شَاْءَ اللهُ تعالى-، وَكَذَلكَ في كُلِّ جُزْءٍ، أجعَلُ في آخِرِهِ ذَيْلًا عَلَى الجُزْءِ السابِقِ عَلَيْهِ، وَذَلك مِنْ أعْظَم العِبَرِ، وَهوَ دَلِيلٌ عَلَى استِيلاءِ النَّقْصِ عَلَى جُمْلَةِ البَشرِ ثم إني أريد أن أُشير إلى شَىءٍ، ألمحتُ إليه في مُقدمة الجُزء الأولِ، وَأجعَلُهُ أصلًا، يَكونُ عليه المُعوَّلُ، ذَلِك أنَّ بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلى العِلْم عندَ العّوَامِ، وإنْ لَم يَكُن كَذَلِكَ عِنْدَ العُلَماءِ الأعْلَامِ، لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى الجُزْءِ الأوَّلِ من كِتَابِي هَذَا، أُنكَرَ صَنِيعى، وَقَرْطَمَ الكَلَامَ، وَجَعَلَهُ جُذَاذًا، وَصَار يَهْذِى كَالمَحْمُوم، ويتكلَّمُ بِكلام غيْرِ مَفْهوم، ويقولُ: أيُّ شىء يفِيْدُهُ النَّاسُ مِنْ ذِكْرِ اختلافِ الطُّرُقِ، وَمَا عَمَلُ هَذَا وَأمثَالِهِ، وَعِلْمُ الحدِيْثِ نَضَجَ ثمَّ احْتَرَقَ؟!!، ثُمَّ ردُهُ عَلَى العُلَمَاءِ بِدَعْوَى التعقُّبِ، شَهْوَةٌ خفيةٌ، وَتَرْكُهُ إِليَّ أعْجَبُ، عَلَى أنَّ هَذَا وَأمْثَالَهُ لو كَاْنَ لا بدَّ لهُ أنْ يشْتَغِل بالعِلْمِ، فَعَلَيْهِ بتحقيق "جَامِع العلوم"، وَ"كلمة الإخلَاصِ" أو غَيرِهَا من كُتُب ابْن رَجَب!! وأى شَىء مِنَ العِلْم لَدَى المُتأخريْنَ لَمْ يَكُن عِنْد المتقدمِيْنَ، فَيَأكُلُونَ لحُوْمَهُم وَهِى مسمومةٌ، بِدَعوى التَّحْقِيق، وَمَا هُوَ إلا حب الظهورِ، الذِى يَقْصِمُ الظُّهُوْرَ! فَلَمَّا بَلَغَنِي قوله الذي يُعِيد فيه ويبدى -وَقد سَمعتُهُ مِنهُ قَبل عَشرِ سِنيِنَ-، عَلِمتُ أن الاشْتِغَالَ بتَفْهيمِ أمثالِهِ لا يُجْدى، فلا يُنْكرُ هَذَا العِلْمَ وَالتبحُّرَ فِيْهِ
_________________
(١) = إبراهيم بن سعد عامة أصحاب الزهرى إذ رووه عنه عن عطاء بن يزيد الليثى عن أبي أيوب بينما إبراهيم بن سعد جعل شيخ الزهرى فيه هو عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، وقد نبه على ذلك ابن عدي عند تخريجه للحديث والله أعلم. الثالث: في (١/ ٣٤٣) قلت: لعل ذلك من هشام بن عمار فكان في حفظه ضعف. * قلت: لم يتفرد به هشام بل تابعه حيوة بن شريح، قال: حدثنا ابن عياش به. أخرجه أبو داود (٣٩) والبيهقى (١/ ١٠٨، ١١٠) وحديث الباب الذي هو برقم (٣٩) أخرجه الطحاوى في شرح المعاني (١/ ١٢٣) من طريق ابن وهب. أخبرني يونس بسنده سواء.
[ ٢ / ٥ ]
إلا مَن بِضَاعَتُهُ مُزْجَاةٌ، وَمَنْ جَهِل شيئًا عَادَاهُ، فَلَا حَولَ وَلَا قوَّةَ إلَا بالله، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: إن عِلْمَ الحَدِيْثِ نَضَجَ ثُم احْتَرَقَ، لَا يَكَادُ يَجْرِى عَلَى خُفٍّ وَلَا حَافرٍ، وَصَدَقَ القائِل: كَم تَرَكَ الأولُ للآخِر، والعِبَارَةُ تَحْتمل مَعَنى غَيْرَ هَذَا مَزْبورٌ في الدَّفَاتِرِ، لكنَّهُ أوْرَدهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ لأهْلِهِ، فَأحْبَبْتُ أنْ أقوْلَ قَوْلًا -لِيَتَعلَّمَ بِه- فَيَخْرُجَ مِنْ جَهْلِهِ. فَإنَّ الحُكْمَ على ما في الصُّدورِ دَفِينٌ، لَيْسَ مِن شِيْمَةِ أصْحَابِ الدينِ والوَرَع الثخِيْنِ، وَلَوْ كَاْنَ تَبْيِينُ الخَطأ من الصوَابِ، يُعدُّ لَوْنًا مِن الاغْتِيابِ، فَلَا نَعْلَمُ أحَدًا من الناس إلا جَانَفَهُ، وَارِتَكَبهُ وَقَارَفَهُ، وَإنما هَذَا مَذْهَب لِبَعض الخَامِلِيْنَ، فَهُوَ بالرد قمينٌ، فَإنَّ مُنَاقَشَةَ العُلَماءِ مِنَ السالِفِيْنَ أوِ المُعَاصِرِيْنَ في بَعْضِ مَا ذهبُوا إلَيْهِ لَيْسَ حَطًّا عَلَيْهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُوْنَ غيبةً محَرَّمَةً، وَكَيْفَ يَكُوْنُ تعقبُنا لِكُبَرَاءِ شُيُوخِنَا وأئِمتِنا، وعُلَمَاءِ سَلَفِنَا طَعْنًا عَلَيْهِم وَبِهِمْ ذُكِرْنا، وَبِشُعَاع ضِيَائِهِمْ تَبَصرنَا، وَباقْتِفَاءِ وَاضحِ رُسُوْمِهِمْ تَمَيَّزنَا، وَبِسُلُوكِ سَبيلِهمْ عَنِ الهَمَج تَحَيَّزْنَا، بَلْ مَنْ أنْعَمَ النَّظَرَ وَأعْمَلَ الفِكْرَ، وَجَدَ أنَّ بَيَانَ مَا أَهْمَلُوا، وتَسْدِيْدَ مَا أغفَلُوا هُوَ غَايَةُ الإحْسَانِ إلَيهِمْ، فَإنَّ هَولَاءِ الأئمَّةَ يومَ وَضَعُوا الكُتُبَ، أوْ تَكَلَّمُوا في العِلْمِ، إنما كَانُوا يُرِيدُوْنَ بَيَانَ وَجْه الحق، فَإذا أخطَأ الوَاحِدُ مِنْهُمْ، كَانَ هَذا نَقِيْضَ مَا أحبَّ وَقَصَدَ، فَالتَّنبيهُ عَلَى خَطَئِهِ مِن أجلِ إعَادَةِ الأمرِ إلى قَصْدهِ وَمَحْبُوبِهِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْه، -والعِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أهلِهِ-، إذْ لَمْ يَكُن أحدٌ مِنْ هَؤلَاءِ الأئمَّةِ مَعْصُوْمًا مِنَ الزللِ، وَلَا آمِنا مِنْ مُقَارَفَةِ الخَطَل، وإنْ كَاْنَ مَا يُتعقَّبُ بِهِ عَلَيهِمْ لَا يُسَاوى شَيْئًا في جَنبِ مَا احْرَزُوْهُ مِنَ الصوَابِ، فَشَكَرَ اللهُ مَسْعَاهُمْ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَأوَاهُمْ: وَألحْقَنَا بِهِمْ بِوَاسِع إحْسَانِهِ وَمَنِّهِ، وَحَسْبُنا أنْ نَسُوْق عَلَى كل مسألةٍ دليلَهَا
[ ٢ / ٦ ]
العلمي حَتَّى لا نُرمَى بسوْءِ القَصْدِ، أوْ بِشَهْوَةِ النقْدِ. وَأنَا عِندَمَا نَبَّهْتُ عَلَى أشْيَاءَ رَكِبَ فيْهَا بَعْضُ المُتَقَدّمِيْنَ أو المُتَأخِّرِيْنَ خِلَافَ الصَّوابِ، وَتجلَّد بَعْضُهم فيها، حَتَّى ضَاقَ عَطنُهُ عَنْ تَحْرِيْرِ الجَوَابِ، مَا كُنْتُ بطاعن في أحدٍ منهم، وَلَا قَاصِدٍ بِذَلِكَ تَنْدِيْدًا لَهُ، وَإزْرَاءً عَلَيْهِ، وَغَضًّا مِنه، بل استْيضاحًا لِلصوابِ، وَاسْتِربَاحًا للثوابِ، مَعَ وَافِرِ التَّوْقِير لَهُمْ والإِجْلَالِ، إذْ "مَا نَحْنُ فِيمَنْ مَضَى إلا كَبَقْل في أصُوْل نَخْلٍ طُوَالٍ" (١) وَأنا مَع وَضْعى هَذَا الكتابَ، مَا أبَرئ نَفْسى وَلا كتابِى من الخَطأِ الذي لا يكادُ يَخْلو منه تَصنيفٌ، ولا يخلُصُ من تَوَغُّلِهِ تأليف، وَأنَا أعوذُ بِاللهِ -بارىءِ النَّسَم-، مِنْ كُلِّ مَا طَغَى فيه القَلَمُ، وَجَرَى مِنِّى عَلَى الوَهَم وَأعوذُ بِهِ من كُل متكلف يتتبَّعُ فيه على العَثَرَاتِ، وَيُحْصِى مَا وَقَع فِيْه من الفَلَتَاتِ، وَجُلُّ هَمه إظهارُ الغَلَطَاتِ، وطيُّ الحَسَناتِ، مَعَ أنَّهُ لَوْ أرادَ إِنْسَانٌ أنْ لَا يُخْطِىء في شىءٍ مِنَ الْعِلْمِ لَمَا حَصُلَ لَهُ مُرَادُهُ مَهْمَا فَعَلَ وَهَيْهَات، فَلَيْس إلى العِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ سَبِيلٌ، إلَّا بتفضُّلٍ رَبِّ الأرْضِ وَالسمَواتِ. بَلْ إِنى أعْتَرِفُ فيه بكمالِ القُصُوْرِ، وَأسْأل اللَهَ الصَّفْحَ عَما جَرَى به القلمُ بهذه السُطوْرِ، وأقولُ لِلنَّاظِرِ فِىٍ كِتَابى هَذَا: لَا تأخُذَنَ في نَفْسِك عَلى شَيْئًا وجَدْتَهُ فِيْهِ مُغَايرًا لِفَهْمِكَ، فَإن الفُهُومَ قَدْ تَخْتَلِفُ، ولقلما تتفِقُ العقول كلها وَتأتَلِفُ، وَلولَا اخْتِلَافُ الأنْظَارِ لَبَارَتِ السَّلَعُ، وهُدَمَتْ صَوَامِعُ وَبِيِع، فَإِنْ رُمْتَ الوُقوْفَ على زَلَّةٍ لِي في مِثْل هَذَا العَمَلِ الَّذِي هُوَ كَاْلبَحْرِ العَيْلَمِ، فَلَا شَكَّ أنَّكَ وَاجِدٌ، وَلَيس هَذَا مِمَّا يُستَحْيَا مِنْهُ، بَل هُوَ مِنَ المَحَامِدِ، وَالسَّعِيْدُ مَنْ عُدَّتْ غَلَطَاتُهُ، وَحُسِبَتْ سقَطَاتُهُ، وَأحْصُوا عَلَيْهِ هَنَاتِهِ لِأنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى نُدْرَتِهَا بِجَنْبِ حَسَنَاته وَالْجَوَادُ يَكبُو، وَالنَّارُ -بَعْد أوَارِهَا- تَخْبُو،
_________________
(١) هذا قول أبي عمرو بن العلاء، رواه عنه الخطيب في مقدمة "موضح الأوهام" (١/ ٥).
[ ٢ / ٧ ]
وَالصَّارِمُ يَنْبُو، وَالفَتى قَدْ يَصْبو. وَلَا يَخْفَى عَلَيكَ أنَّ التَّعَقُّبَ عَلَى الكُتُبِ الطَّوِيْلَةِ سهلٌ بِالنسْبَةِ لتَألِيفها، وَوَضعِهَا وَتَرْصِيْفهَا، كمَا يُشَاهَدُ في الأبنيَة القَدِيْمَة، والهَيَاكِلِ العَظِيْمَة، حَيْثُ يَعْتَرِضُ عَلَى بَانِيهَا مَنْ عَرَى فَنَّهُ القوى والقُدر، بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَضْع حَجرٍ عَلَى حَجَرٍ! فَهَذَا جَوَابِى، عَمَّا وَرَدَ في كِتَابى، فَلربما كَاْنَ اعْتِراضُكَ بَعْدَ هَذا البَيَانِ مِنْ تجاهُلِ العَارِفِ، وَإلا فَلَا يَخْفَاكَ أنَّ الزُّيُوْفَ تَدْخُلُ عَلَى أعلَى الصَيَارِفِ، أمَا إنْكَارُ المُشَارِ إلَيْه أن يَكُوْنَ عِنْدَ المُتَأخِّرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ المُتَقَدم، فَتِلْكَ شِنْشِنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أخْزَم!!، وَكَما يَقُوْلُ ابْنُ قُتَيْبَةَ -﵀-: "قَدْ يَتَعَثَّر في الرأىِ جِلَّةُ أهْلِ النَّظَر، وَالعُلَمَاءُ المُبَرَّزُوْنَ، "الخَائِفُوْنَ لِلهِ الخَاشِعُوْنَ. وَلَا نَعْلَمُ أن اللْهَ تعَالى أعطَى أحدًا مَوْثِقًا مِنَ الغلَطِ وَأمانا مِنَ الخَطَأِ، فَنَسْتَنْكِف لَهُ مِنْهُ، بَلْ وَصَلَ عِبَادَهُ بالعَجْزِ، وَقَرنَهُم بِالحَاجَةِ، وَوَصَفَهُم بِالضعْفِ، وَلَا نَعلَمُهُ ﵎ خَصَّ بالِعلمِ قَوْمًا دونَ قوْم، وَلَا وَقَفَهُ عَلَى زَمَن دونَ زَمَن بَلْ جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا مَقْسُوْمًا بَيْنَ عِبادِهِ، يَفْتَحُ للآخِرِ مِنْهُ مَا أغلَقَهُ عَنِ الأوَلِ، وَيُنَبِّهُ المُقِلَّ مِنْهُ عَلَى مَا أغفَلَ عنْهُ المُكْثِرُ، وَيُحْيِيهِ بِمُتَأخِّر يَتَعَقَّبُ قَوْلَ مُتَقَدِّم، وَتَالٍ يَعْتَرِض عَلَى مَاضٍ، وَأوجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنَ الحَقِّ أن يُظْهِرَهُ وَيَنشُرَهُ، وَجَعَلَ ذَلِك زَكَاةَ العِلْمِ، كَمَا جَعَلَ الصدَقَةَ زَكَاةَ المَالِ". اهـ.
وَصَدَق أبوُ العَباسِ المُبَرِّدُ إذ قَال في "الكامِلِ"، وَهُوَ القَائِلُ المُحِقُّ: لَيْس لِقِدَمِ العَهْدِ يُفَضَّلُ القَائِل، وَلَا لِحِدثَانِهِ يُهْتَضَمُ المُصِيْبُ، وَلكن يُعْطى كلٌّ ما يَسْتَحِقُّ. اهـ.
وما أحسن ما قالَهُ الزمخشري في مُقدِّمة "المستقصى في أمْثَال العَرَب": "وَكأنِّي بِالعَالِمِ المُنْصِفِ قدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فَارتَضَاهُ، وَأجَالَ فِيْهِ
[ ٢ / ٨ ]
نَظْرَةَ ذِى علقٍ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى حُدُوْثِ عَهْدِهِ وقُرْبِ ميلادِهِ؛ لأنهُ إنَّمَا يَسْتَجِيْدُ الشَّىءَ وَيَسْتَرْذِلُهُ لِجَوْدَتِهِ وَرَداءَتِهِ في ذَاتِهِ، لَا لقدَمِهِ وَحُدُوْثِهِ وَبِالجَاهِلَ المَشطِ قَدْ سَمِع بِهِ، فَسَارَعَ إلى تَمْزِيقِ فَرْوَتِهِ، وَتَوْجِيْهِ المُعَابِ إليْهِ، وَلَمَّا يَعْرِف نَبْعَهُ من غَرَبهِ، وَلا صَقرهُ من خَرَبه، ولا عَجَمَ عُوْدَهُ، وَلَا نَفَضَ تَهَائِمَهُ ونُجُودهُ، والذِى غَرَّه مِنْهُ أنهُ عَمَلٌ مُحْدَثٌ لَا عَمَلٌ قَدِيْمٌ، وَحَسِبَ أنَّ الأشيَاء تُنْقدُ أو تُبَهْرَجُ لأنَّها تَلِيدَةٌ أوْ طَارِفَةٌ.
وَلِلَّه دَرُّ مَنْ يَقُوْلُ:
إذَا رَصِيَتْ عَنِّي كِرَامُ عَشِيرَتِى فَلَا زَال غَضْبَانًا عَلَى لِئَامُها".
* قُلْتُ: وَتَعْقِيبِى يَكُوْنُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أ - إما أنْ أكُونَ مُصيبًا في قَوْلِى، فَمَا المَانِعُ أن يُقْبَلَ الصوَابُ مِنى؟.
ب- وَإمَّا أنْ أكونَ مخْطِئًا، فَعَلى المُعْتَرِضِ أن يُبيِّن ذَلِكَ بالدَّليْلِ، فَليْسَ قَوِيْمًا، وَلَا في مِيْزَانِ العَدْلِ كَرِيمًا أنْ يقْبَلَ القَوْلُ مِنْ إنسَانٍ لِمُجردِ أنَّهُ قَدِيْمٌ، وَأنْ يُرَدَّ عَلَى المصيبِ قوْلُهُ لَكَوْنِهِ حَدِيثًا!
وَقَدْ أجَادَ ابْنُ شَرَفٍ القَيْرَوَانِي (ت: ٤٦٠ هـ) إذْ قَال:
قلْ لِمَنْ لَا يرى المُعَاصرَ شَيئًا يَرَى للأوائِلِ التَّقْدِيْمَا
إِنَّ ذَاْكَ القَدِيْمَ كان حَدِيثًا وَذَاكَ الحَدِيث سَيَبْقَى قَدِيْمَا
وَمَعَ مَا فَتَحَ اللهُ تَعَالى بِهِ مِنَ الصَّوَابِ، وأجراهُ عَلَى يَدَيَّ بَيْنَ دَفَّتَىْ هَذَا الكِتَابِ، فَلَا أفْخَرُ بَعَمَلِى وَلَا أزْهُو بِهِ في الآفَاقِ، مَعَاذَ اللهِ! وَهَلْ بَقِى مَعَ الناسِ اليَوْمَ مِنَ العِلْمِ -إِذَا ذُكِرَ الأوَلُ- إلَّا فَضْلُ بُزَاقٍ؟!
وَقَدْ -وَاللهِ- أنفَقْتُ عَلَيْهِ النَّفِيْسَ وَالغَالِ، وَكَابَدْتُ فيه من
[ ٢ / ٩ ]
المَشَقَّةِ، مَا يَطُولُ بِهِ المقَالُ، حَتَّى فُتحَتْ سَمَاء يُسرِهِ، فَكانَتْ أبوَابًا، وَزُحْزِحَتْ جِبَالُ عُسْرِهِ، فَكَانَتْ سَرَابًا.
وَإنى لَأرجُو أنْ يرْفَعَ اللَهُ مَنَارَ هَذَا الكتَابِ، وَيَنْفَعَ بِعُلُوْمِهِ الزاخِرَةِ، ؤأنْ يُثيْبَنِي بهِ جَمِيْلَ الذكْر في الدُّنيا، وَجَزِيْلَ الأجْر في الآخِرَةِ، وَأن يَكُوْنَ مِنَ الثَّلَاثِ التِى يَنْقطِعُ عَمَلُ ابْن آدَمَ إذا مَاْتَ إلا مِنْهَا، وأنْ أنَالَ بِهِ الدرَجَات بَعْدَ الوَفَاةِ بِانْتِفَاع كُل مَنْ عَمِلَ بِعُلُوْمهِ، أوْ نَقَلَ عَنْهَا، ضَارِعًا إلَى مَنْ يَنْظرُ مِنْ عُالم في عَمَلِى، أنْ يَسْتُرَ عِثَارِى وَزَلَلِى، وَيَسُدَّ بِسَداد فَضْلِهِ خَلَلِى (١).
وَاللهَ أسْأل أنْ يَجْعَلَهُ زَادًا إلى حُسْنِ المَصِيْرِ إلَيْهِ، وَعَتَادًا إِلى يُمْنِ القدوم عَلَيْهِ، إنَّهُ بِكُل جميل كفيلٌ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكيلُ.
قالَهُ بِلسَانِهِ
وقَيَّدهُ بِبَنَانِهِ
راجى عَفْوَ رَبهِ الغَفُوْر
أبو إسْحَاقَ الحُوينيُّ الأثرِي
عَفَا اللهُ عَنْهُ
رجب الفرد / ١٤١١ هـ
_________________
(١) وهذا هو اللائق بأهل العلم والفضل، فإن الرفق في إسداء النصح إلى المخالف من أعظم الدوافع إلى قبول الحق، وقد كنت ارتكبتُ ما يخالف هذا المنهج مع الأخ نجم عبد الرحمن خلف، فأغلظتُ له في النصح في مقدمتى لكتاب "الصمت" لابن أبي الدنيا، فإني أعتذر له عن كل شىء لا تعلُّق له بالمعنى العلمى، وقد اعتذرت له قبل ذلك وبلغه، وها أنا أعتذر له علنًا، برجاء أن تطيب نفسُهُ، فيقبل عذرى، أمَّا الشدَّةُ فيحسنُ أن تكون مع المكابر الذي يدفع برأيه الفاسد في نحر النصوص والله المستعان.
[ ٢ / ١٠ ]
• تنبيه: عَتَبَ عليَّ بعضُ الأحْبَاب، وَلَم يَقَعْ مَوْقِعَ الرِّضىَ مِنْهُمْ -وَلَا مِني- ما كتبهُ الأخ أبو عَبْد الرحمن الأثرى في إهْدَائِهِ لي كتابَ "صِفَةِ المُنَافِق" للفريابى فَقَدْ خَلَعَ عَليَّ من صفاتِ الكَمَالِ، وَجَمِيْلِ الخِصَالِ ما ليس فيَّ عُشْرُ مِعْشَارِهِ. وَإلى هؤلاء الأحْبَاب أقُوْلُ:
لَقَدْ أنْكَرْتُ هذا عَلى الأخ أشَدَّ الإنْكَار، وقُلتُ لَهُ: لو قِيْلَ هَذَا الكَلَامُ لأمْثَال البُخَاريِّ لَاسْتَكْثره بَعْضُ النَّاس عَلَيْه، وَمَا قُلْتَهُ فِىَّ -وإِنْ كُنْتُ أعْلَمُ أنك صَادِقُ النية فِيْهِ- هُوَ بِعَينِهِ الهجَاءُ عَنْ طريق المَدْحِ!!، فإنَّ الكلامَ إذا لم يصَادِفْ مَحِلا، لَمْ يَكن إلا ذَمًّا، وَقَدْ هَمَمْتُ أن أبَدِّلَهُ بَعْد مَا نَشَدْتُهُ اللَهَ ﷿ أن يُغَيِّرَهُ، فَأبَى وزعم لي أن تَغْييرَهُ بغير اخْتيارِهِ خِيَانَةٌ، فكتبتُ بِدُوْن عِلْمه حاشيةً في آخر مقدِّمَتِهِ للكتاب أسْتَنْكرُ صَنيعَهُ، وَأعُوْذُ بِاللهِ مِنْ مَشْيَخهٍ قَبْل الأوَانِ، لستُ لَهَا بِأهْلٍ.
وقَدْ كَانَ هذَا خُلُق أهْلِ العِلْمِ، وَنحنُ عَلَى دَرْبِهمْ سَائِرُوْنَ ولستُ أنسَى مَا وَقَعَ لِي مَعَ شَيخِنَا الإِمامِ حَسَنَةِ الأيامِ، نَاصرِ الدينِ الألبَانِي، حفظَهُ اللهُ، وَمَتَّعَ بِهِ، لَما أهديتُهُ "كتاب البعث" لابنِ أبي داوُدَ، وكانَ الناشِر كَتَبَ عَلى لوحَةِ الكتِابِ "خرج أحاديثه الشيخُ الحُوَينى السَّلَفِى"، قال لي: ما هذا؟ وأشار إلى كلمة "الشيخ"، فَأعْتَذرتُ عَنْهَا بِأنَّها لَيْسَتْ مِنْ صنعِى، فأنكرها عليَّ، ووالله لقد عَظُمَ الشيخ بَعْدَها في عَيني، وَقَد كَان -قَبْلُ- مَكَانُهُ في الَقلْبِ كَذَلك مِني، وحَسْبُك أنه مَعَ شهادةِ النابِهِيْنَ لَهُ بِالإمَامةِ في هذَا الفنِّ، لَم يَكتُبْ عَلَى لَوْحَةِ كتُبُه إلا اسمَهُ المُجَرَّدَ، مَعَ أنَّ غيره -مِمَّنْ قوْلُهُمْ بجَانِبِ قَوْلِهِ كصَرِيرِ بَابٍ، أوْ طَنيْن ذُبَابٍ، يَكتبُ عَلَى كُتُبه: "تأليف الإمَامِ الحَافِظِ الفقيه الأصولى النظارِ المُجْتَهد " زاعِمًا أنَّه من التَّحدُّثِ بنعمةِ الله تعالى، وَهُنَا
[ ٢ / ١١ ]
تزلُّ الأقْدَام، وتَكْثُر الأوهَام.
وأمَّا قولُ الأخ في شأني: "بل ما نظنُّ أنه -هو- قد رأى مثل نفسه" فمعاذ اللهِ أن يكون رأى في نفسى كذلك، وأنا الحقيق بقول القائل:
واللهِ! لو علموا قبيح سريرتى لأبى السلامَ عليَّ من يلقانى
ولأعرضوا عنى وملُّوا صحبتى ولبئتُ بعد كرامةٍ بهوان
فوالله! ما ظننتُ بنفسى خيرًا، وأنَّى يأتى منها؟! بل يوجَدُ -بحمد الله- في هذه الأمة من أساطين العلماء، وسادة الزهاد والورعين ما لا تصلُ قامتى إلى قدم واحدٍ منهم، فكيف يقال "ما رأى مثل نفسه"، إلا إن كان للعبارة تتمة كأن تكون: "في التفريط واقتراف الذنب" أو نحوها.
وأعوذ بالله من شر نفسى وسىء عملي.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾.
وَبِالجُمْلَةِ: فَإنِّي أنْكِرُ مَا ذَكرَهُ أخونا فِي إهدَائِهِ لي، لأنهُ لَم يُصَادفِ: مَحِلًّا، وَقَدْ رَأيتُ بَعْضَ النَّاس نَسَب إليَّ في بعض تَحْقيقاتِهِ أقْوالًا لَم أقلْهَا، وَلَمْ تخْطُر لِي على بالٍ، فَأقَرِّرُ هُنَا أننِي غَيْرُ مسئُول عَن مَدْح مادحٍ، أَوْ وَهَمِ وَاهِمٍ، إِنما أسألُ عَمَّا نَطقَ بِهِ لِسَانِي، وَخَطَّهُ بَنانِي، وَاللهُ المُسْتَعَانُ، وعَلَيْهِ التكْلَانُ، ولَا حَوْلَ وَلا قوَّة إلا بهِ.
***
[ ٢ / ١٢ ]