لا أضمر أني في بداية الأمر كنت تهيبت هذا الكتاب، لا خوفًا من مادته المسطرة، ولكن من طوله وتشعبه، الذي علمت بأنه سيكلفني شيئًا غير قليل من الوقت، والتنقيب، والمال، ولكن حرص أستاذي وشيخي المشرف على هذا البحث، في الاستمرار فيه، وتوجيهاته التي تعتبر زادًا لي في الطريق، دفعتني للمضي فيه قدمًا، فكانت عاقبته خيرًا، وسأوجز هذه العقبات فيما يلي:
١ - من حيث الوقت، أخذ مني هذا البحث ما لا يقل عن ثنتي عشرة ساعة في اليوم، أربع سنين، لا أعرف فيها قرًا ولا حرًا، وفي القيظ الشديد الذي يتمتع الناس بنسيم الشواطئ، ورياح الآصال، كنت أخوض لججه، وأكتشف شواطئه، مما جعلني أحذف من قاموسي مواعيد الأسفار والزيارات حتى لأهلي وإخواني، مما عوتبت عليه وتجرعت مرارته أحيانًا بالسكوت؛ لأنهم
[ ١ / ٥٠٢ ]
لا يفهمون ما أنا فيه، وأحيانًا بالاعتذار إليهم، وبأني سأعوض ما قصرت فيه، إلا أني أرى عيونًا كثيرة ترنو إلي بنظرات غير المعجبين بهذا الانزواء، حتى من طلبة العلم الذين أجد فيهم من يحاول تثبيطي، ولا أجد ما أتمثل إلا قول القائل:
سارت مشرقة وسرت مغربًا … شتان بين مشرق ومغرب
٢ - ومن حيث الاستعداد، فقد اقتنيت ما أمكن اقتناؤه من المصادر اللازمة لتحقيق هذا الكتاب ما بين مطبوع ومخطوط، وما زلت ناقبًا عما لم أجده منها، ولم تبق مكتبة عامة في بلدنا إلا ولجتها، فأحيانًا أحصل على بغيتي، وأحيانًا أخفق في ذلك، وكانت التجربة مريرة، حيث أدركت احتكار الكتب من طرف بعض المسئولين في هذه المكاتب، وقد سافرت خارج الوطن لهذا الهم الوحيد فوجدت بعض بغيتي، ولم أجد بعضها الآخر، كما استعنت بكل من عرفته ممن يعاني ما أعاني، وقد اقتنيت من الخارج أكثر مما اقتنيت من الداخل، وفيما اقتنيته من الخارج بعض ما في الداخل الذي لم أتوصل إليه لأسباب يعرفها كل باحث.
وباجتماع أمهات المصادر المطبوعة والمخطوطة لدي، استطعت أن أقطع أشواطًا بعيدة في هذا البحث، فلولا توفرها بين يدي لما استطعت أن أفعل شيئًا.
٣ - كان الحديث الواحد، قد يأخذ مني أيامًا، باحثًا عنه، لامًا لطرقه، ملخصًا ومرتبًا لكل ما قيل فيه، مما جعلني أحيانًا أجد نفسي لا أبعد كثيرًا حيث كنت.
٤ - قيامي بجميع الأعمال وسائلها وغاياتها، من البحث عن النص أولًا،
[ ١ / ٥٠٣ ]
حيث يتم اكتشاف مواضعه، ثم البحث عن علله وأحكامه ثانيًا، فلو كان هناك من يقرب لي المادة، كأن يهيئ لي - على الأقل - مصادر النص لكنت أنهيت الكتاب منذ مدة.
٥ - الوسائل البدائية التي ما زلنا نستعملها إلى الآن، من جذاذات، وممحاة، ومكشطة، هي أيضًا تثبطنا كثيرًا، فلو كنت أملك الحاسوب الذي أسجل فيه كل شيء، وأمحي ما أريد، وأقدم وأؤخر، لربحنا من وقتنا شيئًا ذا بال.
٦ - أحَلْتُ في كل حديث ذكره المؤلف في عدة أماكن، على جميع أرقامه حتى يتمكن من يرغب في تكوين نظرة كاملة عنها في جميع أماكنها من ذلك، ولم أتغلب على هذه الإحالات، إلا بالفهارس التي أخذت وقتًا غير يسير.
٧ - حاولت أن أجمع في كل حديث ما قيل عنه، حتى يأخذ القارئ عنه فكرة شاملة في موضوع واحد، وقد عانيت كثيرًا في جمع هذه الأقوال من مئات المصادر التي وزعت فيها وترتيبها، ولو قدر للسنة أن تخدم بهذا النمط، لانتهينا منذ زمن من كثير من الاختلافات التي يستلزمها الأخذ برأي دون الاطلاع على الآراء الأخرى.
٨ - كل حديث ذكره المؤلف في كتابه وقفت عليه في الأحكام الوسطى لعبد الحق، وقابلت ما فيه بما يقول المؤلف، وأثبت في كل حديث حديث بالهامش رقم الصفحة والجزء الذي يقع فيه ذلك الحديث في الأحكام الوسطى، تيسيرًا على من يريد الرجوع إليه للمقابلة.
هذا، وقد قمت بهذا أولًا على مخطوط الوسطى المحفوظ بمكتبة ابن يوسف، وعليه اعتمدت في جميع الكتاب، ثم ظهر الأحكام الوسطى أخيرًا
[ ١ / ٥٠٤ ]
في السوق بنشر الشيخ عبد المجيد السلفي، والشيخ صبحي السامرائي، فدعاني ذلك إلى أن رقمت النصف الأخير من الكتاب على هذا المطبوع، والنصف الأول على المخطوط المذكور وما وجدته ساقطًا من المطبوع - والسقط فيه كثير - أشير بكلمة المخطوط إلى رقم وصفحة من المخطوط.
هذا، ولا أدعي لعملي هذا السلامة من الهفوات، ولا العصمة من العثرات، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ، فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه.
فيا أخي القارئ، فإن لم يسعفني عملي في نيل المأرب، فأسعفني أنت بحسن الدعوة، والنظر بعين الرضا لهذا العمل، وإصلاح خلله؛ فالتقصير حاصل، واللب مشوش، والفهم كليل، والتحصيل قليل، فلولا التعين، لما ولجنا هذا المولج، ولا عرجنا هذا المنعرج، ولكن محبة النبوة، وتتبع دُرَرها، والهيام بما ينسب لها، أدخلنا هذا المدخل، بعد فقدان أهله، وموت نوابغه، وإخلاد الناس إلى هجره، ورجاء أن ندخل في قوله ﷺ فداه أبي وأمي -: "المرء مع من أحب". وآمل من كل مطلع أن يرنو لهذا العمل بقول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة … كما أن عين السخط تبدي المساويا
وإذ أنسى، فإني لن أنسى ثلة من الإخوة الذين تجمعني معهم محبة الإيمان، وكلمة التقوى، وصداقة العلم، وهم قد سهروا معي في مسيرتي مع هذا الكتاب، وتحملوا معي همومه، وتمنوا أن يروه يرى النور يومًا ما، وكل منهم قد ساعد بما آتاه الله، وأنفق مما رزقه الله، ولم يضنوا علي بوقت ولا مال، حتى قام هذا العمل على ساقه، واستوى عوده ومساقه، ولا أذكرهم جميعهم بأسمائهم؛ لأن فيهم من يحب أن لا يعرف، ويحب أن يدخر عمله ليوم
[ ١ / ٥٠٥ ]
تشيب فيه الولدان، ويتفرد بالحكم فيه الملك الديان.
وأخص بالذكر منهم الشاب النبيه، والألمعي الوديع، الأستاذ محمد أولاد عتُّو، الذي قابل معي النسخ كلها مرارًا.
والأستاذ جمال سطيري، الذي كان يضحي براحته في سبيل تصحيح هذا الكتاب.
والأستاذ عبد اللطيف ماسح، الذي كتب على الحاسوب النصف الأول من هذا الكتاب، وعاني معي فيه إلى حد أنه ضحى بمصالحه الشخصية في سبيل إنجازه.
كما أخص بالذكر أم يونس التي ضحت بكل غال ونفيس في سبيل إنجاز هذه المعلمة.
وكذلك أشكر الأخوة الذين ضحوا معي في ترتيب الفهارس، ومراجعتها، وتحريرها النهائي.
ومن لم أذكرهم أكثر ممن ذكرتهم، فكلهم لا أستطيع أن أؤدي لهم حقوقهم، فقد طوقوا عنقي بالمنن، وهل أستطيع أداءها؟!.
أرجو من العلي القدير أن يثيبهم، وأن يجزل لهم العطاء، وأن يرزقنا وإياهم مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وكتب
الدكتور الحسين آيت سعيد زين الدين
حامدًا، ومصليًا
يوم الخميس ١٧ شوال ١٤١٦ هـ
الموافق ٧/ ٣ / ١٩٩٦ م
بمدينة مراكش المحروسة.
***
[ ١ / ٥٠٦ ]