[ ٢ / ١٩ ]
(١) ذكر من طريق أبي داود، عن بشير بن خلاد، عن أمه، قالت: دخلت على محمد بن كعب، فسمعته يقول: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «توسطوا الإمام وسدوا الخلل» … الحديث.
كذا وقع، وهو خطأ، ولعله تغير بعده، وهو هكذا يزداد به في الإسناد من ليس منه، وصوابه عن يحيى بن بشير بن خلاد، عن أمه.
كذا هو في الموضع الذي نقله منه، وقد بقي أن نبين علة الخبر، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
(٢) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عطاء بن أبي ميمونة - وكنيته أبو معاذ - قال: حدثنا أبي، وحفص المنقري، عن الحسن، عن سمرة، أن
[ ٢ / ٢١ ]
رسول الله ﷺ: «كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه».
ثم قال: عطاء هذا ضعيف، معروف بالقدر، مع كلامه في سماع الحسن من سمرة، انتهى كلامه.
وعليه فيه أدراك: منها أنه جعله من حديث عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه وحفص. وليس كذلك، وإنما هو من رواية روح بن عطاء، قال: حدثني ابي وحفص المنقري.
فليس عطاء على هذا بعلة له، لأنه مقرون بحفص المنقري.
وحفص هو ابن سليمان لا بأس به من قدماء أصحاب الحسن، وروى عنه حماد بن زيد، ومعمر، ونحوهما.
فإعلال أبي محمد هذا الخبر بعطاء، خطأ، وهو بناء منه على خطأ في جعله إياه من رواية عطاء عن أبيه وحفص.
وإنما هو من رواية روح عن أبيه وحفص.
وعلته إنما هي ضعف روح بن عطاء، ووالد عطاء لا مدخل له في إسناده.
وذكره أبو أحمد في باب روح، وفي باب عطاء، فنقله أبو محمد من باب عطاء، وهو فيه مختصر، وهو في باب روح بكامله.
ومن هاهنا يتبين عليه في سوقه إياه درك ثان، نذكره هنا وإن لم يكن من
[ ٢ / ٢٢ ]
هذا الباب ليجتمع الكلام على الحديث.
قال أبو أحمد في باب عطاء: أخبرنا الساجي، قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، قال: حدثنا أبي وحفص المنقري، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ «كان يسلم تسليمة تلقاء وجهه»
هذا نصه، وعلى هذا صح لأبي محمد أن يدخله في جملة الأحاديث التي فيها الاقتصار على تسليمة واحدة، ولا سيما بما زاد في لفظه من قوله: «واحدة» وليس ذلك في كتاب أبي أحمد الذي منه نقله.
وقال في باب روح: حدثنا حمزة بن محمد قال: وحدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره».
ففي هذا - كما ترى - ثلاث تسليمات.
وإلى هذا فإنه قد تناقض في عطاء بن أبي ميمونة، فسكت عما هو من روايته مصححًا له، ولم يبين أنه من روايته.
(٣) وذلك حديث أنس «ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه
[ ٢ / ٢٣ ]
قصاص إلا أمر فيه بالعفو».
فهذا درك ثالث فاعلم ذلك.
(٤) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن كنانة، قال: أرسلني الوليد ابن عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء، فقال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلا متواضعًا، متضرعا» الحديث.
كذا أورده، وهو خطأ فاحش، يزداد به في الإسناد من ليس منه، بل في الرواة من ليس منهم، وهذا يدل على تسامحه في إيراد أحاديث لا يعرف بعض رجالها، ويسكت عنها مصححا لها.
وسأريك من هذا كثيرا في بابه إن شاء الله.
وبيان الخطأ في هذا، هو أن عبد الله بن كنانة، ليس من رواة الأخبار ولا ممن تعرف له حال
[ ٢ / ٢٤ ]
وهذا الحديث ليس من روايته، وإنما ساقه أبو داود هكذا: حدثنا النفيلي، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، قال: حدثنا أبي قال: أرسلني الوليد ابن عتبة إلى ابن عباس، فذكر الحديث.
فعبد الله جد هشام - وهو عبد الله بن الحارث بن كنانة - لا مدخل له في هذا الإسناد، إنما صاحب القصة المرسل فيها إلى ابن عباس، ابنه إسحاق بن عبد الله بن كنانة، وهو مدني ثقة.
وابنه هشام بن إسحاق، هو أخو عبد الرحمن بن إسحاق، يروي عنه الثوري، وحاتم بن إسماعيل، وهو من الشيوخ.
والقصة معروفة هكذا عند غير أبي داود أيضًا، من رواية غير حاتم بن إسماعيل.
(٥) قال الدارقطني: حدثنا الحسين بن الحسن بن عبد الرحمن القاضي.
الأنطاكي قال: حدثنا أبو الحارث الليث بن عبدة، قال: حدثنا
[ ٢ / ٢٥ ]
عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا إسماعيل بن ربيعة بن هشام بن إسحاق، من بني عامر بن لؤي أنه سمع جده هشام بن إسحاق، يحدث عن أبيه إسحاق ابن عبد الله، أن الوليد بن عتبة أمير المدينة أرسله إلى ابن عباس، الحديث.
(٦) رواه أيضًا يحيى بن عثمان بن صالح، عن عبد الله بن يوسف كذلك ورواه أيضًا سفيان الثوري عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس، أسأله عن الاستسقاء، الحديث.
ويكفي في هذا أن الموضع الذي نقله منه، هو فيه على ما ذكرت لك من الصواب، لا على ما ذكر من الخطأ.
وقد أتبع هذا خطأ آخر، اعتقد به في قصة أخرى أنها هذه، سأذكرها في جملة الأحاديث التي عطفها على أخر، أو أردفها إياها وليست عن راوي المعطوف عليه - إن شاء الله تعالى -
[ ٢ / ٢٦ ]
(٧) وذكر من طريق الدارقطني عن أم كبشة أنها قالت: يا رسول الله، إني آليت أن أطوف بالبيت حبوًا، فقال رسول الله ﷺ «طوفي على رجليك سبعين» الحديث.
وهو خطأ في موضعين:
أحدهما: قوله: عن أم كبشة - هكذا بالكنية - وإنما صوابه: أمه كبشة، فإنها كبشة بنت معدي كرب عمة الأشعث بن قيس، أم معاوية بن حديج.
والآخر: أنه جعل الحديث عنها، وجعلها راوية للخبر، وليس الأمر كذلك فيه عند من نقله من عنده، وهو الدارقطني، وإنما أورده عن معاوية بن حديج، أنه قدم على رسول الله ﷺ، ومعه أمه كبشة بنت معدي كرب، عمة الأشعث بن قيس، فقالت أمه: يا رسول الله ﷺ إني أليت. الحديث.
هكذا هو، ليس فيه «عنها» فجعل الحديث عنها، زيادة راو في الإسناد، والحديث إنما هو من رواية ابنها عن النبي ﷺ، والحديث في غاية الضعف بالضعفاء والمجاهيل، فاعلم ذلك.
(٨) وذكر من طريق مسلم، عن سبيعة الأسلمية، أنها نفست بعد
[ ٢ / ٢٧ ]
وفاة زوجها بثلاث ليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ «فأمرها أن تتزوج»
هكذا ذكر هذا الحديث مختصرًا من رواية سبيعة، عن النبي ﷺ وذلك أيضًا خطأ كالذي قبله، فإن سبيعة لم تروه، ولا أخذ ذلك عنها، وإنما هي صاحبة القصة.
(٩) كأبي جهم في قصة الأنبجانية.
(١٠) وذي اليدين في قصة السهو.
فلو روى راو حديث السهو عن ذي اليدين، أو حديث الأنبجانية عن أبي جهم، كان مخطئا، فكذلك هذا، وإنما راويته أم سلمة ﵂.
قال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، حدثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد، أخبرني سليمان بن يسار أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال، فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: قد حلت
[ ٢ / ٢٨ ]
فجعلا يتنازعان ذلك، قال فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة، فبعثوا كريبا مولى ابن عباس إلى أم سلمة، فسألها عن ذلك، فجاءهم وأخبرهم أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، وإنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأمرها أن تتزوج.
هذا نص الخبر، وما فيه عن سبيعة حرف ولا عند كريب منها خبر، ولو كان عنها كان منقطعا فيما بينها وبين كريب، فاعلم ذلك.
(١١) وذكر من طريق أبي داود عن أبي الزبير، عن جابر وعبد الرحمن بن سابط، أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة [اليد] اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها.
كذا أورد هذا الحديث، وهو هكذا خطأ، فإنه يزداد به في الإسناد أبو الزبير، أعني برواية ابن سابط، وأبو الزبير ليس يرويه عن ابن سابط أصلا، ولا أعرفه يروى عنه، ولعله أصغر منه، وأحاديثه عن جابر غير مسموعة، قاله ابن معين فيما روى عنه الدوري
[ ٢ / ٢٩ ]
وأما أبو الزبير فصاحب جابر، وقد رأيت أبا محمد بن يربوع غلط في هذا كغلط أبي محمد عبد الحق، فزاد في الرواة عن ابن سابط أبا الزبير، وأعلم ذلك بعلامة أبي داود، فهو إنما يعني هذا المكان فيما أرى
والصواب فيه، هو أن ابن جريح يرويه عن أبي الزبير، وعبد الرحمن ابن سابط، قال أبو الزبير: عن جابر، عن النبي ﷺ، وقال ابن سابط: عن النبي ﷺ أرسله عنه، ولم يذكر من حدثه به.
ونص الواقع من ذلك عند أبي داود هو هذا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
وأخبرني عبد الرحمن بن سابط، أن النبي ﷺ وأصحابه، فذكر الحديث.
فهذا إنما معناه ما قلته من أن ابن جريج قال: عن أبي الزبير عن جابر.
ثم عاد فقال: وأخبرني عبد الرحمن بن سابط.
قال عباس الدوري في كتابه: سمعت يحيى بن معين يقول: قال ابن جريج: حدثني عبد الرحمن بن سابط، قيل له: سمع من جابر؟ قال: لا، هو مرسل.
وسيأتي في باب ذكر الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة ذكر ما أورد أبو محمد مما هو من رواية ابن جريج عن ابن سابط المذكور إن شاء الله تعالى
وقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا يحيى بن سعيد، عن
[ ٢ / ٣٠ ]
ابن جريج، عن ابن سابط أن النبي ﷺ وأصحابه «كانوا يعقلون يد البدنة اليسرى، وينحرونها قائمة على ما بقي من قوائهما».
فهذا حديث ابن سابط، مفصولا عن حديث أبى الزبير، من رواية ابن جريج عنه فاعلمه.
(١٢) وذكر من طريق أبي داود أيضًا، عن عبد الرحمن بن رقيش أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف، ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد قال: قال علي بن أبي طالب: حفظت عن رسول الله ﷺ «لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى ليل».
ثم قال: المحفوظ موقوف على علي.
هكذا ذكره، وهو خطأ زاد به في الإسناد من ليس منه ولا يعرف بروايته، وإنما الحديث عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف، ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد.
وسعيد هو المعروف به، وهو ثقة معروف، فأما أبوه فغير معروف به، بل ولا في الرواة.
وهكذا على الصواب هو عند أبي داود الذي نقله من عنده، وللحديث شأن آخر سنذكره في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها، وإن شاء الله تعالى
[ ٢ / ٣١ ]
(١٣) وذكر من طريق البخاري، عن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت لنا شعرات من شعر النبي ﷺ مخضوبًا.
زاد ابن أبي خيثمة: «بالحناء والكتم» والإسناد واحد، انتهى ما ذكر كما ذكره.
وهو خطأ يزداد له في الإسناد من ليس منه، وإنما الداخل على أم سلمة الشاهد لما ذكر، عثمان بن عبد الله بن موهب.
كذا هو عند البخاري الذي نقله من عنده، وعند غيره أيضًا.
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا سلام، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلت على أم سلمة … فذكره.
ورواه ابن أبي خيثمة، عن موسى بن إسماعيل ايضًا بالزيادة المذكورة.
وعثمان بن عبد الله بن موهب أبو عبد الله الأعرج، مولى طلحة بن عبيد الله، ويقال: مولى لآل الحكم بن أبي العاص، مدني كان بالعراق، وروى عن ابي هريرة، وابن عمر، وأم سلمة، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له البخاري ومسلم.
فأما أبوه عبد الله بن موهب فلا أعلمه في رواة الأخبار.
فجعل الحديث عنه يدل على المسامحة بإيراد الأحاديث من غير علم برواتها، اعتمادًا على إخراج البخاري أو مسلم إياها، فاعلم ذلك
[ ٢ / ٣٢ ]
كل ما ذكر في هذا الباب، فهو يزداد به في الإسناد من ليس منه، وهو أيضًا نسبة الأحاديث إلى غير رواتها.
وهذه الترجمة ستأتي فكان هذا نوعًا منها، فإنه ليس كل حديث نسب إلى غير راويه فقد زيد في إسناده واحد، وكل حديث زيد في إسناده من لم يروه، فقد نسب إلى غير راويه، والله الموفق
[ ٢ / ٣٣ ]