[ ٢ / ٣٣٧ ]
اعلم أنه لو كان يذكر الأحاديث موصلة منه بأسانيدها، لم يلزمه أن يوردها إلا من حديث اتصلت له، كما قد يسوق ابن عبد البر من طريق قاسم، أو ابن أيمن، أو غيرهما ما هو عند البخاري أو مسلم موصلًا، فأما من اعتمد نسبة الأحاديث إلى مواضعها المشهورة كطريقته هو في كتابه هذا، فعليه الدرك في إيراده من موضع خامل إذا كان في أشهر منه، لا سيما مع ما صح في الوجود من أن هذه المختصرات، أكثر من يلجأ إليها ويعتمد قراءتها، إنما هم من لا علم عنده بالحديث، وإن كان فيهم من يطلب أنواعًا من العلم غيره.
فإذا الأمر هكذا، فأول حاصل عند من يرى الحديث ها هنا منسوبًا إلى موضع، عدمه في غيره، والاحتياج فيه إلى من ذكره عنه، فيحصل من هذا مع أهل هذا الشأن في مثل ما يحصل فيه من ينسب مسألة من النحو إلى المهدوي، أو ابن النحاس، وهي في كتاب سيبويه.
وفي الحقيقة جدوى هذه الترجمة ليس من الواجب، ولكنه مكمل، وإن اتفق أن يكون من أذكر الحديث عنه الآن غير مشهور عند من يقرؤه، كالذي أخرجه أبو محمد من عنده في حقه، فليعد الفائدة فيه تكثير مواضعه وتبيين مواقعه.
(٣٣٢) فمن ذلك أنه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده، ولا يسمع بي احد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني …»
[ ٢ / ٣٣٩ ]
الحديث من كتاب مسلم.
ثم أردفه من كتاب عبد بن حميد رواية فيه، وهي: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني».
وهو حديث صحيح عند عبد بن حميد، قال فيه: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة فذكره.
إلا أنه أبعد فيه النجعة، وأوهم قارئه أنه محتاج فيه إلى شاذ كتاب عبد بن حميد.
وابن أبي شيبة قد ذكر من حديث أبي موسى صحيحًا، ذلك المعنى بعينه، وكتابه عندنا أشهر وأكثر وجودًا.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر، سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: «من سمع بي من أمتي، أو يهودي، أو نصراني، ثم لم يؤمن بي دخل النار».
هذا [حديث] صحيح الإسناد فاعلمه.
(٣٣٣) وذكر أيضًا في كتاب العلم من فوائد ابن صخر، حديث:
[ ٢ / ٣٤٠ ]
«أشد الناس عذابًا» الحديث.
ورده من أجل عثمان بن مقسم البري إلا أنه أبعد النجعة، وعذر الوقوف عليه في موضع هو فيه إلا لآحاد من أهل هذا الشأن.
وابن صخر مع ذلك إنما خرج بإسناده فيه إلى ابن وهب، ونسبته إليه كانت أولى وأعلى، فإنه مذكور في جامعه، وهو مشهور معروف ومن طريقه ساقه ابن صخر من فوائده، وابن عبد البر في بيان العلم.
وسند ابن صخر فيه هو هذا: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي إملاء، أخبرنا زكرياء بن يحيى الساجي، حدثنا أحمد بن سعيد، حدثنا ابن وهب، أنبأني يحيى ابن سلام، عن عثمان بن مقسم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه»
قال ابن صخر: وهذا غريب الإسناد والمتن، وابن وهب أرفع من يحيى ابن سلام، ولم يرو هذا هكذا فيما قيل غير البري
انتهى كلام ابن صخر.
وقد عمل أبو محمد بمثل ما طلبته به الآن في الحديث الذي ذكره في باب يليه، وذلك أنه قال:
(٣٣٤) وذكر ابن وهب عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ
[ ٢ / ٣٤١ ]
قال: «ليس منا من لم يجل كبيرنا» الحديث.
ثم قال: خرجه أبو جعفر الطحاوي في بيان المشكل.
فإن هذا ليس إخبارًا عن موقع آخر للخبر، بل اخبر عن الموضع الذي نقله منه، وهو كتاب الطحاوي، بعد أن نبه على كونه عند ابن وهب.
وأراه - والله أعلم - لم يقف عليه عن ابن وهب، فعمل فيه كما يعمل فيما ينسبه إلى قاسم بن أصبغ، أو ابن أيمن، وإنما ذلك بتوسط ابن حزم، أو ابن عبد البر، أو ابن الطلاع.
والحديث المذكور إنما ذكره الطحاوي من طريق ابن وهب هكذا: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قالا: حدثنا عبد الله ابن وهب، أنبأني مالك بن الخير الزيادي، عن أبي قبيل، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه».
واعلم أن هذا إذا تكرر له في الأحاديث - أعني أن يقول: ذكر ابن وهب ثم يقول: خرجه الطحاوي، أو ذكر ابن وهب ثم يقول: خرجه ابن صخر، أو ذكر قاسم، ثم يقول: خرجه ابن حزم، وأشباه ذلك مما يكثر له - فليس هو على حد ما لو قال: روى الأعمش، ثم يقول: خرجه مسلم، أو روى الزهري، ثم يقول: خرجه البخاري، فإن هذا لم يعمل به، وإنما لم يعمل به لما لم يكن ما يأتي به من الحديث عن هؤلاء وأمثالهم من كتب وضعوها، وخرجوا الأحاديث فيها، وإنما عمل به في حق أولئك الأخر وأشباههم، لما كانت الأحاديث التي يورد عنهم مخرجة في كتبهم، إلا أنه لم يقف عليها فيها
[ ٢ / ٣٤٢ ]
فصار ينسب الأحاديث إليهم، ويعزوها إلى من جاء بها من طريق أحدهم.
وربما لم يعمل هذا في بعض هؤلاء كمالك ﵀ فإنه يسوق أحاديث معزوة إلى البخاري، أو مسلم، ولا يذكر أنها من رواية مالك في موطئه.
وكذا هذا منه لأنه يقيم نسبتها إلى أحدهما مقام تصحيحه إياها، بما علم من اشتراطهما الصحة، لكنه استمر به ذلك إلى أن صار يذكر الحديث من عند النسائي أو أبي داود، ولا يبين أنه من رواية مالك في موطئه، فجاء هذا بمثابة الحديث المبدوء بذكره، المنسوب إلى فوائد ابن صخر، وهو في كتاب ابن وهب الذي نقله منه ابن صخر فاعلم ذلك.
(٣٣٥) وذكر من طريق أبي داود عن أبي هريرة قال: أن رسول الله ﷺ «انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة» الحديث إلى آخره.
كذا ذكره من عند أبي داود، وهو مما [قد] فرغنا الآن من التنبيه عليه، وذلك أنه [مذكور] في الموطأ كما أورده، فلا أدري لِمَ لم ينسبه إلى مالك.
(٣٣٦) وذكر من طريق النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن
[ ٢ / ٣٤٣ ]
جده، أن رسول الله ﷺ قال: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب».
هذا أيضًا في الموطأ بهذا الإسناد، ومن طريق مالك ساقه النسائي.
(٣٣٧) وذكر من طريق أبي داود حديث: «أينقص الرطب إذا يبس؟».
وهو في الموطأ، ومن طريق مالك ساقه أبو داود، وقد أخبرتك أني لا أطالبه بمثل هذه المطالبة فيما يسوقه من عند مسلم، أو البخاري، وهو في الموطأ مما يسوقانه، من طريق مالك، لأن ذلك منه قائم مقام التصحيح له.
أما ما يسوقه من عند غيرهما، ففيه إبعاد انتجاع، وربما يكون كتاب الموطأ في حجر من يتجشم المشقة في رواية الحديث في كتاب النسائي، أو أبي داود، بما أبعد من خاطره، وذلك بما يعتقد من اطلاعه واتساعه.
فيقول القارئ له: لم ينسبه إلى النسائي إلا وقد عدمه في غيره من الكتب، وهو في حجره في كتاب الموطأ.
وقد عمل أيضًا في بعض الأحاديث عملا هو خلاف ما نبهنا عليه، وهو أن ينسب الحديث إلي من أخرجه، وهو إنما وقف عليه عند غيره ممن أخبر عنه أنه أخرجه، كما لو قال الآن رجل: أخرج مسلم حديث كذا، وهو إنما رآه في هذا الكتاب: كتاب الأحكام
[ ٢ / ٣٤٤ ]
(٣٣٨) فمن ذلك أنه قال: وذكر أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن عبد الملك بن جابر، عن جابر، حديث: «شق القميص، لأنه كان بعث بهديه».
وهذا إنما نقله من عند ابن عبد البر، وابن عبد البر ذكره بإسناده إلى أسد، فعزاه أبو محمد إلى أسد، وترك أبا عمر، عكس عمله المتقدم.
(٣٣٩) وذكر أيضًا من طريق أبي عبد الله الحاكم من علوم الحديث له، من طريق ابن وهب، قال: أنبأني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، قال: قاتل عبد مع رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: «أذن لك سيدك؟» الحديث.
ثم قال: [قال] الحاكم: لا نعلم أحدًا رفعه.
هذا ما ذكره به، والحديث في موطأ ابن وهب بإسناده ومتنه.
وأما قول الحاكم: لا أعلم أحدًا رفعه، فإنه إن كان عنى به أنه لا يعلم أحدًا أسنده ووصله فصدق، ولكن ليست هذه العبارة مشهورة عن هذا المعنى، وإنما يقال ذلك فيما يكون موقوفًا.
وإن كان يعني بهذا أن أحدًا لم يبلغ به النبي ﷺ فهذا خطأ، فقد ذكر ابن وهب في ذلك مرسلين، أحدهما أحسن من هذا، ولسنا لذكرهما الآن
[ ٢ / ٣٤٥ ]
(٣٤٠) وذكر في كتاب الإيمان ما هذا نصه: ومما رويته بالإسناد المتصل إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
قال: ذكرت إسناده في الكتاب الكبير وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في فوائده، وابن المنذر في كتاب الإقناع.
هذا هو كما قال، إلا أن الحديث في كتاب الدارقطني، وهو أكثر الناس نقلًا منه.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري، وأبو محمد بن صاعد وموسى بن جعفر بن قرين، وأحمد بن إبراهيم [بن حبيب] الزراد، وعبد الله بن أحمد بن إسحاق المصري، قالوا: حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
(٣٤١) وذكر أيضًا في كتاب العلم، من طريق أبي عمر بن عبد البر،
[ ٢ / ٣٤٦ ]
عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، قال: قال رسول الله ﷺ: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».
قال: وذكره العقيلي من حديث أبى هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ.
وأحسن ما في هذا مرسل إبراهيم بن عبد الرحمن.
كذا ذكر هذا المرسل من عند ابن عبد البر، وترك ذكره من مواقع هي أرفع وأشهر، وأوهم بذكره من عند أبي عمر - وما ذكر بعد ذلك من كون العقيلي رواه من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو - أنه ليس عند العقيلي.
وأبو عمر إنما ذكره من طريق العقيلي.
وقد ذكره أبو أحمد بن عدي، وأبو محمد بن أبي حاتم.
وسنذكر أسانيده في باب الأحاديث التي ردها بالإرسال ولها عيوب سواه.
(٣٤٢) وذكر في كتاب العلم ما هذا نصه: روى إسماعيل بن خالد المخزومي، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى كثر
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فيهم المولدون، أبناء سبايا الأمم، فقاسوا ما لم يكن بما كان، فضلوا وأضلوا».
ذكره أبو بكر الخطيب، قال: إسماعيل بن خالد ضعيف ولا يثبت عن مالك.
نقلته من كتاب أبي محمد الرشاطي ومن طريقه رويته.
هذا نص ما أورد، والحديث في كتاب البزار من غير رواية مالك بإسناد أحسن من هذا.
قال البزار: حدثنا إبراهيم بن زياد، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا قيس بن الربيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى بدا فيهم أبناء سبايا الأمم، وأفتوا بالرأي فضلوا وأضلوا».
هذا إسناد حسن، وقيس بن الربيع إنما ساء حفظه بعد ولايته القضاء، فهو مثل شريك، وابن أبي ليلى.
(٣٤٣) وذكر في «نوم الجنب حديث عمر».
ثم أردفه من رواية الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قوله
[ ٢ / ٣٤٨ ]
﵇ له: «يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة» ذكره أبو عمر بن عبد البر.
هكذا عزاه إلى أبي عمر، وهو في كتاب البزار من حديث ابن عمر، من ثلاثة طرق.
أحدها من رواية معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه سأل النبي ﷺ: «أينام أحدنا وهو جنب؟ فقال: نعم، إذا توضأ وضوءه للصلاة».
قال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر فذكره.
قال: وهو أحسن ما يروى عن عمر من الطرق.
والثاني والثالث من رواية وهيب، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر.
وعن أيوب عن أبي قلابه، عن عمر، أنه سأل النبي ﷺ: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «إذا توضأ وضوءه للصلاة».
فإن قيل: الذي احتاج هو فيه إلى التنزل إلى أبي عمر فيه، الأمر بغسل الذكر وليس ذلك في حديث البزار.
قلنا: هو إنما ساق الحديث لمكان زيادة الوضوء للصلاة، فأما الأمر بغسل الذكر فقد أورده من كتاب مسلم، مع الأمر بالوضوء مجملًا غير مبين
[ ٢ / ٣٤٩ ]
(٣٤٤) وذكر من طريق النسائي حديث ابن مسعود «في طرح قريش سلا الجزور بين كتفي رسول الله ﷺ وهو يصلي».
والحديث كذلك في كتاب مسلم، وأراه إنما ساقه من كتاب النسائي لمكان قوله فيه: «خذوا هذا الفرث بدمه».
بدلًا من قوله في كتاب مسلم سلا الجزور، والسلا هو ما فسره به من الفرث بدمه، ولولا مخافة أن يكون خفي عليه كونه عند مسلم ما كتبته.
(٣٤٥) وذكر من طريق أبي الوليد الطيالسي حديث: «وقت العصر ما لم تغرب الشمس» وهو كذلك في مسند ابن أبي شيبة ومصنفه.
وإسناده في كتاب مسلم دون لفظه، وهو روايته عن يحيى بن أبي بكير
(٣٤٦) وذكر من كتاب الإعراب لابن حزم، حديث محمد بن الفضل ابن عطية، عن صالح بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر [قال:] قال رسول الله ﷺ: «يؤمكم أقرؤكم وإن كان ولد زنا»
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ثم رده من أجل محمد بن الفضل.
والحديث في كتاب أبي أحمد بن عدي وهو كثير النقل منه، ذكره في باب محمد بن الفضل بإسنادين إليه، وهو في كتاب ابن حزم غير موصل.
(٣٤٧) وذكر حديث وائل في رفع اليدين إذا رفع رأسه من السجود.
من عند ابن عبد البر.
والحديث عند أبي داود، وهو أيضًا عند النسائي في حديث مالك بن الحويرث.
(٣٤٨) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ - في صيد الكلب -: «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك».
ثم ذكر الكلام في رواية داود بن عمرو الدمشقي، ثم قال: ويروي مثل حديث أبي ثعلبة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ.
(٣٤٩) حديث عمرو بن شعيب هذا عزاه إلى ابن حزم، وهو عند أبي داود أيضًا
[ ٢ / ٣٥١ ]
قال: حدثنا محمد بن المنهال الضرير، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًا يقال له أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله إن لي كلابًا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ: «إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك»، قال: ذكي، وغير ذكي؟ قال وإن أكل منه؟ قال: «وإن أكل منه»، قال: يا رسول الله، أفتني في قوسي، قال: «كل ما ردت عليك قوسك»، قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: وإن تغيب عني، قال: «وإن تغيب عنك ما لم يصل أو تجد فيه أثرًا غير سهمك»، قال: أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها، قال: «اغسلها».
فهذا - كما ترى - من رواية عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، لا من رواية أبي ثعلبة، وهو بلا شك معنيه.
(٣٥٠) وذكر من طريق مسلم عن قطبة بن مالك قال: صليت وصلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ: ق حتى قرأ: (والنخل باسقات) الحديث.
ثم قال: وقال الترمذي: في الركعة الأولى.
كذا قال، وصدق، ولكن أبعد فيه الانتجاع من الترمذي وهو في كتاب مسلم.
قال مسلم - بعد أن ذكر رواية زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك المتقدمة
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الذكر -: حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن زياد بن علاقة، عن عمه، أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح فقرأ في أول ركعة: (والنخل باسقات لها طلع نضيد) وربما قال: ق.
(٣٥١) وذكر من طريق أبي سليمان الخطابي قال: حدثنا محمد بن هشام، قال: [أخبرنا]، الدبري عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرنا ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن أبا بكر وعمر، تذاكرا الوتر عند رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: أما أنا فإني أنام على الوتر، فإذا استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، وقال عمر: لكني أنام على شفع ثم أوتر من السحر، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «حذر هذا»، وقال لعمر: «قوي هذا».
ثم أتبعه أن قال: يقال: إن ابن المسيب لم يسمع من عمر إلا نعيه النعمان ابن مقرن.
هكذا أورد هذا الحديث من عند الخطابي، عن رجل لا تعرف حاله - وهو شيخه محمد بن هشام - فأبعد النجعة ما شاء، وأوهم بذلك عدمه عند غيره، وأخلى الباب من سواه مما يؤدي معناه أو قريبًا منه، مما سنذكر بعضه الآن بعد أن نذكر هذا اللفظ الذي أورد من موضع مشهور، مظنة له ولأمثاله إن شاء الله تعالى، ولعلك ترى أن الخطابي أشهر ممن نذكره من عنده، فإنما
[ ٢ / ٣٥٣ ]
نعني بالنسبة إلى علم أهل الحديث، فأما اللغة فالخطابي من أهلها.
قال بقي بن مخلد في مسنده في حديث عمر بن الخطاب -: فابن رمح قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا بكر وعمر، تذاكرا عند رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: أما أنا فأصلي ثم أنام على وتر، فإذا استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، فقال عمر: لكني أنام على شفع ثم أوتر من السحر، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «حذر هذا» وقال لعمر: «قوي هذا».
وهكذا رواه أيضًا سفيان في مسنده عن ابن شهاب، عن سعيد، قال تذاكروا الوتر عند رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: أما أنا فأوتر أول الليل، وقال عمر: أما أنا أوتر آخر الليل، فقال النبي ﷺ: «حذر هذا، وقوي هذا».
وقد روى من طريق غير هذا الطريق، منها صحيح ومنها ما لا يصح.
(٣٥٢) فمن صحيحها حديث أبي قتادة، ذكره أبو داود، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف قال: حدثنا أبو زكريا السيلحيني قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «متى توتر؟» قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر:
[ ٢ / ٣٥٤ ]
«متى توتر؟» قال أوتر آخر الليل؟ فقال لأبي بكر: «أخذ هذا بالحذر» وقال لعمر: «أخذ هذا بالقوة». هؤلاء كلهم ثقات.
(٣٥٣) ومن الحسان في هذا الباب حديث ابن عمر.
قال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بكر: «متى توتر؟» قال: أوتر ثم أنام، قال: «بالحزم أخذت»، وقال لعمر: «متى توتر؟» قال: أنام ثم أقوم من الليل فأوتر، قال: «بالقوة فعلت».
قال: ولا نعلم رواه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر إلا يحيى بن سليم، ويحيى بن سليم وثقه ابن معين، ومن ضعفه لم يأت بحجة، وهو صدوق عند الجميع.
(٣٥٤) ومن الضعاف في هذا الباب حديث ابن عمر أيضًا.
قال البزار: أخبرنا عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر قال: سأل رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر - رحمة الله عليهما - عن وترهما، فقال أبو بكر: أوتر من أول الليل، فقال: «حذر»، وقال لعمر: فقال: أوتر آخر الليل، فقال: «قوي معان».
سعيد بن سنان أبو المهدي، سيئ الحفظ
[ ٢ / ٣٥٥ ]
(٣٥٥) ومنها حديث أبي هريرة، ذكره البزار أيضًا، من رواية سليمان ابن داود اليمامي - وهو ضعيف - عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال سأل النبي ﷺ أبا بكر، «كيف توتر؟» قال: أوتر أول الليل، قال: «قوي معان».
(٣٥٦) ومنها حديث عقبة بن عامر، ذكره ابن سنجر، من رواية ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي المصعب المعافري، عن عقبة، أن النبي ﷺ سأل أبا بكر، «متى توتر؟» قال: أصلي مثنى مثنى، ثم أوتر قبل أن أنام، فقال رسول الله ﷺ: «مؤمن حذر»، وقال لعمر: «متى توتر؟» قال: أصلي مثنى مثنى، ثم أنام حتى أوتر من آخر الليل، فقال النبي ﷺ: «مؤمن قوي».
وإنما أكثرت في هذا لترى أنه لم يعدل إلى الخطابي للظفر منه بما ليس عند غيره فاعلم ذلك.
(٣٥٧) وذكر أيضًا من طريق عبد الرزاق، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: «بصيام ثلاثة أيام كل شهر، وأن لا أنام إلا
[ ٢ / ٣٥٦ ]
على وتر، وسبحة الضحى في السفر والحضر».
وخرجه أبو داود أيضًا، انتهى ما ذكر.
وقد بينت في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها ما أغفل من علته، وهي الجهل بحال أبي إدريس السكوني، راويه عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء.
والمقصود بيانه الآن هو أنه مما أبعد فيه النجعة، فتركه في كتاب مسلم صحيحًا.
قال مسلم: نبأني هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع، قالا: حدثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني حبيبي رسول الله ﷺ بثلاث، لن أدعهن ما عشت: «بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وأن لا أنام حتى أوتر».
اللهم إلا أن يكون إنما عدل عن هذا الصحيح من كتاب مسلم إلى ذلك الحسن، أو الضعيف من كتاب البزار وأبي داود، لمكان لفظة في الحضر والسفر، فله في ذلك بعض العذر، وهو غير متجه، فإن إطلاق لفظ حديث مسلم يغني عن ذلك فاعلمه.
(٣٥٨) وذكر في الزكاة قال: رويت بالإسناد المتصل الصحيح إلى خالد
[ ٢ / ٣٥٧ ]
ابن عدي الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة، فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه».
ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره
انتهى ما ذكر.
فلنذكر ثلاثة أمور:
أحدهما: إسناد أبي عمر فيه.
والآخر: إسناده هو الذي قال أنه رواه به
والثالث: تقريب موضعه، وتبيين موقع له أشهر من ذلك.
أما إسناد أبي عمر فيه، فقال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب وحيوة بن شريح، عن أبي الأسود، أنه أخبرهما عن بكير بن الأشج، أخبره أن بسر بن سعيد، أخبره عن عدي بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله، فإنما هو رزق ساقه الله إليه».
هكذا وقع عدي بن خالد، وصوابه: خالد بن عدي.
وأما إسناد أبي محمد فقال في كتابه الكبير: حدثنا القرشي، حدثنا شريح، حدثنا أبو محمد - يعني ابن حزم - حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، حدثنا أحمد بن الفضل بن بهرام الدينوري، حدثنا محمد بن جرير الطبري
[ ٢ / ٣٥٨ ]
حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن خالد بن عدي الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: «من جاءه من أخيه معروف فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه».
هذا هو إسناده الذي قال: إنه رواه به متصلًا صحيحًا.
وفيه (كما ترى) الفضل بن الصباح، الذي قال فيه من كتاب الجنائز - إثر حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
(٣٥٩) «اغسلوا قتلاكم» - إنه كتبته حتى أنظره.
فلعله بعد ذلك نظره فعرفه، وغالب الظن أنه إنما قلد ابن حزم في تصحيح هذا الخبر، وهو عندي صحيح، وسنبين أمر الفضل بن الصباح في باب الرجال الذين جهلهم وهم معروفون إن شاء الله تعالى.
وإما تقريب موضعه، فهو أن أبا بكر بن أبي شيبة ذكره في مسنده فقال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثنا أبو الأسود، عن بكير بن عبد الله، عن بسر بن سعيد، عن خالد بن عدي الجهني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بلغه معروف من أخيه من غير مسألة ولا إشراف فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه» فاعلم ذلك والله الموفق
[ ٢ / ٣٥٩ ]
(٣٦٠) وذكر من طريق الدارقطني، عن أبي سعيد الخدري، قال: «رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم، وفي الحجامة».
ثم قال: أسنده معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، وغيره يرويه موقوفًا، وذكره أبو بكر البزار أيضًا.
كذا قال فيه، وهو كما ذكر، والمقصود أن تعلم أنه في كتاب النسائي أيضًا.
قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أخبرنا المعتمر، قال: سمعت حميدًا، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، قال: «رخص رسول الله ﷺ في القبلة وفي الحجامة» يعني للصائم.
(٣٦١) وذكر من طريق مسلم، حديث عبد الله بن عمرو في تقديم بعض الأفعال في الحج على بعض.
ثم قال: زاد محمد بن أبي حفصة: أفضت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج». قال: ولم يتابع ابن أبي حفصة على قوله: «أفضت» أراه وهم.
ذكر الحديث والتعليل أبو الحسن الدارقطني، خرجه من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص أيضًا
[ ٢ / ٣٦٠ ]
هكذا ذكر هذا الموضع، ووقع بعض النسخ: وذكر هذا الحديث والتعليل أبو الحسن الدارقطني، فعلى الرواية الأولى بسقوط الواو تجيء هذه الزيادة كأنها من كتاب الدارقطني فقط، وذاك حينئذ إبعاد انتجاع.
وعلى رواية: «وذكر» بالواو يبقى من لا يعلم في ريب من نسبتها إلى غير الدارقطني.
فاعلم الآن أنها في كتاب مسلم، من طريق محمد بن أبي حفصة المذكور عن الزهري.
وذلك أن الحديث حديث الزهري، يرويه عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو
فأصحابه لا يقولون عنه: «أفضت قبل أن أرمي» وابن أبي حفصة يقول ذاك، وتوهم الدارقطني وهمه لمخالفة الحفاظ له، والرجل ثقة ولكنه يضعف في الزهري خاصة، كأنه لم يحفظ حديثه كما يجب، فصار يجيء فيه بخلاف ما يجيء به غيره.
(٣٦٢) وذكر من طريق النسائي عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث وقال: «إن وجدتم فلانًا وفلانًا - لرجلين من قريش - فاحرقوهما بالنار» الحديث.
كذا أورده، وتركه عند البخاري، ونسبته إليه أعلى.
(٣٦٣) وذكر من طريق ابن سنجر، من حديث ثابت البناني، قال نبأني ابن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد، عن أبيه، عن أم سلمة، قال: بعث إليها رسول الله ﷺ يخطبها فقالت: مرحبًا برسول الله ﷺ، أو مرحبًا بالله ورسوله، اقرأ رسول الله ﷺ السلام، الحديث
[ ٢ / ٣٦١ ]
ثم قال: وذكره ابن أبي خيثمة أيضًا، وابن عمر هذا لا يعرف. انتهى ما أورد.
فأقول: قد كان متناوله أقرب.
قال النسائي: نبأني محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن علية، قال: حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، قال نبأني ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة، لما انقضت عدتها، بعث إليها أبو بكر يخطبها فلم تزوجه، ثم بعث إليها عمر بن الخطاب فلم تزوجه، فبعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب يخطبها عليه، فقالت: أخبر رسول الله أني امرأة غيري، وأني امرأة مصيبة، وليس أحد من أوليائي شاهدًا، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «ارجع إليها فقل لها: أما قولك: إني امرأة غيري، فسأدعو الله فيذهب غيرتك، وأما قولك: إني امرأة مصبية، فستكفي صبيانك، وأما قولك: ليس أحد من أوليائي شاهدًا، فليس أحد من أوليائك شاهدًا أو غائبًا يكره ذلك»، فقالت لابنها: يا عمر، قم فزوج رسول الله ﷺ
مختصر.
(٣٦٤) وذكر من طريق أبي داود، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نغر يلعب به، فمات، فدخل النبي ﷺ ذات يوم، فرآه حزينًا، فقال: «ما شأنه؟»
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فقالوا: مات نغره، فقال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير».
كذا ذكره من عند أبي داود، وهو صحيح، وأراه عدل إليه لأنه أشرح لفظًا.
والحديث في كتاب مسلم من رواية أبي التياح، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير - أحسبه قال: فطيمًا - فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه، قال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» وكان يلعب به.
(٣٦٥) وذكر من طريق الطحاوي عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «إذا حم أحدكم فليشن عليه الماء البارد من السحر ثلاثًا».
كذا أورده من عند الطحاوي، وهو عنده كما ذكر، وإسناده لا بأس به، قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود، حدثنا ابن أبي عائشة، حدثنا حماد، عن حميد، عن أنس - قال ابن أبي عائشة: كذا علقته - أن النبي ﷺ قال: فذكره.
ولكنه أبعد فيه النجعة، فإن النسائي قد ذكره في كتابه فقال: حدثنا أحمد ابن محمد بن هانئ، أبو بكر الأترم، بغدادي، إسكاف، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد - هو ابن أبي عائشة - قال: حدثنا حماد، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حم أحدكم فليشن عليه الماء البارد من السحر ثلاثًا»
[ ٢ / ٣٦٣ ]
(٣٦٦) وذكر أيضًا من عنده، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بماء زمزم».
ثم قال: ورواه أبو بكر بن أبي شيبة أيضًا.
وهو عندهما كذلك من رواية همام، عن أبي جمرة عنه.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا أبو جمرة قال: كنت أدفع الناس عن ابن عباس، فاحتبست أيامًا، فقال: ما حبسك؟ قلت: الحمى، قال: إن رسول الله ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم».
وهذا أيضًا ذكره النسائي مثله سواء فقال: حدثنا الحسن بن إسحاق، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، عن أبي جمرة، قال: كنت أدفع الزحام عن ابن عباس، فغبت عنه، فقال لي: أين كنت؟ قلت: الحمى، قال: قال رسول الله ﷺ: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم».
(٣٦٧) وذكر من طريق أبي محمد بن حزم قال: وروى الفرج بن فضالة، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء»
[ ٢ / ٣٦٤ ]
فذكر فيهن: «اتخذوا القينات والمعازف» قال: وفرج بن فضالة ضعيف جدًا، وقبله في الإسناد ثلاث مجهولون: لاحق بن الحسين، وضرار بن على، وأحمد بن عبد الله بن سعيد بن كثير الحمصي.
كذا أورد هذا الحديث، وعليه فيه أشياء.
منها ما يوهمه لفظه من أن فرجًا يرويه عن علي، وإنما يرويه عنه بوسائط.
ومنها ما يوهمه سوقه إياه كما يسوق غيره من أنه وقف على إسناده في الموضع الذي نقله منه موصلًا، وابن حزم لم يوصل به إسناده.
ومنها ذكره من ذكره من هذا الطريق، وله طريق يوصل إلى فرج بن فضالة، سالم من هؤلاء.
ومنها إبعاده في إيراده [من عند ابن حزم] كأنه معدوم فيما هو أقرب متناولًا، ولا أخص بذكر الأحاديث، وهو حديث قد ذكره الترمذي، وأراه خفي عليه موضعه من كتابه.
قال الترمذي: حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي، حدثنا الفرج بن فضالة، أبو الفضالة الشامي، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة، حل بها البلاء»، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا كان المغنم دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه،
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء، أو خسفًا، أو مسخًا».
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، غير فرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل العلم بالحديث وضعفه من قبل حفظه، وقد رواه عنه وكيع وغير واحد من الأئمة
انتهى كلامه.
صالح بن عبد الله الترمذي، بغدادي صدوق، قاله أبو حاتم.
قد انقضى ذكر القسم الأول من الكتاب، وهو الراجع إلى نقله، ونذكر الآن - إن شاء الله تعالى - القسم الثاني، وهو الراجع إلى نظره، وهو أيضًا أبواب كذلك، وهذا حين أبتدئ مستعينًا بالله [تعالى فأقول]
[ ٢ / ٣٦٦ ]