[ ٥ / ٣٠٥ ]
اعلم أن الباب المقدم، كان قد ضعف الأحاديث المذكورة فيه، والأمر فيها كما ذكر، ولكنا رأينا لها أسانيد أخر، هي منها صحيحة أو حسنة.
وهذا الباب نذكر فيه أحاديث ضعفها، وليس ينبغي أن يقال فيها بذلك لأنه في تضعيفه إياها: إما أن يجهل معروفا، أو يضعف ثقة، أو يعتمد شهرة خلافه، أو يقلد في التضعيف من قد أخطأ فيه.
والذي نذكره في هذه الترجمة هو قسمان: ما ضعفه وهو صحيح، وما ضعفه وهو حسن.
وقد آثرت ذكره على تصنيف الأحاديث لا باعتبار هذا الانقسام، خوفا من التداخل.
وكل ما ذكر في باب الأحاديث التي ردها بالانقطاع وهي متصلة، هو من هذا الباب، ولكنه تميز صنفا، فلذلك أفردنا له بابا إثر باب ما رآه متصلا وهو منقطع
[ ٥ / ٣٠٧ ]
(٢٤٩٠) فمن ذلك ما ذكر من طريق البزار، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمعتم الحديث تعرفه قلوبكم» الحديث.
ثم قال بإثره: عبد الملك بن سعيد ذكره أبو محمد بن أبي حاتم ولم يذكر أحدا رواه عنه إلا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولم يذكر فيه شيئا، هذا نص ما ذكر من غير مزيد [وهو كما ذكر، لم يرو عنه غير] ربيعة
وقد أهمل من ذكر [التجريح والتعديل فيه وللقاعدة أن من لم يذكر فيهم ابن أبي] حاتم الجرح والتعديل فهم عنده مجهولو الأحوال، بين ذلك عن نفسه في أول كتابه، وسواء كان من لم يذكر فيه الجرح والتعديل ممن لم يرو عنه إلا واحد أو ممن قد روى عنه جماعة، ورأى أبو محمد أن من روى عنه جماعة يقبل، وعلى ذلك بنى نظره، وبه عمل في كتابه
[ ٥ / ٣٠٩ ]
فأما من لم يرو عنه إلا واحد، ولم يعرف فيه جرح ولا تعديل، فهؤلاء يقبلهم، ولا يحتج بهم.
وقد يعرف فيمن لم يرو عنه إلا واحد أنه ثقة فيقبل، أو أنه ضعيف فيرد، بحكم التضعيف.
وقيل: أنه سمع فيه التجريح يرد بحكم المجهول الحال.
وقد تقدم بيان هذا كله، فهو إذن قد اعتقد في عبد الملك بن سعيد هذا أنه مجهول الحال، وأول ما اعتراه فيه سوء النقل، وذلك بقلة التثبيت، فإنه لو نظر، رأى في كتاب ابن أبي حاتم خلاف ما ذكر.
وذلك أن ابن أبي حاتم، قد ذكر عن أبيه أنه روى عنه بكير بن عبد الله بن الأشج، فزاد هو من عنده أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عنه، فوقع بصر أبي محمد على قول ابن أبي حاتم: روى عنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال ما ذكر: من أنه لم يرو عنه غير ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
ولا ينفعك أقل من الوقوف على نص كلام أبي محمد بن أبي حاتم، وهذا هو: «عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، روى عن عباس بن سهل بن سعد، روى عنه بكير بن عبد الله بن الأشج، سمعت أبي يقول ذلك»
قال أبو محمد: وسمع من أبي حميد، وأبي أسيد الساعدي، وجابر بن عبد الله، روى عنه ربيعة، بن أبي عبد الرحمن.
هذا نص ما ذكر من غير مزيد، وقد تبين منه كيف اعتراه ما اعتراه من تغيير الموضع.
وقد انتهينا إلى المقصود، وهو أن نبين أن الرجل المذكور ليس بالمجهول،
[ ٥ / ٣١٠ ]
لا اقول ذلك من أجل أنه قد روى عنه بكير [بن الأشج، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولكن لأن قوما] وثقوه وقبلوا روا [يته، فمنهم مسلم، فقد أخرج له في صحيحه، وقال الكوفي] في كتابه: عبد الملك بن سعيد ابن سويد، مدني تابعي ثقة.
وقال النسائي في كتابه التمييز: ليس به بأس، روى عنه بكير بن عبد الله ابن الأشج ورواية بكير هذه هي التي قد أشار إليها أبو حاتم، والنسائي عنه، ليست هي لهذا الحديث.
وإنما يروي عنه عن جابر حديث عمر «هششت إلى امرأتي فقبلتها وأنا صائم». الحديث الذي قيل له فيه: «أرأيت لو تمضمضت» ذكره أبو داود.
(٢٤٩١) وقد أخرج له مسلم ﵀ محتجا به - حديثه عن أبي حميد وأبي أسيد في القول عند دخول المسجد، ومن رواية ربيعة عنه، وهذه هي رواية ربيعة التي أشار إليها أبو محمد بن أبي حاتم.
وقد زعم اللالكائي أن الدراوردي عنه، وهذا لا أعرفه ولعلي أجده بعد.
وإنما يروي الدراوردي عن ربيعة عنه هذا الحديث في القول عند دخول المسجد.
ذكره كذلك أبو داود
[ ٥ / ٣١١ ]
وقد ذكر أبو محمد حديثه هذا من عند أبي داود، من رواية الدراوردي، عن ربيعة عنه في القول عند دخول المسجد لزيادته فيه: «فليسلم على النبي ﷺ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك».
ولم يسقه من عند مسلم؛ لأن زيادة الأمر بالتسليم على النبي ﷺ ليست عنده.
فهذا منه قبول لرواية عبد الملك المذكور واحتجاج به.
(٢٤٩٢) وكذلك ذكر في الصيام حديث: «أرأيت لو تمضمضت» من عند النسائي، ومن رواية بكير بن عبد الله بن الأشج عنه.
وسكت عنه مصححا له، فأين رده من أجله حديثنا المبدوء بذكره.
وقوله: لم يرو عنه إلا ربيعة؛ هذه غفلة بينة، فاعلم ذلك
[ ٥ / ٣١٢ ]
(٢٤٩٣) وذكر من طريق البزار، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «من كذب علي متعمدا ليضل به» الحديث.
ثم قال: هذه الزيادة «ليضل به»، هي من طريق يونس بن بكير [عن] الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن عمرو [بن شرحبيل، عن عبد الله، ولا تصح عن الأعمش، عن عبد الله.
هكذا] قال من غير مزيد.
وقد يتوهم من يقف على هذا الموضع ممن لا علم عنده بهذا الشأن، ضعف يونس بن بكير راويها، ولذلك قال: «لا تصح عن الأعمش»، ويونس
[ ٥ / ٣١٣ ]
ابن بكير: أبو بكر الشيباني، كوفي، قال ابن معين: كان صدوقا.
وقال أبو حاتم: محله الصدق.
وقيل لأبي زرعة: أينكر عليه شيء؟ فقال: أما في الحديث فلا أعلمه.
وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت أبا يعلى يقول: كان ابن نمير يطنب في مدح يونس بن بكير، وقد أخرج له مسلم ﵀.
وقال الكوفي: كان على المظالم لجعفر بن برمك، ضعيف الحديث.
فإن كان أبو محمد اعتمد في تضعيف هذا الحديث تضعيف من ضعف يونس بن بكير، ممن لم يأت بحجة في تضعيفه إياه - مع ما وصف به من الصدق وثنائهم عليه، فقد كان يجب أن يبين ذلك، وإن كان لم يضعف عنده إلا من أمر آخر، فقد كان أوجب وآكد أيضا أن يعرف به.
والحديث المذكور أورده البزار هكذا: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا يونس بن بكير، فذكره بالإسناد المتقدم، ثم قال: وقد رواه غير يونس، عن الأعمش مرسلا.
وأنا أظن أن أبا محمد إنما رأى قول البزار هذا: إن غير يونس رواه عن الأعمش مرسلا
فاعتمده في تعليله، وهو قد يعل الأحاديث بأن تروى تارة متصلة وتارة مرسلة على ما قد تقدم بعض ذلك عنه.
وسنعرض لذكر ما له منه بعد إن شاء الله تعالى
[ ٥ / ٣١٤ ]
فإن كان هذا هو الذي رأى والذي من أجله ضعفه، فقد أخطأ؛ فإن كلام البزار ليس فيه ترجيح لرواية من أرسله على رواية من أسنده، وإنما أخبر أنه قد أرسل، وليس يضر الحديث تفنن رواته في روايته بالوصل والإرسال، والرفع والوقف.
ولما ذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث قال: اختلفوا فيه على طلحة، فمنهم من أرسله، [ومنهم من قال: عن علي بدل عبد الله. ويونس بن] بكير جود إسناده [والاختلاف فيه بالوهل والإرسال ليس بعلة وهو لا يضره.
ولعلك ترى ما ذكر الدارقطني في علله من تعليل رواية عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله لهذا الحديث، فتظنه في حديثنا هذا، وليس كذلك.
وإنما هو في قوله: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» دون الزيادة المذكورة ولم يعرض لهذه الزيادة بوجه، والحديث دونها من غير ذلك الطريق، ومن طرق شتى، صحيح لا شك فيه، فاعلم ذلك.
(٢٤٩٤) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي غطفان، عن ابن عباس
[ ٥ / ٣١٥ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا».
ثم قال: قارظ هو ابن شيبة، وهو لا بأس به، والصحيح ما تقدم من الأمر بالوتر بالاستنثار.
ولم يعتل على هذا الحديث بأكثر من هذا.
وحكمه على قارظ بن شيبة بأنه لا بأس به، وعلى الحديث بالضعف، يعين لتضعيفه أبا غطفان، لإبرازه إياه، وأبو غطفان، هو ابن طريف المري يروي عن أبي هريرة، وابن عباس، روى عنه داود بن حصين، وقارظ بن شيبة، وكانت له بالمدينة دار عند دار عمر بن عبد العزيز، أخرج له مسلم ﵀.
وقال عباس الدوري: سمعت ابن معين يقول فيه: ثقة، يحدث عنه داود ابن الحصين.
وقارظ بن شيبة هو أخو عمرو بن شيبة من بني ليث، من بني كنانة حلفاء لقريش.
قال النسائي: لا بأس به.
يروي عن سعيد بن المسيب، وأبي غطفان، روى عنه أخوه عمرو بن [أبي شيبة، وابن] أبي ذئب، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك بالمدينة،
[ ٥ / ٣١٦ ]
قاله أبو حاتم.
ولا يسأل عن بقية الإسناد، فإنهم أئمة.
ووظيفة المحدث النظر في الأسانيد، من حيث الرواة والاتصال والانقطاع، فأما معارضة هذا المتن ذلك الآخر، وأشباه هذا، فليس من نظره [بل هو من نظر الفقيه، وإذا نظر به الفقيه تبين له خلاف] ما ذكر.
(٢٤٩٥) [وذكر من طريق أبي داود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ]: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها».
ثم قال: أبو غطفان هذا مجهول، ذكر ذلك الدارقطني
[ ٥ / ٣١٧ ]
كذا قال، والدارقطني إنما قال: قال لنا ابن أبي داود: «أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق».
فإذن القول المذكور، إنما ينبغي أن يعزى لابن أبي داود، لا للدارقطني، ثم ينظر فيه هل هو صحيح أم لا؟ وهذا هو الذي يقع من مقصود هذا الباب، وذلك أن هذا الحديث هو من رواية ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان.
فيونس بن بكير يرويه عن ابن إسحاق.
قال أبو داود: حدثنا أبو سعيد: عبد الله بن سعيد الأشج، قال: حدثنا يونس بن بكير، فذكره.
وقال فيه: عن أبي غطفان، عن أبي هريرة.
ورواه أبو بكر بن أبي داود، عن أبي سعيد: عبد الله بن سعيد الأشج المذكور أيضا، شارك فيه أباه أبا داود، إلا أنه زاد فيه أن قال: عن [أبي] غطفان المري، ذكر ذلك الدارقطني عنه.
فلو سكت عنه هذا، قلنا: عرف أنه المري، أو ظنه إياه، ولكنه زاد إلى ذلك أن قال: وأبو غطفان هذا مجهول، فجاء من هذا أنه وصفه بأنه المري، وقال عنه: إنه مجهول.
وهذا تخليط، فإن أبا غطفان بن طريف المري، ثقة، معروف بالرواية عن
[ ٥ / ٣١٨ ]
أبي هريرة، فلو رأينا من يقول في هذا الحديث في روايته عن أبي غطفان المري عن أبي هريرة، لم نشك في أنه هذا المعروف، ولم نكن نقدر وجود أبي غطفان المري آخر، يروي عن أبي هريرة إلا على حد ما نقدر وجود ألف كذلك.
لكن لما قال لنا الذي زاد في نعته: إنه مجهول، دل ذلك على أنه إما واهم في قوله: «المري»، وإما عالم بأن هناك مريا آخر يكنى أبا غطفان، يروي عن أبي هريرة، والصحيح أنه أبو غطفان، عن أبي هريرة [غير موصوف بأنه المري، فيكون مجهولا] إذ لم يثبت أنه المري، [وأما بعد ثبوت أنه هو فلا سبيل لتجهيله، وقد ترجم البزار ترجمة، فيها: أبو غطفان] عن أبي هريرة.
فساق فيها: حدثنا مصرف بن عمرو الكوفي - فيما أعلم - قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عمر بن حمزة، قال: حدثني أبو غطفان المري، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ:
(٢٤٩٦) «لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقئ»
[ ٥ / ٣١٩ ]
وحدثنا محمد بن عمر بن الوليد الكندي، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «التسبيح للرجال والتصفيح للنساء».
هكذا ذكر هذين الحديثين في ترجمة واحدة فدل على أنه عنده المري، وليس بمجهول كما زعم ابن أبي داود، فإن المري الذي يروي حديث «النهي عن الشرب قائما والاستقاء لمن نسي»، هو بلا شك أبو غطفان بن طريف، وعنه ساقه مسلم ﵀ في كتابه من رواية عمر بن حمزة، كما فعل البزار.
فإذن مذهب البزار في راوي حديث الباب، أنه أبو غطفان بن طريف المري، إلا أنه لم يذكر الزيادة التي هي: «من أشار في صلاته إشارة» إلى آخرها، وذلك مما يؤكد لابن أبي داود قول: إن آخر الحديث زيادة فيه، ولعلها من قول ابن إسحاق.
وتقدم للبزار ترجمة أخرى نصها: أبو غطفان عن أبي هريرة، حدثنا إسماعيل بن حفص، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «التسبيح
[ ٥ / ٣٢٠ ]
للرجال والتصفيق للنساء».
لم يسق فيها غير هذا، فهو يدل على أنه عنده غير المري، والخارج من هذا كله أنه لا يعرف من هو كما ذكر أبو بكر بن أبي داود.
(٢٤٩٧) وذكر من طريق مسلم عن أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة».
وقال الترمذي: وقت لنا رسول الله ﷺ، وحديث [مسلم أعلى إسنادا، ثم أتبعه رواية أخرى عن أنس، فقال: والصح [يح] في التوقيت. حديث مسلم ﵀.
فهو - كما ترى - قد رجح حديث مسلم على] حديث الترمذي من جهة الإسناد، لا من جهة مسلم وأبي عيسى أنفسهما، وهذا لو عناه كان باطلا، فإنهما لم يتعارض ما روياه، بل نقبل من الحافظ ما زاد مما لم يحفظ غيره.
والترمذي أحد الأئمة الحفاظ المتقنين، وقد جهل من جهله كما اعترى أبا محمد بن حزم فيه، وقد شهد له بالإمامة - زيادة إلى ما يعرف الناس من حاله - جماعة ممن عرض لذكر أمثاله.
وذكره في جملة الأئمة الدارقطني، وأبو عبد الله بن الربيع، وغيرهما
[ ٥ / ٣٢١ ]
وإذا لم يصح له أن يكون هذا معنيه، فقد عري كلامه من المعنى وخلا من الفائدة.
وإسناد الحديث عند الإمامين واحد، فلا معنى لقوله: إن حديث مسلم أعلى إسنادا.
قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن جعفر، قال يحيى: حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة: أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة».
فهذا مسلم قد قرن بين يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، ولم يتخل عن قتيبة، بل أورد الحديث عنهما، وأخبر أن يحيى يقول: حدثنا، فأردنا أن نعرف زيادة الترمذي فإذا به قد قال: حدثنا قتيبة، حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: «وقت لنا رسول الله ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط أن لا نترك أكثر من أربعين يوما».
فهذا هو إسناد مسلم، وفيه أن قتيبة قال: حدثنا، كما قاله يحيى بن يحيى، على أنه لا يعرف له تدليس، فليس ينبغي أن يلتمس منه أن يقول: حدثنا.
فلم يبق لقوله: «حديث مسلم أعلى إسنادا» معنى، إلا أن يكون من جهة تفضيل مسلم على الترمذي.
فإن قيل: ولعله اعتقد أن مسلما قد أعرض عن قتيبة بعد أن قال: [قال
[ ٥ / ٣٢٢ ]
يحيى: حدثنا جعفر بن سليمان وأعرض عن يحيى ورأى] أن الخلاف فيه بذكر [قتيبة، الذي عين من وقت ذلك، وأبهمه جعفر، وهذا خلاف فيه بين] يحيى وقتيبة، ثم رجح يحيى على قتيبة.
فالجواب من وجهين: أحدهما أن الرجلين ثقتان، وإن كان التفضيل؛ فقتيبة فوق يحيى بن يحيى، ويعرف ذلك من تتبع أنباءهما في مواضعها.
والوجه الآخر: أن هذا لا يمكن أن يحمل الأمر عليه، فإن مسلما لم يعرض عن قتيبة، ولو كان هذا، لم يكن ما قلت إلا بعد الحمل على مسلم بأنه علم أن رواية قتيبة مصرح فيها بذكر النبي ﷺ ولم يبين ذلك، وسوى بين روايته ورواية يحيى التي لم يذكر فيها النبي ﷺ.
فإن قيل: نفرض أن عن قتيبة روايتين: إحداهما: رواية مسلم: «وقت لنا».
والأخرى رواية الترمذي: «وقت لنا رسول الله ﷺ أن لا نترك» إلا أن رواية مسلم عن قتيبة، روي مثلها عن يحيى بن يحيى، فكانت رواية «وقت لنا أن نترك» أرجح؛ لأنها رواها يحيى بن يحيى وقتيبة
فالجواب أن نقول: إن كان هكذا، فقتيبة قد روى: «وقت لنا أن لا نترك»، فاحتمل المؤقت أن يكون النبي ﷺ، أو يكون غيره، وروى لنا هو نفسه التفسير بأنه النبي ﷺ، فيجب أن نقبل منه ذلك كله، ولا نرجح رواية على الأخرى، والله أعلم
[ ٥ / ٣٢٣ ]
(٢٤٩٨) وذكر من طريق أبي داود، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس «أنه كان إذا اغتسل من الجنابة، يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرات» الحديث.
ثم قال: شعبة يقول فيه مالك: ليس بثقة.
وضعفه أبو زرعة، وأبو حاتم. وقال فيه يحيى بن معين: لا يكتب حديثه
انتهى ما أورد.
(٢٤٩٩) وكذا قال في حديث: «الوضوء مما خرج وليس مما دخل»
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وفيه قلة إنصاف، وبيان ذلك أن نقول: إن مالكا لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة «ثقة»، وقد كانوا [لا يطلقونها إلا على العدل الضابط، كما قال ابن مهدي: حدثنا أبوخلدة، فقيل له كان ثقة؟ قال:] بل الثقة: شعبة وسفيان. [ففرق بين الثقة وغيره، ويظهر من أقوالهم] في هذا، أن هذه اللفظة إنما تقال لمن هو في الطبقة العالية من العدالة، وربما قالوا أيضا: ليس بثقة للضعيف أو المتروك.
فإذن هو لفظ يتفسر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك.
وأما قوله: إن أبا حاتم ضعفه، فليس كذلك، وإنما قال فيه: ليس بقوي، وهذا لأنه ليس بأقوى ما يكون.
وأما أبو زرعة فإنه قال فيه: ضعيف الحديث.
ولكنها أيضا قد تصدر منه فيمن يشهد له بالصدق، فلا يعد ذلك منه تناقضا
[ ٥ / ٣٢٥ ]
وأما قوله عن ابن معين: «لا يكتب حديثه» فإنه قد روي عنه فيه أنه قال: «ليس به بأس»، روى ذلك عنه عباس الدوري، قال: وهو أحب إلي من صالح مولى التوأمة؛ وهو قد قال عن نفسه: إذا قلت في رجل: «ليس به بأس» فهو عندي ثقة، ذكر ذلك عنه ابن أبي خثيمة في باب عبد الله بن باباه من تاريخه.
وقال البخاري: إن مالكا تكلم في شعبة هذا، ويحتمل منه - يعني من شعبة -.
ونهاية ما يوجد لمالك فيه أن قال: لم يكن يشبه القراء.
وقال أبو أحمد بن عدي: لم أر له حديثا منكرا جدا، فأحكم عليه بالضعف، وأرجو أنه لا بأس به، ولم أجد له أنكر من حديث: «الوضوء مما دخل وليس مما خرج»، ولعل البلاء فيه من الفضل بن المختار - يعني راويه عن ابن أبي ذئب -.
والمقصود بيانه، هو أن هذا الذكر الذي ذكر به أبو محمد بن شعبة مولى ابن عباس، يوهم فيه أنه من جملة من يترك حديثه، وليس كذلك.
وإن أردت أن يتبين لك قلة إنصافه في ذكره إياه، فانظر الحديث الذي
[ ٥ / ٣٢٦ ]
بعده متصلا به عنده، وهو حديث جميع بن عمير عن عائشة، وما كتبنا عليه في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها؛ فإنه سكت عنه، وحاله عندهم أسوأ من حال شعبة هذا، فاعلمه.
(٢٥٠٠) وذكر [حديث عائشة، أن النبي ﷺ قال: «وجهوا] هذه البيوت عن المسجد [فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»، من عند أبي داود، وقال: رواه من حديث] أفلت بن خليفة ويقال: فليت، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، ولا يثبت من قبل إسناده
[ ٥ / ٣٢٧ ]
لم يزد على ذلك، ولم يبين بما هو عنده ضعيف.
وهو حديث يرويه عبد الواحد ين زياد، قال: حدثنا أفلت، حدثتني جسرة بنت دجاجة، قالت: سمعت عائشة.
وعبد الواحد ثقة، ولم يعتل عليه بقادح، وأبو محمد يحتج به.
(٢٥٠١) وقد صحح من روايته حديث: «من توضأ خرجت الذنوب، حتى تخرج من أظفاره» من كتاب مسلم.
(٢٥٠٢) وحديث: «كل خطبة ليس فيها شهادة، فهي كاليد
[ ٥ / ٣٢٨ ]
الجذماء».
(٢٥٠٣) وحديث: «الأمر بالضجعة»، [من أبي داود]
[ ٥ / ٣٢٩ ]
(٢٥٠٤) وحديث: «إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد ولم يسكت».
(٢٥٠٥) وحديث: «توريث النساء دور المهاجرين».
(٢٥٠٦) وحديث: «المصراة وردة معها مثل أو مثلي لبنها قمحا».
تعرض منه لغيره، ولم يعرض له
[ ٥ / ٣٣٠ ]
(٢٥٠٧) وحديث: «فإن كان ذائبا فاستصبحوا به».
وغيرها من الأحاديث مما لم يجئ للخاطر الآن، وما أراه عناه في تضعيفه هذا الحديث.
فأما أفلت بن خليفة، أو فليت العامري، فقال ابن حنبل: ما أرى به بأسا، وقال فيه أبو حاتم: شيخ.
وأما جسرة بنت دجاجة، فقال فيها الكوفي: تابعية ثقة، وقول البخاري: إن عندها عجائب - لا يكفي لمن يسقط ما روت
(٢٥٠٨) ولما ذكر أبو محمد من طريق النسائي حديث ترديد النبي ﷺ:
[ ٥ / ٣٣١ ]
«إن تعذبهم فإنهم عبادك» حتى أصبح.
من حديث جسرة بنت دجاجة، قال بإثره: جسرة ليست بمشهورة.
وأراه أخذ ذلك من البزار؛ فإنه قال فيها: لا نعلم حدث عنها غير قدامة، ويجيء على نظر أبي محمد أن تكون مشهورة مقبولة، فإن حديث:
(٢٥٠٩) «لا أحل المسجد» رواه عنها أفلت، وهذا الآخر رواه عنها قدامة، وهو إنما قبل حديث [] من حاله أكثر من ذلك [] روى عن جسرة، روى عنه جماعة.
ولم أقل: إن هذا الحديث المذكور صحيح، وإنما أقول: إنه حسن، وكلامه هو يعطي أنه ضعيف، فاعلم ذلك.
(٢٥١٠) وذكر من طريق أبي داود أيضا حديث ابن عمر في التثويب أنه بدعة.
ثم رده بأن قال: أبو يحيى القتات ضعيف الحديث.
هكذا قال، وأبو يحيى القتات أحسن حالا من كثير ممن قبل، ممن تقدم ذكر أحاديثهم في باب الأحاديث المصححة بسكوته وفي غير موضع، ممن لا
[ ٥ / ٣٣٢ ]
تعرف أحوالهم، إلا أن أحدهم روى عنه أكثر من واحد، بل ومن المشاهير، كأسامة بن زيد، والدراوردي، وسهيل بن أبي صالح، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وشريك، ويحيى بن أيوب، وإبراهيم بن مهاجر، ومن لا يحصى كثرة.
وهذا الرجل الذي هو أبو يحيى القتات، قد روى عثمان الدارمي عن ابن معين أنه قال فيه: ثقة، وذلك مذكور في كتاب عثمان، وذكره أيضا المنتجالي.
وقال البزار: ما نعلم به بأسا، قد روى عنه جماعة من أهل العلم، وهو كوفي معروف.
ذكره إثر حديثه عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ:
(٢٥١١) «من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبخل بالمال أن ينفقه، وجبن عن العدو أن يجاهده، فليكثر ذكر الله».
والذي روى مفضل وابن أبي خيثمة عن ابن معين من أنه يضعف، وفي أحاديثه ضعف، إنما معناه بالقياس إلى غيره، ألا تراه قد قال فيه: ثقة، والثقات متفاوتون
[ ٥ / ٣٣٣ ]
وقد قلنا: إن ابن معين إذا قال في رجل معروف من أهل العلم: إنه ضعيف، فإن ذلك ليس تجريحا منه له، وإنما هو تفضيل لغيره عليه في الأغلب.
وقد يقوله باعتبار أوهام توجد له لا تسقط الثقة به، بخلاف ما إذا قال ذلك فيمن لا يعلم من عند غيره ممن لو لم نجد تضعيفه له، كنا نترك حديث [هـ للجهل بحاله، وهو إذا ضعف بذلك رجلا معروفا] أو غيره ضعفه، ينبغي أن لا يقبل [منه ذلك إلا بحجة بينة، وأبو يحيى القتات، اسمه] زادان، وقيل: عبد الرحمن بن دينار، وهكذا ذكره ابن أبي حاتم؛ فاعلمه.
(٢٥١٢) وذكر من عند الترمذي حديث رافع: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر».
وحسنه، وزعم أن عاصم بن عمر بن قتادة، وثقة أبو زرعة، وابن معين، وضعفه غيرهما.
وهذا أمر لا أعرفه، بل هو ثقة، كما ذكر عن ابن معين وأبي زرعة، وكذلك قال النسائي وغيره
[ ٥ / ٣٣٤ ]
ولا أعرف أحدا ضعفه، ولا ذكره في جملة الضعفاء.
وقد ترك أن يبين أن الحديث من رواية ابن إسحاق، وترك أن يورده من رواية ابن عجلان - بدلا منه - من عند أبي داود، وليس هو معنيه في قوله: «وقد روي بإسناد آخر إلى رافع، وحديث عاصم أصح».
وإنما يعني بذلك إسنادا آخر ليس من طريق عاصم، فأما طريق عاصم هذا فصحيح، ولم يصححه بقوله: «أصح». وإنما هو عنده حسن فقط، والله أعلم
(٢٥١٣) وذكر من طريق أبي داود أيضا، عن بكر بن سوادة الجذامي، عن صالح بن حيوان، عن أبي سهلة: السائب بن خلاد، من أصحاب النبي ﷺ: «إن رجلا أم قوما فبصق في القبلة» الحديث.
ثم قال: صالح بن حيوان لا يحتج به، وهو بالحاء المهملة، ومن قال: خيوان بالخاء المنقوطة فقد أخطأ، ذكر ذلك أبو داود ﵀
انتهى ما ذكر.
فأما قوله: «من قال بالخاء المنقوطة فقد أخطأ»، فهو قول أبي داود كما ذكر، وابن أبي حاتم جعله بالخاء المنقوطة، وكذا ذكره ابن الفرضي وقال: إنه يقال بالحاء يعني المهملة، ونسبه فقال: الخولاني، ويقال: السبائي، قال: وقال سعيد بن كثير بن عفير: من قال: الخولاني فبالخاء - يعني المنقوطة -، ومن قال: السبائي، فبالحاء - يعني المهملة -
[ ٥ / ٣٣٥ ]
وأما قوله: «لا يحتج به»، فهو من قبله، وإنه لمشبه أن يكون كما قال، ولم [يذكره أحد ممن ترجمه بأكثر من روايته عن السائب بن خلاد، ورواية بكر بن سوادة عنه، وذكروا] إنه ليس له غير هذا [الحديث عن السائب بن خلاد، وبذلك ذكره أيضا ابن أبي حاتم وقا] ل: إنه روى أيضا عن عقبة بن عامر.
وإنما ذكرت حديثه الآن في هذا الباب، مستدركا عليه، مصححا له؛ لأن الكوفي ذكره في كتابه فقال: صالح بن حيوان، تابعي ثقة.
فعلى هذا يكون الحديث صحيحا، لا سيما على أصله في قبوله أحاديث المساتير، وأحاديث من وثقه معدل، وإن لم يكن معاصرا.
وإن أبى إلا تضعيف هذا الخبر، فقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا أن مقتضاه روي صحيحا من حديث عبد الله بن عمرو، فاعلم ذلك.
(٢٥١٤) وذكر من طريق أبي داود، عن عروة بن الزبير، عن امرأة من بني النجار، قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه» الحديث.
ثم رده بأن قال: الصحيح الذي لا اختلاف فيه أن بلالا يؤذن بليل.
ويجيء على أصله أن يكون هذا صحيحا من جهة الإسناد؛ فإن ابن
[ ٥ / ٣٣٦ ]
إسحاق عنده ثقة، ولم يعرض له الآن إلا من جهة معارضة غيره، وهذا ليس من نظر المحدث، وإذا نظر به الفقيه تبين له منه خلاف ما قال هو: من أنه معارض، وذلك أنه لا يتحقق بينهما التعارض إلا بتقدير أن يكون قوله: «إن بلالا ينادي بليل» في سائر العام
وليس كذلك، وإنما كان ذلك في رمضان.
والذي نقول به في هذا الخبر، هو أنه حسن، وموضع النظر منه أن هذه النجارية، لا تعلم، وما ادعت لنفسها من مزية الصحبة، لم يقله عنها غيرها، والله أعلم.
(٢٥١٥) وذكر من طريق ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن المقدام، عن المقدام، عن أبيه شريح، أنه سأل عائشة: «أكان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير؟» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: يزيد بن المقدام ضعيف، ولكن يكتب حديثه.
فاعلم أن يزيد المذكور، لا أعلم أحدا قال فيه: ضعيف كما قال [أبو
[ ٥ / ٣٣٧ ]
محمد ونص] ما قال فيه أبو حاتم هو: [يكتب حديثه، ووثقه ابن معين في رواية الدوري]، وقد قال النسائي: ليس به بأس، فاعلم ذلك.
(٢٥١٦) وذكر من طريق الترمذي، عن عبد الحميد بن محمود، حديث: «الصلاة بين ساريتين»، وقول أنس: «كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ».
ثم قال: ليس عبد الحميد ممن يحتج بحديثه.
ولا أدري من أنبأه بهذا، ولم أر أحدا ممن صنف الضعفاء ذكره فيهم،
[ ٥ / ٣٣٨ ]
ونهاية ما يوجد فيه مما يوهم ضعفا، قول أبي حاتم الرازي - وقد سئل عنه -: هو شيخ.
وهذا ليس بتضعيف، وإنما هو إخبار بأنه ليس من أعلام أهل العلم، وإنما هو شيخ وقعت له روايات أخذت عنه.
وقد ذكره أبو عبد الرحمن النسائي، فقال فيه: ثقة، على شحه بهذه اللفظة،
والرجل بصري، يروي عن ابن عباس، وأنس، روى عنه يحيى بن هانئ - وهو أحد الثقات - وعمرو بن هرم، وابنه حمزة بن محمود، فاعلمه.
(٢٥١٧) وذكر من طريق النسائي عن الحجاج بن أبي زينب، قال:
[ ٥ / ٣٣٩ ]
سمعت أبا عثمان يحدث عن ابن مسعود قال: رآني رسول الله ﷺ وقد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ يميني فوضعها على شمالي.
ثم [قال]: حجاج ليس بقوي، ولا يتابع على هذا، وقد روي عنه عن أبي سفيان، عن جابر: مر رسول الله ﷺ برجل قد وضع شماله على يمينه.
ورواه محمد بن الحسن الواسطي عن الحجاج، ذكر ذلك أبو أحمد بن عدي
انتهى ما ذكر.
وهذا رد لهذا الحديث، وما مثله رد، فإن حجاج بن أبي زينب واسطي ثقة، قاله ابن معين، ويكنى أبا يوسف، ويعرف بالصيقل، وهو ممن أخرج له مسلم معتمدا روايته، وقد قال أبو أحمد - بعد تصفح رواياته -: أرجو أنه لا بأس به.
وما حكاه أبو محمد من أنه ليس بقوي، إنما هو قول النسائي، وقد علم معني النسائي في ذلك، أنه ليس [بأقوى ما يكون بالنسبة لغيرة، والثقات] متفاوتون، وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: «أخشى أن يكون ضعيف الحديث»، ذكره ذلك عنه ابنه. وهذا أيضا ليس بتضعيف.
وأما قول أبي محمد: ولا يتابع على هذا، فإنه أيضا نقله من عند
[ ٥ / ٣٤٠ ]
العقيلي.
وإنما يعني به العقيلي أن الحديث مرسل، وقد أشار النسائي إلى ذلك ولكن جعل المنفرد بوصله هشيما، فقال: غير هشيم أرسل هذا الحديث.
وذلك أن هشيما، هو الذي يرويه عن حجاج بن أبي زينب، فيصله، وغيره يرسله.
وقد ذكره الدارقطني من رواية محمد بن يزيد الواسطي، عن الحجاج ابن أبي زينب، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود موصولا كما رواه هشيم.
فإذن لم ينفرد هشيم بوصله.
وذكره أيضا من رواية محمد بن الحسن الواسطي، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر كما ذكره أبو أحمد.
وهذا الإسناد أيضا حسن، ولم يقل أبو محمد إثره شيئا يعتمد فيه.
ومحمد بن الحسن الواسطي، القاضي، أحد الثقات، روى هذا الحديث عنه ابن معين.
قال أبو أحمد: حدثناه يحيى بن صاعد، قال: حدثنا الفضل بن سهل، قال: حدثني يحيى بن معين فذكره.
وقال الدارقطني: حدثنا أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي حدثنا مضر ابن محمد، حدثنا يحيى بن معين، فذكره.
فالحديث إذن صحيح أو حسن من الطريقين جميعا - أعني طريق أبي عثمان
[ ٥ / ٣٤١ ]
عن ابن مسعود، وطريق أبي سفيان عن جابر - فاعلم ذلك.
(٢٥١٨) وذكر من طريق أبي داود حديث جابر «لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره».
ثم رده بأن قال: محمد بن ميمون لين الحديث، ومعلى بن منصور، رماه أحمد بن حنبل بالكذب، وكرر ذكر ذلك في معلى بن منصور أيضا، إثر حديث ابن عمر:
(٢٥١٩): «أرأيت لو أني طلقتها ثلاثا، أكان يحل لي أن أراجعها؟».
وهذا هـ[ونص مقالة أبي حاتم وأحمد فيه]: روى عن أبي حاتم أنه ق [ال فيه: كان صدوقا في الحديث، وكان صاحب رأي]، وروي عنه أنه قال: قيل لأحمد: لم لم تكتب عنه؟ فقال: كان يكتب الشروط، ومن يكتبها لم يخل من أن يكذب
[ ٥ / ٣٤٢ ]
هكذا حكاه أبو الوليد الباجي في كتابه في رجال البخاري، والأول حكاه عنه ابنه أبو محمد بن أبي حاتم في كتابه.
والذي حكاه الباجي أليق، ويوافق ما حكاه أبو داود في كتابه في السنن قال: كان أحمد لا يروي [عنه]؛ لأنه كان ينظر في الرأي، وابن معين يوثقه، وكذلك غيره.
وقد جهد أبو أحمد بن عدي أن يجد له شيئا ينكر عليه فلم يجده، وقال: إنه لا بأس به.
(٢٥٢٠) وقد نسي أبو محمد ما كتب فيه هنا، لما ذكر في النكاح من طريق أبي داود، حديث أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش، فمات عنها، فزوجها النجاشي رسول الله ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف.
فإنه سكت عنه مصححا له، ولم يبرز من إسناده أحدا، وإنما يرويه عند أبي داود معلى بن منصور المذكور.
وأما قوله في محمد بن ميمون: إنه لين الحديث، فهو أيضا أمر لا يتحصل، والثقات متفاوتون، والرجل لا بأس به
[ ٥ / ٣٤٣ ]
(٢٥٢١) وذكر حديث: «من نفخ فقد تكلم».
ورده بأن قال: عنبسة بن أزهر لا يحتج به.
والرجل أيضا لا بأس به، ولا أعرف فيه ما ذكر
[ ٥ / ٣٤٤ ]
(٢٥٢٢) وذكر من طريق أبي داود عن السلولي - وهو أبو كبشة - عن سهل بن الحنظلية في الالتفات [في الصلاة، وقال: الصحيح] في الالتفات حديث البخاري - يعني حديث عائشة -.
(٢٥٢٣) وذكر من طريق أبي داود أيضا، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي
[ ٥ / ٣٤٥ ]
كبشة السلولي، عن سهل بن الحنظلية، قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل وعنده ما يغنيه» الحديث.
ثم قال بإثره: يقال إن أبا كبشة هذا مجهول، ذكر ذلك أبو محمد، ولم يذكر مسلم في الكنى، ولا أبو محمد بن أبي حاتم في كتابه أيضا أبا كبشة السلولي الذي يروي عن سهل بن الحنظلية [إلا الذي يروي عنه حسان بن عطية، ولم] يذكرا له راويا آخر.
وأما أبو أحمد الحاكم، فقد ذكر في كتاب الكنى أبا كبشة السلولي، عن سهل بن الحنظلية، وعبد الله بن عمرو، روى عنه أبو سلام: ممطور الحبشي، وحسان بن عطية.
فإن كان أبو كبشة الذي ذكر أبو أحمد، هو الذي روى عنه أبو داود حديثه، من طريق ربيعة بن يزيد فليس بمجهول ولا أعرف غيره، والله أعلم
انتهى كلامه.
فاعلم الآن أن الحديث الأول، هو من رواية أبي سلام ممطور الحبشي
[ ٥ / ٣٤٦ ]
عن السلولي أبي كبشة المذكور.
والثاني هو من رواية ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة.
(٢٥٢٤) وذكر أيضا في الجهاد عن سهل بن الحنظلية مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة».
وسكت عنه، ولم يبين أنه من رواية أبي كبشة المذكور، رواه عنه ربيعة بن يزيد المذكور أيضا، ذكره أبو داود.
وأبو كبشة في هذه الأحاديث الثلاثة واحد، وهو أيضا الذي روى عنه حسان بن عطية، وأخرج البخاري حديثه في الهبة والأنبياء.
ولم تجر عادة المحدثين باستيعاب رواة المحدث إذا ذكروه، وإنما يذكرون منهم: إما من اشتهر بالأخذ عنه، أو من في روايته عنه تفخيم له، أو ما كان من ذلك متيسرا ممكنا، فليس ينبغي لمن نظر في كتب الرجال فرأى مثلا أبا كبشة السلولي روى عنه حسان بن عطية، أن يظن أنه لم يرو عنه غيره، بل قد يوجد ممن يروي عنه جماعة سوى من ذكر.
وأبو محمد ﵀ إنما يبحث في الرجال الذين لم يعرف أنهم ثقات عن تعدد الرواة عن أحدهم، فإن وجده قد روى عنه اثنان فأكثر، قبل روايته، وقد صرح بذلك في هذه المسألة، حيث قضى على أبي كبشة بما قضى به عليه
[ ٥ / ٣٤٧ ]
ابن حزم من أنه مجهو [ل لأنه لم يرو عنه إلا واحد عنده] وترجح فيه بما حكاه أبو [أحمد الحاكم من أنه روى عنه حسان بن] عطية وممطور الحبشي، حتى أنه لو تحقق ذلك قبل روايته، وقضى بثقتة.
هذه طريقته، وهي طريقة طائفة من المحدثين، فلما لم ير أبا كبشة مذكورا في كتب الرجال بأكثر من راوية حسان بن عطية عنه، ظنه مجهولا، وظن مع ذلك أن الذي روى عنه ربيعة بن يزيد هو غيره، فرآه أيضا مجهولا، ولم يزل له هذا الخيال كونه قد ذكر بأنه روى عن عبد الله بن عمرو، وثوبان، وسهل بن الحنظلية.
بل جوز أن يكون هناك رجلان، كل واحد منهما يكنى أبا كبشة، ويروي عن سهل بن الحنظلية، إلا أن أحدهما روى عنه أبو سلام، والآخر روى عنه ربيعة بن يزيد.
وينبغي على هذا القياس أن يكون هنالك ثالث، وهو الذي روى عنه حسان بن عطية، وهذا كله خطأ ممن ظنه، وإنما المخطئ الأول فيه ابن حزم، وتبعه هو، وإنما هو رجل واحد، وهو أبو كبشة السلولي، روى عن سهل بن الحنظلية، وعبد الله بن عمرو، وثوبان، وبهذا ذكره ابن أبي حاتم.
وروى عنه حسان بن عطية، وأبو سلام، وربيعة بن يزيد.
ولعله سيوجد غيرهم ممن روى عنه، وهو رجل لا يعرف له اسم، لكنه ثقة، وثقه الكوفي، روى ذلك عنه ابنه، ذكره المنتجالي، وأخرج له البخاري ﵀ كما قلناه
[ ٥ / ٣٤٨ ]
ولا معرج على ما اعترى أبا عبد الله بن البيع الحاكم فيه، حين سماه في كتابه: البراء بن قيس؛ فإن البراء بن قيس رجل آخر، اختلف في ضبط كنيته، فقيل: أبو كبشة - بالباء الواحدة والشين المعجمة - وقيل: أبو كيسة - بالياء المثناة والسين المهملة - وقد رد ذلك عليه باستيعاب وإحكام أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ في جملة ما خطأه فيه، فاعلم ذلك.
(٢٥٢٥) وذكر من طريق الدارقطني، من حديث محمد بن حسان
[ ٥ / ٣٤٩ ]
الأزرق، قال: حدثنا سفيان بن [عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن] أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: «الوتر حق واجب، فمن شاء أن يوتر بثلاث فليوتر، ومن شاء أن يوتر بواحدة فليوتر».
ثم أتبعه قول الدارقطني: إن قوله «واجب» ليس بمحفوظ، ولا أعلم أحدا تابع ابن حسان عليه
انتهى ما ذكر.
وهو كما ذكر، إلا أنه يجب أن تعلم أنه مما انفرد به الثقة، فإن محمد بن حسان الأزرق، ثقة صدوق، قاله أبو محمد بن أبي حاتم، وسمع منه هو وأبوه.
فإذن ليس هذا الحديث كما ينفرد به من لا يوثق، كما أوهمه سياق كلام أبي محمد
[ ٥ / ٣٥٠ ]
(٢٥٢٦) وذكر من طريق النسائي، عن أبي أيوب أيضا، أن رسول الله ﷺ قال: «الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة».
ثم قال: وقد رواه موقوفا على أبي أيوب، وهو أولى بالصواب.
وهذا أيضا هو كما ذكر، مختلف فيه، رفعه قوم عن الزهري، عن عطاء ابن يزيد، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ، ووقفه آخرون، وكلهم ثقة، فينبغي أن يكون القول فيه قول من رفعه؛ لأنه حفظ ما لم يحفظ واقفه.
فحديث النسائي المذكور، وهو من روايته عن العباس بن الوليد بن يزيد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، فذكره مرفوعا كما تقدم.
وهكذا رواه محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، ورواه هكذا مرفوعا عن الزهري - كما رواه الأوزاعي - دويد بن نافع، وزاد: «من شاء أوتر بسبع»، ذكره النسائي أيضا.
وكذلك رواه أيضا مرفوعا عن الزهري - كما روياه - بكر بن وائل، ذكره أبو داود.
وممن رفعه أيضا عن الزهري كذلك الزبيدي، وسفيان بن حسين.
وزعم ابن السكن [أن] الذين وقفوه عن الزهري، هم مالك، ومعمر،
[ ٥ / ٣٥١ ]
وابن [عيينة ] محمد بن حسان الأزرق من [].
ومما يبين مجيء هذا على أصله - أعني ما ينفرد به الواحد من الثقات - أنه ذكر بعده - متصلا به - حديث أبي بن كعب، من عند النسائي، أن النبي ﷺ:
(٢٥٢٧) «كان يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يأيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: سبحان الملك القدوس. ثلاث مرات، يطيل في آخرهن».
وصححه، ورأيته في كتابه الكيبر قال: قوله فيه: «ويقنت قبل الركوع» انفرد به الثوري وحده - يعني عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب.
وقبله مع ذلك، وصححه، فأصاب من وجه وأخطأ من آخر.
أما ما أصاب، فمن حيث لم ير انفراد الثوري به ضارا له، وأما ما أخطأ ففي قوله: إن الثوري انفرد بذلك.
وقد صحت الزيادة المذكورة من رواية غير الثوري، ذكرها الدارقطني من رواية فطر بن خليفة، عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، فاعلم ذلك
[ ٥ / ٣٥٢ ]
(٢٥٢٨) وذكر من طريق النسائي أيضا حديث أبي ذر: في ترديد النبي ﷺ: «إن تعذبهم فإنهم عبادك»
حتى أصبح.
من رواية جسرة بنت دجاجة عن أبي ذر، ثم أتبعه أن قال: جسرة ليست بمشهورة.
كذا قال وقد بينا في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين بماذا، أن جسرة هذه، معروفة، يوثقها قوم، ويتوقف في روايتها آخرون.
(٢٥٢٩) وذكر في الكسوف حديث أبي قلابة، عن النعمان بن بشير: «كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة».
وقال بإثره: اختلف في إسناد هذا الحديث.
لم يزد على [هذا، ومدار الاختلاف المذكور على أبي قلابة، فيروى] عنه عن النعمان، ويروى عنه، عن قبيصة بن المخارق الهلالي، ويروى عنه عن هلال بن عامر، عن قبيصة بن المخارق.
وهذا النوع من الاختلاف في الأسانيد لا يعدم في أعداد ما لم يعرض له بشيء من الأحاديث التي ذكر، فلا نراه علة، والله أعلم
[ ٥ / ٣٥٣ ]
(٢٥٣٠) وذكر من طريق أبي داود في ساعة الجمعة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: في إسناد هذا الحديث الجلاح مولى عبد العزيز بن مروان.
لم يزد على هذا
وظاهره أنه تضعيف منه للخبر؛ فإن ما هو عنده صحيح لا ينبه على أحد من رواته هذا النوع من التنبيه، اللهم إلا أن يقول: في إسناده فلان، وهو ثقة، أو ينفرد به فلان، وهو ثقة، فأما إذا قال: في إسناده فلان من غير مزيد، فأكثر ما يقول ذلك فيمن هو مشهور بالضعف، فيكون ذلك الخبر معتلا به.
وفي النادر يقع له أن يقول: في إسناده فلان، ويكون فلان المنبه عليه ثقة، وما وقع له من ذلك، فالظاهر فيه أنه غلط منه.
وقد تقدم التنبيه على الواقع له من ذلك.
والجلاح هذا، ينبغي على أصله أن يقبل روايته، فإنه عهد ذلك منه في أمثاله من المساتير الذين يروي عن أحدهم اثنان فأكثر، ولا يعلم فيه جرحة، ولا سيما فيما هو من أحاديث رغائب الأعمال، وليس مما فيه حكم، وهذا الحديث من ذلك
[ ٥ / ٣٥٤ ]
والجلاح المذكور، هو أبو كثير المصري، مولى عمر بن عبد العزيز، يروي عن حنش الصنعاني، وسعيد بن سلمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، روى عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وعبيد الله بن أبي جعفر، وابن لهيعة، وقد أخرج له مسلم ﵀ في كتابه.
ووثقه ابن عبد البر، وروي عن يزيد بن أبي حبيب أنه قال: كان رضا ذكر ذلك .. وليس في الإسناد من يسأل عنه سواه
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن الجلاح مولى عبد العزيز بن مروان، حدثه أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن، حدثه عن جابر. فذكره.
(٢٥٣١) وذكر من طريق الترمذي حديث بريدة: «لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي»
وقال الدارقطني: «حتى يرجع فيأكل من أضحيته».
[ ٥ / ٣٥٥ ]
وأتبع حديث الترمذي أن قال فيه غريب.
وترك من قول الترمذي: لا أعرف لثواب بن عتبة غير هذا الحديث.
وعندي أنه صحيح؛ لأن ثواب بن عتبة المهري، ثقة، وثقة ابن معين، رواه عنه عباس، وإسحاق بن منصور، وزيادة الدارقطني أيضا صحيحة إلى ثواب المذكور، من رواية عبد الصمد، ومسلم بن إبراهيم، وأبي عاصم عنه، وثواب يرويه عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فاعلم ذلك.
(٢٥٣٢) وذكر من طريق أبي أحمد بن عدي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق، قال: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «اغسلوا قتلاكم».
ثم قال: لم يذكر أبو أحمد لهذا الحديث علة، ولا قال فيه أكثر من قوله: ولم يكتبه بهذا الإسناد إلا عن ابن سابور.
وأخرج الحديث في باب حنظلة؛ لأنه ربما انفرد به، وحنظلة مشهور، وإسحاق بن سليمان ثقة.
والفضل بن الصباح، وابن سابور، وكتبتهما حتى أنظرهما
انتهى ما
[ ٥ / ٣٥٦ ]
ذكر.
وهو مخالف لما عهد به عاملا، مما تقدم التنبيه عليه في باب الأحاديث التي يعلها بقوم، ويطوي ذكر أمثالهم، ممن يمكن أن تكون الجناية من أحدهم، لا ممن أعله به، بينا هنالك أنه يحسن ظنه [بأبي أحمد، ويقتصر في تعليل الحديث بما يعله به في باب ولا يدري أن] أبا أحمد، يذكر الحديث في [باب رجل ويعله] به ويعرض عمن دونه ممن لم يذكره في بابه، وربما يكون فيهم من هو أولى بأن يضعف الخبر به من الآخر الذي ذكر في بابه.
وقد يكون من الأحاديث ما يذكره أبو أحمد في باب رجل ويضعف الخبر به، ويذكره أيضا من باب آخر ممن رواه عنه، ويجيز أن تكون الجناية منه، فيخفي ذلك على أبي محمد، فيعصب الجناية بأحدهما ولا يعرض للآخر، ولا يذكر أنه من روايته.
والذي عمل به في هذا الحديث أصوب؛ فإنه لم يمنعه ذكر أبي أحمد له في باب حنظلة بن أبي سفيان من أن يبحث عن غيره من رواته إلا أنه لم يوفق للصواب فيما نظر به في أمر الفضل بن الصباح، وابن سابور، فإنه وقع منه في ذلك تقصير، وقف به دون ما أعلم من أحوالهما.
ونصه في موضع آخر
وذلك أنه قال في كتاب الزكاة: رويت بالإسناد المتصل الصحيح إلى خالد بن عدي الجهني، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
[ ٥ / ٣٥٧ ]
(٢٥٣٣) «من جاءه من أخيه معروف» الحديث.
فصححه كما ترى، وهو إنما ذكر الحديث المذكور في كتابه الكبير حيث يذكر الأحاديث بأسانيدها، من طريق الفضل بن الصباح هذا، على ما بينته في باب الأحاديث التي أبعد النجعة في إيرادها.
والفضل بن الصباح المذكور، هو أبو العباس السمسار، سمع هشيم بن بشير، وسفيان بن عيينة، وأبا معاوية الضرير، وأبا عبيدة الحداد، ووكيعا، وابن فضيل، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، روى عنه شعيب بن محمد الذارع، وأحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق، وإبراهيم بن موسى بن الرواس، وعبد الله بن محمد البغوي، وأحمد بن الحسن الصباحي، وغيرهم.
قال أبو بكر بن ثابت الخطيب: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن إسماعيل الداودي، أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا عبد [الله بن محمد البغوي، حدثنا الفضل بن الصباح]- وكان من خيار عباد [الله - أخبرنا محمد ابن أحمد بن رزق، أخبرنا هبة الله بن محمد بن حسن الفراء، أخبرنا محمد ابن عثمان بن أبي شيبة.
وأخبرنا علي بن]. أحمد الرزاز، حدثنا أحمد بن
[ ٥ / ٣٥٨ ]
سلمان النجاد، حدثنا محمد بن عثمان، قال: وسألته - يعني يحيى بن معين - عن الفضل بن الصباح، فقال: ثقة.
أخبرنا على بن الحسين صاحب العباسي، أخبرنا عبد الرحمن بن عمر الخلال، حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسي، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الخالق بن منصور، قال: سألت يحيى بن معين عن الفضل بن الصباح، فقال: ثقة.
أخبرنا العتيقي، أخبرنا محمد بن المظفر، قال: قال عبد الله بن محمد البغوي: مات فضل بن الصباح سنة خمس وأربعين.
قرأت على البرقاني، عن أبي إسحاق المزكي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السراج، قال: مات الفضل بن الصباح، أبو العباس السمسار ببغداد، في رجب سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان لا يخضب، رأيته أبيض الرأس واللحية
انتهى ما ذكره به الخطيب.
وقد ذكره أبو محمد بن أبي حاتم ذكر من لم يعرفه، فقال: الفضل بن الصباح، روى عن أبي عبيدة الحداد، ومعن بن عيسى، وأبي معاوية الأسود، سمعت أبي يقول ذلك.
لم يزد على هذا، ولهذا - والله أعلم - جهل منه أبو محمد ما جهل، فإنه لو وجده عنده مذكورا برواية اثنين عنه فأكثر، قبل حديثه كسائر عمله في غيره،
[ ٥ / ٣٥٩ ]
وإن لم يوجد فيهم التعديل من الأئمة العارفين بهم، وهؤلاء هم عند ابن أبي حاتم المجاهيل الأحوال.
فهذا الرجل هو عند ابن أبي حاتم مجهول الحال، ولو عرف برواية جماعة عنه، وقد روى عن الفضل بن الصباح المذكور، أبو عيسى الترمذي في كتاب الفرائض.
ولعل أبا محمد كرر فيه نظرا حين كتب حديث خالد بن عدي الجهني في كتاب الزكاة فعرفه، أو جازف في تصحيحه ذلك الخبر، فالله أعلم.
وأما ابن سابور، فهو أبو العباس: أحمد بن عبد الله بن سابور بن [منصور البغدادي، الدقاق، قال الخطيب: سمع أبا ب [كر بن أبي شيبة، وأبا [نعيم عبيد بن هشام، وبركة بن محمد الحلبيين، وعبد] الله بن أحمد بن شبويه، المروزي، وسفيان بن وكيع بن الجراح، ونصر بن علي الجهضمي، وواصل بن عبد الأعلى.
وروى عنه عمر بن محمد بن سنبك، وأبو عمر بن حيوية، وأبو بكر الأبهري الفقيه، وغيرهم.
أخبرنا علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول: سألت أبا الحسن الدارقطني عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن سابور الدقاق، فقال: ثقة.
أخبرني الأزهري، قال: قال لنا محمد بن العباس الخزاز: مات
[ ٥ / ٣٦٠ ]
أبو العباس الدقاق: أحمد بن عبد الله بن سابور، يوم السبت بالعشي، ودفن يوم الأحد ضحوة، لعشر بقين من المحرم، سنة ثلاث عشر وثلاثمائة، انتهى ما ذكره به.
فهذان الرجلان ثقتان، ولم يبق في رجال الحديث المذكور مبحث.
ولكن قد صح حديث جابر الذي فيه: «إن شهداء أحد لم يغسلوا ولم يصل عليهم» فالله أعلم أن كان ذلك خاصا بهم.
(٢٥٣٤) وذكر من طريق أبي داود، في زيارة النساء القبور تشديدا لم يفسره، من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ.
قال: وفي إسناده ربيعة بن سيف، وهو ضعيف الحديث، عنده مناكير.
كذا قال، وهو شيء لا يوجد - في علمي - لغير أبي حاتم البستي، فهو الذي قال في ربيعة بن سيف المعافري هذا: لا يتابع؛ في حديثه مناكير.
فأما أبو حاتم الرازي، فليس له فيه شيء، وقد ذكره ابنه أبو محمد برواته من فوق ومن أسفل، وأهمله من الجرح والتعديل.
وأما النسائي فذكره في كتاب التمييز بحديثه هذا، وقال: ليس به
[ ٥ / ٣٦١ ]
بأس، وذكر حديثه أيضا في المصنف، والتشديد المذكور، مفسر في حديثه، ومبهم في حديث أبي داود.
وقد ذكرناه بنصه في باب الأحاديث التي ترك منها زيادات مفسرة لمجملها، أو مفسرة فائدة فيها، فاعلم ذلك.
(٢٥٣٥) وذكر في زكاة الحلي من طريق أبي داود عن أم سلمة: «ما بلغ أن تؤدى [زكاته فزكي، فليس بكنز».
وقال: في إسناد] هذا الحديث ثابت بن عجلان، ولا يحتج به كذا قال.
وإسناد هذا الحديث هو هذا: قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى بن
[ ٥ / ٣٦٢ ]
الطباع، قال: حدثنا عتاب، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز».
وقوله في ثابت بن عجلان: لا يحتج به، قول لم يقله غيره فيما أعلم، ونهاية ما قال فيه العقيلي: لا يتابع على حديثه.
وهذا من العقيلي تحامل عليه، فإنه يمس بهذا من لا يعرف بالثقة، فأما من عرف بها، فانفراده لا يضره، إلا أن يكثر ذلك منه.
وثابت بن عجلان المذكور هو أبو عبد الله الأنصاري، حمصي، وقع إلى باب الأبواب رأى أنس بن مالك، وحدث عن مجاهد، وعطاء، والقاسم ابن عبد الرحمن، وسليم أبي عامر، وسعيد بن جبير، وروى عنه جماعة.
قال بقية: قال لي ابن المبارك: أخرج إلي أحاديث ثابت بن عجلان، قلت: إنها متفرقة، قال: اجمعها لي، فجعلت أتذكرها وأملي عليه.
قال دحيم: ثابت بن عجلان، ليس به بأس، وهو من أهل أرمينية، روى عن القدماء: عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وقال أبو حاتم الرازي: ثابت بن عجلان لا بأس به، صالح الحديث، وقال النسائي: ثابت بن العجلان، ثقة
[ ٥ / ٣٦٣ ]
وما روي عن أحمد بن حنبل من أنه سئل عنه فقال: كان يكون بالباب والأبواب، قيل: أكان ثقة، فسكت، لا يقضي عليه منه؛ لأنه قد يسكت، لأنه لا يعرف حاله، ومن علم حجة على من لم يعلم، وقد يسكت لأنه لم يستحق عنده أن يقال فيه: ثقة، وليس إذا لم ينحل اسم الثقة فهو ضعيف، بل قد يكون صدوقا، وصالحا، ولا بأس به، وألفاظ أخر من مصطلحاتهم.
ولما ذكره أبو أ [حمد بن عدي لم يذكر له من الحديث إلا أحاديث] يسيرة من روايته، ولم [يمسه بشيء.
(٢٥٣٦) وأبو محمد نفسه، قد أو] رد حديث ابن عمر من طريق أبي داود في زكاة الماشية. من رواية سفيان بن حسين، عن الزهري.
وكلهم يقول فيه: لا يحتج به إما مطلقا، وإما فيما يروي عن الزهري.
فهلا كان هذا التوقف فيه وفي جماعة سواه، ممن ذكر بأشباه هذا؟
والحق أن من عرف بالطلب، وأخذ الناس عنه، ونقل ناقلون حسن سيرته بتفصيل أو بإجمال، بلفظ من الألفاظ المصطلح عليها - مقبول الرواية.
وأتبع هذا الحديث أن قال: وقد روي في أداء زكاة الحلي عن عائشة، وأم سلمة، وفاطمة بنت قيس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عمرو بن العاصي، قال أبو عيسى - وذكر حديث عبد الله بن عمرو بن
[ ٥ / ٣٦٤ ]
العاصي: ولا يصح في هذا الباب شيء
انتهى ما ذكر.
وهو محتاج إلى نظر؛ وذلك أن هؤلاء الذين قال: إن في الباب عنهم، منهم من لا يصح حديثه.
(٢٥٣٧) كحديث فاطمة بنت قيس؛ فإنه من رواية ضعفاء.
(٢٥٣٨) وكحديث ابن مسعود؛ فإن رافعه - قبيصة بن عقبة، صاحب الثوري - وإن كان رجلا صالحا، فإنه يخطئ كثيرا، وقد خالفه من أصحاب الثوري من هو أحفظ منه فوقفه.
فأما حديث أم سلمة فقد تقدم الآن ولا ينبغي أن يقال فيه: ضعيف.
(٢٥٣٩) وأما حديث عبد الله بن عمرو، فينبغي - على أصل أبي محمد - أن يقبله ويصححه، فقد عهد يقبل حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، إذا كان الرواي عنه ثقة.
وقد ذكرنا له من ذلك أحاديث، والترمذي إنما ضعف حديث عبد الله ابن عمرو؛ لأنه وقع له من رواية ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، عن عمرو، فضعفهما، وضعفه بهما، لا بعمرو بن شعيب
[ ٥ / ٣٦٥ ]
وللحديث إسناد صحيح إلى عمرو بن شعيب، قد احتج به أبو محمد.
قال أبو داود: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة المعنى، أن خالد بن الحارث، حدثهم قال: حدثنا حسين [المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت] رسول الله ﷺ، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان] من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا» قالت: لا، قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار»، قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ، وقالت: هما لله ولرسوله.
وهذا إسناد صحيح إلى عمرو، وعمرو عن أبيه، عن جده من قد علم.
وإنما ألزمته ما التزم.
والترمذي إنما ضعفه؛ لأنه لم يصل عنده إلى عمرو بن شعيب إلا بضعيفين كما ذكرناه.
والدارقطني أيضا الذي استوعب أحاديث هذا الباب، إنما ساقه من رواية حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، وذكره أيضا من رواية سفيان بن حسين بعد الموضع الذي جمع فيه أحاديث الباب مفردا.
وأبو محمد إنما نظر الحديث عند الدارقطني، وأغفل كتاب أبي داود
[ ٥ / ٣٦٦ ]
(٢٥٤٠) وأما حديث عائشة، فكذلك أيضا يلزمه منه ما التزم: من قبول روايات يحيى بن أيوب المصري أحيانا، وقد تقدم التنبيه على ما له فيه، وإنما اعتراه أيضا في حديث عائشة ما اعتراه في حديث في عبد الله بن عمرو، وذلك أن الدارقطني جهل من إسناده رجلا اتفق أن نسب إلى جده، فخفي عليه أمره، فضعف الحديث من أجله، فتبعه أبو محمد على ذلك، ولم يضع فيه نظرا.
قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز وقال: حدثنا محمد ابن هارون أبو نشيط، قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: حدثنا يحيى ابن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن محمد بن عطاء، أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهادي، قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل علي رسول الله ﷺ، فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: صنعتهن أتزين لك فيهن يا رسول الله، فقال: «أتؤدين زكاتهن؟» قالت: لا، أو ما شاء الله من ذلك؟ فقال: «هن حسبك من النار».
[قال الدارقطني: محمد بن عطاء هذا مجهول] وهو الذي رأى أبو محمد.
ومحمد [بن عطاء هذا، هو محمد بن عمرو بن عطاء، أحد الثقات]، وقد تبين أنه هو عند أبي داود
[ ٥ / ٣٦٧ ]
قال أبو داود: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء، أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهادي، أنه قال: دخلنا على عائشة، فذكر الحديث بنصه.
فالحديث كما كان إسنادا ومتنا، إلا أن أبا نشيط: محمد بن هارون، رواه عن عمرو بن الربيع بن طارق، فقال فيه: محمد بن عطاء، نسبه إلى جده.
فإما أن يكون ذلك منه، وإما أن يكون من عمرو بن الربيع بن طارق.
وأما أبو حاتم الرازي - إمام الجرح والتعديل - وهو محمد بن إدريس الذي عنه رواه أبو داود - فإنه بينه عن عمرو بن الربيع بن طارق، وقال فيه: محمد ابن عمرو بن عطاء، فارتفع الإشكال.
ولم يبين في الخبر المذكور أنه من راوية يحيى بن أيوب، وأبو محمد قد يصحح له أحاديث، وجماعة توثقه، وقد أخرج له مسلم، وإن كان يضعف فبالنسبة إلى من فوقه، وقد تقدم ذكره.
(٢٥٤١) وذكر في تعجيل الصدقة من طريق أبي داود عن علي، أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته
[ ٥ / ٣٦٨ ]
ثم قال: حجية بن عدي ليس ممن يحتج به
[ ٥ / ٣٦٩ ]
كذا قال في حجية أنه لا يحتج به، وليس كما قال، وإنما هو تبع فيه أبا حاتم الرزاي، سأله عنه ابنه فقال: «هو شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه بالمجهول، شيبه بشريح بن النعمان الصائدي، وهبيرة بن يريم».
وقال في باب شريح: إن شريح بن النعمان وهبيرة بن يريم شبيهان بالمجهولين، لا يحتج بحديثهما.
وهذا منه غير صحيح، ومن علمت حاله في حمل العلم وتحصيله، وأخذ الناس عنه، ونقلت لنا سيرته الدالة على صلاحه، أو عبر لنا بلفظ قام مقام نقل التفاصيل من الألفاظ المصطلح عليها لذلك كثقة، ورضا، ونحو ذلك - لا يقبل من قائل فيه: إنه لا يحتج به، أو ما أشبه ذلك من ألفاظ التضعيف [ولابد أن يضعفه] بحجة، ويذكر جرحا مف [سرا، وإلا لم يسمع منه ذلك، لا هو ولا] غيره كذلك، كما قد جرى الآن، فإنه - أعني أبا حاتم - لم يدل في أمر هؤلاء بشيء، إلا أنهم ليسوا بالمشهورين، والشهرة إضافية، قد يكون الرجل مشهورا عند قوم، ولا يشتهر عند آخرين.
نعم لو قال لنا ذلك من ألفاظ التضعيف فيمن لم يعرف حاله بمشاهدة أو بإخبار مخبر، كنا نقبله منه، ونترك روايته به، بل كنا نترك روايته للجهل
[ ٥ / ٣٧٠ ]
بحاله، لو لم نسمع ذلك فيه.
فحجية المذكور، لا يلتفت فيه إلى قول من قال: «لا يحتح به» إذا لم يأت بحجة، فإنه رجل مشهور، قد روى عنه سلمة بن كهيل، وأبو إسحاق، والحكم بن عتيبة، رووا عنه عدة أحاديث، وهو فيها مستقيم، لم يعهد منه خطأ ولا اختلاط ولا نكارة.
وقد قال فيه الكوفي: إنه الكوفي، تابعي، ثقة، وهو كندي.
وقد كان يجب على أبي محمد - باعتبار ملتزمة فيمن روى عنه أكثر من واحد إذا لم يسمع فيه تجريحا - أن يقبله، ولو لم يجد توثيقه.
والذي سمع فيه من ابن أبي حاتم لم يكن تجريحا، إنما كان جهلا بحاله، والعالم حجة على الجاهل، وهذا الذي ألزمته هو عمله وملتزمه.
(٢٥٤٢) من ذلك أنه لما ذكر حديث ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن
[ ٥ / ٣٧١ ]
عمرو، قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي».
أتبعه أن قال: ريحان بن يزيد، وثقه ابن معين
[ ٥ / ٣٧٢ ]
وصدق فيما نقل عن ذلك عن ابن معين، ولكن في الموضع الذي نقله منه عن ابن معين، قول أبي حاتم فيه: إنه مجهول.
فهو كما ترك قول أبي حاتم في ريحان: إنه مجهول - لما وجد فيه لابن معين أنه ثقة -، فكذلك يجب عليه هنا أن يقول: إن كان جهله أبو حاتم، فقد وثقه الكوفي، والله أعلم.
(٢٥٤٣) وذكر في صدقة الفطر حديث الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة ابن صعير [عن أبيه، عن النبي ﷺ.
وقال: وفي إسناده النعمان بن راشد] وبكر بن وائل وهما ضعيفان [إلا أن أبا حاتم يقول: بكر بن وائل صالح الحديث].
كذا [قال] وليس بشيء في حق بكر بن وائل، بل ما أعلم أحدا قال فيه: ضعيف، ولا ذكره في الضعفاء أحد ممن صنفهم، كالنسائي، والبخاري، والدارقطني، والساجي، والعقيلي، والبستي، وابن عدي، والمطرز، والترمذي، وقد روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم ما ذكر
[ ٥ / ٣٧٣ ]
وقال النسائي: بكر بن وائل كوفي، ليس به بأس.
وأين هو ممن قد احتج بهم ممن ذكرناه في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا، وقد تقدم في هذا الباب مثل عمله هذا، وعجب منه من تضعيفه من قد سمع فيه التوثيق، وذلك حين قال في نافع بن محمود: لم يذكره البخاري في تاريخه، ولا ابن أبي حاتم، ولا خرج له مسلم ولا البخاري شيئا، وقال فيه أبو عمر: مجهول، وهو قد سمع مخرج الحديث من طريقه يقول فيه: إنه ثقة.
وأما النعمان بن راشد، فهو ضعيف كما ذكر، بكثرة الوهم في الحديث، وإن كان صدوقا.
وفي كلامه المذكور تلفيق يخل بالنقل، قد كتبناه وبيناه في باب الأحاديث التي يظن من عطفها على أخر، أو إردافها؛ أنها إياها أنها مثلها في مقتضياتها، وليست كذلك.
(٢٥٤٤) وذكر حديث محمد بن كعب: «أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره، فدعا بطعام» الحديث.
وحسنه بتحسين الترمذي له
[ ٥ / ٣٧٤ ]
وعندي أنه صحيح، وقد وقع في بعض الروايات عن الترمذي تصحيحه.
وذلك أن إسناده هو هذا: قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، حدثني محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، فذكره.
(٢٥٤٥) وذكر من طريق الدارقطني عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه».
ثم قال: رواه عبد الرحمن بن [إبراهيم القاص، وقد أنكره عليه أبو حاتم، ووثق] وضعف.
كذا قال، وهو يروي [عن العلاء، وروى عنه جماعة ولا يتعين أن يكون الذي أنكره أبو حاتم عليه، هو هذا الحديث بعينه، ولعله حديث آخر.
قال أبو محمد بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ليس بالقوي، روى حديثا منكرا عن العلاء.
وقال أيضا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: عبد الرحمن ابن إبراهيم، كان قاصا من أهل المدينة، كان عنده كراسة، فيها للعلاء بن عبد الرحمن، وليس به بأس
[ ٥ / ٣٧٥ ]
والذي لأجله كتبته الآن هنا، إنما هو أن تعلم أن حال هذا الحديث لا بأس بها؛ لأن رجاله لا بأس بهم، وليس فيهم من يوضع فيه النظر إلا هذا القاص، وهو لا بأس به، وما جاء من ضعفه بحجة، واستضعافهم إياه، إنما هو بالقياس إلى غيره، فيقول قائلهم: ليس بالقوي.
وهكذا الحكم في كل من يحفظ دون حفظ غيره، وهم بلا شك متفاوتون، وحال هذا الرجل لا بأس بها.
قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، مدني، وكان ينزل كرمان، وهو ثقة.
وسئل أبو زرعة عنه فقال: لا بأس به، أحاديثه مستقيمة.
وقال البخاري: قال حبان: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثقة، منزله عند منزل الشقاقي بالبصرة.
وهكذا أيضا عند الدارقطني في نفس إسناد هذا الحديث عن حبان من توثيقه.
قال الدارقطني: حدثنا أبو عبيد: القاسم ين إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا علي بن مسلم قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن إبراهيم القاص - وهو ثقة - قال: حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «لا صوم بعد النصف من شعبان حتى
[ ٥ / ٣٧٦ ]
رمضان، ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه».
وإذا وجدت فيه عن ابن معين أنه قال: ليس بشيء فإنما معناه أنه قليل الرواية، وقد تفسر ذلك عنه في رجال [] عباس، وذكر له العقيلي [ ح] ديثا آخر.
وقال أبو أحمد بن عدي: لم يتبين في حديثه ورواياته حديث منكر فأذكره به.
وقال الدارقطني فيه: ضعيف.
والمقصود أن تعلم أنه مختلف فيه، والحديث من روايته حسن، والله أعلم.
(٢٥٤٦) وذكر من طريق الدارقطني عن عائشة: «أنها ساقت بدنتين فضلتا، فأرسل إليها ابن الزبير» الحديث.
ثم قال: لا يحتج بإسناده.
كذا قال، وليس ذلك على أصله؛ فإن إسناده هو هذا: قال الدارقطني: حدثنا القاضي بدر بن الهيثم، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية.
وحدثنا أبو بكر النيسابوري، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا
[ ٥ / ٣٧٧ ]
أبو معاوية، قال: حدثنا سعد بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته.
وكل من في هذا الإسناد ثقة، إلا سعد بن سعيد، أخا يحيى وعبد ربه ابني سعيد الأنصاريين؛ فإنه ضعيف، ولكن معنى ذلك أنه بالنسبة إلى من فوقه، وبالقياس إلى من هو أقوى منه
وقد أخرج له مسلم ﵀.
(٢٥٤٧) وقد صحح أبو محمد من روايته حديث: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال».
أورده من طريق مسلم
(٢٥٤٨) وحديث: «كسر عظم الميت، ككسره وهو حي»
من عند أبي داود.
ولم يبين في واحد منهما أنه من روايته، اعتمادا عليه وتصحيحا لما يرويه، وأظن أنه يخيل له في هذا الحديث أنه سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ وذلك أنه صرح بذلك بعد حديث يليه
[ ٥ / ٣٧٨ ]
وسعد بن سعيد هذا إنما يعرف بروايته عن أخيه عبد الله الذي يقال له: أبو عباد.
قال أبو حاتم الرازي: ولا يحدث عن غيره، وهو كما قال أبو حاتم، فيما أعلم.
ولا أعلم لأبي معاوية رواية عنه، وكلاهما مدني - أعني سعد بن سعيد المقبري، وسعد بن سعيد الأنصاري، فاعلمه
[ ٥ / ٣٧٩ ]
(٢٥٤٩) وذكر من طريق أبي داود عن ميمون بن بن جابان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الجراد من صيد البحر»
[ ٥ / ٣٨٠ ]
[وميمون بن جابان، ليس ممن يحتج] به.
لم يزد على هذا، وأبو داود قد جعله وهما، ولكنه اعتمد آخر، وليس بمعتمد، وذلك أنه أورد هذا الحديث هكذا: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا حماد، عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الجراد من صيد البحر».
ثم قال: إنه وهم.
ثم قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن كعب قال: «الجراد من البحر».
فمعتمده إذن إنما هو مخالفة موسى بن إسماعيل التبوذكي لمحمد بن عيسى بن الطباع. وكلاهما ثقة حافظ.
فالتبوذكي رواه عن حماد، فجعله من كلام كعب، وابن الطباع رواه عنه فجعله من كلام النبي ﷺ.
ولا بعد في أن يكون عند حماد فيه الأمران، فيرويهما عنه الرجلان.
فأما ما اعتمده أبو محمد في تضعيفه: من كون ميمون بن جابان لا يحتج به، فهو شيء سببه أنه رآه في المواضع التي يفزع إليها فيه وفي أمثاله، مذكورا برواية حماد بن سلمة عنه فقط، مهملا من الجرح والتعديل، فاعتقده مجهولا، كفعله فيمن لا يروي عنه أكثر من واحد.
وقد بينا عليه فيما قبل، أن من هؤلاء من يكون ثقة، وقد قبل هو
[ ٥ / ٣٨١ ]
جماعة منهم لما وثقوا، وإن لم يرو عن أحدهم إلا واحد.
وميمون هذا، قد قال فيه: الكوفي: إنه بصري ثقة، ذكره في كتابه؛ فاعلمه.
(٢٥٥٠) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر»
[ ٥ / ٣٨٢ ]
ثم أتبعه قول الترمذي فيه: إنه حديث حسن.
وإسناده عندي صحيح، ورواته كلهم ثقات.
قال الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع، عن أبي هريرة. فذكره.
نافع بن أبي نافع البراد مولى أبي أحمد، ثقة معروف، ومن جملة من وثقه ابن معين.
وروى هذا الحديث أيضا أبو داود، قال: حدثنا أحمد [بن يوسف،
[ ٥ / ٣٨٣ ]
حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبي نافع فذكره بم [تنه، فهو صحيح، والله أعلم.
(٢٥٥١) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «يمن الخيل في الشقر».
قال فيه: حسن غريب.
كذا قال، وعندي أنه صحيح، وذلك أن الترمذي يرويه هكذا: حدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا شيبان بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس
فذكره.
وكل هؤلاء ثقات.
وقال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا حسين بن محمد، عن شيبان، عن عيسى بن علي
فذكره
[ ٥ / ٣٨٤ ]
وليس في هذا الإسناد من يمكن أن يخفى حاله على من لم يمعن النظر إلا عيسى بن علي، وقد روى حاتم بن الليث عن ابن معين أنه قال: عيسى بن علي لا بأس به كان جميل المذهب، معتزلا للسلطان.
وابن معين قد قال عن نفسه: كل من أقول فيه: لا بأس به، فهو عندي ثقة.
ذكر الرواية عن ابن معين بتوثيقه، الخطيب بن ثابت.
ولما ذكر البزار هذا الحديث قال: وعيسى بن علي، لا نعلم حدث عن أبيه بحديث مسند غير هذا الحديث، ذكره عن شيبان عن عيسى.
والذي لأجله لم يقل الترمذي فيه: صحيح، ليس عندي بعلة، وذلك أنه قال في كتاب العلل: سألت محمدا عنه فقال: أراهم يدخلون بين شيبان وبين عيسى بن علي في هذا الحديث رجلا.
هذا ما ذكر، ولم يثبت ذلك، بل ثبت الآن في إسناد الترمذي قول شيبان: حدثنا عيسى، وذلك يرفع ما يتخوف من انقطاع ما بينهما، والله الموفق
(٢٥٥٢) وذكر من طريق الترمذي حديث ابن عباس: «خير الصحابة أربعة»
[ ٥ / ٣٨٥ ]
وقال فيه: حسن غريب، لم يسنده كبير أحد.
هذا ما اتبعه، ولم يتبين منه المانع من تصحيحه إياه، وبيان ذلك في كتاب الترمذي، وهو كو [نه عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلا، لا يذكر فيه] ابن عباس، ومعضلا لا [يذكر فيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس.
وهذا] ليس بعلة في الأخبار، فإنه لا بعد في أن يكون عند الزهري في ذلك أنه مسند، فيحدث به كذلك.
وينقسم الآخذون عنه إلى حافظ واع، يأتي به على ما حدثهم به، وإلى شاك في ذكر الصحابي، أو لا يتحقق من هو، فيسقطه ويصنع ذلك آخر في الصحابي والتابعي، فيعضل إرساله
وقد يمكن أن يكون ذلك من الزهري نفسه، أن يحدث به تارة مسندا، وتارة مرسلا، وتارة معضلا، إما لشك بعد تيقن، فأسقط ما شك فيه، أو لتحقق بعد تشكك، كما يجري في المناظرات والمحاورات من ترك أسانيد الأخبار، فسمعه منه الرواة كذلك، والله أعلم.
(٢٥٥٣) وذكر من طريق أبي داود عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ
[ ٥ / ٣٨٦ ]
قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل».
ثم قال بعده: يقال: إن هذا الكلام: «وما منا» إلى آخره، إنه من قول ابن مسعود
انتهى كلامه.
فأقول - وبالله التوفيق -: كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة، وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب وستمر منه أحاديث، ومن أشهرها قوله:
(٢٥٥٤) «وإلا استسعي العبد غير مشقوق عليه».
(٢٥٥٥) وقوله: «وإلا فقد عتق فيه ما عتق»
[ ٥ / ٣٨٧ ]
(٢٥٥٦) وقوله: «فإذا قلت ذلك، فقد قضيت ما عليك، فإن شئت أن تقوم فقم».
ولا أعرف أحدا قال في هذا الحديث ما ذكر أبو محمد، إلا سليمان ابن حرب، فإن البخاري حكى عنه في تاريخه أنه كان ينكر هذا الحرف أن يكون مرفوعا، وكان يقول: كأنه من كلام ابن مسعود، وهذا لا يقبل منه ولا من غيره، إلا أن يأتي في ذلك بحجة، كما التزم فيما يدعى فيه ذلك، والله أعلم.
(٢٥٥٧) وذكر من طريق النسائي عن عبد الله بن فيروز الديلمي أنه قال: «أتيت النبي ﷺ برأس الأسود العنسي» [الكذاب، قال أبو داود: في هذا أحاديث عن النبي ﷺ ولا يصح في] هذا الباب شيء
انتهى قوله
[ ٥ / ٣٨٨ ]
وقد ذكرنا هذا الحديث في جملة ما اعتراه الانقطاع في سياقه؛ وذلك انه سقط منه فيروز، فهو الذي جاء به، وهو قاتله، وخبره في ذلك بين عند الطبري وغيره، فأما ابنه عبد الله فتابعي.
والذي نريده الآن لهذا الباب، هو أن ما أتبعه - مما يوهم ضعفه - ليس بشيء، فإن رجال إسناده ثقات، ولا يصاخ إلى توهم الخطأ على أحد منهم إلا بحجة، ولم يكف في ذلك قوله: يقال: إن الخبر بقتل الأسود لم يجئ إلا إثر موت النبي ﷺ، فإن هذا لم يصح، إلا أن الأخباريين يقولونه، وإن أوردوه فبطرق لا تصح مرفوعة بهذا التصحيح، وعلى أنه ليس فيه نص أنه صادف به النبي ﷺ وقدم عليه به، بل يحتمل أن يكون معناه أنه أتى النبي ﷺ قاصدا إليه، وافدا عليه، مبادرا بالتبشير بالفتح، فصادفه قد مات ﷺ.
وإسناد الحديث المذكور عند النسائي هو هذا: أخبرنا عيسى بن محمد أبو عمير عن ضمرة - هو ابن ربيعة - عن السيباني - هو يحيى بن أبي عمرو - عن عبد الله الديلمي، عن أبيه، فذكره.
وما يقال من أن ضمرة لم يتابع عليه لا يضره؛ فإنه ثقة، ولأجل انفراده به قيل فيه: غريب، ولم يتبعه أبو محمد في كتابه الكبير أكثر من قوله: لم يتابع عليه - يعني ضمرة - فاعلم ذلك
[ ٥ / ٣٨٩ ]
(٢٥٥٨) وذكر من طريق الترمذي عن حماد بن زيد، قلت لأيوب: هل علمت أن أحدا قال: «أمرك بيدك ثلاث إلا الحسن؟ قال: لا، ثم قال: اللهم غفرا»
الحديث.
ثم رده بأن قال: كثير مولى بني سمرة مجهول، قاله أبو محمد بن حزم
انتهى ما ذكر.
وكثير هذا، هو مولى عبد الرحمن بن سمرة، ذكر أحمد بن سعيد بن حزم المنتجالي، عن الكوفي أنه قال فيه: ثقة.
فعلى هذا لا يكون الحديث ضعيفا، فأما ما ذكر [الترمذي من نسيان كثير مولى بني سمرة لهذا الحديث ف [لا علة فيه، وسنذكره فيما بعد.
(٢٥٥٩) [وذكر مرسل أبي رزين في الطلاق وفيه] فأين الثالثة؟ قال: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
وضعفه وهو صحيح، وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي أغفل نسبتها
إلى المواضع التي نقلها منها.
[ ٥ / ٣٩٠ ]
(٢٥٦٠) وذكر من طريق أبي داود عن معاذ بن جبل: «غزونا مع رسول الله ﷺ خيبر، فأصبنا فيها غنما، فقسم فينا رسول الله ﷺ طائفة، وجعل بقيتها في المغنم».
ثم قال: يرويه شيخ من أهل الأردن، يقال له: أبو عبد العزيز
انتهى ما ذكر.
كأنه لم يعرف أبا عبد العزيز هذا، فرمى الحديث من أجله.
وإسناد أبي داود هو هذا: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة، قال: حدثني أبو عبد العزيز: شيخ من أهل الأردن، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: «رابطنا مدينة قنسرين مع شرحبيل بن السمط، فلما فتحناها أصاب فيها غنما وبقرا، فقسم طائفة منها، وجعل بقيتها في المغنم، فلقيت معاذ بن جبل فحدثته، فقال:» غزونا
فذكره بنصه.
وكل رجاله ثقات، وأبو عبد العزيز، هو يحيى بن عبد العزيز الأردني، والد أبي عبد الرحمن الشافعي، الأعمى، صاحب الكلام المنسوب إلى البدعة، روى عنه يحيى بن حمزة، والوليد بن مسلم.
قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس
[ ٥ / ٣٩١ ]
وذكره البخاري، وسماه ابن الجارود كما سميناه، وذكر روايته عن عبادة بن نسي.
(٢٥٦١) وذكر من طريق أبي داود: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عاصم - يعني ابن كليب - عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر» الحديث الذي فيه: «إن النهبة ليست بأحل من الميتة».
هكذا ذكره بإسناده، كالمتبري من عهدته، فهو يشبه التضعيف له، وذلك [لا يجيء] على أصله؛ فإن رجاله ثقات، والاعتلال عليه بكون هذا الرجل
[ ٥ / ٣٩٢ ]
[ادعى الصحبة، ولا يقبل منه ادعاء تلك] المزية لنفسه، كما لا يقبل ممن قال عن نفسه: إنه ثقة، هو اعتلال صحيح، لكنه ليس على أصل أبي محمد، لما قيل في أمثاله مما قد استوعبناه بالذكر فيما تقدم.
وبهذا الاعتبار كتبناه الآن هنا، وأما عندي فليس بصحيح.
فأما لو شهد له التابعي بالصحبة، فحينئذ كانت تكون أقرب
على أنها أيضا محتملة، على ما قد بيناه قبل، فعد إليه.
وأما عاصم بن كليب وأبوه فثقتان، وأبو الأحوص وهناد لا يسأل عنهما.
ورأيته في كتابه الكبير لما ذكر الحديث قال بإثره: كليب بن وائل أدرك طائفة من الصحابة.
فهذا يفهم منه أنه صححه، فالله أعلم.
(٢٥٦٢) وذكر حديث الفريعة بنت مالك في مكث المتوفى عنها
[ ٥ / ٣٩٣ ]
زوجها في البيت الذي كانت تسكن فيه مع الزوج المتوفى، حتى يبلغ الكتاب أجله.
أتبعه تصحيح الترمذي له، وقول علي بن أحمد بن حزم: زينب بنت كعب مجهولة، لم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق، وهو غير مشهور بالعدالة.
وارتضى هو هذا القول من علي بن أحمد، ورجحه على قول ابن عبد البر: إنه حديث مشهور.
وعندي أنه ليس كما ذهب إليه، بل الحديث صحيح؛ فإن سعد بن
[ ٥ / ٣٩٤ ]
إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة.
وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد، والله أعلم.
(٢٥٦٣) وذكر من طريق الترمذي عن أنس بن مالك «أن رجلا من كلاب سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل» الحديث.
وأتبعه قول الترمذي فيه: حسن غريب.
وينبغي أن يقال فيه: صحيح، فإن إسناده هو هذا: حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، البصري، حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن هشام بن عروة، عن محمد بن إبراهيم، عن أنس.
وكل هؤلاء ثقات.
(٢٥٦٤) وذكر من ط [ريق الترمذي حديث عن أبي أيوب، أن النبي ﷺ قال: «من فرق] بين الجارية وولدها في ال [بيع» الحديث.
وقال: وذكر أبو داود عن علي أنه فرق بين جارية وولدها، وروي عن] علي بإسناد آخر ولا يصح؛ لأنه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن
[ ٥ / ٣٩٥ ]
الحكم، ولم يسمع من الحكم، ومن طريق محمد بن عبيد الله، عن الحكم، وهو ضعيف.
قال: وقد روي عن شعبة، عن الحكم، والمحفوظ حديث سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي
انتهى كلامه.
فأول ما فيه أنه لم يعز شيئا منه إلى موضعه، وجميعه من كتاب الدارقطني في السنن، وحكم على رواية شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، بأنها ليست بمحفوظة، وأن المحفوظ رواية سعيد بن أبي عروبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - يعني على ما بها من الانقطاع -؛ إذ لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم.
والمقصود أن نبين أن رواية شعبة صحيحة لا عيب لها، وأنها أولى ما اعتمد في هذا الباب.
قال الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا إسماعيل ابن أبي الحارث، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، قال: قدم على النبي ﷺ بسبي، فأمرني ببيع أخوين فبعتهما، وفرقت بينهما، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أدركهما فارتجعهما، وبعهما جميعا، ولا تفرق بينهما».
وقال في كتاب العلل: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث ومحمد بن الوليد الفحام قالا: حدثنا عبد الوهاب الخفاف، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي
[ ٥ / ٣٩٦ ]
قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي فأمرني ببيع أخوين، فبعتهما وفرقت بينهما، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أدركهما، فارتجعهما، وبعهما جميعا، ولا تفرق بينهما».
فهذا كما ترى إسماعيل بن أبي الحارث ومحمد بن الوليد الفحام، كلاهما [يرويه عن عبد الوهاب الخفاف، وكل رواته ثقات] وإسماعيل بن أبي الحارث منهم، هو [ثقة أيضا، ومن أجله لم يحكم أبو محمد على] هذا الحديث بالصحة، وهو إسماعيل بن أسد بن شاهين، قال فيه أبو حاتم: «ثقة صدوق».
وذكر الخطيب بن ثابت عن الدارقطني أنه قال فيه: «ثقة صدوق، ورع فاضل».
وذكر الدارقطني أن علي بن سهل، رواه أيضا عن عبد الوهاب، عن شعبة، كما روياه، فاعلم ذلك.
(٢٥٦٥) وذكر من طريق الدارقطني، عن محمد بن طريف، عن ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «[لا بأس] ببيع خدمة المدبر إذا احتاج».
ثم قال: هذا خطأ من ابن طريف، والصواب: عن عبد الملك بن أبي
[ ٥ / ٣٩٧ ]
سليمان، عن أبي جعفر مرسلا.
هذا ما ذكره به، وهو كلام الدارقطني، ولا ينبغي أن يحمل في ذلك على ابن طريف، وإن كان فيه خطأ فهو من ابن فضيل، فإنه هو الذي خولف فيه، عن عبد الملك بن أبي سليمان، خالفه يزيد بن هارون فقال: حدثنا عبد الملك ابن أبي سليمان عن أبي جعفر، قال: «باع رسول الله ﷺ خدمة المدبر».
ولا بعد في أن يكون عند عبد الملك بن أبي سليمان حديثان: أحدهما عن أبي جعفر مرسلا «أن النبي ﷺ باع خدمة المدبر» هكذا من فعله ﵇.
والآخر عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا بأس ببيع خدمة المدبر إذا احتاج» هكذا من قوله ﵇.
فإنهما حديثان، بل لا بعد في أن يروى كذلك مرسلا ومسندا قوله في المدبر، أو فعله فيه، حتى يكون حديثا واحدا يسند ويرسل، وليس من قصر به فلم يسنده حجة على من حفظه فأسنده، إذا كان ثقة.
ومحمد بن طريف، ومحمد بن فضيل صدوقان مشهوران من أهل العلم، فلا ينبغي أن يخطأ أحد منهما فيما جاء به من ذلك، والله أعلم.
(٢٥٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن حميد الأعرج، عن [طارق المكي، عن جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله]ﷺ في امرأة [من الأنصار، أعطاها ابنها حديقة من نخل فماتت] فقال ابنها: إنما أعطيتها
[ ٥ / ٣٩٨ ]
حياتها، وله أخوة، فقال رسول الله ﷺ: «هي لها حياتها وموتها»، قال: كنت تصدقت بها عليها قال: «ذلك أبعد لك منها».
ثم قال الصحيح في هذا ما أخرجه مسلم عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل أعمر رجلا عمرى له ولعقبه» الحديث.
فكان هذا مسا منه للحديث الأول، وما به علة، بل هو صحيح.
إسناده عند أبي داود هكذا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن حميد الأعرج، فذكره.
وكل هؤلاء ثقات مشاهير، وطارق منهم، هو قاضي مكة، وهو مولى عثمان بن عفان ﵁ وهو أيضا ثقة، قاله أبو زرعة.
(٢٥٦٧) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوضه منها بعض العوض، فتسخطه، فسمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «إن رجالا من العرب، يهدي أحدهم الهدية فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه، فيظل يتسخط علي، وايم الله لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية، إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي».
زاد أبو داود «أو مهاجري»
[ ٥ / ٣٩٩ ]
قال: وللترمذي أيضا عن أبي هريرة «أن أعرابيا أهدى لرسول الله ﷺ بكرة فعوضه منها ست بكرات» الحديث.
وقال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي، أو أنصاري، أو دوسي».
ثم قال: ليس إسناد هذا الحديث بالقوي، وكذلك الذي قبله. انتهى ما ذكر.
وفيه تغيير، وذلك في قوله: زاد أبو داود: «أو مهاجري» قد بيناه في باب الأسماء المغيرة عما هي عليه.
[ويعني بعدم قوة إسناده، أن سعيد المقبري وأحمد بن خالد الوهبي] ليسا بالقويين، وهو قول إنما [تبع فيه أبا محمد بن حزم، وهذا الحديث يرويه] الترمذي، عن محمد بن إسماعيل البخاري، عن أحمد بن خالد - هو الوهبي - عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وكم حديث قد احتج به من رواية ابن إسحاق، ولا يبين أنه من روايته، بما قد بينا جميعه فيما تقدم.
وأحمد بن خالد الوهبي أيضا، قد كان فرط لابن حزم فيه قول بأنه مجهول وذلك لأنه جهله وهو ثقة
[ ٥ / ٤٠٠ ]
وقد قبل أبو محمد عبد الحق الحديث الذي رد ابن حزم من أجله، وعلم من حاله ما جهل ابن حزم، وهو حديث زيد بن ثابت.
(٢٥٦٨) «نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم».
فإنه من رواية أحمد بن خالد الوهبي المذكور، عن ابن إسحاق، فما باله يرده ها هنا؟
وهذا كله إنما هو إلزام له ما التزم، وإلا فحق الحديث أن يقال له: حسن.
وزيادة: أبي داود «أو مهاجري» أيضا من رواية سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق كذلك.
وأما الحديث الثاني فيرويه الترمذي هكذا: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أيوب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة
فذكره.
ولا أحصي كم حديث قبل من رواية المقبري، عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه، وأصاب في ذلك، فإنه قد سمع من أبيه عن أبي هريرة، وسمع أيضا من أبي هريرة كما سمع أبوه، فهو يروي عنه بواسطة أبيه، وبلا واسطة.
وقد صحح الترمذي القول في أيوب راويه بأن قال: ويزيد بن هارون، يروي عن أيوب أبي العلاء، وهو أيوب بن مسكين، ويقال: ابن أبي مسكين، ولعل هذا الحديث الذي رواه عن أيوب، هو أيوب أبو العلاء
انتهى كلامه.
وما ينبغي فيه تردد أنه أيوب أبو العلاء، وهو ثقة، وثقة النسائي، وأحمد بن حنبل، وزاد أنه رجل صالح
[ ٥ / ٤٠١ ]
وقال فيه أبو حاتم: شيخ صالح لا بأس به، يكتب حديث [هـ ولا يحتج به
ووثقه أيضا ابن سعد.
وقول أبي حاتم فيه: لا] يحتج به، لا يلتفت إليه إذا ل [م يفسره، كسائر الجرح المجمل، وهذا الحديث لم يعل] عليه بقادح.
وقول الترمذي لحديث ابن إسحاق المذكور: إنه حسن، [وهو] أصح من حديث يزيد بن هارون هذا، إنما هو باعتبار ثبوت والد سعيد المقبري بينه وبين أبي هريرة، فرجحه لأجل ذلك على حديث يزيد بن هارون الذي سقط منه ذكره، فاتبعه أبو محمد، وفهم عنه تضعيف الحديثين، وما بهما ضعف، فاعلم ذلك.
(٢٥٦٩) وذكر أيضًا حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: «يرد من صدقة الجانف، في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته».
ساقه من طريق أبي داود من رواية عروة عنها، ثم قال: الصحيح عن عروة مرسلا عن النبي ﷺ ويروي عن عروة قوله، وقد روي موقوفا على
[ ٥ / ٤٠٢ ]
عائشة
انتهى ما ذكر.
وهو ترجيح رواية بعض الرواة على بعض بغير حجة، فإن الذي أسنده إذا كان ثقة، لم يضره مخالفة من خالفه.
وهذا الحديث ذكره أبو داود في المراسيل هكذا: حدثنا العباس بن الوليد ابن مزيد، حدثنا أبي، عن الأوزاعي، قال: إن الزهري حدثني عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته»
وهذا الإسناد صحيح.
ثم قال أبو داود: حدثنا العباس، قال: حدثنا به مرة عن عروة، ومرة عن عروة عن عائشة، ومرة عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ.
قال أبو داود: لا يصح رفعه.
هذا ما ذكر، وعندي أنه ليس بضار له، وقد سئل الدارقطني عنه فقال: يرويه الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة قوله: ليس فيه عن عائشة ولا النبي ﷺ، كذلك رواه يحيى بن حمزة، والوليد بن مسلم، وغيرهما عن الأوزاعي
انتهى ما ذكر.
والوليد بن مزيد أحد [الثقات الأثبات، من أصحاب الأوزاعي، و] لا يضره مخالفة من قصر به، ورأيت [] اة ولعله تصحف
[ ٥ / ٤٠٣ ]
(٢٥٧٠) وذكر من طريق الدارقطني عن محمد بن سعيد، عن عمرو ابن شعيب، قال: أخبرني أبي عن جدي، أن رسول الله ﷺ قام يوم فتح مكة فقال: «لا يتوارث أهل ملتين، والمرأة ترث من دية زوجها» الحديث.
ثم قال: ومحمد بن سعيد، أظنه المصلوب، وهو متروك عند الجميع.
كذا قال، والدارقطني قد بين في كتابه أنه الطائفي، وقال فيه: ثقة، وإنما خفي على أبي محمد أمره؛ لأنه أورده بإسناده وفرغ منه، ثم اتبعه تركيبة ولم يذكر متنها ولكنه قال: بإسناده مثله، ثم قال: إنه محمد بن سعيد الطائفي، وهو ثقة.
فانتهى أبو محمد بالنظر إلى آخر الحديث، ولم يتماد بالنظر إلى التركيبة وما بعدها، فأغفل، والله الموفق.
(٢٥٧١) وذكر من طريق النسائي، عن عكرمة بن خالد المخزومي، المكي، عن أسيد بن ظهير حديث: «من وجد ما سرق منه، يأخذه بثمنه إن كان الذي هو في يده غير متهم».
ثم قال: عكرمة بن خالد ضعيف الحديث.
كذا قال، ولن أبلغ من بيان أمر هذا الحديث ما أريد، إلا بأن تكون منك
[ ٥ / ٤٠٤ ]
إصاخة إن لم تكن ببحثك عنه مشاركة.
فاعلم أنه حديث لا علة به، وقد غلط في تضعيفه ابن حزم وكان له عذر، وتبعه أبو محمد عبد الحق بغير عذر.
وعذر ابن حزم فيه، هو أن له اعتناء بكتاب أبي يحيى الساجي حتى لا ختصره، ورتبه على الحروف، وشاع اختصاره المذكور لنبله، وكان في كتاب الساجي تخليط لم يأبه له ابن حزم حين الاختصار، فجر لغيره الخطأ.
والأمر فيه ما أصف لك، وذلك أن هناك رجلين مخزوميين، كل واحد منهما يقال له: عكرمة بن خالد.
أحمدهما عكرمة بن خالد بن سعيد بن العاصي، وهو تابعي، يروي عن ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وروى عنه عمرو بن دينار وإبراهيم ابن مهاجر وا [بن جريج، وحنظلة بن أبي] سفيان، وهو أخو الحارث ابن خالد الشاعر.
قال البخاري: ومات بعد عطاء وهو ثقة، وثقة ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، والكوفي، ولم يسمع فيه بتضعيف قط
[ ٥ / ٤٠٥ ]
قال مصعب الزبيري: وكان من وجوه قريش.
وهذا هو راوي الحديث المذكور عن صحابيه: أسيد بن ظهير، رواه عنه ابن جريج بينا في كتاب عبد الرزاق، ومن عنده نقله النسائي.
وقبله عند عبد الرزاق سؤال ابن جريج لعطاء عن مسائل من الاستحقاق، وأردفها الحديث المذكور عن عكرمة بن خالد المذكور.
وهذا الرجل أخرج له البخاري ومسلم رحمهما [الله]، وما عاب ذلك أحد على واحد منهما لثقته وأمانته.
وهناك مخزومي آخر يقال له عكرمة بن خالد بن سلمة، يروي عن أبيه، ويروي عنه مسلم بن إبراهيم، ونصر بن علي، وهو منكر الحديث.
وممن قال فيه ذلك البخاري وأبو حاتم، وهذا هو الذي يذكره الناس في جملة الضعفاء، وكان حريا بأن يذكره الساجي في كتابه في الضعفاء، إلا أنه لما أراد ذلك، غلظ بأن ترجم في المكيين باسم الأول، ثم خرج إلى ذكر الثاني.
ونص الواقع عنده من ذلك هو هذا: ومنهم عكرمة بن خالد بن هشام بن سعيد بن العاصي بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، ضعيف الحديث نزل البصرة.
فأما خالد بن سلمة فثقة
قال أحمد بن حنبل: خالد بن سلمة المخزومي ثقة.
روى عنه عكرمة حديثا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٥ / ٤٠٦ ]
(٢٥٧٢) «لا تضربوا الرقيق؛ فإنكم لا تدرون ما توافقون».
هذا نص ما ذكر، فترجم باسم الأول، ثم عاد إلى ذكر الثاني، فالذي كان في خياله إنما هو الثاني، فقال عنه: ضعيف الحديث كما هو عندهم، [وتمم ذكره بذكر أبيه: خالد بن سلمة فذكر أنه] ثقة، وأن ابنه عكرمة روى [عنه وعن مسلم بن إبراهيم] وهذا أدل دليل على أنه لم يرد الأول؛ فأنه لو أراده لم يكن للخروج إلى ذكره والد الثاني معنى، ولأنه لا يصح أن يريد الأول؛ فإنه ليس بضعيف، فكيف يذكر في الضعفاء؟
ويلزم أبا محمد إن لج في تضعيفه عكرمة بن خالد راوي الحديث المذكور، أحد أمرين: إما أن يبت أنه عكرمة بن خالد بن سلمة الضعيف، وإما أن يعترف بأنه عكرمة بن خالد بن سعيد العاصي.
فإن بت بأنه عكرمة بن خالد بن سلمة، كان الخطأ منه في ذلك بينا، بتبين طبقته، وإحاطة العلم بأن سنه لم تدرك الرواية عن الصحابة.
وإن اعترف بأنه عكرمة بن خالد بن سعيد، فسيلزمه أن يقر من ثقته بما وصفه الناس به
[ ٥ / ٤٠٧ ]
فإن ذهب إلى تضعيفه، طولب بنقل ذلك عن غيره، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، ثم يلزمه تضعيفه ما وقع له من روايته مما هو في كتاب البخاري ومسلم.
(٢٥٧٣) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «في دية أصابع اليدين والرجلين سواء، عشرة من الإبل لكل إصبع».
ثم قال فيه: حسن غريب.
كذا قال، ولا أعلم له علة تمنع من تصحيحه.
قال الترمذي: حدثنا أبو عمار، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس
فذكره.
وكل هؤلاء ثقات على أصله، وليس ينبغي له أن يعتل عليه باختلافهم في عكرمة؛ لأنه قد قبله واحتج به في أحاديث كثيرة، نذكره منها أقربها من هذا الموضع.
(٢٥٧٤) وهو حديث ابن عباس «في الثنية والضرس، هذه وهذه سواء، والأصابع سواء»
[ ٥ / ٤٠٨ ]
(٢٥٧٥) وحديث حسين بن واقد المذكور، عن يزيد النحوي المذكور، عن عكرمة؛ عن ابن عباس، قال: «كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ فأزله الشيطان» الحديث.
ذكر [هـ ].
فإن ما قيل في عكرمة هو في الحقيقة شيء لا يلتفت إليه، ولا يعرج أهل العلم عليه، فالحديث على أصله ينبغي أن يكون صحيحا، فاعلم ذلك.
(٢٥٧٦) وذكر من حديث شبه العمد من عند أبي داود، وذكر الخلاف فيه، ثم قال: إن عقبة بن أوس، ويعقوب بن أوس واحد، وهو الذي يروي عنه القاسم بن ربيعة، وليس بمشهور.
كذا قال، وقد ذكره الكوفي في كتابه فقال: عقبة بن أوس، بصري، تابعي، ثقة
[ ٥ / ٤٠٩ ]
فعلى هذا يكون الحديث صحيحا من رواية عبد الله بن عمرو بن العاصي، ولا يضره الاختلاف.
فأما من رواية عبد الله بن عمر، فلا يكون صحيحا؛ لضعف علي بن زيد ابن جدعان
(٢٥٧٧) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة».
قال فيه: حسن غريب.
كذا قال، وهو عندي صحيح؛ فإن رجاله ثقات.
قال أبو عيسى: حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن العلباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس
فذكره.
علباء بن أحمر ثقة، وسائرهم لا يسأل عنهم.
(٢٥٧٨) وذكر من طريق أبي داود، حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني، قال: سمعت النعمان يقول: عن طاوس، عن
[ ٥ / ٤١٠ ]
ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «[كل] مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخس صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: صديد أهل النار
ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرامه، [كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال».
لم] يزد على ذكره هكذا، بارز [الإسناد، وعرضه لنظر الناظر، كالمتبرئ فيه من العه] دة، فإنه عهد فيما هو صحيح بل فيما هو حسن، بل فيما هو ضعيف من الترغيب والترهيب، يكتبها مقتصرا على صاحبيها
فمتى ذكر حديثا بسنده، فقد عرضه لنظرك وتبرأ لك من عهدته.
وليس هذا الحديث عندي بضعيف، بل هو صحيح، فقد كان يجب أن يذكره بغير إسناد.
والنعمان هو ابن أبي شيبة الجندي الصنعاني، ثقة مأمون، كيس، وإبراهيم بن عمر الصنعاني، ثقة أيضا، وسائرهم لا يسئل عنه، فاعلم ذلك.
(٢٥٧٩) وذكر حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ: «كان يلبس النعال
[ ٥ / ٤١١ ]
السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران».
ثم أتبعه أن قال: قد صح أن النبي ﷺ نهى عن التزعفر للرجال.
فأوهم بهذا القول ضعف حديث ابن عمر، وما به من ضعف، بل إسناده عند أبي داود هكذا: حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا ابن أبي راود، عن نافع، عنه، فذكره.
وعمرو بن محمد، هو العنقري ثقة، وعبد الرحيم بن مطرف أبو يوسف الرؤاسي كذلك.
(٢٥٨٠) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:
[ ٥ / ٤١٢ ]
«إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر».
قال فيه: حسن غريب.
كذا ذكره، وهو عندي محتمل أن يقال فيه: صحيح.
قال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان [عن أبيه] عن مكحول، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن ابن عمر. فذكره.
جبير بن نفير ثقة، وثقة الرازيان، زاد أبو حاتم: وهو من كبار التابعين القدماء.
وثابت بن ثوبان، قال فيه ابن حنبل: شامي ليس به بأس.
وابنه عبد الرحمن، قال فيه ابن معين: صالح الحديث، ووثقه أبو حاتم.
وقال أبو زرعة: لا بأس به
[ ٥ / ٤١٣ ]
وقال ابن حنبل: أحاديثه مناكير
وأظن أنه إنما قال الترمذي فيه: حسن، من أجل [هذا، فالله أعلم.
(٢٥٨١) وذكر] من عند الترمذي أيضا ح [ديث أنس أن النبي ﷺ قال: «كل] ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».
قال فيه: غريب
وهو عندي صحيح؛ فإن إسناده هو هذا: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا علي بن مسعدة الباهلي، حدثنا قتادة، عن أنس.
وعلي بن مسعدة صالح الحديث، قاله ابن معين، وغرابته هي أن علي ابن مسعدة، ينفرد به عن قتادة.
(٢٥٨٢) وحديثه الآخر عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «الإيمان في القلب، والإسلام ما ظهر» أو قال: «علانية»
[ ٥ / ٤١٤ ]
قال البزار: حديثا علي بن مسعدة، لا نعلم رواهما عن قتادة غيره، وهو أبو حبيب الباهلي.
(٢٥٨٣) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء».
وقال فيه: حسن.
وينبغي أن يكون على أصله صحيحا، فقد صحح من رواية عمران القطان أحاديث، أقربها إلى موضع هذا الحديث، حديث أنس أن النبي ﷺ قال:
(٢٥٨٤) «يعطي المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع» الحديث.
وقد ذكرنا إسناده في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها.
(٢٥٨٥) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: «إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك».
ثم أتبعه أن قال: رواه سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع،
[ ٥ / ٤١٥ ]
عن ابن عمر هكذا.
ورواه معمر، وابن جريج، عن إسماعيل مرسلا، والإرسال أكثر
انتهى ما ذكر.
وقد أوهم بهذا القول ضعف الخبر، وأعطى في تعليله أنه إنما هو مرسل، وهو عندي صحيح؛ فإن إسماعيل بن أمية، أحد الثقات، فلا يعد منه إرسال الحديث تارة، ووصله أخرى اضطرابا، فإنه يجوز للمحدث الذي [هو حافظ، ثقة] أن يقول: قال رسول الله ﷺ[] فتراه متصلا
فإذا ذاكر به ذاكر به دون إسناد، وإذا حدث به من كتابه أو من حفظه على معنى التحمل والتأدية، حدث به بسنده.
وإنما يعد هذا اضطرابا ممن لم نثق بحفظه، والثوري أحد الأئمة، وقد وصله عنه كما ذكر وهو من رواية أبي داود الحفري، عن الثوري، وهو ثقة.
ورواه وكيع عن الثوري، عن إسماعيل بن أمية مرسلا، كما رواه ابن جريج ومعمر، ذكر ذلك كله الدراقطني في كتاب السنن.
والإسناد إلى أبي داود الحفري صحيح.
قال الدارقطني: حدثنا الحسن بن أحمد بن صالح الكوفي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصيرفي، حدثنا عبدة بن عبد الله الصفار، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ
فذكره
[ ٥ / ٤١٦ ]
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن جعفر، أبو إسحاق الكندي، الصيرفي، هو الذي يعرف بابن الخنازيري وهو أخو أبي بكر، وكان الأصغر، حدث عن عمرو بن علي الفلاس، ومحمد بن المثنى، والفضل بن يعقوب الجزري، وعبدة بن عبد الله الصفار، والحسين بن بيان الشلاتائي، وزيد بن أخزم الطائي، وزياد بن يحيى الحساني، ونحوهم، روى عنه أحمد بن تاج الوراق، وأبو عمر بن حيويه، ومحمد بن عبد الله بن الشخير في آخرين
قاله الخطيب ابن ثابت.
ثم قال: حدثني الحسن بن محمد الخلال، عن أبي الحسن الدارقطني، قال: إبراهيم بن محمد الكندي، المعروف بالخنازيري؛ ثقة.
حدثني عبد الله بن أبي الفتح، عن طلحة بن محمد بن جعفر، أنه قال: توفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.
وأما الحسن بن أحمد بن صالح شيخ الدارقطني، فهو أبو محمد السبيعي، ثقة حافظ، مكثر، كتب كتابا كبيرا، وكان يحفظ حفظا حسنا، قاله الخطيب فاعلم ذلك [].
قبله من هذا الكتاب من نظر [] أن تعد عللا، ككون الحديث يروى تارة مسندا، وتارة مرسلا، وككونه يروى تارة مرفوعا، وتارة موقوفا
[ ٥ / ٤١٧ ]
وقد بينا أنه لا يضر الحديث شيء من ذلك، ولعلك لم يتحصل لك من مبدد ما ذكرناه، ما هو مذهب أبي محمد في ذلك، فلنعرض عليك ما تيسر من ذلك لنبين لك عمله فيه واضطراب رأيه في رد الأحاديث به.
(٢٥٨٦) وذكر من الأحاديث وعللها بكونها رويت مرسلة تارة، ومسندة أخرى - حديث: «إذا سجد فلا يبرك كما يبرك البعير».
أتبعه أن قال: رواه همام مرسلا، وهو ثقة.
(٢٥٨٧) وحديث عبد الله بن السائب: «من أحب أن يجلس للخطبة فليجلس» يعني في العيد
[ ٥ / ٤١٨ ]
أتبعه أن قال: هذا يروى مرسلا عن عطاء، عن النبي ﷺ.
وهو قول أبي داود ولم يعزه إليه.
وذكر ابن السكن عن يحيى بن معين أنه قال: فضل السيناني يغلط فيه، فيقول: عن عبد الله بن السائب، وإنما هو عن عطاء فقط.
(٢٥٨٨) وحديث جابر: «اجلسوا، فسمع ذلك ابن مسعود فجلس على باب المسجد».
أتبعه أن قال: هذا يروى مرسلا عن عطاء.
كأنه مسه بذلك، وهو إنما أتبعه أبو داود أن قال: هو مشهور مرسلا، جاء به ابن جريج، عن عطاء مطلقا.
(٢٥٨٩) وحديث ابن عمر في «المشي أمام الجنازة».
وصله ثقات، وأرسله آخرون، فأتبعه هو أن قال: المرسل أصح.
(٢٥٩٠) وحديث أبي هريرة: «إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»
[ ٥ / ٤١٩ ]
أتبعه أن قال: يروى مرسلا، والذي أرسله أحفظ.
وقد بينا أمر هذا الحديث فيما تقدم.
(٢٥٩١) وحديث أنس: «كان نعل سيف رسول الله ﷺ فضة، وقبيتعه فضة» الحديث.
أتبعه أن قال: الذي أسنده ثقة، وهو جرير بن حازم، وكذلك أسنده عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، ولكن قال الدارقطني: الصواب [عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن، أخي الحسن] مرسلا.
فهو بهذا القول مستصوب لترجيح الدارقطني المرسل على المسند، مع أن الذي أرسله ثقة.
(٢٥٩٢) وذكر من طريق الترمذي عن جرير: «بعث رسول الله ﷺ
[ ٥ / ٤٢٠ ]
سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس بالسجود» الحديث.
أتبعه أن قال: هذا يروى مرسلا عن قيس بن أبي حازم.
فهذا منه كالتعليل له، وليس به علة؛ فإن إسناده صحيح.
قال الترمذي: حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، فذكره
[ ٥ / ٤٢١ ]
(٢٥٩٣) وحديث عائشة: «اللهم هذه قسمتي فيما أملك».
أتبعه أن قال: روي مرسلا.
(٢٥٩٤) وحديث محارب بن دثار عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
أتبعه أن قال: هذا يروى مرسلا عن محارب بن دثار
[ ٥ / ٤٢٢ ]
(٢٥٩٥) وحديث ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء» من طريق الترمذي.
أتبعه أن قال: أسنده أبو حمزة السكري، ورواه شعبة، وأبو الأحوص، وغيرهما مرسلا، عن ابن أبي مليكة، والمرسل أصح.
فهذا منه تصريح بترجيح رواية المرسل على رواية المسند، ولو كان الذي أسنده ثقة؛ فإن أبا حمزة السكري، ثقة عندهم.
(٢٥٩٦) وقد صحح هو من حديثه بالسكوت عنه حديث ابن مسعود: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر، وقلما يفطر يوم الجمعة».
والنسائي إنما ساقه من رواية أبي حمزة: محمد بن ميمون السكري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، وقال فيه: لا بأس به، إلا أنه كان ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك، فحديثه جيد
[ ٥ / ٤٢٣ ]
(٢٥٩٧) وحديث: قتل القاتل وإمساك الممسك.
أتبعه أن قال: روى مرسلا، والإرسال أكثر.
كذا قال، ولم يعتبر ثقة واصله، وقد تقدم ذكره في هذا الباب.
(٢٥٩٨) وذكر من طريق الترمذي، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد
[ ٥ / ٤٢٤ ]
الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: [قال رسول الله ﷺ: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر] وأشدهم في أمر الله عمر» الحديث.
ثم أتبعه تصحيح الترمذي إياه، ثم قال هو: كذا قال الترمذي، والمتفق على أنه المسند من هذا الحديث ذكر أبي عبيدة، وأول الحديث إنما يرويه الحفاظ من أهل البصرة، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة مرسلا.
ففي هذا أنه لم يلتفت رواية عبد الوهاب الثقفي حين وصله، وإن كان ثقة.
(٢٥٩٩) وحديث: «لا بأس ببيع خدمة المدبر»
[ ٥ / ٤٢٥ ]
أتبعه أن قال: الصواب مرسل.
وقد تقدم ذكره في هذا الباب.
(٢٦٠٠) وحديث ابن عباس، أن النبي ﷺ: «جعل الدية اثني عشر ألفا».
أتبعه أن قال: يرويه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة مرسلا، وهو أصح.
(٢٦٠١) وحديث: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام».
أتبعه أن قال: اختلف فيه، أسنده ناس، وأرسله آخرون، منهم الثوري.
ثم قال: قال الترمذي: وكأن المرسل أصح.
(٢٦٠٢) وذكر من طريق النسائي حديث رافع بن خديج: «لا قطع في ثمر ولا كثر»
[ ٥ / ٤٢٦ ]
فقال: إن سفيان بن عيينة، رواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى ابن حبان عن عمه واسع بن حبان، عن رافع - يعني أنه وصله بزيادة واسع ابن حبان -
[ ٥ / ٤٢٧ ]
قال: ورواه غيره ولم يذكر واسع بن حبان، ومحمد بن يحيى لم يسمع من رافع
انتهى ما ذكر.
وفيه نصا ترجيح رواية من أرسل على رواية من وصل، وإن كان ثقة.
(٢٦٠٣) وذكر حديث: «النهي عن طعام المتباريين».
ثم قال: أكثر من رواه لم يذكر ابن عباس.
كذا قال، ولم يلتفت إلى الذي أسنده عن جرير، وهو هارون بن زيد بن أبي الزرقاء - وهو ثقة -، وتبع فيما قال أبا داود، فإنه هو الذي قال: أكثر من رواه عن جرير لم يذكروا ابن عباس.
(٢٦٠٤) وذكر من طريق النسائي عن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»
[ ٥ / ٤٢٨ ]
وعن عروة عن [ابن عمر أيضا
ثم قال: قال النسائي: وكلاهما ليس بمحفوظ]، وقال الدارقطني: المشهور عن [عروة مرسلا
انتهى كلامه.
وفيه ترجيح] رواية الإرسال على رواية من أسنده، على أن الذي أسنده ثقة، رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر، ورواه عثمان بن عروة، عن الزبير.
وهشام وعثمان ثقتان
[ ٥ / ٤٢٩ ]
ولعل الذي له من هذا العمل أكثر من هذا الذي تيسر الآن ذكره، وهو نظر غير صحيح أن تعل رواية ثقة حافظ، وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده، ورواه غيره مرسلا، لأجل مخالفة غيره له.
والأمر يحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظ من خالفه، وإذا كان المروي من الوصل، والإرسال عن رجل واحد ثقة، لم يبعد أن يكون الحديث عنده على الوجهين، أو حدث به في حالين، فأرسل مرة، ووصل في أخرى.
وأسباب إرساله إياه متعددة: فقد تكون أنه لم يحفظه في الحال حتى راجح مكتوبا إن كان عنده، أو تذكر، أو لأنه ذكره مذاكرا به، كما يقول أحدنا: قال رسول الله ﷺ، لما هو عنده بسنده، أو لغير ذلك من الوجوه.
وإنما الشأن في أن يكون الذي يسند ما رواه غير مقطوعا أو مرسلا ثقة، فإنه إن لم يكن ثقة لم يلتفت إليه ولو لم يخالفه أحد، فإذا كان ثقة فهو حجة على من لم يحفظ.
وهذا هو الحق في هذا الأصل، وكما اختاره أكثر الأصوليين فكذلك أيضا اختاره من المحدثين طائفة
وإن كان أكثرهم على الرأي الأول.
فممن اختار ما اخترناه: أبو بكر البزار، ذهب إلى أنه إذا أرسل الحديث جماعة، وحدث به ثقة مسندا؛ كان القول قول الثقة، ذكر ذلك - إن أردت الوقوف عليه - إثر حديث أبي سعيد:
(٢٦٠٥) «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» في حديث عطاء بن يسار، عن أبي سعيد.
فيجيء على قوله أحرى وأولى بالقبول ما إذا أرسل ثقة ووصل ثقة، فإنه إذا لم يبال بإرسال جماعة إذا وصله ثقة، فأحرى أن لا يبالي بإرسال واحد
[ ٥ / ٤٣٠ ]
[إذا أسنده ثقة، وأبو محمد ﵀ قد اضطرب أمره في هذا الأصل، فرده] في موضع، وعمل به في مواضع.
[(٢٦٠٦) والموضع الذي اضطرب أمره] فيه، حديث ذكره من طريق ابن أبي شيبة، عن إسماعيل بن عيلة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر، في الذي طلب أن يقاد قبل أن يبرأ.
فإنه أتبعه أن قال: هذا يرويه أبان، وسفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة مرسلا، وهو عندهم أصح.
على أن الذي أسنده ثقة جليل، وهو ابن علية.
كذا قال، وكأنه لم يقض بصحة أحدهما، وعلى أنه قد أخطأ في قوله: إن الذي أسنده ثقة جليل، وهو ابن علية، وإنما ينبغي أن يقول: وهو أيوب؛ فإن أصحاب نافع هم المختلفون؛ فأيوب يسند عنه، وأبان وسفيان يرسلان، فاعلم ذلك.
وأما المواضع التي عمل فيها بما اخترناه، فمنها حديث:
(٢٦٠٧) «لا يغلق الرهن ممن رهنه».
من رواية أبي هريرة، ساقه من طريق قاسم بن أصبغ، وأتبعه أن قال: روي مرسلا عن سعيد بن المسيب، ورفع عنه في هذا الإسناد وفي غيره، ورفعه صحيح
[ ٥ / ٤٣١ ]
(٢٦٠٨) وحديث زيد بن أرقم: «إن هذه الحشوش محتضرة».
أتبعه أن قال: اختلف في إسناده، والذي أسنده ثقة.
(٢٦٠٩) وحديث عائشة: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه».
أتبعه أن قال: علل بعض الناس هذا الحديث بالاختلاف الذي في إسناده، وذلك الاختلاف لا يضره؛ فإن الذين أسندوه ثقات.
(٢٦١٠) وحديث زيد بن أرقم: «أتي علي بثلاثة، وهو باليمن، وقعوا
[ ٥ / ٤٣٢ ]
على امرأة في طهر واحد» الحديث.
أورده من طريق أبي داود بإسناده، قال: حدثنا خشيش بن أصرم، قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن صالح الهمداني، عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم.
ثم أتبعه أن قال: هذا الحديث صحيح ورجاله كلهم ثقات.
فإن قيل: إنه خبر قد اضطرب فيه، فأرسله شعبة عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، عن مجهول.
ورواه أبو إسحاق الشيباني عن رجل من حضرموت [عن زيد بن أرقم. قلنا: قد وصله سفيان] وليس هو بدون شعبة [عن صالح بن حيى - وهو ثقة - عن عبد خير - وهو ثقة - عن زيد بن أرقم] ذكر هذا الكلام في هذا الحديث أبو محمد ابن حزم
انتهى ما ذكر.
وهو صحيح كما ذكر، وهو إنما يهتدي بقائد، لو لم يقله له ابن حزم ما قاله، ولو قال له خلافه لقاله، كما قد فعل فيما تقدم.
وقد تقدم في باب الأحاديث التي أغفل بيان عللها، حديث هو عنده في كتاب الأحكام قبل هذا الحديث بحديث
[ ٥ / ٤٣٣ ]
(٢٦١١) وهو حديث: «الذي أسلم فأبت امرأته أن تسلم».
فإنه أتبعه أن قال: اختلف في إسناد هذا الحديث
وجعل هذا علة فيه، والاختلاف الذي في ذلك الحديث أحرى بأن لا يضره من الاختلاف الذي في هذا.
ولست أقول: إن الاختلاف الذي في هذا ضار له، ولكني أقول: لو كان الاختلاف ضارا، لكان هذا أولى من ذلك.
وقد بين ناس الاختلاف الذي في هذا الحديث، وأرى أن نذكر ما تحصل عندي فيه، فإنه أوعب مما ذكر.
فنقول - وبالله التوفيق -: مداره على الشعبي، ورواه عن الشعبي الأجلح ابن عبد الله الكندي، فقال فيه: عن الشعبي، عن عبد الله بن الخليل الحضرمي، عن زيد بن أرقم
وليس عبد الله بن الخليل بمعروف في غير هذا الحديث ولا بغير رواية الأجلح عنه.
ورواه هكذا عن الأجلح جماعة: منهم يحيى بن سعيد، فذكره أبو داود وخالد بن عبد الله الواسطي، وعلي بن مسهر ذكره عنهما قاسم بن أصبغ، وذكره النسائي أيضا من رواية علي بن مسهر عن الأجلح كذلك.
ورواه سفيان بن عيينة، عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم
[ ٥ / ٤٣٤ ]
هكذا قال: «عبد الله بن أبي الخليل» قاله حامد بن يحيى، عن ابن عيينة، ذكرها أيضا قاسم.
فتحصل من هذا في رواية الأجلح قولان: أحدهما: عبد الله بن الخليل، والآخر: عبد الله بن أبي الخليل، وأيهما كان فهو لا يعرف.
ورواه أيضا عن الشعبي محمد بن سالم، فقال فيه: عن الشعبي، عن علي بن ذريح، عن زيد بن أرقم، وحلف ما حدث به الشعبي إلا عن ابن ذريح، روى هذه الرواية، عن محمد بن سالم، سفيان بن [] قاسم.
ورواه أيضا عن الشعبي سلمة بن [كهيل، سمعت الشعبي يحدث عن أبي الخليل، أو ابن أبي الخليل] «أن ثلاثة نفر اشتركوا في المرأة» الحديث.
ولم يذكر زيد بن أرقم، جعله مرسلا، روى هذه الرواية عن سلمة شعبة، ذكرها أيضا قاسم، والنسائي.
ورواه أيضا عن الشعبي الشيباني، فقال فيه: عن الشعبي، عن رجل من حضرموت، عن زيد بن أرقم
رواها عن الشيباني خالد بن عبد الله الواسطي، ذكرها النسائي.
ورواه أيضا عن الشعبي صالح الهمداني، فقال فيه: عن الشعبي، عن عبد خير الحضرمي، عن زيد بن أرقم.
هذه رواية الثوري المبدوء بذكرها المدعى صحتها، ذكرها عبد الرزاق عنه.
قال النسائي: سلمة بن كهيل أثبتهم، وحديثه أولى بالصواب - يعني
[ ٥ / ٤٣٥ ]
المرسل -.
كذا قال، ويجب النظر فيما قال، وفيما قال أيضا ابن حزم مما تقدم ذكره فنقول: رواته عن الشعبي، هم الأجلح، ومحمد بن سالم، وسلمة بن كهيل، والشيباني، وصالح الهمداني، واختلفوا كما ذكرنا.
ورجح النسائي رواية سلمة بن كهيل المرسلة على طريقته في إعلال الحديث إذا روي موصولا ومرسلا أو منقطعا، والقضاء عليه بأنه ليس بالمتصل.
ورجح ابن حزم رواية صالح المتصلة، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم.
والقول في ذلك قوله؛ لثقة صالح، والثوري، راويها عنه، ولأنه لا بعد في أن يكون عند الشعبي عن عبد خير وعن غيره، ممن لم يتحصل أمره، فحدث به على الوجهين، فأخذ عنه كذلك
والله أعلم.
(٢٦١٢) وحديث ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن
[ ٥ / ٤٣٦ ]
عمر، قال رسول الله ﷺ: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق».
ذكره من طريق النسائي، ثم أتبعه أن قال: عللوا هذا الحديث بأن ضمرة تفرد به، ولم يتابع عليه.
وقال بعض المتأخرين: ليس انفراد ضمرة علة فيه؛ لأن ضمرة ثقة.
والحديث صحيح إذا أسنده ثقة، ولا يضره انفراده به، ولا إرسال من أرسله، ولا توقيف من وقفه
انتهى كلامه.
وهذا هو الصواب، [والعلة التي أعله بها هي للترم] ذي فإنه قال: لم يتابع ضمرة على هذا الحديث
وهو حديث خطأ عند أهل الحديث.
وقال النسائي: لا أعلم أن امرأ روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر.
وضمرة هو ابن ربيعة، بيانه عند الترمذي.
ولو نظرت جميع ما ذكر حديثا حديثا، لم تجد من جميعها ما روي متصلا، ولم يرو من وجه منقطعا، إلا الأقل الأنزر، بالنسبة إلى القسم الآخر الذي لا يكاد يعدم في حديث أن يروى تارة متصلا وتارة مرسلا أو منقطعا،
[ ٥ / ٤٣٧ ]
وما ذاك إلا قوة للخبر، ودليل على شهرته، وتحدث الناس به، فجعل ذلك من علل الأخبار شيء لا معنى له.
والقول في ذلك وفي تصحيحه، ليس من هذا الذي نحن فيه، وقد أريتك اضطراب رأي هذا الذي ننظر معه ما أورد من الأحاديث.
وباعتبار ما اخترت، صححت ما مر في هذا الباب وفي غيره من غيره من هذا النوع فاعلمه.
وأما الفضل الآخر، وهو إعلال الأحاديث بأن تروى تارة مرفوعة، وتارة موقوفة، فهو أيضا موضع اضطراب فيه كذلك، واختلف فيه عمله.
(٢٦١٣) فمن الأحاديث التي أعلها بذلك، حديث أبي هريرة: «إن
[ ٥ / ٤٣٨ ]
للصلاة أولا وآخرا».
من رواية محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
رده بقول البخاري: إنه خطأ، وأن الصواب فيه رواية الفزاري إياه عن الأعمش، عن مجاهد قوله.
وعندي أنه لا بعد في أن يكون عند الأعمش في هذا عن مجاهد أو غيره مثل الحديث المرفوع.
وإنما الشأن في رافعه، وهو محمد بن فضيل، وهو صدوق، من أهل العلم، وقد وثقه ابن معين.
(٢٦١٤) وحديث ابن عمر: «لو تركنا هذا الباب للنساء».
أعله بأنه يروى عن عمر قوله.
(٢٦١٥) وحديث عائشة: «فيمن لم يثبت الصيام من الليل».
أورده من عند الدارقطني، وأتبعه قول الدارقطني: رواته كلهم ثقات.
ورد ذلك] عليه بأن قال: هكذا قال: وقد روي [أيضا موقوفا على عائشة
[ ٥ / ٤٣٩ ]
انتهى قوله.
ولا بعد أن يحدث الراوي] بوقفه تارة ورفعه أخرى.
(٢٦١٦) وحديث الحكم بن عمرو في «النهي عن الوضوء بفضل المرأة»
أتبعه أن قال: قال فيه الترمذي: حسن.
ثم قال: كذا قال: حسن، ولم يقل صحيح؛ لأنه روي موقوفا.
(٢٦١٧) ثم ذكر من عند الدارقطني في هذا: «فإن الزانية هي التي تنكح نفسها»، وقول الدارقطني فيه: صحيح، فقال هو بعد ذلك: كذا قال: صحيح، وقد روي موقوفا.
(٢٦١٨) وذكر من طريق مسلم حديث أبي هريرة: «شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها»
[ ٥ / ٤٤٠ ]
ثم أتبعه أن قال: روي موقوفا.
(٢٦١٩) وذكر حديث ابن عمر: «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها».
ثم قال: إن رواته ثقات، ولكنه - يعني الدارقطني - جعله وهما.
يعني بذلك أن صوابه موقوف.
(٢٦٢٠) وذكر من طريق أبي داود حديث عبادة بزيادة: «ولا بأس ببيع
[ ٥ / ٤٤١ ]
البر بالشعير والشعير أكثرهما».
ثم قال: هذا يروى موقوفا.
(٢٦٢١) وذكر من طريق ابن أيمن، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة،
[ ٥ / ٤٤٢ ]
عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «جار الدار أحق بالدار».
ثم قال: قال أحمد بن جناب: أخطأ فيه عيسى بن يونس، إنما هو موقوف على الحسن.
وقال الدارقطني: وهم فيه عيسى بن يونس؛ إنما هو موقوف على الحسن.
وقال الدارقطني: وهم فيه عيسى بن يونس، وغيره يرويه عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة.
وكذا رواه شعبة وغيره، وهو الصواب
انتهى ما ذكر.
وكتبته لأنه مالأ بهذا القول على عيسى بن يونس، مع ثقته، لما خالفوه فيه، إما بالوقف على الحسن كما قال ابن جناب، وإما بجعله من حديث سمرة كما قال الدارقطني.
وعندي أنه لا [بعد في أن يكون لعيسى بن يو] نس فيه جميع الثلاث روايات، وهو أنه [تارة يجعله من حديث أنس، وتارة من حديث سمرة، وتارة يقفه على] الحسن، وقد جاء ما يعضد ذلك من رواية نعيم بن حماد عنه.
قال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار».
[ ٥ / ٤٤٣ ]
وبه عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بشفعة داره».
وعيسى بن يونس ثقة، فوجب تصحيح جميع ذلك عنه.
(٢٦٢٢) وذكر من طريق أبي داود عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في اللغو، قال: «هو قول الرجل في بيته، كلا والله، وبلى والله».
ثم قال: رواه جماعة عن عائشة قولها.
(٢٦٢٣) وذكر من طريق النسائي عن ابن عمر، أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب.
ثم أتبعه أن قال: ذكر الدارقطني أن الصواب عن ابن عمر في هذا الحديث: أن أبا بكر، وليس فيه ذكر النبي ﷺ
انتهى ما ذكر.
وهو أيضا قناعة بتصويب الدارقطني رواية من وقفه.
وعندي أنه حديث صحيح؛ فإن إسناده عند النسائي هو هذا: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت عبيد الله بن عمر بن
[ ٥ / ٤٤٤ ]
حفص بن عاصم، عن نافع، عن ابن عمر.
ما من هؤلاء من يسأل عنه؛ لثقتهم وشهرتهم.
وقد رواه هكذا عن عبيد الله بن عمر - كما رواه أبو كريب عن ابن إدريس عنه - جماعة ذكرهم الدارقطني، منهم مسروق بن المرزبان، ويحيى بن أكتم، وجحدر بن الحارث.
وفيه رواية أخرى عن ابن إدريس، رواها يوسف بن محمد بن سابق، عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، أن النبي ﷺ مرسلا لم يذكر ابن عمر.
ومنه رواية ثالثة عن ابن إدريس، رواها عنه محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشج، روياه عنه، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب، ولم يذكر النبي ﷺ، ذكر جميع [ذلك الدراقطني.
وهذه الرواية الأخيرة] هي الصواب، ولا يمتنع أن يكون عند ابن إدريس فيه عن عبيد الله جميع ما ذكر.
(٢٦٢٤) وذكر من طريق أبي داود حديث ابن عمر، قال رسول الله
[ ٥ / ٤٤٥ ]
ﷺ: «القدرية مجوس هذه الأمة».
ثم أتبعه أن قال: يروى هذا موقوفا على ابن عمر، قال الدراقطني: وهو الصحيح.
وهو أيضا كذلك، هو عندي صحيح، فإنه يرويه عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر.
وهؤلاء ثقات، ولا يضره أن رواه زكرياء بن منظور الأنصاري، عن أبي حازم، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
فإنه إن لم يكن واهما، يحتمل أن يكون سمعه كذلك، ويكون عند ابن أبي حازم فيه، «عن أبيه، عن نافع»
وأما الدارقطني فجعله واهما، وذكر أن عبد العزيز رواه عن أبيه أبي حازم، عن ابن عمر قوله.
وأراه وقع له كذلك عن عبد العزيز موقوفا على ابن عمر، وذلك أيضا لا يضره عندي؛ لأن الصحابي إذا روى قد يرى مقتضى روايته، واستعاره مذهبا، ويفتي به، ويقوله من قيله كما قاله راويه، ويؤخذ عنه كل ذلك.
(٢٦٢٥) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عمر، أن النبي ﷺ: «نهى
[ ٥ / ٤٤٦ ]
عن بيع أمهات الأولاد، وقال: «لا يبعن ولا يوهبن» الحديث.
ثم قال: هذا يروى موقوفا من قول ابن عمر، ولا يصح مسندا، انتهى قوله.
وعندي أن الذي أسنده خير من الذي وقفه.
وفي كلامه هذا خطأ.
وهو قوله: إنه موقوف على ابن عمر، وإنما هو موقوف على عمر، رفعه يونس بن محمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، [ورواه يحيى بن إسحاق، وفليح بن سليمان عن عبد العزيز بن مسلم] عن عمر نحوه غير مرفوع.
ولعل الذي له من هذا المعنى أكثر من هذا النزر الذي ذكرته مثلا، وهو مع ذلك قد ناقض بضده في أحاديث كثيرة لم يبال فيها أن رويت [تارة موقوفة، وتارة مرفوعة.
(٢٦٢٦) فمن] ذلك حديث حفصة فيمن «لم [يبيت الصيام من الليل»
[ ٥ / ٤٤٧ ]
فقد قال: رواه] جماعة موقوفا على حفصة، والذي أسنده ثقة.
(٢٦٢٧) وذكر حديث علي: «وليس في مال زكاة حتى يحول عليه
[ ٥ / ٤٤٨ ]
الحول، وزكاة الورق».
وذكر وقف من وقفه على علي، وإعلال ابن حزم إياه بكونه من رواية عاصم والحارث، مقرونين عن علي، ثم حكى أن غيره قال: هذا لا يلزم،
[ ٥ / ٤٤٩ ]
وقد أسنده جرير عنه وكان ثقة.
وذكر أيضا إسناد أبي عوانة إياه - وكان ثقة -.
وكذلك زيادة: «فما زاد فبحساب ذلك»، ارتضاها أيضا لرواية زيد بن حبان إياها مسندة.
(٢٦٢٨) وذكر من طريق أبي داود حديث ابن عباس أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: «لبيك عن شبرمة» الحديث
[ ٥ / ٤٥٠ ]
ثم أتبعه أن قال: علله بعضهم بأنه روي موقوفا، والذي أسنده ثقة، فلا يضره.
فهذا منه تصريح بنقيض المتقدم، واعتماد لرواية من رفعه إذا كان ثقة، ولكنه مع هذا محتاج لمزيد يتبين به أمر هذا الحديث
[ ٥ / ٤٥١ ]
وذلك انه يرويه عن ابن عباس، عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ورواية سعيد بن جبير، هي المقصود، فإن اللفظ المذكور هو من طريقه عند أبي داود الذي نقله من عنده، رواه كذلك سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة - هو ابن عبد الرحمن - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
فأصحاب سعيد بن أبي عروبة، يختلفون، فقوم منهم يجعلونه موفوعا، منهم عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، والأنصاري.
وقوم يقفونه، منهم غندر، وحسن بن صالح.
والرافعون ثقات، فلا يضرهم وقف الواقفين له؛ إما لأنهم حفظوا ما لم يحفظوا، وإما لأن الواقفين رووا عن ابن عباس رأيه، والرافعين رووا عنه روايته.
فإن قلت: وليست هذه مسألتنا التي كنا فيها، وهي ما إذا انفرد الرافع وكان ثقة، فإن هاهنا الرافعين جماعة وهم ثقات.
فالجواب أن أقول: [إنما أريتك من هذا قوله: والذي أسنده ثقة]؛ فإنه عمل برواية المنفرد بالرفع إذا [كان ثقة، ولم يبال من خالفه.
(٢٦٢٩) وقد ذكر هو من عند] الترمذي حديث: «إذا كانت عند
[ ٥ / ٤٥٢ ]
الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: أسنده همام، وهمام ثقة حافظ.
وهذا منه عمل برواية المنفرد، والترمذي هو الذي قال: إن هشاما الدستوائي رواه عن قتادة، قال: كان يقال
قال: ولا يعرف مرفوعا إلا من حديث همام.
(٢٦٣٠) وذكر حديث أبي هريرة: «لا يحرم من الرضاع المصة ولا المصتان، وإنما يحرم منه ما فتق الأمعاء من اللبن».
ثم أتبعه أن ابن عبد البر قال: لا يصح مرفوعا، ثم قال هو: وصححه غيره؛ لأن الذي رفعه ثقة.
ولم يبين في هذا كله أنه من رواية ابن إسحاق.
(٢٦٣١) وذكر من طريق النسائي عن طاوس، عن عبد الله بن الزبير،
[ ٥ / ٤٥٣ ]
عن رسول الله ﷺ قال: «من شهر سيفه ثم وضعه فدمه هدر».
ثم أتبعه أن قال: روي موقوفا، والذي أسنده ثقة.
(٢٦٣٢) وذكر من طريق الدارقطني حديث جندب بن عبد الله، فيمن «بات على إجار ليس عليه شيء فوقع فمات، أو ركب البحر وقت ارتجاجه، فقد برئت منه الذمة»
ثم حكى عن الدارقطني ترجيح رواية من رواه عن أبي عمران الجوني، عن زهير بن عبد الله، موقوفا عليه، على رواية حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن جندب، عن النبي ﷺ، وتصويبه الموقوفة، وأن زهيرا لا صحبة له.
ثم قال هو من عنده: حماد بن زيد، جليل حافظ.
فكان هذا منه ترجيح الرواية الموصولة، على الرواية الموقوفة، لثقة راويها
[ ٥ / ٤٥٤ ]
(٢٦٣٣) وذكر من طريق أبي داود، عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ - وأنا أستمع - عن ليلة القدر، فقال: «هي في كل رمضان».
ثم أتبعه أن قال: وروي موقوفا على ابن عمر، والذي أسنده ثقة.
وهذا أيضا [منه ترجيح للمرفوع على الموقوف؛ لأ] ن الذي اسنده، هو موسى بن [عقبة - وهو ثقة - رواه عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن] عمر.
ورواه عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قوله موقوفا، إمامان: وهما شعبة وسفيان، ومع ذلك لم يبال وقفهما لما كان موسى بن عقبة ثقة.
وهذا الذي ذكرنا - من وقف من وقفه، ورفع من رفعه - ذكر جميعه أبو داود
[ ٥ / ٤٥٥ ]
ولعل الذي له من هذا النوع أكثر من هذا اليسير الذي أريناك منه، وهو الصواب منه، فإن الحديث الواحد، إذا رواه الصحابي مرفوعا، وروي عنه من قوله، لم يبعد أن يكون قد ذهب إليه، وتقلد مقتضاه، هذا إذا لم نقدر أن الذي وقفه قصر في حفظه، أو شك في رفعه، فأسقط الشك، واقتصر على الصحابي، وكذلك إذا روى الحديث الصحابي مرفوعا، ثم روى عن صحابي آخر موقوفا عليه كمثل ما اتفق في الحديث المتقدم الذكر الذي هو:
(٢٦٣٤): «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها».
فإنه رواه ابن عمر مرفوعا إلى النبي ﷺ، ورواه عن أبيه عمر من قوله له.
- فلا بعد في أن يكون عنده الأمران، وكذلك ما إذا روى الصحابي الحديث مرفوعا، ثم وجدناه عن التابعي الذي رواه عنه موقوفا عليه.
وهذه أصول الصور المتصورة في ذلك، وقد تتركب منها صور كثيرة كذلك فلا نبالي أن يكون الرافعون جماعة، والواقفون جماعة، وأن يكون الواقفون جماعة، والرافع واحدا، أو أن يكون الرافع واحدا، والواقف واحدا، ذلك كله سواء في أنه مقبول، كما لو كان الرافعون جماعة، والواقف واحدا.
وأضعفها أن يكون الرافع واحدا والواقفون جماعة، والشرط ثقة الرافع، فلا نبالي بعد ذلك مخالفة من مخالفة من خالفه، فاعلم ذلك.
وهناك اعتلالات أخر يعتل بها أيضا أبو محمد على طريقة المحدثين، نذكر منها في هذا الباب ما تيسر
فمن ذلك انفراد الثقة بالحديث، أو بزيادة
[ ٥ / ٤٥٦ ]
فيه، وعمله فيه، هـ[والرد.
(٢٦٣٥) كحديث الذي أحرم] بالعمرة في جبة بعدما تضمخ [بالطيب.
ثم قال: زاد فيه النسائي: «ثم أحدث إحراما»] قال: ولا أحسبه بمحفوظ، والله أعلم.
كذا أورد قول النسائي رادا للزيادة المذكورة، وقد بين النسائي أنها مما تفرد به شيخه نوح بن حبيب القومسي عن يحيى القطان، لم يقلها غيره عنه، ونوح هذا صدوق.
(٢٦٣٦) وذكر من طريق عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن الشيباني، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فسأله، أأحج عن أبي؟ قال: «نعم، إن لم يزده خيرا لم يزده شرا».
ثم أتبعه أن قال، قال أبو عمر بن عبد البر: تفرد به عبد الرزاق، ولا يوجد في الدنيا عند أحد غيره، وخطؤوا عبد الرزاق لانفراده به وإن كان ثقة، وقالوا: لفظ منكر لا يشبه لفظ النبي ﷺ
[ ٥ / ٤٥٧ ]
وممن قال بهذا البزار، قال: لا نعلم رواه إلا الثوري، ولا عن الثوري إلا عبد الرزاق، فجعل المنفرد به الثوري.
(٢٦٣٧) وذكر من طريق أبي داود عن أبي هريرة: «قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة: عبد أو أمة، أو فرس، أو بغل».
ثم قال: الصواب ما تقدم.
يعني لا فرس فيه ولا بغل، ولم يفسر علته، وهي عندهم انفراد عيسى بن يونس بها، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ولم يذكر ذلك حماد بن سلمة، وخالد بن عبد الله، عن محمد بن عمرو.
والذي له من هذا النوع، هو كثير جدا مما لم نذكر - مما هو عندنا صحيح لم يضره هذا الاعتلال - ومما ذكرناه فيما تقدم بحسب تقاضي الأبواب
[ ٥ / ٤٥٨ ]
وإنما أقصد في هذا الباب إلى ذكر مثل مما ضعف به أحاديث ينبغي أن يقال فيها: إنها صحيحة، لضعف الاعتلال عليها كهذا الاعتلال، الذي هو الانفراد؛ فإنه غير ضار إذا كان الرواي ثقة.
وأصعب ما فيه، الانفراد بزيادة لم يذكرها رواة الخبر الثقات، وأخفها أن يجيء بحديث لا نجده عند غيره، ويتعرض بينهما صور أخر لسنا نذكرها [الآن لتشعبها وكثرتها، ولما فيها من الا] ختلاف [وقد ذكر هو جملة من الأحاديث وأعلها بهذا الاختلاف] من غير تفسير.
(٢٦٣٨) كحديث أبي قلابة عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ: «صلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة» يعني في الكسوف.
وأتبعه أن قال: اختلف في إسناد هذا الحديث
لم يزد على هذا، وهو كما ذكر مختلف فيه، ولكنه عندي اختلاف لا يضره، وذلك أن قوما رووه عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ، وقوما رووه عن أبي قلابة، عن قبيصة بن المخارق الهلالي، عن النبي ﷺ.
ذكر الاختلاف فيه على أبي قلابة، أبو بكر البزار في روايته عن قبيصة.
ولا بعد في أن يكون عنده فيه جميع ذلك.
(٢٦٣٩) وحديث: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة»
[ ٥ / ٤٥٩ ]
أتبعه أن قال: اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافا كثيرا.
(٢٦٤٠) وحديث أبي أمامة بن سهل «في ضرب المضنى ضربة واحدة بمائة شمراخ».
أتبعه أن قال: اختلف في إسناد هذا الحديث.
والخلاف فيه مذكور في كتاب النسائي، وهو عندي لا يضره.
ويكتفي في هذا النوع بذكر هذه المثل، فسرنا الاختلاف في أحدها لتتطلب أمثاله فيما مر ذكره، وهو كثير حسب ما تقاضته الأبواب، وكثير منه فيما لم نذكر، مما صحح من الأحاديث، ولا يكاد يوجد حديث لم يختلف في إسناده.
وانتشار الطرق أدل على صحة الحديث منها على ضعفه، إذا كان في بعض طرقه طريق سالم من الضعف.
(٢٦٤١) واشهر حديث يقصد إليه من هذا النوع حديث: «من أصاب امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار».
ولست أحيط، بما يقع فيه الخلاف من علل الأحاديث فأحصرها في هذا باب، ليس بعد الانقطاع، وضعف الرواة، واضطراب المتون […
[ ٥ / ٤٦٠ ]
وقد مر من ذلك شيء كثير] نبهنا عليه، وتعرض أمور كثيرة ق [د أعرضنا عن جلها، وذكرنا بعضها، ويكفي] هذا القدر، لئلا نقع في التكرار المستغنى عنه.
ولعل فيما يأتي من بقية الأبواب المذكورة بعد هذا، ما هو تتميم للغرض في هذا الباب، والله الموفق
[ ٥ / ٤٦١ ]