[ ٥ / ٤٩١ ]
جل مضمن هذا الباب، محال به على متقدم الذكر في الأبواب الفارطة، فرارًا من التكرار، وطلبًا للاختصار.
فمن تلك الأحوال، التدليس، ونعني به أن يروي المحدث عمن قد سمع منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه.
والفرق بينه وبين الإرسال، هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه.
ولما كان في هذا قد سمع منه، جاءت روايته عنه ما لم يسمع منه، كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمي تدليسًا.
وحكمه الجواز إذا كان الذي طوى ذكره ثقة عنده، كالإرسال سواء.
أما إذا كان الذي طوى ذكره ضعيفًا عنده، فهذا حرام وجرحه في فاعله، ولا فرق بينه وبين إبدال ضعيف بثقة في رواية حديث، فإن كان ثقة عنده وضعيفًا عند الناس، فموضوع نظر، فإنه باعتبار كونه ثقة عنده، يقوم عذره في طيه ذكره، كما في الإرسال وترك الإسناد، وباعتبار أنه ضعيف عند غيره، يجب عليه ذكره، ولا يرمي الحديث إلى من يحدثه به متحملًا عهدته.
أما هل يحتج بما يرويه المدلس أم لا يحتج به؟ فمبني على هذا.
وذلك أنا إذا علمنا من حاله أنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده:
فمن الناس من يرد معنعه، لاحتمال انقطاعه، وأن يكون قد دلس به، حتى يعلم سماعه لشيء فيحتج به.
ومن الناس من يقبله حتى يتبين الانقطاع فيه، وأنه دلسه، ولسنا الآن لبيان هذه.
وليس هذا الاختلاف الاختلاف الذي في قبول المرسل المحقق الإرسال، ذاك إنما سببه الجهل بحال المطوي ذكره، وهذا سببه احتمال الاتصال و[الانقطاع
[ ٥ / ٤٩٣ ]
وأبو محمد قد صرح بأن الحديث يرد ب [التدليس في مواضع
(٢٧١٧) منها حديث [أبي الزبير عن جابر، فقد صرح أنه لا يقبل منه] إلا ما ذكر فيه السماع، أو كان من رواية الليث عنه، وقد استوعبنا ذكره فيما تقدم
(٢٧١٨) ومنها حديث: «الخراج بالضمان».
قال بعده: إن عمر بن علي المقدمي، لم يقل: حدثنا هشام بن عروة، وكان يدلس، وقد قال البخاري: إنه لم يدلس ذلك الحديث
[ ٥ / ٤٩٤ ]
(٢٧١٩) ومنها حديث: «أعقلها وتوكل».
قال بعده: علي بن غراب، صدوق لا بأس به، وإنما كان يدلس، وقد قال في الحديث: حدثنا المغيره.
وسويد بن سعيد الحدثاني قال إثر حديث:
(٢٧٢٠) «يقيسون بآرائهم»: إنه كثير التدليس ثم لم يعرض له في حديث:
(٢٧٢١) «ما وقى الرجل به عرضه فهو صدقة».
ثم استمر عمله في كتابه كله على مخالفة هذا الأصل، فلم يتجنب شيئًا من أحاديثهم من غير اعتبار في أحدهم «حدثنا» أو «عن»، بل أكثر ذلك معنعن.
ولم أتعرض هنا لذكر ما وقع له من ذلك لكثرته، بحيث نكر بذكره - لو تعرضنا له - على الكتاب كله، ولأنه سهل عليك الوقوف عليه، فإنك إذا أخذت حديثًا مما سكت عنه مصححًا له، ونظرت إسناده في الموضع الذي نقله منه، ولو كان كتاب البخاري أو مسلم، لم تعدم أن يكون من رواية سفيان الثوري، أو سفيان بن عيينة، أو ابن جريح، أو هشيم، أو قتادة، أو أبي إسحاق، أو يحيى بن أبي كثير، ومن لا أحصيهم كثرة
[ ٥ / ٤٩٦ ]
وفشو التدليس فيهم، وعملهم به، أشهر وأكثر من أن نعرض له، ولقد ظن بمالك على بعده منه عمله.
وقد قال الدارقطني: إن مالكًا ممن عمل به.
وليس عيبًا عندهم، وإنما هو الإرسال، لكن عمن قد لقيه.
ولقد غلا شعبة حتى قال: كان أبو هريرة يدلس، ذكر ذلك عنه أبو أحمد.
وهذا مما لا ينبغي إطلاقه في حق الصحابة ﵃ وإنما يعني أنه قد روى عن النبي ﷺ أحاديث خرج منه بعد [المباحثة أنه لم يسمع منه] بعضها.
وقد صرح في حديث بأن الذي أخبره به [هو الفضل بن عباس
وكذلك أحاديث] ابن عباس بهذه السبيل إلا ثمانية عشر حديثًا، وقد بوحث في حديث، فأخبر أن الذي أخبره به هو أخوه الفضل.
ومثل هذا التدليس، هو الجائز بلا ريب، أن يكون المطوي ذكره من لا شك في عدالته.
وكل من دلس من الأئمة، فإنه كان يتحرى الصدق، ويصرح بالذي حدثه به إذا بوحث
قيل لابن عيينة في حديث رواه لهم عن الزهري: سمعته منه. قال: لا،
[ ٥ / ٤٩٧ ]
قيل: فمن معمر عنه. قال: لا، حدثني به عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
وقد رآه قوم محرمًا، كان شعبة يقول: لأن أزني أحب ألي من أن أدلس.
وقيل لابن المبارك: فلان يدلس، فقال: دلس للناس أحاديثهم، والله لا يقبل تدليسًا والصواب التفصيل الذي ذكرناه، ولا أخص به التدليس، فإن المرسل لو طوى ذكر من هو ثقة بلا خلاف، لم يكن بفعله هذا آثما، وإن اختلف في الاحتجاج بالمرسل.
وإن طوى ذكر متفق على ضعفه، فهذه جرحة فيه، لأنه يدس في الدين الباطل، فهو بمثابة من يضع حديثًا، أو يبدل ضعيفًا بثقة، فهو كالمدلس سواء، لا فرق بينهما.
ومن ثبت عليه شيء من ذلك، كانت جرحه فيه، كحجاج بن أرطأة، فإنه كان يدلس عن الضعفاء، وقد يكون من هؤلاء من لا يسقط اسم شيخه الضعيف، لكنه يغير اسمه المشهور بأخفى منه، كي يخفي أمره.
والحكم فيهما واحد، وعسى أن لا يصح على ابن جريح هذا العمل، وإن كان قد نسب إليه في أحاديث أنه أخذها عن ابن أبي يحيى، يغير اسمه، أو أسقطه
[ ٥ / ٤٩٨ ]
وأما البخاري ﵀ فذلك عنه باطل، ولم يصح قط عنه، وإنما هي تخيلات عليه أنه كان يكنى عن محمد بن يحيى الذهلي لما توقف.
ومن تلك الأحوال أحوال المسوين، والتسوية نوع من أنواع التدليس، إنما هي [أن يسقط شيخ شيخه الضعف، ويجعل الحديث عن] شيخه. كان الوليد بن مسلم فيما [ذكر أبو مسهر يدلس في أحاديث الأوزاعي، فيروي] عن الأوزاعي، عن شيخ للأوزاعي، فيسقط الرجل الذي عنه رواه الأوزاعي ويعنعنه عن الأوزاعي عن شيخ ذلك المسقط الذي هو شيخ الأوزاعي أيضًا.
مثاله أن، يعمد إلى حديث يرويه الأوزاعي، عن شيخ ضعيف، عن الزهري.
والزهري شيخ للأوزاعي، فيسقط الوليد الواسطة الضعيف، الذي بين الأوزاعي والزهري.
فهو إذا عمل ذلك في حديث نفسه، سمي تدليسًا، وإذا عمله في حديث شيخه، سمي تسوية.
وحكم التسوية حكم التدليس سواء، في انقسام الذي أسقط إلى ثقة وضعيف.
وأبو محمد ﵀ لم يعتبر هذا المعنى من أحوال الرواة، وهو في كثير من الأحاديث التي قد مر ذكرها، وفي كثير مما لم نعرض له كما لم نعرض لأحاديث المدلسين
[ ٥ / ٤٩٩ ]
(٢٧٢٢) منها حديث: «الأذى يصيب النعل».
ومنها أحاديث ابن عجلان، عن المقبري، فإنه قد اعترف على نفسه بأنه سواها، وذلك أن ابن عجلان، كان أخذ عن المقبري، ما رواه عن أبيه، عن أبي هريرة، وما رواه عن أبي هريرة، وما رواه عن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه فجعلها كلها عن المقبري، عن أبي هريرة لا رأيته.
ومن تلك الأحوال، أحوال المختلطين، وقد تقدم الكلام في ذلك، وذكرنا عمله فيه بما يغني عن رده.
ومنها أحوال الصحفيين وهم الذين يقال عنهم: إنهم كانوا يحدثون من صحف لم يسمعوها، كما تقدم في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ومخرمة بن بكير، عن أبيه
وكما يقال في أن حديث الحسن عن سمرة كتاب، استعاره من بنيه بعد موته
وكما يقال في حديث أبي سفيان عن جابر، وأنه لم يسمع منه إلا أربعة أشياء، وذكره الترمذي عن البخاري عن أبي خالد: يزيد الدالاني، وإنما
[ ٥ / ٥٠٠ ]
هو كتاب، وكما تقدم ذكره في يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، وسالم [وقد قيل أيضًا في أبي] إسحاق السبيعي: إنه روى عن قوم من التابعين ولم يسمع منهم، إنما هي من كتب.
وكان عمرو بن الحارث بن المصطلق، قد سمع من ابن مسعود، فأخذ منه أبو إسحاق كتبًا، وإنما جاء ذلك من تدليسه، فإنه ممن كان يدلس كثيرًا
(٢٧٢٣) وحديث: «احضروا الذكر وادنوا من الإمام» يعني يوم الجمعة.
ساقه من عند أبي داود، وسكت عنه مصححًا له.
ومعاذ بن هشام، قد صرح فيه بأنه لم يسمعه من أبيه، وإنما وجده في كتابه.
ومنها أحوال المبتدعة بآرائهم، وهم لا يحصون، وينسب ذلك إلى أعلام من أهل الحديث، ولم نعين بالذكر أحدًا منهم، لأنه يخرج عند البحث عن حديث حديث، ولو تعرضت له عاد النظر في جميع الكتاب.
ومنها مخالفة بعض الرواة ما رووا، فإنه أمر لم يعتبره، ولا بينه لمن يعتبره وهو - فيما ذكر - كثير وعذره فيه أقوم، لأنه أمر يعثر عليه المتفقه ولا يتلقاه من المحدث.
ومنها أن ينسى الراوي ما حدث به عنه، وهو قد اعتبره في حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٥ / ٥٠١ ]
(٢٧٢٤): «على البد ما أخذت حتى تؤديه»
قال بعده: ثم إن الحسن نسي، فقال: هو أمينك فلا ضمان عليه فبهذا الاعتبار، كان عليه أن ينبه على هذا النوع
وأذكر له منه الآن حديثين:
(٢٧٢٥) أحدهما حديث ابن عباس: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير».
أورده من عند مسلم ولم يتبعه شيئًا، وهو في كتاب مسلم هكذا: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، قال: أخبرني بذا أبو معبد ثم أنكره بعد عن ابن عباس قال: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير»
(٢٧٢٦) وحديث حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدًا قال في أمرك بيدك: إنها [ثلاث إلا الحسن، قال: لا، إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرًا، إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سمرة [، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ] بذلك
[ ٥ / ٥٠٢ ]
قال أيوب: فلقيت كثيرًا مولى بني سمرة، فذكرت ذلك له، فقال: ما حدثت بهذا قط: فرجعت إلى قتادة، فذكر ذلك له، فقال: بلى، ولكنه نسي.
ومما ينبغي أن يحذر في كتابه، سكوته عن مصححات الترمذي، وما أخرجه البخاري أو مسلم، فإنه قد يكون الحديث منها من رواية من هو عنده ضعيف، أو موضع للنظر إذا كان ما يرويه من عند غير هؤلاء، وكأنه إذا كان ما رواه عند هؤلاء، دخل الحمى، فسلم من اعتبار أحواله، فإذا كان ما يرويه من عند غير هؤلاء وضع فيه النظر.
هذا النوع كثير، ننبه على مثل منه، وابحث عنه بنفسك فيما مر في هذا الكتاب، وفيما لم نعرض له من أحاديث كتابه، إما إغفالًا وإما لغرض آخر.
فمنها أحاديث أبي الزبير عن جابر، من غير رواية الليث، ومما لم يذكر فيه سماعه.
أورد منها من عند مسلم جملة كبيرة، لم يبين أنها من روايته، وهو إذا روى عند غير مسلم، نبه عليه وبين أنها من روايته.
وقد قدمنا ذكر ذلك بما يغني عن رده.
وكذلك سماك بن حرب، لم يعرض له في شيء مما أخرج من حديثه من عند مسلم.
وقد تقدم أيضًا بيان ذلك.
وكذلك أحاديث أبي سفيان عن جابر، وإنما هي كما قلنا الآن صحيفة
قال ابن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدثنا ابن عيينة، قال: حديث أبي
[ ٥ / ٥٠٣ ]
سفيان عن جابر، إنما هو صحيفة، وعن شعبة مثله.
وكذلك أحاديث شريك يغضي عنه إذا كان ما يرويه مما صحح الترمذي
وكذلك أحاديث كثير من المختلطين، وقد تقدم التنبيه على طائفة منهم، وأن سهيل بن أبي صالح، وهشام بن عروة لمنهم، لأنهما تغيرا، وهو لا يتجنب شيئًا مما يجد لهما، ولا ينبه على كونه من روايتهما إذا كان من عند البخاري أو مسلم، أو [ممن صحح] له الترمذي، وهو مختلف فيه. وكذلك []
(٢٧٢٧) وكذلك طلحة بن يحيى، ساق له من مسلم حديث قضاء صوم التطوع
وكذلك أحاديث جعفر بن سليمان من عند مسلم، ومصححات الترمذي، وإبراهيم بن مهاجر حديث:
(٢٧٢٨) «تأخذين فرصة ممسكة» من عند مسلم
(٢٧٢٩) وقد رد من أجله حديث «معاهدة نصارى بني تغلب»، لما لم
[ ٥ / ٥٠٤ ]
يكن عند مسلم، وقال: إنه عند بعضهم شبيه بالمتروك
(٢٧٣٠) وكذا فعل في حديث ذكره من طريق الدارقطني في «علف الجلالة أربعين يومًا»
قال فيه: لا يحتج به، وضعف أيضا ابنه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر
(٢٧٣١) وضعف إبراهيم أيضًا في حديث «مكة مناخ».
وكذلك أحاديث معقل بن عبيد الله عن أبي الزبير، عن جابر، وهي ضعيفة، لم يتجنب منها شيئًا مما ساقه مسلم.
وشريك بن عبد الله بن أبي نمر، يحتج به، ولا يعرض له في شيء مما يورد من حديثه من عند مسلم
(٢٧٣٢) من ذلك في الاستسقاء. وفي العلم: «وأنا رسول من ورائي، وأنا ضمام بن ثعلبة»
[ ٥ / ٥٠٥ ]
(٢٧٣٣) وفي العلم: «متى الساعة؟ فبسر في وجهه»
من عند النسائي، وسكت عنه
(٢٧٣٤) وحديث: «من صلى عليه أربعون» من مسلم
(٢٧٣٥) وقد رد من أجله حديثًا ذكره من المراسيل في الاستسقاء
وقال: إنه لم يكن حافظًا
(٢٧٣٦) وكذلك عمر بن حمزة، أورد له من عند مسلم حديث أبي سعيد في «نشر الزوج سر امرأته»، وهو ضعيف
(٢٧٣٧) وحديث التي نذرت أن تضرب الدف بين يدي رسول الله ﷺ، من مصححات الترمذي
[ ٥ / ٥٠٦ ]
وهو من رواية علي بن حسين بن واقد
(٢٧٣٨) وحديث: «ما ضل قوم بعد هدى» من مصححات الترمذي
وهو من رواية أبي غالب: حزور، وهو مضعف، مما لو لم يصحح له الترمذي حديثه لم يسالمه.
وكذلك أحاديث عكرمة بن عمار من عند مسلم
(٢٧٣٩) وكذلك مصعب بن شيبة في حديث: «عشر من الفطرة» وهو ضعيف، سالمة لما كان حديثه عند مسلم
(٢٧٤٠) وقد رد هو من أجله حديثًا لم يروه مسلم، وهو حديث عائشة أن النبي ﷺ «كان يغتسل من أربع» ذكره أبو داود
(٢٧٤١) وذكر له من عند مسلم أيضًا، حديث عائشة: «خرج النبي
[ ٥ / ٥٠٧ ]
ﷺ[ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شعر] أسود» وبين في كتابه الكبير أنه قد أنكر على مصعب بن شيبة، وذكر أن الترمذي صححه أيضًا
وحديث قبيصة بن عقبة، صاحب سفيان لا يعرض له، وهو عندهم كثير الخطأ
(٢٧٤٢) أورد له من مصححات الترمذي: «طاف بالبيت مضطبعًا»
(٢٧٤٣) ولما ذكر حديث: «حرم الميسر، والخمر، والكوبة»
ضعفه من أجله، وقال: إنه ضعيف في الثوري
[ ٥ / ٥٠٨ ]
ونعيم بن حماد قد ذكر تضعيف الناس له واتهام بعضهم إياه من أجل حديث:
(٢٧٤٤) «أعظمها فتنة قوم يقيسون» الحديث.
ومع ذلك فإنه قد سالمه في حديث نقله من عند البخاري، وهو حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ:
(٢٧٤٥) «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا» الحديث
فإنه لما ذكره أتبعه أن قال: وصله البخاري في بعض الروايات
لم يزد على هذا
ومعناه أن هذا الحديث وقع عند البخاري غير موصل الإسناد إلى ابن المبارك، لكن معلقًا هكذا: وقال ابن المبارك، عن حميد، عن أنس، فذكره ووقع في بعض الروايات: وحدثنا نعيم، قال ابن المبارك
[ ٥ / ٥٠٩ ]
فعلى هذا يكون موصولًا برواية البخاري له عن نعيم، عن ابن المبارك، فقد كان ينبغي لأبي محمد أن ينبه على أنه من رواية نعيم
(٢٧٤٦) وحديث المقدام بن معد يكرب: «للشهيد عند الله ست خصال»
فيه نعيم وبقية، ولم يعرض لهما لما صححه الترمذي
(٢٧٤٧) وحديث: «حذف السلام سنة».
صححه الترمذي، ولم ينبه أبو محمد على أنه من رواية قرة بن عبد الرحمن ابن حيوئيل، وهو منكر الحديث. وأحاديث حرملة بن يحيى من عند مسلم فإنه متكلم فيه
(٢٧٤٨) منها حديث ابن عمر في الصلاة على الراحلة
(٢٧٤٩) وحديث: «من سأل الله الشهادة»
(٢٧٥٠) وحديث عائشة في صلاته ﵇ بالليل
[ ٥ / ٥١٠ ]
(٢٧٥١) وحديث يعطي [قريشًا وسيوفنا تقطر من دمائهم] وأحاديث فليح بن سليمان من البخاري
[وسكت عنها كلها، ولم ينبه عليها، ويقتضي] تتبعه هو، أن ينبه على من في إسناده، ولو كان مما أخرج البخاري، أو مسلم، أو مما صحح الترمذي
(٢٧٥٢) كما فعل في حديث: «تقبيل النبي ﷺ عثمان بن مظعون».
صححه الترمذي، وهو من رواية عاصم بن عبيد الله، وبين ذلك أبو محمد، بعد ذكره تصحيح الترمذي إياه، فكان ذلك صوابًا
(٢٧٥٣) وكذلك عمل أيضًا في حديث: «لعن الله زوارات القبور» فإنه ذكر تصحيح الترمذي له، وبين هو أنه من رواية عمر بن أبي سلمة، قال وهو ضعيف عندهم
[ ٥ / ٥١١ ]
وهو صواب من عمله، خطأ من رأيه، وذلك أن عمر بن أبي سلمة، ليس ينتهي من الضعف أن يعترض الترمذي من أجله في تصحيح روايته، فإنه صدوق في الأصل، وإنما يخالف في بعض حديثه، فأحسن من تضعيفه ومن تصحيح الترمذي تحسين الحديث
(٢٧٥٤) وحديث: «كان للنبي ﷺ في حائطنا فرس يقال له: اللخيف أو اللحيف».
لم يعرض منه لأبي بن عباس بن سهل بن سعد لما كان من عند البخاري
وأبي هذا يضعف، لأنه يغرب في الأسانيد والمتون
قال فيه ابن معين، والساجي: ضعيف
وقال العقيلي: لا يتابع
(٢٧٥٥) وحديث: «رجم ماعز» من رواية بشير بن المهاجر، وهو عند ابن حنبل منكر الحديث. ولم يعرض له لأن حديثه من عند مسلم،
[ ٥ / ٥١٢ ]
وفي حديثه هذا أن الغامدية صلي عليها.
وهذا الباب كثير ولم نطل فيه، لأن أكثره قد تقدم التنبيه عليه في باب الأحاديث التي صححها بسكوته عنها.
وقد وقع له أمر نختم بالتنبيه عليه الباب، وهو أنه قال: إن مما يدخل مع الصحاح، ما ذكره أبو داود، عن أميمة بنت رقيقة قالت:
(٢٧٥٦): «كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه
[ ٥ / ٥١٣ ]
بالليل»
ثم قال: كذا قال الدارقطني: إن هذا الحديث يلحق بالصحيح، أو كلامًا هذا معناه. انتهى كلامه
فأقول وبالله التوفيق: وهذا أيضًا جار مجرى ما نقل من مصححات الترمذي أو مخرجات البخاري [أو مسلم، فإنه يقلدهم في تصحيحهم إياه] إياه، وقد كان ينبغي له أن لا يقلدهم [في ذلك وهذا الحديث فيه راو إما أن فيه] ضعفًا، أو أنه مجهول.
وإن لم يحصل علم ذلك، ولم يكن عنده إلا تقليد الدارقطني فيما قال، فاعلم أن الدارقطني لم يقض على هذا الحديث بصحة، ولا يصح له ذلك، وإنما الأمر فيه على ما أصف: وذلك أن البخاري ومسلمًا، لم يخرجا عن رجل لم يرو عنه إلا واحد، بل لا بد أن يكون كل من يخرجان عنه، قد رى عنه اثنان فأكثر، فلذلك لم يخرجا حديث عروة بن مضرس، وقيس بن أبي غرزة، وأمثالهما من الصحابة الذين أحاديثهم صحيحة، ولكنها ليست على شرطهما.
وبهذا الاعتبار عمل الدارقطني كتابًا بين فيه أن هناك رجالًا ترك البخاري ومسلم الإخراج لما صح من أحاديثهم، فإنهم بهذه الصفة، أي قد روى عن كل واحد منهم راويان فأكثر.
وأن هناك رجالًا أخرج عنهم ولم تحصل لهم هذه الصفة، وإنما روى عن كل واحد منهم واحد فقط
[ ٥ / ٥١٤ ]
وإنما يعني بذلك في علمه، فكان مما ذكر الدارقطني في هذا الكتاب أن ترجم ترجمة نصها: «ذكر أحاديث رجال من الصحابة، رووا عن النبي ﷺ، رويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فلزم إخراجها على مذهبهما، وعلى ما قدمنا مما أخرجا، أو أحدهما». هذا نص الترجمة.
ومعناها، هو أن رجالًا من الصحابة رووا أحاديث صحت عنهم برواية الثقات، فصلح كل واحد منهم لأن يخرج في الصحيحين من حديثه ما صح سنده، فلم يخرجا من أحاديثهم شيئًا، فلزم إخراجها على مذهبهما.
ثم ذكر الدارقطني في هذه الترجمة أميمة بنت رقيقة، روى عنها محمد ابن المنكدر، وابنتها حكيمة.
لم يزد على هذا، ولا عين ما رويا عنها، ولا قضى لحكيمة بثقة ولا ضعف، ولا لشيء مما روت.
وهذه عادته في هذا الكتاب، فإنه إنما أشار إلى الرواة الذين ثبت لهم عنده هذا الحكم وصلحوا به [لأن يدخلوا في الصحيح، ورويت] عنهم الأحاديث فجاء بعده أبو ذر الهروي [فعمل مستخرجا على ذلك] الكتاب من غير قضاء عليه ولا على شيء منه بصحة ولا ضعف، لا منه ولا من الدارقطني
[ ٥ / ٥١٥ ]
(٢٧٥٧) فكان مما أخرج حديث محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة في مبايعتها للنبي ﷺ وقوله لها: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة»
وهو حديث صحيح لثقة رواته
ثم أورد لها حديث ابنتها حكيمة في قصة القدح من العيدان.
ولم يقض فيه بصحة ولا ضعف، ولا في حكيمة بتعديل ولا تجريح فالحديث المذكور، متوقف الصحة على العلم بحال حكيمة المذكورة، فإن ثبتت ثقتها صحت روايتها، وهي لم تثبت، واعتماد فعل الدارقطني في ذلك غير كاف، وفعل الهروي بعده أبعد. فاعلم ذلك
[ ٥ / ٥١٦ ]