[ ٥ / ٥١٧ ]
قد تقدم في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة جملة من هؤلاء، إلا أنهم ممن يصح الحديث إذا عرف أحدهم، كابن الصباح، وابن سابور، وغيرهما ممن تقدم في الباب المذكور ذكره.
ونذكر في هذا الباب من لا يصح الحديث، ولو عرف من جهل أبو محمد، لعلة تبقى فيه، إما من غيره، وإما منه نفسه، فإنه قد يعرف ويكون ضعيفًا
(٢٧٥٨) فمن ذلك أنه ذكر من طريق أبي داود، عن سليمان بن معاذ التميمي حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة».
ثم قال: سليمان هذا لا أدري من هو، كتبت حديثه حتى أسأل عنه، إلا أني رأيت فيه لأبي جعفر الطبري: «سليمان بن معاذ هذا، في نقله نظر، يجب التثبت فيه». انتهى كلامه.
فأقول وبالله التوفيق ينبغي أن نقدم ها هنا مقدمة تبين معنى قوله في بعض الرجال: كتبتهم حتى أسأل عنهم.
كما قال في ابن الصباح، وابن سابور المتقدمي الذكر، ومعلوم أنه قد [تقدم له كثير من الأحاديث أعلها بالجهل] بأحوال رواتها، فما الفرق بينهم وبين هؤلاء وهؤلاء الرواة ينقسمون ثلاثة أقسام
[ ٥ / ٥١٩ ]
قسم منهم لا يعرف أصلًا إلا في الأسانيد، ولم تصنف أسماؤهم في مصنفات الرجال.
وقسم هم مصنفون في كتب الرجال، مقول فيهم: إنهم مجهولون.
وقسم ثالث، هم مذكورون في كتب الرجال، مهملون من القول فيهم، إنما ذكروا برواتهم من فوق ومن أسفل فقط.
فالقسم الأول هم الذين يقول أبو محمد فيهم: كتبتهم حتى أسأل عنهم، ولكن باعتبار نظره ومنتهى بحثه، فإن من هؤلاء من قد وجدناهم نحن، فعلمنا أن نظره كان قاصرًا.
وأما القسم الثاني، فإنه إذا ساق لأجدهم حديثًا أتبعه ما نقل فيه: من أنه مجهول أو غير مشهور، أو لم تثبت عدالته، وما أشبه ذلك من الألفاظ، وهو أيضًا قد يعتريه فيهم ما يعتريه في القسم الأول من وجود التوثيق في أحدهم أو التجريح لغير من جهله.
والقسم الثالث، وهم المهملون، يعتبر من أحوالهم تعدد الرواة عن أحدهم، فمن كان قد روى عنه اثنان فأكثر، قبل حديثه، واحتج بروايته.
هذا عمله الذي استمر عليه، وقد بيناه عنه فيما تقدم.
وإن كان لم يرو عن أحدهم إلا واحد أو لم يعلم روى عنه إلا واحد، فهؤلاء لا يتجاسر أن يقول لأحدهم مجهول، بل تراه يقول: في إسناده فلان، ولم يرو عنه إلا فلان، أو لا يعلم روى عنه إلا فلان، فهو عنده، لا يقول في أحد: مجهول، إلا بنقل عن ا؛ د قاله، كأنه مذهب حتى إنه لما ذكر حديث:
[ ٥ / ٥٢٠ ]
(٢٧٥٩) «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار»
أتبعه أن قال: حبان بن زيد الشرعبي، لا أعلم روى عنه إلا حريز ابن عثمان، وقد قيل: إنه مجهول.
وهذا نص ما أخبرناك به عنه، وقد تقدم مذهبه مشروحًا بأكثر من هذا الشرح، بتتبع ما عمل به في ذلك.
والحق في هذا أن جميعهم مجهولون، لأنهم لما لم يثبت أن أحدًا منهم روى عنه إلا واحد، فهو لم يثبت لنا منه بعد أنه مسلم، فضلا عن كونه ثقة، ولو ثبت لدينا كونه عدلًا، لم يضره أن يكون لا يروي عنه إلا [واحد، لأن العدد ليس بشرط في الرواية، و] كذلك لو ثبت لنا أنه مسلم لم يضره أن لا يروي عنه جماعة، والتحق بالمساتير الذين روى عن كل واحد منهم اثنان فأكثر، الذين حكمهم أنهم مختلف فيهم بحسب الاختلاف في ابتغاء مزيد على الإسلام، والسلامة من الفسق الظاهر
[ ٥ / ٥٢١ ]
والحق فيهم أنهم لا يقبلون ما لم تثبت عدالة أحدهم، وأنهم بمثابة المجاهيل الأحوال، الذين لم يرو عن أحدهم إلا واحد، فإنا إذا لم نعرف حال الرجل، لم تلزمنا الحجة بنقله.
وما ذكرهم مصنفو الرجال، مهملين من الجرح والتعديل، إلا أنهم لم يعرفوا أحوالهم وأكثرهم إنما وضعوا في التراجم الخاصة بهم في كتب الرجال، أخذًا من الأسانيد التي وقعوا فيها، فهم إذن مجاهيل حقًا.
وإذ قد فرغنا من هذا معيدين لأكثره إذ قد تقدم في أول باب الأحاديث المصححة بسكوته.
فاعلم أن الذين نذكر في هذا الباب هم من وجدناه معروفًا من القسم الأول والثاني، وهم الذين كتبهم حتى يسأل عنهم، والذين نقل فيهم أنهم مجهولون، وهو يسير جدًا، وقد تقدم منه ابن الصباح وابن سابور.
ومن وجدناه معروفًا من أحد شطري القسم الثالث أيضًا، لأنه رد أحاديثهم، فمن وجدنا فيه التوثيق، لم يضره أن لا يروي عنه أكثر من واحد.
أم الشطر الآخر فلا يذكر هنا، لأنهم مقبولون عنده، وإن كانوا في الحق غير مقبولين ما لم تثبت عدالة أحدهم، ولو روى عن أحدهم جماعة، والله الموفق.
وإذ قد بلغنا إلى ها هنا فلنعد إلى المقصود وهو بيان أمر سليمان بن معاذ هذا
وإنما خفي عليه أمره، لأنه إنما يبحث عن الرجل حين الحاجة إليه بالمطالعة في بابه، فقصد فيه إلى باب سليمان، والميم من أسماء الآباء، أما من كتاب البخاري، أو كتاب ابن أبي حاتم، أو المنتجالي، أو الساجي، أو العقيلي، أو
[ ٥ / ٥٢٢ ]
أبي أحمد، أو غيرهم، ممن لا أعلمه الآن يبحث عن الرجال عنده، فإن أكثر فزعه إنما هو إلى هؤلاء، فلما لم يجده في الباب الذي قصد إليه، ظنه غير مذكور، ولم يعلم [أن سليمان هذا. نسب إلى جده] في الإسناد، وهو معروف إلا أنه ضعيف، ولو قصد باب القاف من أسماء الآباء، ممن اسمه سليمان لم يخف عليه أمره.
ولما ذكر البزار هذا الحديث كما ذكره أبو داود، من رواية يعقوب بن إسحاق، قال: حدثنا سليمان بن معاذ كذلك منسوبًا إلى جده، ولم يفسره وذكر قبله في الباب نفسه، وهو باب محمد بن المنكدر عن جابر، حدثنا زيد ابن أحزم، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سليمان بن معاذ، وهو ابن قرم عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن جابر:
(٢٧٦٠) «مفتاح الصلاة الطهور».
هكذا موقوفًا ففسر سليمان بن معاذ بأنه ابن قرم، من رواية أبي داود الطيالسي عنه، وليس صاحب أبي داود الطيالسي بابن قرم، وإنما ابن قرم الذي في إسناد الحديث الذي قصدنا بيانه.
وهذا الذي يروي عنه الطيالسي رجل آخر، يقال له: «سليمان بن معاذ الضبي البصري» اعتقد فيه البزار أنه ابن قرم، وليس به.
وأبو أحمد ابن عدي، ذكرهما رجلين مفترقين، ولما ذكر سليمان بن قرم
[ ٥ / ٥٢٣ ]
ابن معاذ قال في بابه:
حدثنا الحسين بن أبي معشر، حدثنا أحمد بن عمرو بن عبيدة، أبو العباس العصفري، جار علي بن المديني، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، عن سليمان بن قرم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يسأل بوجه الله إلا الجنة».
قال: ولا أعرفه يرويه عن محمد بن المنكدر إلا سليمان بن قرم، وعن سليمان يعقوب بن إسحاق.
قال: وسليمان بن قرم أحاديثه حسان، وهو خير من سليمان بن أرقم بكثير.
كذا قال، وغيره يضعفه.
والمقصود هو أن الرجل المذكور، هو سليمان بن قرم بن معاذ يقول فيه يعقوب بن إسحاق تارة: سليمان بن قرم، وتارة سليمان بن معاذ، وهو ضعيف
[فإذن فسليمان بن معاذ معروف ومترجم في مظانه، ولم يهتد إليه أبو محمد]، فاعلم ذلك
(٢٧٦١) وذكر [من طريق أبي داود عن عمر] عن النبي ﷺ: قال:
[ ٥ / ٥٢٤ ]
«لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته».
ثم قال: في إسناده عبد الرحمن المسلي ولم أجد أحدًا نسبه، ولا أحد تكلم فيه، وكتبته لعلي أجد من يعرفه. انتهى كلامه.
فنقول وبالله التوفيق: إن إسناد هذا الحديث عند أبي داود هو هذا: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن عبد الرحمن المسلي، عن الأشعث بن قيس، قال: تضيفت عمر، فلما كان في بعض الليل، قام إلى امرأته يضربها، فحجزت بينهما، فلما رجع إلى فراشه وأخذ مضجعه قال: يا أشعث، احفظ عني شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته».
ثم قال [البزار]: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه
[ ٥ / ٥٢٥ ]
وعبد الرحمن المسلي، هو عندي أبو وبرة ابن عبد الرحمن، وابنه قد حدث بأحاديث، وعبد الرحمن لا نعلم حدث بغير هذا الحديث. انتهى كلامه.
وفيه أنه قد عرف عبد الرحمن المسلي بأنه ولد وبرة بن عبد الرحمن الحارثي، ويقال: المسلي من مذحج، ووبرة كوفي ثقة، وعرف أيضًا بأنه مجهول الحال، لا يروى عنه إلا هذا الحديث.
وقد تم المقصود، فإن أبا محمد إنما يقول مثل ما قال فيمن لا يجده مذكورًا في كتب الرجال، وعبد الرحمن هذا كذلك، لم يذكر فيها، ولو وجده فيها عده معروفًا، ولكنه لم يكن ليقول فيه: إنه مجهول، إلا إن قيل ذلك فيه، وقد شرحت هذا عنه بما يغني عن رده
(٢٧٦٢) وذكر حديث كثير مولى بني سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في: «أمرك بيدك» وقال عن ابن حزم: إن كثيرًا هذا مجهول.
وابن حزم الآخر [الذي هو أحمد بن سعيد بن حزم المنتجالي] الصدفي، سمي أبي أبي محمد علي بن أحمد [بن حزم، ضعفه أيضًا، ونقل عن أحمد] بن عبد الله بن صالح الكوفي من رواية ابنه أبي مسلم عنه أنه قال فيه: ثقة
ولم أر ذلك في كتاب الكوفي
[ ٥ / ٥٢٦ ]
(٢٧٦٣) وذكر حديث شبه العمد، وأتبعه أن يعقوب بن أوس، أو عقبة بن أوس واحد، وليس بالمشهور.
وهو واحد كما ذكر عند ابن معين، وبقي عليه أن تعلم أن الكوفي ذكره في كتابه فقال: إنه بصري، تابعي، ثقة.
وذكر محمد بن أبي يعقوب وقد مر ذكره في حديث:
(٢٧٦٤) «المرأة تجد المال ولا يأذن لها زوجها في الحج» وذكرنا ما فيه في باب الأحاديث التي ذكر بعض من في أسانيدها، وترك من هو مثلهم
(٢٧٦٥) وذكر أيضًا عبد الملك بن سعيد، بما قد بيناه في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة
(٢٧٦٦) وذكر أيضًا جسرة بنت دجاجة بأنها ليست بالمشهورة
وقد تقدم ذكرها وذكر الحديث بما فيه فيما تقدم
(٢٧٦٧) وذكر أيضًا محمد بن أبان، وقال: لا أعرفه إلا في التسمية
[ ٥ / ٥٢٧ ]
في الوضوء.
وقد تقدم ما فيه في باب الأحاديث التي أعلها بذكر رجل وترك غيره
[ ٥ / ٥٢٨ ]