[ ٥ / ٥٥٩ ]
لا شك أن هذا الذي نذكر من مضمون هذا الباب، أقل مما يتقاضى، وأقل مما في كتاب أبي محمد منه، ولكنا خفنا إغفال هذا النوع من النظر معه، فنبهنا بهذا النزر على جنسه.
وقد وقع له عكسه في مواضع كثيرة، وذلك أن يسالم رجالا لا تنبغي مسالمتهم، أو يذكرهم بأقل مما يستحقون أن يذكروا به
(٢٧٨٥) كقوله - إثر حديث دخول مكة بغير إحرام -: محمد بن خالد ابن عبد الله الواسطي، ضعيف.
وهذا اللفظ قد يقال لمن هو صدوق، ومن لا يكون به بأس، يستضعف بالقياس إلى من هو فوقه في باب الثقة والأمانة.
ومحمد بن خالد، هو عندهم كذاب.
(٢٧٨٦) وكذلك لما أورد في الجهاد: «انطلقوا باسم الله وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا [طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة] » الحديث.
قال: خالد بن الفرز] ليس بقوي
[ ٥ / ٥٦١ ]
وهذا اللفظ يطلق على من هو متقرر العدالة، إذا كان غيره أقوى منه.
وخالد هذا ليس يعرف له من العلم إلا حديثان، هذا أحدهما.
(٢٧٨٧) والآخر: «تحريم خلط البسر والتمر».
ذكر ذلك البزار، ولا يعرف روى عنه إلا الحسن بن صالح، وإنما حذا فيه حذو ابن معين حين قال فيه: ليس بذاك.
وذكر في كتاب الطهارة معمر بن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، فقال: معمر وأبوه ضعيفان.
كذا قال: وهما عند المحدثين متروكان.
وعمله هذا في هؤلاء، وفيمن لا يحصى من أمثالهم مناقض لما تقدم ذكره من عمله في تضعيف هشام بن سعد، وإكثاره عليه، وفي تضعيف معلى ابن منصور، وأبي غطفان بن طريف، وأشباههم ممن تقدم ذكرنا لهم.
وما لم نذكره من ذلك لعله الأكثر، وذلك يوجب عليك أن لا تقلد في هذا، فإنك بأقل من بحثه تبلغ فيهم المقصود.
ولننبه على ما عثرنا عليه من هذا النوع، ممن لم يتقدم ذكره.
(٢٧٨٨) فمن ذلك أنه ذكر في الجنائز حديث ابن عباس: «لعن الله
[ ٥ / ٥٦٢ ]
زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
ثم قال هذا يرويه أبو صالح، صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جدا.
كذا قال، وإنما كان ينبغي أن يقال هذا في محمد بن سعيد المصلوب، أو الواقدي، أو غياث بن إبراهيم، ونحوهم من المتروكين المجمع عليهم.
فأما أبو صالح: باذام مولى أم هانئ
فليس في هذا الحد، ولا في هذا النمط، ولا أقول: إنه ثقة، ولكني أقول: إنه ليس كما يوهمه هذا الكلام، بل قال علي المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: «لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة [ولا زائدة، ولا عبد الله بن عثمان»
وعن] ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو [صالح مولى أم هانئ ليس به بأس، فإذا روى] عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس؛ لأن الكلبي حدث به مرة من رأيه ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد ذكرنا قبل أن ابن معين أخبر عن نفسه بأنه متى قال في رجل: لا بأس به، فهو عنده ثقة
[ ٥ / ٥٦٣ ]
وضعف الكلبي لا ينبغي أن يعدي أبا صالح، وليس ينبغي أن يمس أبو صالح بكذبة الكلبي عليه، حيث حكى عنه أنه قال له - أعني أن أبا صالح قال للكلبي -: كل ما حدثتك عن ابن عباس كذب، وفي رواية: فلا تحدث به.
فهذا من كذب الكلبي، وهو عندهم كذاب، وإن كان ابن مهدي ترك الرواية عن أبي صالح، فإن غيره قال فيه ما ذكرناه، فاعلم ذلك.
(٢٧٨٩) وذكر حديث أبي هريرة في النهي عن وضع النعلين عن اليمين أو اليسار، والأمر بوضعهما بين الرجلين
[ ٥ / ٥٦٤ ]
ثم قال: في إسناده صالح بن رستم أبو عامر، وأصح منه ما روى أبو داود، فذكر حديثا آخر.
هذا ما ذكر، فكأن أبا عامر صالح بن رستم، ابن لهيعة، أو جابر الجعفي، والرجل مشهور، يوثقه قوم: منهم أبو داود الطيالسي.
وقال فيه أحمد بن حنبل: صالح الحديث واخرج له مسلم.
وقول ابن معين فيه: «لا شيء» معناه فيه، أنه ليس كغيره، فإنه قد عهد يقول ذلك فيمن يقل حديثه
فاعلم ذلك.
(٢٧٩٠) وذكر من طريق أبي داود، حديث بهز بم حكيم، عن أبيه، عن جده: «فإنا آخذوها وشطر ماله».
ثم قال: بهز بن حكيم، وثقه علي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهما يضعفه
[ ٥ / ٥٦٥ ]
هذا ما ذكره به، وهو تقصير به، موهم أن الأكثرين على تضعيفه، وإنما اختلف الناس فيما يروي بهز، عن أبيه، عن جده هكذا، وهو الذي جعله الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه.
أما أن يقال: إن بهزا وثقه ابن معين، وابن المديني، وضعفه غيرهما فخطأ، نعم لو قال: إن ابن أبي حاتم لم يذكر توثيقه إلا عن ابن معين، وابن المديني صدق، ولو زاد: وضعفه غيرهما عند ابن أبي [حاتم لكان صوابا، وابن أبي حاتم لم يذكر] فيه التضعيف، وإنما حكى عن أبيه، فقط أنه شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به
وعن أبي زرعة انه قال فيه: «صالح، ولكنه ليس بمشهور».
وقول أبي حاتم: لا يحتج به؛ لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة، وبهز ثقة عند من علمه، وقد وثقه غير من ذكر، كالنسائي، وابن الجارود، وصحح الترمذي روايته عن أبيه، عن جده.
وقال أبو أحمد بن عدي، قد روى عنه ثقات الناس، وذكر أن الزهري روى عنه حديثين ذكرهما، وقال: ولم أر أحدا من الثقات تخلف عنه في الرواية، ولم أر له حديثا منكرا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه.
وقال أبو جعفر البستي: إسناد بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده
[ ٥ / ٥٦٦ ]
صحيح.
وقال محمد بن الحسين: سألت ابن معين، هل روى شعبة عن بهز؟ قال: نعم، روى عنه حديثا، وهو قوله ﷺ:
(٢٧٩١) «أترعوون من ذكر الفاجر»
[ ٥ / ٥٦٧ ]
وقد كان شعبة متوقفا عنه، فلما روى هذا الحديث كتبه، وأبرأه مما اتهمه به.
قلت: فكم له عن أبيه عن جده؟ قال: أحاديث، قلت لأبي عبد الله بن حنبل: ما تقول في بهز؟ قال: سألت غندرا عنه فقال: قد كان شعبة مسه ثم تبين معناه، فكتب عنه.
قال أبو محمد بن قتيبة: كان من خيار الناس.
وليس بضار له ما حكاه أحمد بن بشير قال: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزا، فوجدته مع قوم يلعبون بالشطرنج؛ فإن استباحتها مسألة فقهية مجتهدة.
(٢٧٩٢) وقد ذكر أبو محمد ﵀ حديث: «إني أسألك بوجه الله» من عند النسائي.
وسكت عنه مصححا له، ولم يبين أنه من رواية بهز، وهذا يزيد عمله هاهنا قبحا، فاعلم ذلك
[ ٥ / ٥٦٨ ]
(٢٧٩٣) وذكر من طريق أبي داود حديث عمارة بن غزية عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» الحديث.
ثم قال: عمارة بن غزية، وثقه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وقال فيه أبو حاتم، ويحيى بن معين: صدوق صالح [وقد ضعفه بعض المتأخرين
انتهى ما] ذكر.
وهو تعسف على عمارة بن غزية؛ فإنه ثقة عندهم، مخرج حديثه في الصحيح، وممن وثقه أيضا الكوفي، وقال النسائي: ليس به بأس.
ولا أعلم أحدا ضعفه إلا ابن حزم، قال فيه في كتاب الإيصال: ضعيف.
ذكره في الزكاة في غير هذا الحديث.
وأراه معني أبي محمد ببعض المتأخرين، وإن هذا لعجب أن يترك فيه أقوال معاصريه أو من هو أقرب إلى عصره، ويحكي فيه عمن لم يشاهده ولا قارب ذلك ما لا تقوم له عليه حجة.
وأظن ان ابن حزم بقي في خاطره - عند كتبه فيه أنه ضعيف - أن العقيلي ذكره في كتاب الضعفاء، والعقيلي لم يزد فيه على ما أصف، وذلك أنه ترجم
[ ٥ / ٥٦٩ ]
باسمه، ولم يقل فيه شيئا كما عادته أن يقول، غير أنه حكى عن ابن عيينة أنه قال: جالسته كم من مرة فلم أحفظ عنه شيئا.
وهذا لا يضره أصلا، فاعلم ذلك.
هذا الذي ذكرت به من هذا النوع، لم أقصد به استيعاب ما وقع له منه، وإنما ذكرته ممثلا منبها على نوعه، وقد تفرق منه فيما مر كثير، ولعله فيما تركت أكثر، وكذلك ما يتصل بهذا من شرح مواضع لم يشرحها، قد تقدم أيضا من نوعها الكثير، ولعله فيما تركت أكثر.
(٢٧٩٤) فمن ذلك أنه ذكر من طريق الترمذي، عن أبي سعيد المقبري،
[ ٥ / ٥٧٠ ]
عن أبي رافع، أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي، وقد عقص ضفيرته في قفاه. الحديث.
ثم أتبعه أن قال: قال أبو جعفر الطحاوي: كانت وفاة المقبري سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت وفاة علي قبل ذلك بخمس وثمانين سنة، ووفاة أبي رافع قبل ذلك، وعلي كان وصي أبي رافع، فبعيد أن يكون أبو سعيد المقبري شاهد من أبي رافع قصة الحسن، ذكر هذا في كتاب بيان المشكل.
ثم قال أبو محمد عبد الحق: هذا الذي [استبعده الطحاوي ليس ببعيد،] فإن المقبري سمع من عمر بن الخطاب على ما ذكر البخاري في تاريخه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: توفي أبو رافع في خلافة عثمان، وقيل: في
[ ٥ / ٥٧١ ]
خلافة علي، وهو أصح
انتهى كلامه.
والغرض شرح ما يحتاج إلى شرحه منه، فإنه لما استقرب مستبعد الطحاوي، جعل الحجة في ذلك ما حكاه البخاري، من أن المقبري سمع من عمر.
وكل هذا يحتاج إلى زيادة تفسير، فأقول - وبالله التوفيق - ذلك أنه إن كان ما سلم صحيحا من أن أبا سعيد توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأن بين وفاته ووفاة علي خمسا وثمانين سنة؛ لأن عليا ﵁ مات سنة أربعين، فينبغي أن نضيف إلى ذلك أيامه، وهي أربع سنين وتسعة أشهر، وأيام عثمان ثنتا عشرة سنة، فهذه سبعة عشرة سنة غير ربع، يجيء الجميع مائة سنة وسنتين، فلنقدر أنه سمع من عمر في آخر حياته، لا أقل من أن يكون بسن من يضبط، كثمان سنين أو نحوها، هذه مائة سنة وعشر، فتحتاج سن أبي سعيد ان تكون [هذا القدر،] وذلك شيء لا يعرف له، ولا ذكر به، ولا يصح سماع المقبري من أبي رافع حتى تكون سنه قد بلغت هذا المبلغ.
والأولى أن يقال في ذلك: إن وفاة المقبري لم تكن سنة خمس وعشرين ومائة، وذلك شيء لا أعرف أحدا قاله إلا الطحاوي، وإنما المعروف في وفاته، إما سنة مائة - حكاه الطبري في كتابه ذيل المذيل
وقاله أبو عيسى الترمذي
[ ٥ / ٥٧٢ ]
وإما في خلافة الوليد بن عبد الملك، كما قال الواقدي وغيره، وكانت وفاة الوليد سنة ست وتسعين.
وإما في خلافة عبد الملك قبل ذلك كله، وهذا قول أبي حاتم الرازي.
فلننزل على أبعد هذه الأقوال، وهو قول من قال: سنة مائة، حتى يكون بين وفاته ووقت حياة أبي رافع، ستون سنة، أو أكثر بقليل، وهذا لا بعد فيه، وهو كاف فيما نريد هاهنا من غير احتياج إلى [تقدير سماعه من عمر.
وما حكاه] البخاري مشكوك فيه، ولم يحكه بإسناد، والذي يقول غيره: إنما هو روى عن عمر، وهذا لا ينكر؛ فإنه قد يرسل عنه.
ويشد ما قلنا من أن أبا سعيد المقبري لا يبعد سماعه للحديث المذكور من أبي رافع، أن أبا داود قال: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: حدثني عمران بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، يحدث عن أبيه، أنه رأى أبا رافع مولى رسول الله ﷺ مر بالحسن بن علي وهو يصلي قائما
الحديث.
ففي هذا أيضا أنه رآه وشاهد فعله، ولو صح هذا كفى، ولكن عمران بن موسى لا أعرف حاله، ولا أعرف روى عنه إلا ابن جريج.
وقد ذكر الدارقطني اختلافهم في هذا الحديث، وقال: إن رواية عمران ابن موسى هذا، أصحها إسنادا، وجعل رواية [مؤمل] بن إسماعيل - عن الثوري، عن مخول بن راشد، عن أبي سعيد، عن أبي رافع، عن أم سلمة
[ ٥ / ٥٧٣ ]
إن النبي ﷺ: «نهى أن يصلي الرجل وهو معقوص»، وهما؛ لذكره فيه أم سلمة، وغيره لا يذكرها، وقد صح ما أردنا تصحيحه من استقراب مستبعد الطحاوي فاعلمه.
(٢٧٩٥) وذكر من طريق أبي داود في الجمعة، حديث: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».
ثم رده بأن قال: هذه الزيادة رواها من حديث حسين الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس، قال: ويقال: إن عبد الرحمن هذا هو ابن يزيد بن تميم، قاله البخاري وأبو حاتم، وهو منكر الحديث ضعيفه
انتهى كلامه.
وهو صحيح، إلا أنه قد يفهم منه خلاف مراده، فلنبين ما يوهمه ظاهره، ثم نشرح بعد ذلك مراده، فالذي يوهمه ظاهره، هو أن هذا الرجل الذي رواه عنه حسين بن علي الجعفي، الذي [هو عبد الرحمن بن يزيد بن] جابر،
[ ٥ / ٥٧٤ ]
يقال: إنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وأنه على كل حال منكر الحديث ضعيفه، سواء قيل فيه: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فيجيء هذا كأنه شهره بأنه ابن يزيد بن تميم، بعد أن وصفه بابن جابر، كأنه ينسب نسبتين: إحداهما أشهر من الأخرى، وقع في الإسناد بأخفاهما، فبينه بأشهرهما، كما نجد في الأسانيد، محمدا الطبري، فنقول: هو محمد بن سعيد المصلوب، وقد تقدم له هو هذا بعينه وكما نجد إبراهيم بن أبي عطاء، فنقول: هو إبراهيم بن أبي يحيى.
ولهذا المعنى وضع أبو محمد: عبد الغني كتابه المسمى بإيضاح المشكل، وليس الأمر في هذا الرجل كذلك، وإنما هناك رجلان: أحدهما: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهذا ثقة، والآخر عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهذا منكر الحديث وضعيفه، فحسين الجعفي وأبو أسامة يرويان منهما عن عبد الرحمن بن تميم الضعيف، إلا أنهما يغلطان في نسبه، فيقولان فيه: ابن جابر بدلا من ابن تميم، فهما بهذا يخلعان على الضعيف صفة الثقة، فإذا وجد المحدثون رواية أبي أسامة، أو حسين الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، يقولان، هذا خطأ إنما أرادا ابن تميم، والبخاري وأبو حاتم ممن يفعل هذا.
فإذن أبو محمد إنما أخبرنا عن هذا العمل، أي إن هذا الذي قال فيه حسين الجعفي: إنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، إنما هو ابن تميم، فغلط في ذلك.
قال أبو حاتم الرازي: سألت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين
[ ٥ / ٥٧٥ ]
الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فقال: قدم الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، ويزيد بن يزيد بن جابر، ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر، فالذي يحدث عنه أبو أسامة، وهو ابن تميم، وليس ابن جابر.
قال أبو حاتم: [روى عنه أبو أسامة، وحسين الجعفي] وقالا: هو ابن يزيد ابن جابر، وغلطا في نس [به، ويزيد بن تميم أصح، وهو ضعيف الحديث].
(٢٧٩٦) وذكر من طريق أبي داود، عن زياد بن جبير، عن سعد
[ ٥ / ٥٧٦ ]
قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قالت امرأة جليلة، كأنها من نساء مضر: يا نبي الله، إنا كل على أبنائنا، وآبائنا، وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: «الرطب تأكلنه وتهدينه».
ثم اتبعه أن قال: سعد هذا ليس ابن أبي وقاص، والحديث مرسل، قاله ابن المديني
انتهى كلامه.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن الذي حمل ابن المديني على هذا، هو أن هشيما رواه عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، أن النبي ﷺ بعث سعدا على الصدقة
الحديث.
قال الدارقطني - لما ذكر الاختلاف على يونس بن عبيد -: يقال: إن سعدا هذا رجل من الأنصار، وليس سعد بن أبي وقاص، وهو أصح إن شاء الله.
انتهى كلامه.
فهذا هو الذي رأى أبو محمد لأجله أن الحديث مرسل، وأن سعدا ليس هو ابن أبي وقاص، والذي يجب أن يقال به فيه هو خلاف هذا، وهو أن سعدا، هو ابن أبي وقاص، وأن الحديث ليس بمرسل - أعني في رواية هشيم عن يونس بن عبيد - وذلك أن عبد السلام بن حرب - وهو حافظ - والثوري - وهو إمام - روياه عن يونس بن عبيد، فقالا فيه: عن زياد بن جبير، عن سعد.
أما رواية عبد السلام بن حرب، فهي هذه التي ساق أبو محمد من طريق أبي داود، فإنه عنده من رواية عبد السلام
[ ٥ / ٥٧٧ ]
وأما رواية الثوري، فقال البزار في مسند حديث سعد بن أبي وقاص: حدثنا محمد بن يحيى القطعي، قال: حدثنا محمد بن محبب أبو همام، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن سعد أن النساء قلن: يا رسول الله، إنا كل على أبنائنا وآبائنا، وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: «الرطب تأكلنه وتهدينه».
قال: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن النبي ﷺ إلا سعد بهذا الإسناد.
فإن قلت: فإن محمد بن محبب ضعيف، فالجواب: فعبد السلام ثقة [حافظ ولا يضره كون ابن محبب ضعيفا] ولتعلم أن مذهب البزار في سعد المذكور أنه ابن أبي وقاص، ولعل ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد، حديث آخر، فاعلم ذلك والله الموفق.
وذكر أيضا من عند ابن أبي حاتم كلاما في محمد بن حبيب المصري أنه روى عنه أبو إدريس الخولاني، وفيه من الخطأ ما قد بيناه في باب النقص من الأسانيد ولم يعرض له أبو محمد بتعقب فاعلمه
[ ٥ / ٥٧٨ ]