[ ٢ / ٣٥ ]
(١٤) ذكر من طريق مسلم عن شعبة، عن ابي برزة - وسئل عن صلاة رسول الله ﷺ - فقال: «كان يصلي الظهر حين تزول الشمس» الحديث.
كذا وقع هذا في النسخ، وهو هكذا خطأ، وينقص منه سيار بن سلامة بين شعبة وأبي برزة.
ولا أدري لأي شيء ذكر شعبة، إلا أن يذكر بعده سيار بن سلامة، فكان يكون بذلك مذكورًا بقطعة من إسناده، وعلى أنه لا يذكر الأحاديث بقطع من أسانيدها إلا إذا كان ما يذكر موضعًا للنظر، فيتبرأ بذكر ما يذكر من العهدة فيه، أو يبين العلة، وإنما الذي بنى عليه وعمل به، الاقتصار على صحابي الحديث الصحيح، فاعلم ذلك.
(١٥) وذكر من طريق مسلم أيضا قال: وعن عطاء، عن عبد الله بن عمرو، في هذا الحديث: «فصم صيام داود، قال: وكيف كان يصوم داود يا نبي الله؟» الحديث.
كذا أيضا أراه في النسخ، وهو هكذا خطأ، وإنما هو عند مسلم: عن عطاء، عن أبي العباس الشاعر، عن عبد الله بن عمرو.
وإنما اعتراه ما اعتراه من ذلك في الاختصار، فاعلمه
[ ٢ / ٣٧ ]
(١٦) وذكر من طريق الدارقطني، من حديث عبد الله بن لهيعة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ - وسأله رجل عن الوتر - فقال: «افصل بين الواحدة والثنتين بالسلام».
كذاأورده، وهو خطأ، سقط منه بين ابن لهيعة ونافع، يزيد بن أبي حبيب. كذلك هو في كتاب الدارقطني من رواية سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، فأما في رواية أبي الأسود عن ابن لهيعة، فسقط منه اثنان، فإنه يرويه عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن الأشع، عن نافع، عن ابن عمر وكل ذلك ذكره الدارقطني، فاعلمه.
(١٧) وذكر من طريق الترمذي عن عائشة، ان النبي ﷺ «أخر طواف الزيارة إلى الليل».
كذا ذكره عن عائشة، وليس هو في كتاب الترمذي عن عائشة وحدها، لكن عن سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة.
وقد كرر أبو محمد ذكره في آخر الباب من طريق أبي داود، فقال فيه عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة، أن النبي ﷺ «أخر الطواف يوم النحر إلى الليل»
[ ٢ / ٣٨ ]
وقد يظن به أنه اقتصر على عائشة، وترك ابن عباس لم يذكره، كما فعل في حديث:
(١٨) «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا» الحديث.
فإنه ذكره من عند مسلم عن أبي هريرة وحده، وإنما هو عند مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة.
فأبو محمد إما أن يكون اقتصر على أحدهما بالقصد [منه]، وإما أن يكون وضع بصره على أول الإسناد وهو أبو هريرة، ولم يلتفت ما قبله ظنا منه أن ليس قبله إلا التابعي، إذ هو لا يضع نظرا في أسانيد الصحيحين.
وحديث أبي الزبير هذا، لا يصح أن يكون فعل ذلك فيه بالقصد - أعني أن يقتصر على عائشة دون ابن عباس - إلا أن يكون قد أخطأ.
وبيان الخطأ فيه، هو أنه لا خفاء عند أهل صناعة النقل بقبح الاقتصار على رواية أبي الزبير عن عائشة، بدلًا من أبي الزبير عن ابن عباس، فإن أبا الزبير معروف الرواية عن ابن عباس، ومجهولها عن عائشة.
فهو إن كان فعل ذلك، فقد اقتصر على ما يشك فيه ولا يعرف، وما هو موضع نظر، وترك مالا ريب فيه عندهم
[ ٢ / ٣٩ ]
وقد ذكر الترمذي في كتاب العلل أنه سأل البخاري عن هذا الحديث نفسه قال، قلت له: سمع أبو الزبير من ابن عباس عائشة؟ قال: أما من أبن عباس فنعم، وفي سماعه من عائشة نظر.
فهذا من البخاري تصريح بأنه قد سمع من ابن عباس، وهو صحيح كما ذكر، وإن كنا نجده يروي عن بتوسط سعيد بن جبير، أو أبي معبد بينهما، على ما نبين إن شاء الله تعالى في باب الأحاديث التي ذكرها بقطع من أسانيدها، إذ أعاد ذكر هذا الحديث هنالك، من أجل تدليس أبي الزبير.
فمن يظن به أنه ترك رواية أبي الزبير عن ابن عباس لروايته عن عائشة، يحمل عليه أنه جهل ترجح روايته عن ابن عباس على روايته عن عائشة.
ويغلب على الظن أن ذلك لم يكن منه بقصد، وإنما اعتراه فيه أنه ظن أنه من رواية ابن عباس عن عائشة، وأن ابن عباس فيه بمنزلة التابعي، فتركه واقتصر على عائشة، اقتصاره من الأسانيد على الصحابة.
وهكذا رأيته كتبه بخطه في كتابه الكبير، حيث يذكر الأحاديث بأسانيدها، ساقه بإسناده فقال فيه: عن أبي الزبير، عن ابن عباس، عن عائشة، هكذا على الخطأ ثم اختصره من هناك فبقي كما كان.
والحديث مشهور كما هو عند الترمذي
[ ٢ / ٤٠ ]
قال علي بن عبد العزيز في منتخبه: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، حدثنا أبو الزبير، عن عائشة وابن عباس، أن النبي ﷺ «أخر طواف الزيارة إلى الليل»
وأظن أنا أبا محمد اعتقد في حديث أبي داود، عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة، - الذي قلنا: إنه ذكره في آخر الباب - أنه في معنى لآخر، كأنه اعتقد في حديث الترمذي إنه في طواف القدوم، وفي حديث أبي داود أنه في طواف الإفاضة، فإنه ذكر حديث الترمذي في أول الباب - حين ذكر الأحاديث التي فيها طواف القدوم - وذكر حديث أبي داود في آخر الباب حين ذكر طواف الإفاضة، وليس الأمر كذلك، وما هو إلا حديث واحد، وما الطواف الذي ذكر فيهما إلا طواف الإفاضة إلا أن عائشة وابن عباس خالفا غيرهما من الصحابة، ممن روى أنه ﵇: «طاف يوم النحر نهارًا».
هذا قول ابن عمر وجابر، واختلفا أين صلى الظهر، هل بمكة أو بمنى؟ وكانت صلاته عندهما بعد الطواف.
وليس هذا موضع النظر في صحة الصحيح من هذا أو جمعه، فاعلمه.
(١٩) وذكر من طريق أبى أحمد، من حديث محمد بن عبد الرحمن ابن الرداد، عن يحيى بن سعيد، قال: تكلم مروان يومًا [علي الناس] فذكر مكة، فأطنب في ذكرها، ولم يذكر المدينة، فقام رافع بن خديج، فقال:
[ ٢ / ٤١ ]
مالك يا هذا! ذكرت مكة فأطنبت في ذكرها وأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «المدينة خير من مكة».
كذا وقع في النسخ، وهو هكذا ينقص منه ذكر «عمرة» فإنه عند أبي أحمد عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قالت: تكلم مروان.
وكذلك يتصل الحديث من رواية يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن رافع ابن خديج، ولو كان على ما وقع عليه عنده كان منقطعًا، وهو لم يعرض له بالانقطاع، فاعلم ذلك.
(٢٠) وذكر من طريق النسائي، عن حسان بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ قال: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار».
قال النسائي: حسان بن عبد الله ليس بالمشهور قال: وذكر النسائي أيضًا عن عبد الله بن محيريز، عن محمد بن عبد الله بن حبيب المصري، قال أتينا رسول الله ﷺ فذكر مثله.
ثم قال عن النسائي: إنه قال: محمد بن حبيب لا أعرفه، قال: وقال ابن أبي حاتم: محمد بن حبيب قال: أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن
[ ٢ / ٤٢ ]
الهجرة. رواه عنه عبد الله بن السعدي، وأبو إدريس الخولاني، انتهى ما ذكر بنصه.
ورأيته هكذا في نسخ، ورأيت في بعضها: قال: وذكره النسائي أيضا عن عبد الله بن محيريز، عن عبد الله بن حبيب المصري قال: أتينا رسول الله ﷺ، فذكر مثله.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن في هذا الكلام أخطاء هي كلها تغيير في النقل.
أولها: قوله: حسان بن عبد الله، قال: قلت، يا رسول الله.
ولم يقع هكذا في كتاب النسائي، ولا يصح أن يكون كذلك، وما هو إلا تغير بسقوط الصحابي، ومما يدلك على ذلك قوله عن النسائي: حسان ابن عبد الله ليس بالمشهور، فإنه لم تجر له عادة بوضع مثل هذا القول فيمن هو صحابي، فهو إذا قال: قلت: يا رسول الله، لا ينظر فيه.
هذا مذهبه وعادته، والذي في كتاب النسائي إنما هو: عن حسان بن عبد الله، عن ابن السعدي، ولنورده بنصه:
[ ٢ / ٤٣ ]
قال النسائي: حدثنا محمود بن خالد، قال: حدثنا مروان، قال: حدثنا عبد الله بن العلاء - هو ابن زبر - قال: حدثنا بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن حسان بن عبد الله الضمري، عن عبد الله بن السعدي، قال: وفدنا على رسول الله ﷺ فدخل عليه أصحابه فقضى حاجتهم، ثم كنت آخرهم دخولًا عليه، فقال: «حاجتك؟» فقلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار».
وهكذا رواه أيضا عمرو بن أبي سلمة عن عبد الله بن العلاء بن زبر، كما رواه مروان بن محمد، وعلة هذا الخبر، الجهل بحال حسان بن عبد الله، فإنه لا يعرف إلا برواية أبي إدريس عنه لهذا الحديث عن ابن السعدي.
وإنما لم أكتب هذا الخطأ، في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة - وإن كان الخبر قد صار به مرسلًا، وهو متصل - لاحتمال أن يكون الفساد فيه من قبل النساخ، أو الرواة عنه، وذلك الباب إنما نكتب فيه - إن شاء الله - ما خفي عليه انقطاعه، فأورده على أنه متصل، ولذلك جعلناه في قسم خطئه في نظره، وهذا قسم خطئه في النقل
وهذا الخطأ الذي بينت، هو مقصود هذا الباب، فإنه إسقاط واحد من الإسناد
وخطأ ثان: وهو قوله: ذكره النسائي أيضا، عن عبد الله بن محيريز، عن
[ ٢ / ٤٤ ]
محمد بن عبد الله بن حبيب المصري وفي نسخه أخرى: عن عبد الله ابن حبيب، وأيهما كان فهو خطأ، وإنما وقع في كتاب النسائي وغيره: عن محمد ابن حبيب، لا عن محمد بن عبد الله بن حبيب
\ وليس لك أن تقول: لعله عرف أنه هكذا منسوب إلى جده، فبين من عنده اسم أبيه، فإن هذا لو كان حقًا لم يكن له أن يعزوه إلى النسائي، بل كان يجب أن يذكره كما هو عنده، ثم يبين هو من أمره ما شاء، فكيف وليس بحق.
والرجل لا يعرف لا في كتب الحديث ولا في كتب الرجال إلا بما وقع في هذا الإسناد، والذي وقع فيه إنما هو: عن محمد بن حبيب.
قال البزار: ولا أعلم له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث، وكذا قال أبو القاسم البغوي وغيره.
وخطأ ثالث: وهو قوله: إن النسائي ساقه من رواية عبد الله بن محيريز عن محمد هذا، وهو شيء لا يوجد لا عند النسائي ولا عند غيره فيما أعلم، وإنما يرويه ابن محيريز، عن عبد الله بن السعدي، عن محمد المذكور، أو عن عبد الله بن السعدي، عن النبي ﷺ لا يذكر محمد بن حبيب.
قال النسائي: أنبأني شعيب بن شعيب بن إسحاق، وأحمد بن يوسف، قالا: أخبرنا أبو المغيرة، قال: أنبأني الوليد بن سليمان، قال: حدثنا بشر بن عبيد الله، عن عبد الله بن محيريز، عن عبد الله بن السعدي، عن
[ ٢ / ٤٥ ]
محمد بن حبيب، قال: أتينا رسول الله ﷺ في نفر، كلنا ذو حاجة، فتقدموا بين يدي، فقضى الله لهم على لسان نبيه ﷺ ما شاء، ثم أتيته، فقال لي رسول الله ﷺ: «ما حاجتك؟» قلت: سمعت من أصحابك يقولون: قد انقطعت الهجرة، قال: «حاجتك خير من حاجتهم، لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار».
ولما ذكر ابن السكن محمد بن حبيب هذا في كتاب الصحابة له، قال: حديثه هذا لا يثبت، وهو مشهور عن عبد الله بن السعدي، قال: ولا يعرف - يعني محمد بن حبيب - في الصحابة.
وقال أبو القاسم البغوي: لا أعلم أحدًا ذكر في إسناد هذا الحديث محمد ابن حبيب، غير الوليد بن سليمان بن أبي السائب، وبلغني أن الوليد بن سليمان لين الحديث.
وعن ابن محيريز في هذا رواية ثانية رواها عنه عطاء الخرساني، مثل رواية أبي إدريس عن حسان، لم يذكر فيها محمد بن حبيب، ذكرها ابن السكن، قال: وأرجو أن تكون أصح الروايات.
وإنما قال ابن السكن هذا، لسلامتها ممن لا يعرف، فإنها لم يذكر فيها محمد بن حبيب ولا حسان بن عبد الله، وهما مجهولان.
وقد كان يجب كتبها بنصها في باب الأحاديث التي ضعفها ولها طرق أحسن منها، ولكن يمنع من ذلك أن هذا الحديث لم يقع عند أبي محمد على صواب، بل بسقوط ابن السعدي كما تقدم، فلذلك أكتفي بذكره في هذا الباب، حتى ينتظم القول على هذا الحديث
[ ٢ / ٤٦ ]
قال ابن السكن: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - هو البغوي - قال: حدثنا أبو نصر: منصور بن أبي مزاحم التركي، سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وحدثنا محمد بن فضالة بن الصقر الدمشقي، قال: حدثنا هشام بن عمار، قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، عن عطاء الخراساني قال: أنبأني ابن محيريز عن عبد لله بن السعدي، من بني مالك بن حسل، أنه قدم على رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، فلما نزلوا قالوا: احفظ علينا رحالنا حتى تقضي حاجتنا، ثم تدخل - وكان أصغر القوم - فقضى لهم حاجتهم ثم قالوا له: أدخل، فلما دخل عليه قال له: «حاجتك؟» قال: حاجتي تحدثني، انقطعت الهجرة؟ قال: «حاجتك خير من حوائجهم، لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو».
قال ابن السكن: رواه عبد الله بن العلاء بن زبر، عن بسر بن عبيد الله عن ابن محيريز، عن ابن السعدي، وعن أبي إدريس، عن حسان بن الضمري، عن عبد الله بن السعدي - جمعهما ابن زبر - وأرجو أن يكون الصحيح من هذه الروايات حديث عطاء الخراساني.
وقال أبو القاسم البغوي: رواه غير واحد عن ابن محيريز، عن عبد الله ابن السعدي، عن النبي ﷺ، لم يذكروا محمد بن حبيب.
أنبأني به منصور بن أبي مزاحم، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عطاء الخراساني، أنبأني ابن محيريز، عن عبد الله بن السعدي، قال: قال لي
[ ٢ / ٤٧ ]
رسول الله ﷺ: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار».
والمقصود أن تعلم أن قوله عن النسائي: أنه ساقه من رواية ابن محيريز، عن محمد بن حبيب خطأ.
وخطأ رابع: إلا أنه ليس من قبله، وإنما نقله عن ابن أبي حاتم، وحكاه ابن أبي حاتم عن أبيه، فتبع فيه بعضهم بعضا - وهو قوله في محمد بن حبيب: روى عنه عبد الله بن السعدي وأبو إدريس الخولاني
وهذا ما لا يعرف، وما روى عنه أبو ادريس حرفًا، وإنما يرويه إما عن عبد الله بن السعدي من غير وساطة محمد بن حبيب، وإما عن حسان بن عبد الله الضمري عن ابن السعدي على ما تقدم
فأما أن توجد لأبي إدريس رواية عن محمد بن حبيب فلا، فإنه إنما يروي عنه ابن السعدي وحده، وليس هذا الفصل من هذا الباب، فإنه لم يتغير في نقله، بل هو كما نقل عن ابن أبي حاتم، ولكنه انجز، وإنما يستوجبه باب ذكر الأشياء التي حكاها عن غيره، وهي محتاجة إلى التعقب فاعلمه.
(٢١) وذكر من طريق البخاري، عن عباية بن رفاعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله، [حرمه الله على النار]»
[ ٢ / ٤٨ ]
كذا ثبت في النسخ، وهو خطأ، فإن عباية غايته أن يروى عن ابن عمر، وعن جده رافع بن خديج، وإنما يروي هذا الحديث عن أبي عبس، وإنما اعترى سقوطه حين الاختصار.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا يزيد ابن أبي مريم حدثنا عباية بن رفاعة، قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغبرت قدماه في سببيل الله، حرمه الله على النار»
هكذا عنده أن أبا عبس أدرك عباية بن رفاعة، وعند غيره أن عباية هو الذي أدرك يزيد بن أبي مريم فحدثه بالحديث عن أبي عبس.
قال الترمذي: حدثنا أبو عمار: الحسين بن حريث، حدثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم، قال: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا ماش إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره.
وهكذا رواه النسائي عن أبي عمار مثله سواء.
ويزيد بن أبي مريم - بياء مثناة وزاي - وهو أبو عبد الله الأنصاري الشامي ثقة ويتصحف كثيرًا ببريد بن أبي مريم - بباء واحدة مضمومة وراء مفتوحة
[ ٢ / ٤٩ ]
وهو السلولي، بصري ثقة أيضًا.
(٢٢) وقد صحح أبو محمد من روايته حديث: قنوت الوتر.
(٢٣) وحديث: «دع ما يربيك إلى ما لا يريبك».
وأبو عبس، صحابي مشهور، اسمه عبد الرحمن بن جبر، ولولا أن يكون سقوطه مما اعترى الرواة، كتبت هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة أو مرسلة.
(٢٤) وذكر من طريق النسائي، عن عبد الله بن فيروز الديلمي: أتيت النبي ﷺ برأس الأسود العنسي.
ثم قال: يقال: إن الخبر بقتل الأسود جاء إثر موت النبي ﷺ.
كذا وقع في النسخ، ولولا أن يكون الفساد منها، ذكرته في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة أو مرسلة، وذلك أنه سقط منه «عن أبيه».
وبثبوته هو في كتاب النسائي، وهو الصواب، فإن فيروز الديلمي والد عبد الله، هو الصحابي، وهو الذي قتل الأسود العنسي، فأما ابنه عبد الله فتابعي ثقة
[ ٢ / ٥٠ ]
وثقة ابن معين والكوفي.
وبقي من أمر هذا الخبر ما أذكره به إن شاء الله في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة، أو مختلف فيها.
(٢٥) وذكر من طريق مسلم عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا» الحديث.
كذا ذكره، وهو خطأ، وإنما هو عند مسلم من رواية ابن عباس عن أبي، عن النبي ﷺ، ولولا أن يكون الفساد من النسخ، ذكرته في الباب المذكور.
(٢٦) وذكر من طريق أبي داود، عن صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: «إذا وجدتم الرجل قد غل» الحديث
ثم رده بضعف صالح
[ ٢ / ٥١ ]
ولولا أن يكون أيضًا الفساد الذي فيه من النسخ، ذكرته في الباب المذكور، وذلك أنه سقط منه «عن عمر بن الخطاب» فإنه من روايته، وعنه يرويه ابنه في كتاب أبي داود، وفي كتاب غيره.
وقد قال البزار: إنه لا يعلم روى صالح بن محمد، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر غيره، وفي مسند عمر ذكره، والأمر فيه بين.
(٢٧) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس: «نهى رسول الله ﷺ: عن حلق القفا بالموسى إلا عند الحجامة».
ثم ضعفه.
وليس هذا الحديث عند أبي أحمد من مسند أنس، بل من مسند عمر بن الخطاب، يرويه عنده أنس، عن عمر، عن النبي ﷺ فلولا أن يكون الفساد من النساخ أخرته إلى الباب المذكور.
(٢٨) وذكر من طريق أبي أحمد أيضًا، من حديث أبي المهدي: سعيد ابن سنان عن أبي الزاهرية: كثير بن مرة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تبنى كنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها»
[ ٢ / ٥٢ ]
كذا رأيته في النسخ، وهو هكذا قد سقط منه واحد، وجمع إلى ذلك خطأ آخر، وهو تسمية أبي الزاهرية بغير اسمه، وصوابه: عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة.
وبثبوت «عن» يتصل الخبر، وكذلك على الصواب هو في كتاب أبي أحمد، ولا يصح غير ذلك، فإن أبا الزاهرية هو: حدير بن كريب، وهو صاحب أبي شجرة: كثير بن مرة، والأمر فيه أبين من أن ينسب الغلط فيه إلى أبي محمد.
ولهذا الحديث شأن آخر نذكره به في باب الأحاديث التي أعلها بقوم، وترك مثلهم أو أضعف، إن شاء الله تعالى.
(٢٩) وذكر من طريق أبي أحمد أيضًا، عن إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي، عن زياد بن حدير، عن علي قال: «لئن بقيت لأقتلن نصارى بني تغلب، ولأسبين الذرية» الحديث.
ثم قال: إبراهيم ضعيف عندهم، وذكره أبو داود من حديث إبراهيم بن مهاجر أيضًا، وقال: إنه حديث منكر، وهو عند بعض الناس شبيه بالمتروك، وأنكروا هذا الحديث على عبد الرحمن بن هانئ، وهو رواه عن إبراهيم
[ ٢ / ٥٣ ]
وكذلك عند أبي أحمد من حديث عبد الرحمن بن هانئ، عن إبراهيم، ذكر ذلك في باب إبراهيم بن مهاجر. انتهى كلامه بنصه.
إلا أني أسقطت منه ما لم أحتج إليه ها هنا، وهو قوله رواه من طريق آخر، لأنه من باب آخر، قد ذكرته فيه، وهو باب الأحاديث التي ضعفها بقوم وترك مثلهم أو أضعف
والمقصود بيانه الآن، هو الخطأ الذي في قوله: إن عبد الرحمن بن هانئ يروي في كتابي أبي داود وأبي أحمد، عن إبراهيم بن مهاجر، وليس كذلك، وما يرويه في الموضعين إلا عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر.
قال أبو داود: حدثنا العباس بن عبد العظيم، حدثنا عبد الرحمن بن هانئ: أبو نعيم النخعي، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد بن حدير قال: قال علي، فذكره.
وقال أبو أحمد: حدثنا الساجي، حدثنا أحمد بن محمد البغدادي، حدثنا أبو نعيم النخعي، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد بن حدير، فذكره.
واتفق له فيه أيضًا شيء آخر، وقد كتبته في باب ذكرت فيه أمورًا جميلة، وذلك تناقضه في إبراهيم بن مهاجر، فاعلمه
[ ٢ / ٥٤ ]
(٣٠) وذكر من طريق العقيلي من حديث صفوان الأصم أن رجلًا كان نائمًا مع امرأته، فقامت فأخذت سكينًا، وجلست على صدره، فوضعت السكين على حلقه، فقالت له: طلقني وإلا ذبحتك فناشدها الله [تعالى] فأبت، فطلقها ثلاثا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «لا قيلولة في الطلاق».
ثم قال: هذا حديث منكر لا يتابع عليه صفوان ومداره عليه. انتهى ما ذكر.
وعليه فيه درك، من باب إعلاله الحديث برجل وتركه غيره ممن هو أضعف، وسأذكره هنالك إن شاء الله تعالى.
فأما مقصود هذا الباب، فهو أن هذا اللفظ الذي أورد، ليس إسناده هكذا، بل إسناده بزيادة رجل من أصحاب النبي ﷺ لم يسم، يرويه عنه ابن الأصم المذكور، وإن كان أيضًا يرويه ابن الأصم مرسلًا لا يذكر رجلًا حدثه كما أورده أبو محمد، فإن لفظه غير هذا اللفظ وإن كان المعني واحدًا، وليس له أن يعين لفظًا ويركبه على إسناد ليس له، لا سيما إذا كان إسناد ذلك اللفظ
[ ٢ / ٥٥ ]
دون الإسناد الذي اختار له.
وبيان هذا، هو أن العقيلي ذكر عن البخاري، أن صفوان المذكور يروي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في المكره، وأنه منكر لا يتابع عليه.
ثم قال: حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا بقية، عن الغازي بن جبلة عن صفوان الأصم الطائي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلًا كان نائمًا مع امرأته. الحديث بنصه
فهذا هو الحديث الذي أورد أبو محمد لفظه، وإسناده كما ترى فيه رجل من أصحاب النبي ﷺ، وكذا فيه صفوان الأصم، ابن الأصم، وكذلك هو عند غير العقيلي، وهو صوابه، فأما القول بأنه ابن الأصم فخطأ وتغيير. ثم إن العقيلي أورد لفظًا آخر بسند لم يذكر فيه هذا الصحابي، فقال: أخبرنا مسعدة بن سعد، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا الغازي بن جبلة الجيلاني، عن صفوان بن عمران الطائي، أن رجلا كان نائمًا [مع امرأته] فأخذت سكينًا فجلست على صدره فوضعت السكين على حلقه، فقالت: [لتطلقني] ثلاثا البتة أو لأذبحنك، فناشدها الله، فأبت عليه، فطلقها ثلاثًا، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا قيلولة في الطلاق».
فهذا كما ترى لفظه غير اللفظ الذي أورد، ومعناهما واحد
[ ٢ / ٥٦ ]
وهذا هو الإسناد الذي ساق به أبو محمد اللفظ الأول، أعني أنه لم يذكر فيه ذلك الصحابي، وهو خير من إسناد اللفظ الذي ساق، فإنه بريء من بقية، ومن نعيم بن حماد، وهو وإن كان فيه إسماعيل بن عياش، فإنه عن شامي، فجاء من هذا أنه اختار إسنادًا حسنًا، فساق به لفظًا إنما إسناده إسناد آخر دونه، وآثره (وإن كان مرسلًا) على المسند لحسنه، وركب عليه لفظ الإسناد المسند، وهذا ليس بشيء، ولا ينبغي مثله.
وقد أورده العقيلي - أيضًا مرسلًا - من طريق ثالث، لا راحة فيه لأبي محمد، لأن لفظه غير اللفظ الذي أورد.
قال العقيلي: حدثنا محمد بن سعيد قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن الغازي بن جبلة الجيلاني أنه سمع صفوان الأصم يقول: بينا رجل نائم لم يرعه إلا وامرأته جالسة على صدره، واضعة السكين على فؤاده وهي تقول [له]: طلقني أو لأقتلنك، فطلقها، ثم أتى رسول الله ﷺ: فذكر ذلك له، فقال: «لا قيلولة في الطلاق، لا قيلولة في الطلاق».
فهذا أيضًا لا ذكر فيه لرجل من أصحاب النبي ﷺ كما ساقه أبو محمد ولكن لفظه غير اللفظ الذي ساق، واللفظ الذي ساق، إنما يكون عن صفوان الأصم، لا ابن الأصم، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، ومن طريق نعيم بن حماد، عن بقية، ولا يعد اللفظ الذي ساق مرويًا من هذين الطريقين المرسلين اللذين لا ذكر فيهما لرجل من أصحاب النبي ﷺ ولا لنعيم وبقية، إلا على غاية التسامح
[ ٢ / ٥٧ ]
وإلى ذلك فإن جميعها لابد فيه من الغازي بن جبلة، وهو لا يعرف إلا به، ولا يدرى ممن الجناية فيه، أمنه أم من صفوان، فكنى ذكره؟ والحمل فيه على صفوان ليس بصحيح من العمل.
وقد حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: لا أدري الإنكار منه أم من صفوان الأصم؟ قال: وهو منكر الحديث - يعني الغازي بن جبلة -.
وكذا قال البخاري أيضًا: إنه منكر الحديث في طلاق المكره.
وبهذا ذكره الساجي وأبو أحمد بن عدي عن البخاري.
وفي الحقيقة أنه - أعني أبا محمد - لما ذكر اللفظ المذكور ولم يعبه إلا بصفوان الأصم، فقد طوى ذكر ضعفاء، وهم: الغازي بن جبلة، وبقية، ونعيم بن حماد، فإن ذلك اللفظ إنما هو من روايتهم، وأسقط منه الصحابي، وهذا هو مقصود الباب.
(٣١) وذكر من طريق أبي أحمد أيضًا حديث عثمان الخراساني، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، وذكر حق الجار - وقال: «ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك، إلا أن تغرف له
[ ٢ / ٥٨ ]
منها» وذكر الحديث.
قال: وهذا حديث منكر، وإسناده ضعيف لا يعول عليه.
هذا نص ما ذكره به، ودخوله في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها بين، وسأذكره ثم، إن شاء الله تعالى، محيلًا على ما نذكر هنا لما أوجب التغيير الذي فيه من تقديمه.
وذلك أنه ليس هكذا هو في كتاب أبي أحمد، بل هو عنده من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قال أبو أحمد: حدثنا أبو قصي، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنيته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات تبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهد له، فإن لم تفعل
[ ٢ / ٥٩ ]
فأدخلها سرًا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، أتدرون ما حق الجار؟ والذي نفسي بيده ما يبلغ حق الجار إلا قليل ممن ﵀».
فما زال يوصيهم بالجار حتى ظنوا أنه سيورثه، ثم قال رسول الله ﷺ «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقان، ومنهم من له حق، فأما الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، وأما الذي له حقان، فالجار المسلم، له حق الجوار، وحق الإسلام، وأما الذي له حق واحد، فالجار الكافر له حق الجوار، قلت: يا رسول الله، نطعمهم من نسكنا؟ قال: لا تطعموا المشركين بشيء من النسك».
هذا نص الحديث عند أبي أحمد، وهو شديد النكارة، ولو جاء به أوثق الناس، فكيف هؤلاء.
وكذا وقع في النسخة من كتاب أبي أحمد: عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن جده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وأخاف أن يكون قوله: «عن جده» في عثمان بن عطاء خطأ، فإني لا أعرف لعبد الله أبي مسلم - والد عطاء الخراساني، مولى المهلب بن أبي صفرة - رواية، وإنما يروي عن عمرو بن شعيب عطاء الخراساني نفسه، لا بوساطة أبيه، فينبغي أن يكون الحديث هكذا: عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن
[ ٢ / ٦٠ ]
أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ.
(٣٢) ومما روي بهذا الإسناد، ما ذكر العقيلي في كتابه - نذكره استظهارًا لما قلناه - قال: حدثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: يا رسول الله، إني أسمع منك أشياء أخاف أن أنساها، أفتأذن لي فأكتبها؟ قال: «نعم».
فقد تبين بهذا الذي ذكرناه أن جعل أبي محمد ﵀ هذا الحديث عن عثمان بن عطاء، عن أبيه عن جده [أراه أسقط عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده] عن النبي ﷺ خطأ، وإنما هو حديث عبد الله بن عمرو.
والحديث غاية في الضعف، بضعف عثمان المذكور، فاعلم ذلك.
(٣٣) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن شمير بن قيس عن أبيض ابن حمال، أنه سأل النبي ﷺ عما يحمي من الأراك، قال: «ما لم تنله أخفاف الإبل»
[ ٢ / ٦١ ]
كذا ذكر هذا الحديث في باب الحمى، وهو هكذا خطأ ينقص منه واحد، وتصحف فيه سمي بشمير.
وقد ذكر هو في باب الإقطاع الحديث الذي هذا قطعة منه، على الصواب وذلك أنه ذكر من طريق أبي داود، عن سمي بن قيس، عن شمير بن عبد المدان، عن أبيض بن حمال حديث إقطاع النبي ﷺ إياه الملح بمأرب ثم استرجاعه، وفيه السؤال عما يحمى من الأراك فذكر ما تقدم
وهذا الذكر هو الصواب، أعني أنه عن سمي بن قيس، عن شمير بن عبد المدان، عن أبيض.
وقد ذكرت هذا الحديث وبينت علته في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححًا لها، فإن فيه خمسة مجهولين.
(٣٤) وذكر أيضًا من طريق الترمذي، عن حكيم بن حكيم، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة، أن رسول الله ﷺ قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له»
[ ٢ / ٦٢ ]
كذا وقع هذا الحديث في النسخ، وهو خطأ ينقص منه واحد، فإنما يرويه حكيم بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب.
وأخاف أن يكون إنما سقط لأبي محمد نفسه، بقرينة أذكرها، وذلك أن الحديث هو في الترمذي هكذا: عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: كتب عمر ابن الخطاب.
هذا نصه، فأظن أن أبا محمد ألقى بصره على حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، فكتبه مقتصرًا من نسبه على أبيه، ثم أعاد بصره، فوقع على حنيف جد أبي أمامة المتصل به، قال: كتب عمر بن الخطاب، فظنه حنيفًا جد حكيم الذي قد عول على اختصاره، فكتب ما بعده، وذلك قوله: قال: كتب عمر ابن الخطاب، ولو كان الثابت في الأحكام: «عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف قال: كتب عمر بن الخطاب» كنت أقول: على الناسخ سقط ما بين حنيف وحنيف فلما لم يثبت كذلك، دل على أنه من عمله، ولكن بقي الآخر ممكنًا، وباعتبار إمكانه لم أكتب هذا في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
وقد تحقق الظن وارتفع الاحتمال، بأنه في كتابه الكبير هكذا - ومن خطه نقلت - الترمذي، قال: حدثنا بندار، وحدثنا أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن
[ ٢ / ٦٣ ]
حنيف، قال: كتب عمر بن الخطاب.
فقد تبين أن سقوط أبي أمامة بن سهل بن حنيف، إنما هو من خطئه، ثم اختصره هاهنا على الخطأ.
وإلى هذا فإنه حسن الحديث، ولم يبين لم لم يصح؟ وقد بينا ذلك في موضعه.
(٣٥) وذكر من طريق أبي داود، عن سعيد بن غزوان، عن أبيه، أنه مر بين يدي النبي ﷺ بتبوك، وهو يصلي، فقال: «قطع صلاتنا قطع الله أثره».
قال: فما قمت عليهما إلى يومي هذا.
هكذا ذكر هذا الحديث ولم يبين علته بعد أن قال فيه: ضعيف، وقد بينت ذلك في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها.
والمراد الآن منه بيان الوهم فيه بنسبة المرور إلى غزوان والد سعيد، وهو إذا كان كذلك، يسقط منه واحد، عنه أخذ ذلك غزوان المذكور. ويتبين ذلك بالوقوف على نص ما أورد فيه أبو داود.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني وسليمان بن داود، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن غزوان
[ ٢ / ٦٤ ]
عن أبيه أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا رجل مقعد، فسأله عن أمره، فقال له: سأحدثك حديثًا، فلا تحدث به ما سمعت أني حي: إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: «هذه قبلتنا» ثم صلى إليها، فأقبلت، وأنا غلام أسعى، حتى مررت بينه وبينها، فقال: «قطع صلاتنا قطع الله أثره». فما قمت عليهما إلى يومي هذا.
هذا نص الخبر عند أبي داود، فغزوان فيها تابعي، وجعله أبو محمد في سياقه صحابيًا صاحب القصة.
والحديث في غاية الضعف، ونكارة المتن، فإن دعاءه ﵇ لمن ليس له بأهل، زكاة ورحمة، فاعلم ذلك.
(٣٦) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ: «إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» الحديث.
ثم قال: رواه همام عن عاصم مرسلًا، وهمام ثقة.
كذا قال، وظاهره أن همامًا خالف شريكًا، فرواه عن عاصم مرسلًا، ورواه شريك عن عاصم متصلًا، كأنهما جميعًا روياه عن عاصم،
[ ٢ / ٦٥ ]
والأمر فيه ليس كذلك عند أبي داود.
وإنما يرويه همام عن شقيق، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه عن النبي ﷺ هكذا مرسلًا.
فهمام إذن لم يروه عن عاصم، ويؤكد قبح هذا العمل ضعف شقيق الذي عنه رواه همام، فإنه شقيق أبو الليث، هو لا يعرف بغير رواية همام عنه
فإسقاطه إزالة ضعيف من الإسناد، وهي التسوية، وقد تبين في كتاب المراسل في نفس الإسناد أنه شقيق أبو الليث، فاعلم ذلك.
(٣٧) وذكر أيضًا حديث ابن عمر: سئل رسول الله ﷺ: ما يجوز في الرضاعة من الشهود؟ قال: «رجل وامرأة» من طريق ابن أبي شيبة، عن محمد ابن عبد الرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر، ثم قال: البيلماني ضعيف.
كذا أورده، وهو هكذا قد سقط منه واحد، وإنما هو عند ابن أبي شيبة: عن معتمر بن سليمان، حدثنا محمد بن عثيم، عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ: ما يجوز في الرضاعة من الشهود؟ قال: «رجل أو امرأة».
فهذا - كما ترى - بيان سقوط واحد من إيراد أبي محمد، وهو عبد الرحمن البيلماني، والد محمد.
وهكذا ثبت عند ابن أبي شيبة: «أو امرأة» بأو، خلاف ما وقع في نسخ
[ ٢ / ٦٦ ]
الأحكام، وهو من قسم التغيير الواقع في المتون، وسأذكره إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: البيلماني ضعيف، فإنه لم يتبين منه من يعني: الأب أم الابن؟ وله مثل هذا في أحاديث كثيرة، سأبين ذلك في موضعه إن شاء الله.
(٣٨) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية الوليد بن سلمة - مؤدب المأمون - عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في غيظ».
ثم قال: حديث غير محفوظ.
كذا وقع في النسخ، وهو هكذا قد سقط منه أبو سلمة، بين يحيى بن أبي كثير، وأبي هريرة.
كذا هو في كتاب أبي أحمد الذي نقله من عنده.
وسأعيد ذكر هذا الخبر في باب الأحاديث التي أعلها ولم يبين عللها إن شاء الله تعالى
[ ٢ / ٦٧ ]