[ ٢ / ٦٩ ]
اعلم أن كل حديث تقدم ذكره في باب الزيادة في الأسانيد، فإنه من هذا الباب باعتبار، وذلك أنه إذا قال في حديث: رواه يحيى بن بشير بن خلاد، عن أمه فقد نسبه إلى غير رواته فإن بشيرًا وأمه لم يروياه، وكذلك عن أبي ميمونة والد عطاء، وعن عبد الله بن كنانة والد إسحاق، إلى سائر ما في الباب.
ولكن لا أعيد منها شيئًا هنا، وإنما أذكر غيرها مما هو نسبة الأحاديث إلى غير رواتها، ولا يزداد به في الأسانيد من ليس منها، فأقول:
(٣٩) وذكر من طريق مسلم عن أنس حديث: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا» الحديث. ثم قال:
(٤٠) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا».
(٤١) وقال البخاري: «لا يتمنين أحدكم الموت، إم محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب»
[ ٢ / ٧١ ]
هكذا ذكر هذه الأحاديث والخطأ فيه في عطف الثاني على الأول، ثم في عطف الثالث على الثاني، فإن الثاني إنما هو عند مسلم من حديث أبي هريرة، لا من حديث أنس، وليس له عنده غير طريق واحد، وهو من صحيفة همام.
والثالث الذي عزاه إلى البخاري، هو أيضًا عند البخاري من حديث أبي هريرة، لا من حديث أنس كذلك، إلا أنه ليس فيه لفظه «يزداد خيرًا» وإنما نصه عنده هكذا: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب».
واللفظ الذي أورد أبو محمد، هو من عند النسائي، من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة.
ومنه ذكره هو في كتابه الكبير بإسناده ومتنه وعزاه هاهنا إلى البخاري.
وليس هذا الآن بمقصود، وإنما المقصود ما قد بينته من أن الحديث الثاني والثالث، من رواية أبي هريرة، لا من رواية أنس
[ ٢ / ٧٢ ]
(٤٢) وذكر أيضًا من طريق مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».
(٤٣) وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره، كهاتين».
كذا ذكرهما، وعطف الثاني على الأول يحقق أن الخطأ في الأول منه، فإن الثاني عن أبي هريرة لا شك فيه، فهو إذن لم يعطفه على الأول حتى ظن أن الأول عن أبي هريرة، وليس كذلك، وإنما هو في كتاب مسلم من رواية عائشة، ثم من رواية ابن عمر.
وقد رأيته أورده في كتابه الكبير من طريق مسلم عن عائشة على الصواب، ثم أتبعه من طريق مسلم عن أبي هريرة حديث:
(٤٤) «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه».
فأخاف أن يكون من هاهنا أتي إما أن يكون اختصره حين اختصره من
[ ٢ / ٧٣ ]
هذا الموضع فزل بصره، أو كتبه من حفظه وقد اختل فيه.
(٤٥) وذكر أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أغبط أوليائي عندي، لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة» الحديث.
ذكره من طريق الترمذي.
وهكذا رأيته في النسخ عن أبي هريرة، وهو خطأ، وإنما الحديث عند الترمذي وغيره حديث أبي أمامة، يرويه عنه القاسم أبو عبد الرحمن، وعن القاسم علي بن يزيد، وعنه عبيد الله بن زحر، وعنه يحيى بن أيوب.
هذا إسناده عند الترمذي، وسكت عنه أبو محمد متسامحًا، وقد كتبته في باب الأحاديث التي سكت عنها مبينًا لحال هذا الإسناد.
(٤٦) وذكر أيضًا من طريق مسلم، عن العباس بن عبد المطلب: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث
[ ٢ / ٧٤ ]
بغلة رسول الله ﷺ». الحديث بطوله، ثم قال:
(٤٧) وعن البراء في هذا الحديث قال: فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل بها وجوههم فقال: «شاهت الوجوه» فما خلق الله منهم أنسانا إلا ملأ عينيه ترابًا، الحديث.
هكذا جعل هذا عن البراء، وذلك عين الخطأ، ولم يذكره مسلم عنه.
وإنما هو حديث إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، اتصل بحديث البراء من جميع طرقه، فظنه منه ولم يتثبت.
قال مسلم: حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: أنبأني إياس بن سلمة، قال حدثنا أبى، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنيه أخرى فالتقوا هم
[ ٢ / ٧٥ ]
وصحابة النبي ﷺ، فولى أصحاب النبي ﷺ وأرجع منهزمًا، وعلي بردتان، متزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعًا، ومررت على رسول الله ﷺ: منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ: «لقد رأى ابن الأكوع فزعًا، فلما غشوا رسول الله ﷺ …» الحديث كما ذكره.
وما للفظ المذكور عن غير سلمة بن الأكوع في كتاب مسلم ذكر.
(٤٨) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن حميد، عن الحسن، عن عمران ابن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب في الرهان».
قال: وقد روي هذا عن حميد، عن أنس، وهو خطأ، والصواب في إسناده: حميد، عن الحسن، عن عمران، ذكر ذلك النسائي ﵀.
هذا نص ما ذكر، وفيه أربعة أشياء، منها لهذا الباب اثنان:
الأول: أنه منقطع، فإن الحسن لم يصح سماعه من عمران، ولم يثبت ما روي من قوله: أخذ عمران بيدي.
وقد اعترض أبو محمد تصحيح الترمذي حديث:
[ ٢ / ٧٦ ]
(٤٩) «إطعام الجد سدسًا بعد توريثه سدسًا» بأن قال: قال أبو حاتم: لم يسمع الحسن من عمران.
وسيأتي هذا مبينًا في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة إن شاء الله تعالى.
والثاني: أنه أورده عن حميد، عن الحسن، عن عمران، وذلك عين الخطأ، وإنما هو عن عنبسة عن الحسن، عن عمران، هو أحد الخطأين اللذين قصدت بيانهما في هذا الباب، وهو يمكن أن يخفي على من لا يتثبت
وذلك أن أبا داود قال: حدثنا يحيى بن خلف، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، قال حدثنا عنبسة.
وحدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل عن حميد الطويل جميعًا، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب».
زاد يحيى في حديثه: «في الرهان».
هذا نصه، وقد بين فيه أن الزيادة المذكورة إنما هي في حديث يحيى بن خلف، ويحيى بن خلف إنما يرويه عن عبد الوهاب، عن عنبسة، عن الحسن، عن عمران.
فالقول بأن ذلك من رواية حميد عن الحسن، إضافة حديث إلى غير راويه.
والثالث - وهو لغير هذا الباب (جره هذا الثاني) - وهو سكوته عنه مصححًا له، فإن سكوته عن الأحاديث إعلام بصحتها عنده، كذا أخبر عن نفسه
[ ٢ / ٧٧ ]
وإنما سكت عنه لما خفي عليه أنه من رواية عنبسة، وظن أنه من رواية حميد، وذلك أن عنبسة هو ابن سعيد، أخو أبي الربيع السمان وهو ضعيف مختلط، قال عمرو بن علي: كان مخلطًا، ولا روى عنه، متروك الحديث، صدوق لا يحفظ.
(٥٠) وقد ذكر في باب السلام والاستئذان، حدث هشام بن عروة، عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ: «مس يهوديًا فتوضأ».
ثم قال: عنبسة بن سعيد القطان، أخو الربيع السمان، كان صدوقًا وكان لا يحفظ.
والرابع لهذا الباب وهو قوله: وقد روي هذا عن حميد، عن أنس، وهو خطأ، وذلك منه خطأ، فإن معينه إنما هو زيادة «في الرهان»، ولذلك أورده في أحاديث السباق من كتاب الجهاد، ولم يرو هذا قط حميد، عن أنس.
والحديث الذي تكلم الناس فيه من رواية أنس ومن رواية حميد عن
[ ٢ / ٧٨ ]
الحسن، عن عمران، إنما هو بغير الزيادة المذكورة.
(٥١) وكما قد أورده هو في كتاب الزكاة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم».
كذلك كان له أن يورده في النكاح في باب الشغار، لزيادة: «ولا شغار في الإسلام»، فأما هذه الزيادة فإنما هي من رواية عنبسة بن سعيد كما أخبرتك.
وإن أردت الوقوف على حديث أنس وحديث الحسن، عن عمران، من غير رواية عنبسة، لتعلم أنه ليس في واحد منهما زيادة «في الرهان»، فهذان هما:
(٥٢) قال النسائي: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال: حدثنا يزيد - وهو ابن زريع - قال حدثنا حميد، قال: حدثنا الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة فليس منا».
ورواه أيضًا ابو قزعة، عن الحسن، أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد، قال حدثنا شعبة، عن أبي قزعة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام»
[ ٢ / ٧٩ ]
ورواه أيضًا يونس بن عبيد عن الحسن.
قال ابن السكن: أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «لا جلب، [ولا جنب]، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب نهبة فليس منا».
(٥٣) وقال الترمذي في كتاب العلل: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام، ومن انتهب فليس منا».
سألت محمدًا عنه فقال: لا أعرفه إلا من حديث عبد الرزاق، ولا أعلم أحدًا رواه عن ثابت غير معمر، وربما قال عبد الرزاق في هذا الحديث: عن ثابت وأبان عن أنس. انتهى كلام الترمذي.
وقد روى هذا الحديث بأكثر من هذا الكلام.
قال البزار: حدثنا الحسن بن مهدي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس.
وحدثناه زهير بن محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن أنس واللفظ لفظ زهير قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء أخذ عليهن ألا
[ ٢ / ٨٠ ]
ينحن فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا إسعاد في الإسلام، ولا جلب، ولا جنب، ومن انتهب فليس منا».
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا معمر.
وقد تبين المقصود، وهو أن زيادة «في الرهان» إنما هي من رواية عنبسة، عن الحسن، عن عمران، ولا آمن أن تكون هذه الزيادة من المدرج فسرها يحيى بن خلف، أو من فوقه فاتصلت بالخبر، فاعلم ذلك.
(٥٤) وذكر من طريق البزار حديث زيد بن حارثة أن النبي ﷺ في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل ﵇ فعلمه الوضوء، فلما فرغ أخذ حفنة من ماء فنضح بها فرجه.
ثم قال: هذا يرويه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف عندهم، وقد روي أيضًا من طريق رشدين ابن سعد بسنده إلى زيد بن حارثة، وهو ضعيف
[ ٢ / ٨١ ]
عندهم كذلك.
هكذا ذكر رواية رشدين أنها عن زيد بن حارثة، كرواية ابن لهيعة، وذلك شيء لا يعرف، وما رواية رشدين إلا عن أسامة بن زيد بن حارثة أن جبريل نزل على النبي ﷺ أراه الوضوء، فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها في الفرج
يرويها عقيل، وقرة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن أسامة بن زيد كذلك مرسلة.
هكذا ذكرها الدارقطني وغيره، ولا ذكر فيها لزيد بن حارثة، فاعلم ذلك.
(٥٥) وذكر أيضًا من طريق الدارقطني عن الحسن بن دينار، قال: حدثنا أبو جعفر المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا من النكاح أربعة» الحديث.
ثم قال: والحسن بن دينار متروك
هكذا ذكر عن الحسن بن دينار، وليس هو كذلك في كتاب الدارقطني، بل «عن الحسن بن عمارة» وهو أيضًا متروك كذلك، وقد ارتبت من هذا في
[ ٢ / ٨٢ ]
كتابي من الدارقطني، فاستظهرت بغيره، فرأيت الحسن بن عمارة في كل ما رأيت منها، وفيها نسخ عتق، وكتاب أبي علي الصدفي بخطه كاف في ذلك.
وسنذكر هذا الحديث مرة أخرى في باب الأحاديث التي أعلها بقوم وترك دونهم من هو مثلهم أو أضعف منهم، إن شاء الله تعالى.
(٥٦) وذكر أيضًا من طريق أبي أحمد، عن معاوية بن عطاء، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن زر عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ذكر الأصناف الستة الربوية، وزاد: «الزيت بالزيت».
كذا رأيته في النسخ: «الزيت»، وهو خطأ، وصوابه: «الزبيب»، وكذلك على الصواب هو في الكتاب الذي نقل منه: كتاب أبي أحمد.
وليس هذا مقصودًا الآن، فإنه من قسم التغيير الواقع في المتون
والذي قصدت منه الآن، هو قوله: عن ابن عمر، وذلك خطأ، وإنما هو في الموضع الذي نقله منه وبالإسناد المذكور إلى زر، عن عمر بن الخطاب، وزر معروف الرواية عن عمر وعلي
[ ٢ / ٨٣ ]
\ وللحديث شأن آخر، أذكره به إن شاء الله في باب الأحاديث التي أغفل بيان عللها.
(٥٧) وذكر من طريق الدارقطني، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ «لا يكتب في الخاتم بالعربية».
ثم قال عنه: الصحيح عن حميد مرسلًا.
كذا أورد هذا، وهو خطأ، فإن المفهوم منه، هو أن صحيح الحديث إنما هو كونه مرسلًا عن حميد عن النبي ﷺ لا مسندًا بزيادة أنس.
وعزا ذلك إلى الدارقطني، وهو لم يقل هذا، وإنما صححه الدارقطني مرسلًا عن حميد، عن الحسن، عن النبي ﷺ، فمرسله هو الحسن، لا حميد.
وقد ذكرت نص الواقع من ذلك عند الدارقطني، في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
(٥٨) وذكر أيضًا من طريق قاسم بن أصبغ، عن ابن عباس قال: لما ولدت مارية إبراهيم، قال رسول الله ﷺ: «أعتقها ولدها»
[ ٢ / ٨٤ ]
ثم قال: «في إسناد هذا الحديث، محمد بن مصعب القرقساني وهو ضعيف، كانت فيه غفلة، وأحسن ما سمعت فيه من قول المتقدمين: صدوق لا بأس به، وبعض المتأخرين يوثقه».
هكذا ذكره، وهو عين الخطأ، وليس لمحمد بن مصعب في إسناد هذا الحديث ذكر البتة.
وقد رأيته كتبه بخطه في كتابه الكبير بسنده، فقال: حدثنا القرشي حدثنا شريح، حدثنا علي بن أحمد - يعني ابن حزم - حدثنا يوسف بن عبد الله - يعني ابن عبد البر - حدثنا عبد الوارث بن سعيد، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا مصعب بن محمد، حدثنا عبيد الله بن عمر - هو الرقي - عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
هكذا كتبه بخطه، وفيه من التخليط ما أبينه:
أول ذلك قوله في شيخ ابن عبد البر: «عبد الوارث بن سعيد»، وإنما هو سفيان، الملقب بالحبيب، هو مختص بقاسم، وهو أحد ثقات شيوخ أبي عمر بن عبد البر
[ ٢ / ٨٥ ]
فأما عبد الوارث بن سعيد التنوري فليس هذا مكانه، والأمر فيه بين، وإنما سبقه القلم إلى الخطأ باسم يحفظه.
وأما قوله: حدثنا مصعب بن محمد، فهو عكس هذا الذي في هذا الكتاب، وأظنه تخليطًا كان في كتاب ابن حزم، أو قد علم عليه بعلامة التقديم والتأخير، فلم يعلم هو بها.
وكتب هنا محمد بن مصعب، وفسره بالقرقساني، وكتب عليه حكمه، واستوى ما كتب عليه في الموضعين من كونه ذا غفلة، وكان هذا كله خطأ.
وكان ما في هذا الكتاب أقرب إلى تبيين الصواب، وذلك أن الحديث في كتاب قاسم، إنما هو هكذا: حدثنا محمد، عن مصعب، فمحمد هو ابن وضاح، ومصعب هو ابن سعيد، وأبو خيثمة المصيصي والأمر في ذلك بين، ويتكرر في كتاب قاسم، حتى لا يبقى لمن لا يعرفه ريب، وهو أيضًا يضعف، وقد ذكره أبو أحمد، وسيأتي له ذكر - إن شاء الله - في هذا الحديث في موضع آخر.
(م ٥٨) وقد مر ذكره لأبي محمد في حديث «النهي عن تغميض العينين في الصلاة كما يفعل اليهود»
[ ٢ / ٨٦ ]
وأبو محمد لا ينقل من كتب قاسم إلا بواسطة، فإنه لم يرها، وقد بينت ذلك في الباب الذي أذكر فيه جميع من أخرج عنه علم هذا الكتاب.
(٥٩) وذكر من المراسل عن إبراهيم التيمي أن النبي ﷺ «أخذ من قبل القبلة ولم يسل سلا».
كذا ذكره، وهو خطأ، ولم يقع في المراسل لفظة «التيمي» وإنما هي زيادة منه، وإنما هي من رواية حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، أن النبي ﷺ هكذا فقط، وبين أن حماد بن أبي سليمان، إنما يروي عن إبراهيم النخعي لا التيمي، والرجلان مشتركان في الاسم واسم الأب، وكل واحد منهما يقال له: إبراهيم بن يزيد، ويشتركان في البلد أيضًا، وفي كثير من الرواة من فوق ومن أسفل.
ولما كتب الحجاج إلى عامله أن يأخذ إبراهيم بن يزيد، كتب إليه: إن قبلنا إبراهيم بن يزيد التيمي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، فكتب إليه أن خذهما جميعًا.
قال هشيم: أما النخعي فلم يوجد حتى مات، وأما التيمي فأخذ فمات في السجن.
والمقصود أن تعلم أن لفظ التيمي التي أزعم أنها خطأ، ليست في
[ ٢ / ٨٧ ]
الموضع الذي نقل الحديث المذكور منه، فاعلم ذلك.
(٦٠) وذكر أيضًا من طريق الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ «نهى عن بيع أمهات الأولاد»، وقال: «لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع منها سيدها ما دام حيًا، وإذا مات فهي حرة».
ثم قال: هذا يروى من قول ابن عمر، ولا يصح مسندًا.
كذا قال: أنه يروى من قول ابن عمر، وليس كذلك، وإنما يروي موقوفًا من قول عمر، من حديث يرويه عبد العزيز بن مسلم القسملي - وهو ثقة - عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فاختلف عنه.
فقال عنه يونس بن محمد: وهو ثقة، وحدث به من كتابه عن النبي ﷺ.
وقال عنه يحيى بن إسحاق، وفليح بن سليمان: عن عمر، لم يتجاوزه، وكلهم ثقات، وهذا كله ذكره الدارقطني، فاعلمه.
(٦١) وذكر أيضًا من طريق الدارقطني، من رواية القاسم بن محمد
[ ٢ / ٨٨ ]
العمري، في حديث أبي سعيد، قال رسول الله ﷺ: «لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان».
قال: والقاسم بن محمد هذا متروك.
هذا نص ما ذكر، وتكرر له ذكر القاسم بن محمد فيه مرتين، وهو عين الخطأ، وإنما الحديث في كتاب الدارقطني، عن القاسم بن عبد الله العمري عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبيه، عن أبي سعيد.
والقاسم هذا متهم بوضع الأحاديث، ولا أعلم في العمريين من يقال له: القاسم بن محمد.
ولهذا الحديث شأن آخر، أذكره به في باب الأحاديث التي ضعفها برجال وترك في أسانيدها من تعتل به غيرهم.
(٦٢) وذكر أيضًا من طريق أبي أحمد، من حديث إسحاق بن إبراهيم ابن عمران بن عمير المسعودي، عن القاسم بن عبد الله قال: قال ابن مسعود: يا عمير، أعتقك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق مملوكًا» الحديث.
هكذا ذكره، وهو خطأ، وما هو في الموضع الذي نقله منه إلا عن القاسم
[ ٢ / ٨٩ ]
ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، وما لأحد ممن يقال له القاسم بن عبد الله إليه سبيل.
وقد كتبته أيضًا في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة لمعنى آخر اعتراه فيه.
(٦٣) وذكر قصة رداء صفوان المسروق منه، فكان من طرقه: وأشعث ابن براز، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان صفوان نائمًا في المسجد.
وعزا ما ذكر من ذلك إلى النسائي.
وذلك عين الخطأ، وما هو عند النسائي إلا عن أشعث بن سوار، وذلك أنه ترجم ترجمة.
نصها: خالفه أشعث بن سوار، ثم قال بعدها: أخبرنا محمد بن هشام، قال: حدثنا الفضل - يعني ابن العلاء الكوفي - قال: حدثنا أشعث - هو ابن سوار - عن عكرمة: عن ابن عباس قال: «كان صفوان نائمًا في المسجد» … فذكره.
وقد رواه أيضًا عن أشعث، عمرو بن صالح أبو أمية، ففسره بابن سوار.
قال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق بن مكين، حدثنا عمرو بن صالح أبو أمية، قال: حدثنا الأشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان صفوان
[ ٢ / ٩٠ ]
نائما في المسجد، فجاء رجل فأخذ رداءه من تحت رأسه فاتبعه فأدركه، فأتى به النبي ﷺ فقال: هذا سرق ردائي من تحت رأسي، وأنا نائم، فأمر به أن يقطع، فقال: إن ردائي لم يبلغ أن يقطع فيه هذا، فقال: «أفلا قبل أن تأتيني به».
وأشعث كوفي، معروف الرواية عن عكرمة، والفضل بن العلاء، معروف الرواية عنه
فأما أشعث بن براز فبصري، يروي عن البصريين، كقتادة، والحسن، وثابت، وعلي بن زيد، ولا أعرف له رواية عن عكرمة
ويكفي من هذا أنه في الأصل الذي نقل منه على خلاف ما فسر، وأظن أنه نقله وترك تفسير أشعث، فلما جاء إلى الاختصار توهمه ابن براز، وإلى ذلك فإن ابن براز ضعيف أيضًا كابن سوار، فاعلم ذلك.
(٦٤) وذكر ما هذا نصه: وروى النسائي من حديث عصمة بن مالك، وعبد الله ابن الحارث بن أبي ربيعة، أن مملوكًا سرق على عهد رسول الله ﷺ، فرفع إلى النبي ﷺ فعفا عنه، ثم سرق الثانية، والثالثة، والرابعة، وفي كل مرة يرفع إليه، فيعفو عنه، ثم رفع إليه الخامسة، وقد سرق، فقطع يده، ثم رفع إليه السادسة، فقطع رجله، ثم رفع إليه السابعة فقطع يده، ثم رفع إليه الثامنة فقطع رجله،
[ ٢ / ٩١ ]
وقال رسول الله ﷺ: «أربع بأربع»، ولم يقل في حديث عبد الله: «أربع بأربع».
قال: وهذا لا يصح، للإرسال وضعف الإسناد خرجه الدارقطني والحارث بن أبي أسامة. انتهى ما ذكر.
فأقول وبالله التوفيق -: إنه تغير، ولا أعرف موضع التغيير، أهو في قوله: وروى النسائي، أو في قوله: وعبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة؟ ومعنى هذا، هو أن النسائي ليس عنده هذا الخبر هكذا بوجه.
وإنما عنده حديث الحارث بن حاطب، وليس فيه شيء من هذا، وإنما نصه: أخبرنا سليمان بن سلم المصاحفي، أخبرنا النضر - هو ابن شميل - حدثنا حماد، أخبرنا يوسف عن الحارث بن حاطب، أن رسول الله ﷺ أتي بلص فقال: «اقتلوه» قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقتلوه»، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوا يده». [قال] ثم سرق فقطعت رجله ثم سرق على عهد أبي بكر، حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضًا الخامسة، فقال أبو بكر كان رسول الله ﷺ: أعلم بهذا حين قال: «اقتلوه»، ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه، فيهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإمرة، فقال: أمروني عليكم، فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوا حتى قتلوه.
ليس عند النسائي إلا هذا، وليس من ذلك في شيء
[ ٢ / ٩٢ ]
وأما الدارقطني فعنده: حدثنا محمد بن مخلد بن حفص، حدثنا إسحاق ابن داود بن عيسى المروزي، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عم عصمة بن مالك قال: سرق مملوك في عهد النبي ﷺ، فرفع إلى النبي ﷺ فعفا عنه، ثم رفع إليه الثانية قد سرق، فعفا عنه، ثم رفع إليه الثالثة، فعفا عنه، ثم رفع إليه الرابعة، وقد سرق، فعفا عنه، ثم رفع إليه الخامسة، وقد سرق، فقطع يده، ثم رفع إليه السادسة، فقطع رجله، ثم رفع إليه السابعة، فقطع يده، ثم رفع إليه الثامنة، فقطع رجله، وقال رسول الله ﷺ: «أربع بأربع».
فهذا ما ذكر الدارقطني، وأما ما ذكر الحارث بن أبي أسامة فلم أقف عليه، ولعل هذا الذي ساق أبو محمد من عنده.
والمقصود أن نسبة ما عند النسائي إلى عصمة بن مالك وعبد الله بن الحارث، غير صحيحة، فاعلم ذلك
(٦٥) وذكر أيضًا عن أبي داود، عن عائشة قالت: قال: قال رسول الله ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود».
ثم قال: هذا يرويه عبد الملك بن زيد، وعطاف بن خالد، وهما ضعيفان
[ ٢ / ٩٣ ]
هكذا قال: وهو خطأ، وذلك أنه يفهم منه أنه عند أبي داود من رواية هذين، وليس كذلك، وإنما ذكره أبو داود من رواية عبد الملك بن زيد فقط.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري وجعفر بن مسافر التنيسي قالا: حدثنا ابن أبي فديك عن عبد الملك بن زيد - من ولد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - عن محمد بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود». لم يذكر غير هذا.
وأما النسائي فذكره من رواية الرجلين، في طريقين:
أحدهما يرويه ابن أبي مريم، قال: حدثنا عطاف بن خالد، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة.
والآخر من رواية عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عبد الملك بن زيد، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة.
ففي هذا زيادة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في الإسناد، فيكون حديث أبي داود - على هذا - منقطعًا فيما بين محمد بن أبي بكر وعمرة، فاعلم ذلك.
(٦٦) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عبد الله بن يحيى بن أبي كثير - وكان من خيار الناس، وأهل الدين والورع - عن أبيه، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ: «نهى عن أكل أذني القلب».
[ ٢ / ٩٤ ]
ثم قال: رواه إسرائيل بن أبي إسحاق، عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير.
كذا وقع هذا في النسخ، وهو خطأ، ونسبة حديث إلى غير راويه، وليس هذا من رواية إسرائيل بن أبي إسحاق، وعلى أنه لا يوجد إسرائيل هكذا منسوبًا إلى جده، وإنما هو إسرائيل بن يونس بن ابي إسحاق، ولا أيضًا أعرف في الرواة من يقال له: إسرائيل بن أبي إسحاق.
وهذا الحديث إنما رواه عند أبي أحمد، إسحاق بن أبي إسرائيل، عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، وإسحاق بن ابي إسرائيل معروف، وهو منسوب إلى جده، وإنما هو إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل، وكان ثقة وله شأن، وترك الناس حديثه لرأى وقع له، فأظهره في القرآن من الوقف، فترك وحيدًا وهجر، وقد كان الناس إليه عنقًا واحدة ولم يكن متهمًا.
وسأعود إلى ذكر هذا الحديث في باب الأحاديث التي أتبعها كلامًا يقتضي صحتها وليست بصحيحة، إن شاء الله تعالى.
(٦٧) وذكر أيضًا في كتاب اللباس ما هذا نصه: وقد خرج المنع من التحلي بالذهب للنساء، عن ثوبان، وحذيفة، وأبي هريرة، وأسماء بنت يزيد، وغيرهم عن النبي ﷺ، والصحيح الإباحة للنساء، ذكر ذلك النسائي، وأبو داود. انتهى ما ذكر.
وقد كتبت في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها حديث ثوبان،
[ ٢ / ٩٥ ]
وأبي هريرة، وأسماء، وبينت عللها.
فأما حديث حذيفة فلا وجود له فيما أعلم، وخاصة عند النسائي وأبي داود، وإنما ذكرا حديث أخت حذيفة، مع جملة الأحاديث المذكورة وأراه تصحف له.
قال أبو داود: حدثنا مسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن ربعي بن حراش عن امرأته، عن أخت لحذيفة، أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به؟ أما إنه ليس امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به».
وكذا ذكره النسائي من رواية معتمر وسفيان، عن منصور عن ربعي، عن امرأته، عن أخت حذيفة قالت: خطبنا رسول الله ﷺ، فذكرت الحديث.
وعلته الجهل بحال امرأة ربعي بن حراش، فاعلم ذلك.
(٦٨) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة قال: [قال] رسول الله ﷺ: «إن أغبط أوليائي عندي، لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من
[ ٢ / ٩٦ ]
الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضًا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافًا، فصبر على ذلك.
ثم نفض بيد فقال: عجلت منيته، قلت بواكيه، قل تراثه».
كذا وقع في النسخ، وهو خطأ، إنما هو حديث أبي إمامة، وسكت عنه، وقد بينا ضعف إسناده في باب الأحاديث التي سكت عنها وليست بصحيحة.
(٦٩) وذكر من طريق مسلم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة».
كذا رأيته في نسخ، وهو خطأ، ونسبة الحديث إلى غير راويه، وإنما هو في كتاب مسلم، عن الأغر المزني، يحدث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ، فذكره
والأغر المزني صحابي، وقد رأيته في نسخة على الصواب، ولا أدري لعله أصلح فيها
[ ٢ / ٩٧ ]