[ ٣ / ٨٧ ]
اعلم أنه يجب النظر في هذا الباب، خوفا مما يوهمه إعراضه عما يجب إعلال الحديث به: من كونه ثقة عنده، ولا سيما إذا كان من يرى ذلك من لا علم عنده بهذا الشأن، فهذا يسرع إلى اعتقاد انحصار علة الخبر فيمن نبه عليه من رواته دون من سواه.
ولعل علته إنما هي فيما ترك التنبيه عليه، وقد تكون الجناية منه، لا ممن نبه عليه.
وسترى فيه أحاديث يذكرها من طريق أبي أحمد، فيعل الحديث منها بذكر رجل، وأبو أحمد قد أعله به وذكره في بابه، وذكره أيضا في باب غيره، وجوز أن تكون الجناية فيه منه، ويقتصر أبو محمد على أحدهما، وما ذاك إلا لأنه لم يبحث عنه في باب آخر، بعد أن وجده في باب من نبه عليه، فهو بفعله هذا، يعصب الجناية برأس أحدهما، ولعل الذي اعترى الخبر من وهم، أو وضع، أو زيادة، أو نقص، من غيره، لا منه، ورب ملوم لا ذنب له.
ونهاية ما يعتذر به لأبي محمد أن يقال: إنه بذكره من هو علة للخبر قد أسقط به الخبر وأبطله، وكونه من رواية ضعيف آخر، لا يزيد في هذا الحكم، فلذلك اكتفى به.
وهذا عذر ضعيف، فإنه قد يعل الخبر بمن لا يراه غيره علة له، ويترك من هو عنده علة، فقد التحق عمله هذا من هذا الوجه، برميه الأخبار بالضعف من غير أن يذكر عللها، وهذا إذا قبل منه فقد قلد في رأيه، وليس ذلك بجائز، وإنما تقبل منه روايته لا رأيه.
والذي يعتري أبا محمد هذا فيه من الأحاديث، هو قسمان:
قسم إنما يذكر الأحاديث فيه بغير أسانيدها، ثم يعمد من إسناد الحديث
[ ٣ / ٨٩ ]
منها إلى رجل، ويكون فيمن ترك من لعل الجناية منه.
وقسم إنما يذكر الأحاديث فيه ببعض أسانيدها، ثم يعمد من القطعة التي اقتطع من الإسناد إلى أحد من فيها، فيعل الحديث به، ويعرض عن آخر، أو أخر، ويعل الحديث بمن ليس في القطعة التي اقتطع، ويترك في القطعة من يجب التنبيه عليه.
وصنيعه في هذا أخف من وجه، وذلك أنه في الأول طوى ذكر من لعل الجناية منه، وذكر غيره، وفي هذا لم يطو ذكره، بل أبرزه وعرضه لنظر المطالع، وفي كليهما من إيهام سلامته ما ذكرناه.
وقد يذكر أحاديث بقطع من أسانيدها، ولا يعرض لها بتعليل.
فمنها ما تكون علته فيما أبرز من القطع.
ومنها ما تكون علته فيما ترك من الإسناد واقتطعه مما فوقه، فيكون هذا من هذا الباب، إلا أنا لم نذكره فيه لما لم يعلل الحديث، وأخرنا ذلك إلى باب الأحاديث التي ذكرها بقطع من أسانيدها، بحيث يتوهم أنه صححها؛ لأنه لم يحل بما ذكره على متقدم ولا متأخر من بيانه، وسكت عنها.
فلأجل أنه قد يظن بهذا النوع أنه صحيح عنده، أفردناه بباب بعد باب الأحاديث المصححة بسكوته.
والذين يترك إعلال الأخبار بهم في هذا الباب هم: إما ضعفاء، وإما مستورون، ممن روى عن أحدهم اثنان فأكثر، ولم تعلم مع ذلك أحوالهم، وإما مجهولون، وهم من لم يرو عن أحدهم إلا واحد، ولم يعلم مع ذلك
[ ٣ / ٩٠ ]
حاله، فإنه قد يكون فيمن لم يرو عنه إلا واحد من عرفت ثقته وأمانته.
فلنذكر الباب قسمين، باعتبار التقسيم الأول، ثم كل قسم منهما ثلاثة أقسام، باعتبار التقسيم الثاني، إن شاء الله تعالى
(٧٨١) فمن ذلك أنه ذكر من طريق الدارقطني عن عثمان، أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ هكذا ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله» الحديث.
ثم أتبعه أن قال: هذا يرويه البيلماني عن عثمان.
لم يزد على هذا، فلقائل أن يقول: ومن لنا بأنه علل الحديث بهذا القول حتى ندخله في هذا الباب؟
فأقول: قد بين مذهبه في البيلماني في غير هذا الحديث
(٧٨٢) ذكر حديث سرق في بيع من عليه دين.
من رواية مسلم بن خالد، عن عبد الرحمن البيلماني.
ثم قال: مسلم وعبد الرحمن لا يحتج بهما
(٧٨٣) وحديث: «قتل مسلم بكافر» من رواية ابن البيلماني عن ابن
[ ٣ / ٩١ ]
عمر.
ثم قال: ولا يصح من أجل البيلماني
(٧٨٤) وكذلك حديث: «من مثل بم ملوكه فهو حر» من رواية ابن البيلماني عن ابن عمر.
ثم قال: هذا ضعيف
(٧٨٥) وكذلك حديث: «الشفعة كحل العقال».
وعبد الرحمن هذا، هو مولى عمر سمع من ابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن عبسة، وسرق، ويعنعن عن عثمان، ولا يبعد سماعه منه.
روى عنه سماك بن الفضل، وزيد بن أسلم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعبد الملك بن المغيرة الطائفي، ويزيد بن طلق، وهو لين الحديث.
وقال الموصلي: إنه منكر الحديث، روى عن ابن عمر بواطل.
فإذ قد بينا أن كلامه المذكور تعليل، وإن احتمل غير ذلك - كما قدمنا في قوله في الباب الذي فرغنا منه: في إسناده سهل بن أبي الصلت السراج
[ ٣ / ٩٢ ]
فاعلم أنه قد ترك في إسناد هذا الحديث من هو أولى بأن يضعف الخبر به من عبد الرحمن هذا، فإنه حديث يرويه صالح بن عبد الجبار، عن ابن البيلماني، عن أبيه، عن عثمان.
وابنه هو محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، قال الترمذي عن البخاري: إنه منكر الحديث، وقد قال في كتابه الأوسط: كل من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه.
وقد ضعف أبو محمد من أجله أحاديث
(٧٨٦) منها حديث في «إنكاح الأيامى»
(٧٨٧) وحديث: «وآتوا النساء صدقاتهن نحلة» قيل: وما العلائق بينهم
(٧٨٨) وحديث: «استهلال الصبي العطاس».
وصالح بن عبد الجبار راويه عنه، مجهول الحال، ولا أعرفه في غير هذا الحديث، وفي حديث: «أنكحوا الأيامى»، المنبه عليه الآن
(٧٨٩) وذكر من طريق الترمذي حديث ابن عمر: «الوقت الأول رضوان الله» الحديث
[ ٣ / ٩٣ ]
ثم رده بأن قال: هذا يرويه عبد الله بن عمر العمري وقد تكلموا فيه، انتهى ما ذكر.
وهو عجب أن يكون عبد الله بن عمر العمري - وهو رجل صالح، قد وثقه قوم وأثنوا عليه، وضعفه آخرون من أجل حفظه، لا من أجل صدقه وأمانته علة للحديث، يرويه عنه يعقوب بن الوليد المدني، وهو كذاب، هذا لو قصده كان ظلما للعمري المذكور، إذ لا يصل إليه الخبر المذكور، إلا على لسان من لعله كذب عليه.
قال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يعقوب بن الوليد المدني، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله».
ولم يسق له الترمذي إسنادا غيره، وكذا وقع أيضا في كتاب الدارقطني، من طريق أحمد بن منيع المذكور، عن يعقوب بن الوليد.
ويعقوب هذا، أحد المنسوبين إلى الكذب، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان من المكذابين الكبار، وكان يضع الحديث.
وقال أبو حاتم: كان يكذب، والحديث الذي رواه موضوع.
وأبو أحمد بن عدي، إنما حمل عليه فيه وفي بابه ذكره، وذكر أن محمد بن هارون بن حميد، كان يرويه عن ابن منيع، عن يعقوب بن الوليد، عن عبيد الله مصغرا - وهو الثقة المأمون - يعني أخا عبد الله بن عمر
[ ٣ / ٩٤ ]
ورواه ابن صاعد، وإبراهيم بن أسباط، عن ابن منيع، عن يعقوب، عن عبد الله بن عمر مكبرا - وهو المضعف.
ثم قال: هكذا كان ابن حميد يقول: عن عبيد الله، والصواب ما حدثنا به ابن صاعد، وابن أسباط، على أنه باطل بهذا الإسناد، قيل فيه: عبيد الله، أو عبد الله.
ويعقوب هذا عامة ما يرويه من هذا الطراز، فليس بمحفوظ، وهو بين الأمر في الضعفاء. انتهى كلام أبي أحمد.
وقد تبين المقصود من أنه ضعف الخبر بمن غيره أحق بالحمل عليه فيه منه
(٧٩٠) وذكر حديث: «إقامة عبد الله بن زيد».
وترك دون من أعله به محمد بن عمرو الواقفي، وهو ضعيف.
وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي لم يبين من أسانيدها مواضع العلل
(٧٩١) وذكر من طريق أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر» الحديث
[ ٣ / ٩٥ ]
ثم قال: هذا يرويه مغراء العبدي، والصحيح فيه موقوف، ومغراء روى عنه أبو إسحاق، على أن قاسم بن أصبغ ذكره في كتابه - يعني مسندا -
انتهى كلامه.
فنقول - وبالله التوفيق -: ليس الشأن في مغراء العبدي، فإنه لم يثبت فيه ما يترك له حديثه، وهو أبو المخارق النساج، يروي عن ابن عمر، وروى عنه أبو إسحاق الهمداني، والأعمش، والحسن بن عبيد الله وليث بن أبي سليم، ويونس بن أبي إسحاق، وقد عهد أبو محمد يحتج بمن هذه حاله، أن يروي عنه جماعة، ولا يحفظ فيه لأحد تجريح، فقد كان ينبغي له على هذا الأصل أن لا يعل الحديث به، وعلى أنه لا بأس به عند الكوفي ذكر ذلك عنه أبو العرب التميمي، وليس ذلك في كتاب الكوفي.
والخبر المذكور إنما علته راويه عن مغراء العبدي، وهو أبو جناب: يحيى بن أبي حية الكلبي، فإنه يضعف، وممن ضعفه النسائي، وابن معين، وأبو حاتم، وكان يحيى القطان يضعفه كثيرا، ويوجد فيه لابن حنبل التوثيق، ولكن مع وصفه بالتدليس وهو عندهم مشهور به
[ ٣ / ٩٦ ]
قال ابن نمير: هو صدوق، ولكن فشا في حديثه التدليس، وهو لم يقل في هذا الحديث: حدثنا مغراء، فهذا هو المتقى فيه
(٧٩٢) وقد ذكر أبو محمد من طريق أبي أحمد حديث ابن عباس، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث علي فريضة، ولكم تطوع: الوتر، والضحى، وركعتا الفجر».
ثم قال بإثره: أبو جناب: يحيى بن أبي حية، لا يؤخذ من حديثه إلا ما قال فيه: حدثنا لأنه كان يدلس، وهو أكثر ما عيب به، ولم يقل في هذا الحديث: حدثنا عكرمة، ولا ذكر ما يدل عليه، انتهى كلامه.
وهذا هو الذي ينبغي أن يعل به هذا الخبر، أو يذكر مع ما ذكر من أمر مغراء فاعلمه
(٧٩٣) وذكر من طريق أبي أحمد حديث الحكم بن عمير، قال: قال
[ ٣ / ٩٧ ]
رسول الله ﷺ: «اثنان فما فوقهما جماعة».
ورده بأن قال: رواه عيسى بن إبراهيم بن طهمان، وهو منكر الحديث، ضعيفه عندهم.
لم يزد على هذا، وهذا الحديث إنما يرويه عند أبي أحمد، بقية، عن عيسى بن إبراهيم المذكور، قال: حدثني ابن أبي حبيب - يعني عمه موسى ابن أبي حبيب - قال: سمعت الحكم بن عمير، فذكره، وذكر أن له بهذا الإسناد نحوا من عشرين حديثا، وتنتهي إلى أكثر - يعني من رواية بقية عنه، عن عمه، عن الحكم -.
وموسى هذا ضعيف، وبقية من قد علمت حاله في رواية المنكرات، فما ينبغي أن يحمل فيه على عيسى وقد اكتنفه ضعيفان من فوق ومن أسفل
[ ٣ / ٩٨ ]
(٧٩٤) وذكر من طريق الترمذي، من رواية خالد بن إلياس، يسنده إلى
[ ٣ / ٩٩ ]
أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ ينهض في الصلاة على ظهور قدميه».
ثم قال: قال أبو عيسى: خالد بن إلياس ضعيف عند أهل الحديث. انتهى ما ذكر.
ولا أدري لم لم يذكر أن خالد بن إلياس، إنما يرويه عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، وأسقطه إسقاطا، وجعل مكانه قوله: «يسنده إلى أبي هريرة»، فلو كان صالح ثقة، جاز له ذلك الاقتصار على موضع العلة.
وصالح ليس بأمثل من خالد بن إلياس، وما إطلاقهم عليه في التضعيف إلا كإطلاقهم على خالد، بل قد تفسر فيه ما رموا به حديثه، وهو شدة الاختلاط، وبقي الأمر في خالد محتملا، بحيث يمكن أن يكون معنى تضعيفهم إياه، أنه ليس كغيره ممن هو فوقه في العدالة.
فإذن لا معنى لتضعيف الحديث بخالد وترك صالح.
وقد ذكر أبو محمد في الجنائز اختلاط صالح، واعتبار قديم حديثه من حديثه.
وخالد لا يعرف متى أخذ عنه، فاعلم ذلك.
(٧٩٥) وذكر من طريق الترمذي، حديث بلال «في قيام الليل»، محالا
[ ٣ / ١٠٠ ]
به على حديث سلمان، ولم يذكر متنه، وأعله بمحمد بن سعيد المصلوب.
وهو كما ذكر، ولكن في الإسناد غيره ممن لا ينبغي الإعراض عنه لجواز أن تكون الجناية منه، وإن كان لا يداني محمد بن سعيد في سوء الحال.
قال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو النضر، حدثنا بكر بن خنيس، عن محمد القريشي عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد».
قال: هذا حديث [حسن] غريب، لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه، ولا يصح من قبل إسناده، سمعت محمدا يقول: محمد القرشي، هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قيس، وهو محمد بن حسان وقد ترك حديثه. انتهى كلامه.
وعنده بعده إشارة إلى حديث أبي أمامة بذلك.
وقد كتبناه في باب الأحاديث التي أورده على اأنها متصلة وهي منقطعة.
والذي قصدت بيانه الآن هو أن بكر بن خنيس أعرض عن ذكره، وهو
[ ٣ / ١٠١ ]
عندهم ضعيف.
قال فيه ابن معين: ضعيف لا شيء.
وقال أبو حاتم: كان رجلا صالحا غرا، وليس هو بقوي في الحديث، وسألت عنه علي بن المديني فقال: للحديث رجال.
ولا ينبغي أن يقارب ما بينه وبين محمد بن سعيد، فإن محمد بن سعيد هالك، ولكنه أيضا - أعني بكر بن خنيس - لو لم يكن في الحديث غيره كان علة فيه، فاعلم ذلك
(٧٩٦) وذكر من طريق الدارقطني من حديث عمار بن ياسر، وعلي بن أبي طالب، أنهما سمعا رسول الله ﷺ: «يكبر في دبر كل الصلوات المكتوبة من صلاة الفجر غداة عرفة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق».
ثم أتبعه أن قال: في إسناده جابر بن يزيد الجعفي، وقد اختلف عنه.
هذا ما ذكر به هذا الخبر، وهو اختصر لفظه، وهو حديث ضعيف، لكن لا يتعين للحمل عليه فيه جابر الجعفي، بل لعل الجناية من غيره ممن هو أضعف منه لا يصل إليه إلا به.
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن القاسم بن زكرياء المحاربي بالكوفة، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن عبد الواحد، قال: حدثنا سعيد بن عثمان،
[ ٣ / ١٠٢ ]
قال حدثني عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، أنهما سمعا رسول الله ﷺ: «يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن، ويقنت في صلاة الفجر والوتر، ويكبر في دبر الصلوات المكتوبات من صلاة الفجر غداة عرفة، إلى صلاة العصر، آخر أيام التشريق، يوم دفعة الناس العظمى».
ذكره الدارقطني من طرق.
واللفظ الذي أورده أبو محمد إنما هو في هذا، اقتطعه منه على عادته في اختصار ما يحتاج إليه.
وهو كما ترى لا يصل إلى جابر الجعفي إلا برواية عمرو بن شمر الجعفي أيضا، وهو أحد الهالكين.
قال السعدي: عمرو بن شمر زائغ كذاب.
وقال عمرو بن علي: عمرو بن شمر واهي الحديث.
وروى الدوري عن ابن معين قال: عمرو بن شمر ليس بثقة.
زاد غيره عنه: ولا يكتب حديثه.
وقال فيه أبو حاتم: «منكر الحديث جدا، لا يشتغل به، متروك الحديث»
[ ٣ / ١٠٣ ]
وقال البخاري فيه: «منكر الحديث».
وقال النسائي: «متروك الحديث».
وقال أبو حاتم البستي: «كان رافضيا يشتم الصحابة ﵃ ويروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت».
فعلى هذا لا ينبغي تعصيب الجناية في هذا الحديث برأس جابر الجعفي، فإن عمرو بن شمر ما في المسلمين من يقبل حديثه.
وسعيد بن عثمان الراوي لهذا الحديث عنه لا أعرفه، وفي طبقته من يتسمى هكذا من يشبه أن يكونه، ولا أحققه.
وقول أبي محمد: إن جابرا الجعفي، قد اختلف عليه فيه، يوهم أن غير عمرو بن شمر رواه عنه، وهذا ما لا يوجد في علمي، وإنما الاختلاف فيه على عمرو بن شمر، وذلك أن سعيد بن عثمان المذكور، قال عنه ما ذكرناه، وكذلك قال عنه أسيد بن زيد كلاهما يقول فيه: عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي الطفيل، عن علي، وعمار.
ورواه مصعب بن سلام، عن عمرو بن شمر، فقال فيه: عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر: وهو محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه علي بن حسين، عن جابر بن عبد الله، قال: «كان رسول الله ﷺ يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، حين يسلم من المكتوبات»
[ ٣ / ١٠٤ ]
ورواه محفوظ بن نصر، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي، عن جابر أن رسول الله ﷺ: «كبر يوم عرفة، وقطع في آخر أيام التشريق».
أسقط من الإسناد علي بن حسين، وهكذا رواه عن عمرو بن شمر رجل يقال له: نائل بن نجيح، وقرن بأبي جعفر: محمد بن علي عبد الرحمن بن سابط، وزاد في المتن كيفية التكبير فقال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول: على مكانكم، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، والله أكبر، ولله الحمد، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق».
هذا الاختلاف كله على عمرو بن شمر، ذكره الدارقطني فاختصره أبو محمد بأن قال: اختلف عليه يعني على جابر، فأساء الاختصار.
ثم أورد أبو محمد بعده هذا اللفظ الأخير الذي رواه نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، وأعله أيضا بجابر الجعفي معرضا عن عمرو بن شمر، كما كان في الذي قبله، وزاد إلى ذلك الإعراض عن نائل ابن نجيح، وهو غير معروف، فاعلم ذلك
(٧٩٧) وذكر من طريق الدارقطني عن أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: «على خمسين جمعة، ليس فيما دون ذلك»
[ ٣ / ١٠٥ ]
ثم قال: في إسناده جعفر بن الزبير، وهو متروك.
لم يزد على هذا، ولو كان جعفر بن الزبير ثقة، ما صح هذا الحديث من أجل غيره من رواته، وهم جماعة.
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن الحسن النقاش، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي، والحسين بن إدريس، قالا: حدثنا خالد بن الهياج، قال: حدثنا أبي، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن نبي الله ﷺ قال: فذكره.
فأما القاسم فقد تقدم ذكره وهو يوثقه ويصحح حديثه، كما فعل الترمذي، فلا نؤاخذه به، وإن كان مختلفا فيه.
وهياج بن بسطام الهروي، ضعيف الحديث ليس بشيء، قاله ابن معين.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.
وابنه خالد بن هياج، لا أعرفه في شيء من كتب الرجال مذكورا بذكر يخصه، مترجما باسمه، وهي مظان وجوده ووجود أمثاله، ولكنه عرض لابن أبي حاتم ذكره في باب أبيه هياج، فعده في جملة الرواة عنه
[ ٣ / ١٠٦ ]
وعرض له أيضا ذكره في باب الحسين بن إدريس راوي هذا الحديث عنه، فذكره ذكرا يمسه، وذلك أنه قال: الحسين بن إدريس، الأنصاري، الهروي، المعروف بابن خرم روى عن خالد بن هياج بن بسطام، كتب إلي بجزء من حديثه، عن خالد بن هياج بن بسطام، فأول حديث منه باطل، والثاني باطل، والثالث ذكرته لعلي بن الحسين بن الجنيد، فقال: أحلف بالطلاق أنه حديث ليس له أصل، وكذا هو عندي، فلا أدري منه، أو من خالد بن هياج. انتهى ما ذكر ابن أبي حاتم في باب حسين بن إدريس.
فأما المقرون بالحسين بن إدريس، وهو محمد بن عبد الرحمن، فأراه أبا عبد الله الهروي، وهو صدوق.
ومحمد بن الحسن النقاش، شيخ الدارقطني، هو صاحب التفسير، وهو عندهم ضعيف قال عبيد الله بن أبي الفتح: ذكر طلحة بن محمد بن جعفر محمد بن الحسن النقاش فقال: كذب في الحديث، والغالب عليه القصص.
وقال أبو بكر البرقاني: كل حديثه منكر
(٧٩٨) وجرى له قصص في حديث رواه عن أبي غالب بن بنت معاوية، «في سؤال النبي ﷺ ربه أن لا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه»
[ ٣ / ١٠٧ ]
فأنكره عليه الدارقطني فرجع عنه
(٧٩٩) وحديث آخر رواه عن يحيى بن محمد بن صاعد، أنكر عليه.
قال الخطيب: وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وأقل مما شرح في هذين الحديثين تسقط به عدالة المحدث، ويترك الاحتجاج به. انتهى كلامه.
والمقصود أن تعلم أن تضعيف هذا الحديث بجعفر بن الزبير، ظلم له، إذ فوقه وتحته من لعل الجناية منه، فاعلم ذلك
(٨٠٠) وذكر من طريق أبي داود عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي ﷺ: «نهى عن الحبوة يوم الجمعة» الحديث.
ثم قال: إسناده ضعيف، وقال فيه الترمذي: حسن. انتهى ما ذكر
وسهل بن معاذ ضعيف، ويرويه عنه أبو مرحوم: عبد الرحيم بن ميمون، وهو أيضا ضعيف الحديث، قاله ابن معين.
وقد طوى أبو محمد ذكره في ظاهر الأمر، وإن كان عنى بقوله: إسناده
[ ٣ / ١٠٨ ]
ضعيف جميع من فيه، فهو من باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها
(٨٠١) وذكر من طريق الدارقطني عن عائشة، عن النبي ﷺ: «إذا صلى الرجل على الجنازة، فقد انقطع ذمامها» الحديث.
وتشاغل فيه بمخالفة من وقفه على عروة، رافعه: عبد الله بن عبد العزيز، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ.
وقد بينا ما اعتراه فيه في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة.
ونبين الآن أن عبد الله بن عبد العزيز الليثي، ضعيف، وقد شرحنا ذلك كله في الباب المذكور
(٨٠٢) وذكر من طريق البزار، في زكاة البقر، حديث ابن عباس: «فيه ذكر الأوقاص».
ثم رده بأن قال: بقية لا يحتج به.
ولم يعرض لمن هو أضعف منه، وهو المسعودي.
وإنما يرويه البزار هكذا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبوية المروزي، قال: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، عن المسعودي، عن الحكم، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: «لما بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا، أو تبيعة، جذعا، أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة، بقرة مسنة» الحديث
[ ٣ / ١٠٩ ]
والمسعودي أحد المختلطين، حتى كان لا يعقل، وسيأتي له ذكر بعد
(٨٠٣) وذكر من طريق أبي داود عن عائشة، أن النبي ﷺ «كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها».
ثم قال: لا تصح هذه الرواية؛ لأنها من حديث محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، ولا يحتج بهما، وقد قال ابن الأعرابي عن أبي داود: هذا الحديث ليس بصحيح.
كذا قال، وهذا الحديث إنما يرويه سعد بن أوس المذكور، عن مصدع أبي يحيى، عن عائشة.
فأعرض عنه أبو محمد لأنه - والله أعلم - نظره حين كتبه عند ابن أبي حاتم فلم ير فيه شيئا، ووجده يروي عنه جماعة، فجرى فيه على أصله في هؤلاء، واعتل على الحديث بما ليس بعلة، فإن محمد بن دينار الطاحي صدوق، ليس به بأس، ويروى عن ابن معين استضعاف حديثه، وذلك - والله أعلم - بقياسه إلى غيره ممن هو فوقه، وإلا فقد روي عنه أنه قال فيه: لا بأس به، وقد قال عن نفسه: كل من قلت: «لا بأس به»، فهو عندي ثقة.
وقال فيه أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: لا بأس به
[ ٣ / ١١٠ ]
والرجل لم يكن له كتاب، وهذا لا يضره إذا حفظ ما حدث به.
وسعد بن أوس، الكاتب العبدي - ويقال: العدوي - قال فيه أبو حاتم: صالح ويروى أيضا عن ابن معين استضعاف حديثه ولعله أيضا بالإضافة كما قلناه، وإن لم يكن كذلك، فما قوله بضربة لازب، إذ لم يفسر جرحة فيقبل نقله لها.
أما أبو يحيى مصدع الأعرج ويقال له: المعرقب، عرقب في التشيع، فضعيف، قال السعدي: كان زائغا، جائرا عن الطريق، وفي بابه ذكر أبو أحمد هذا الحديث، وعليه أنكره، وقال له ولحديث آخر ذكره: هما معروفان به. فإذن علة الخبر إنما هي هذه، فاعلم ذلك
(٨٠٤) وذكر من طريق الدارقطني عن أنس، قال رسول الله ﷺ: «من أفطر يوما من شهر رمضان من غير عذر فليصم شهرا».
ثم قال: يروى من حديث مندل بن علي، ومصاد بن عقبة، ولا يصح.
كذا أورده، ولم يبين علته، ولا ذكر من إسناده سواهما، وأوهم أنهما جميعا في إسناد واحد، وليس الأمر كذلك.
وبيان هذا هو أن الدارقطني قال: حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا الحسن
[ ٣ / ١١١ ]
ابن علي بن شبيب، حدثنا عبد الله ابن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا أبو عبد الله: محمد بن صبيح، عن عمر بن أيوب الموصلي، عن مصاد بن عقبة، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الوارث الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: «من أفطر يوما من شهر رمضان من غير رخصة ولا عذر، كان عليه أن يصوم ثلاثين يوما، ومن أفطر يومين كان عليه ستون، ومن أفطر ثلاثة [أيام] كان عليه تسعون يوما».
قال الدارقطني: «لا يثبت هذا الإسناد، ولا يصح عن عمرو بن مرة»
انتهى كلام الدارقطني.
هذا إسناد مصاد، ولا ذكر فيه لمندل، وهو غاية في الضعف، وليس فيه أهون أمرا من مصاد بن عقبة، فإنه قد روى عنه جماعة: منهم موسى بن أعين، وعمرو بن أيوب الموصلي، والمعافى بن عمران.
ويروي عن مقاتل بن حيان وزياد بن سعد، قاله أبو حاتم.
وإن كنا لا نعرف حاله، فإن أصل أبي محمد في هؤلاء يقضي أن يقبله، وتضعيفه الحديث من أجله ليس على أصله، وترك أن يبين أنه من رواية عبد الوارث الأنصاري.
وقد ذكر الترمذي عن البخاري أنه منكر الحديث
[ ٣ / ١١٢ ]
وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال فيه: مجهول.
وأما إسناد مندل فقال الدارقطني:
حدثنا أبو بكر النيسابوري، قال: حدثنا أبو أمية الطرسوسي، وحدثنا محمد بن مخلد قال: حدثنا العلاء بن سالم أبو الحسن قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مندل بن علي، عن أبي هاشم، عن عبد الوارث، عن أنس ابن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من أفطر يوما من رمضان من غير عذر فعليه صيام شهر».
وعبد الوارث هو المتقدم الذكر، وأبو هاشم مجهول البتة.
وقد ذكره ابن الجارود في كتابه في الكنى، عن عبد الوارث عن أنس، وقال: روى أبو نعيم عن مندل عنه يعني هذا ثم قال: «حديث منكر».
ولم يسمه ولا عرف من أمره بمزيد.
فإذن لا ينبغي أن يقتصر في تعليل الحديثين على مندل ومصاد فاعلم ذلك
(٨٠٥) وذكر من طريق الدارقطني حديث ابن عمر: «فيمن أهدى تطوعا، ثم ضلت، فليس عليه البدل» الحديث
[ ٣ / ١١٣ ]
ورده بعبد الله بن عامر.
وهذا الطريق الذي أشار إليه، الذي فيه عبد الله بن عامر، فيه أيضا محمد ابن مصعب، يرويه عن الأوزاعي، عن عبد الله بن عامر، عن نافع، عن ابن عمر.
ويرويه عن محمد بن مصعب، أبو زيد: أحمد بن عبد الرحيم.
ومحمد بن مصعب، هو القرقساني وهو قد تولى تضعيفه، ونقل كلام المحدثين فيه في مواضع غلط في بعضها نذكره فيه.
وقد تقدم ذكر ذلك في باب الأحاديث التي نسبها إلى غير رواتها.
وأبو زيد: أحمد بن عبد الرحيم لا يعرف حاله.
وذكر بعده أنه يروى من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، يسنده إلى ابن عمر، قال: ولا يصح أيضا.
لم يزد على هذا، كأنه اكتفى في ابن أبي الزناد بما قدم من ذكره في غير هذا الموضع.
وبقي عليه أن يبين أنه من رواية عبد الله بن شبيب، عن عبد الجبار بن سعيد، عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير عن ابن عمر.
فأبو الزبير مدلس، وعبد الجبار هو المساحقي، ولا يعرف حاله،
[ ٣ / ١١٤ ]
وعبد الله بن شبيب هو الأخباري، أبو سعيد الربعي المكي، تركه ابن خزيمة.
وقال [فضلك] الرازي: عبد الله بن شبيب يحل ضرب عنقه.
وقال غيره: هو ذاهب الحديث
(٨٠٦) وذكر من طريق ابن وهب حديث: «من جاز عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له».
ثم قال: رواه مرسلا عن عمرو بن شعيب وسلمة بن كهيل، عن النبي ﷺ، وفي إسناده يزيد بن عياض وهو متروك. انتهى قوله فيه.
والحديث هو في موطأ ابن وهب هكذا:
أخبرنا يزيد بن عياض، عن إسحاق بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب وسلمة بن كهيل، أن رسول الله ﷺ قال: «هذا الموقف وكل عرفة، وارتفعوا عن بطن عرنة، ومن جاز بطن عرفة قبل أن تغيب الشمس فعليه حج قابل».
هكذا هو عنده: فبين أبو محمد أمر يزيد بن عياض، وترك إسحاق بن عبد الله - وهو ابن أبي فروة - وهو يرمى بالكذب، وكذلك يزيد بن عياض،
[ ٣ / ١١٥ ]
ولعمري إنه في صنيعه هذا لا أعذر منه، فيما إذا كان من ترك التنبيه عليه تحت من ضعف به، فإنه يمكن حينئذ أن تكون الجناية ممن طوى ذكره، ويكون من ضعف به بريئا، أما في مثل هذا فيمكن أن يكون إسحاق بريئا، ويزيد لا يصدق عليه، وأشد ما يكون [هذا] قبحا إذا أبرز ذكره، فاعلم ذلك
(٨٠٧) وذكر من مسند ابن أبي شيبة عن جابر، أن النبي ﷺ قال لهم: «خذوا حصى الجمار من واد محسر».
ثم قال: في إسناده عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف عندهم.
كذا قال، وهو كما ذكر، ولكنه ترك من لا يصح به ولو كان عبد الله بن عامر ثقة.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا محبوب القواريري، عن عبد الله بن عامر، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
أبو الزبير مدلس، ولم يذكر سماعا، ولا هو من رواية الليث عنه.
ومحبوب بن محرز القواريري لم تثبت عدالته، وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: يكتب حديثه، قيل: يحتج به؟ قال: يحتج بحديث شعبة وسفيان
[ ٣ / ١١٦ ]
وسيأتي في هذا الباب قول الدارقطني فيه: ضعيف
(٨٠٨) وذكر من طريق الدارقطني عن أبي المهزم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «أنه قضى في بيض النعام يصيبه المحرم بثمنه»
(٨٠٩) وعن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ: «أنه قضى في بيض النعام أصابه محرم بقدر ثمنه».
ثم قال: أبو المهزم وحسين ضعيفان، وأبو المهزم أكثر. انتهى قوله.
وإنما ذكرنا حديث حسين بن عبد الله هاهنا؛ لأنه ملازم في ذكره لحديث أبي المهزم وإلا فهو من القسم الآخر الذي سنذكر بعد إن شاء الله - أعني الذي يذكر فيه الأحاديث بقطع من أسانيدها، ثم يعللها ببعض رواتها -.
فاعلم الآن أن الذي أعل به هذين الحديثين، علة كافية لو صح الخبر إليهما - أعني في الأول إلى أبي المهزم، وفي الثاني إلى حسين - ولكن من لنا بذلك، والأول إنما يرويه عن أبي المهزم علي بن غراب، بلفظة «عن» ولم يقل: «حدثنا» وهو مشهور التدليس وإن كان صدوقا
[ ٣ / ١١٧ ]
(٨١٠) وقد ذكر أبو محمد من طريق أبي أحمد حديث أنس: «اعقلها وتوكل».
وأعرض فيه عن رجل هو علته، فإنه مجهول، وهو المغيرة بن أبي قرة، وتشاغل بعلي بن غراب، فبين تدليسه، وأنه لم يقل: «حدثنا المغيرة»، فهذا يلزمه مثله هاهنا.
وأما الثاني - أعني حديث كعب بن عجرة - فإنه أغضى فيه عمن لا يجوز الإغضاء عنه، وهو إبراهيم بن أبي يحيى، فهو يرويه عن حسين المذكور.
وابن أبي يحيى كذاب، وقد قيل فيه ما هو شر من الكذب، فاعلم ذلك
(٨١١) وذكر حديث الزبير في «النهي عن أن يقاتل عن أحد من المشركين إلا عن أهل الذمة».
ورده بالانقطاع، وما فيه انقطاع، وضعفه برشدين، وأعرض عن نعيم
[ ٣ / ١١٨ ]
(٨١٢) وهو قد أعل به حديث: «قوم يقيسون الأمور برأيهم».
وقد تقدم ذكر هذا الحديث في الباب الذي قبل هذا
(٨١٣) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي، عن زياد بن حدير، عن علي قال: «لئن بقيت إلى قابل لأقتلن نصارى بني تغلب، ولأسبين الذرية، أنا كتبت العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ» الحديث.
ثم قال: وقد رواه من طريق آخر فيه عبد الرحمن بن عثمان البكراوي، وهو ضعيف أيضا.
وهذا هو المراد ببيان ما فيه الآن، وذلك أن هذا الطريق الذي فيه البكراوي فيه أيضا الكلبي، وهو أشهر من ينسب إلى الكذب فما مثله أعرض عنه إلى غيره
[ ٣ / ١١٩ ]
قال أبو أحمد: حدثنا أبو يعلى، حدثنا القواريري، حدثنا عبد الرحمن ابن عثمان البكراوي، حدثنا الكلبي، حدثنا الأصبغ بن نباتة، عن علي قال: «شهدت النبي ﷺ صالح نصارى العرب من بني تغلب على أن لا ينصروا أولادهم فإن فعلوا فقد برئت منهم الذمة»، فقد - والله - فعلوا، فوالله لئن جاءني هذا الأمر لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم.
الكلبي لا يسمح له، فإنه كذاب، والأصبغ بن نباتة أيضا ضعيف.
وقد تقدم ذكر ما اعترى أبا محمد في كلامه على هذا الحديث - من غير هذا المعنى - في باب النقص من الأسانيد، فاعلم ذلك
(٨١٤) وذكر حديث ابن عباس «اجتنبوا من النكاح أربعا» من عند الدارقطني.
ورده بالحسن بن دينار
وقد بينا في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها، أن الحسن بن دينار لا ذكر له في هذا الحديث، وإنما هو عند الدارقطني، من رواية الحسن بن عمارة.
ونريد الآن هنا أن دون الحسن بن عمارة مجهولين:
أحدهما عبد الله بن سعيد أبو الخصيب
[ ٣ / ١٢٠ ]
والآخر سليمان بن عبد العزيز
(٨١٥) وذكر من طريق الدارقطني عن جابر، قال رسول الله ﷺ: «لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم».
ثم قال: فيه مبشر بن عبيد وهو متروك.
وهو كما قال، ولكن بقي عليه أن يبين أنه من روايته عن الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف مدلس عن الضعفاء، وكذا هو عنده وقد تقدم ذكره له
(٨١٦) وذكر من طريق الترمذي، عن عبد الله بن مسعود، [قال] قال رسول الله ﷺ: «طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به».
ثم قال: في إسناده زياد بن عبد الله، وهو كثير الغرائب والمناكير، قاله أبو عيسى، انتهى قوله.
وهذا الحديث إنما يرويه زياد، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن
[ ٣ / ١٢١ ]
عن ابن مسعود.
فأعرض عن إعلال الحديث بعطاء، وهو مختلط، وسترى رأيه فيه إن شاء الله تعالى
(٨١٧) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي الوداك: جبر بن نوف، عن أبي سعيد الخدري رفعه: في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع» الحديث.
ثم قال: أبو الوداك وثقه ابن معين، وهو عنده غيره دون ذلك.
هكذا قال، وترك ما هو أولى أن يعل به الخبر، وهو شريك بن عبد الله، فإنه يرويه عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك.
وشريك مختلف فيه، وهو مدلس، وسترى رأيه فيه إن شاء الله تعالى
(٨١٨) وذكر من طريق الدارقطني حديث عائشة: «في المقام عند البكر ثلاثا وعن الثيب ليلتين»
[ ٣ / ١٢٢ ]
ورده بأن قال: في إسناده عمر بن محمد الواقدي.
وبينا الخطأ في ذلك في باب الأشياء المغيرة عما هي عليه، إذ صوابه محمد بن عمر.
ونبين الآن - إن شاء الله تعالى - أن في إسناده من لا يصح من أجله، ولو كان الواقدي ثقة.
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن عمرو بن البختري، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا الواقدي، حدثنا محمد بن ضمرة بن سعيد المازني، عن خبيب ابن سلمان، عن يوسف بن ماهك، عن ريطة بنت هشام، وأم سليم بنت نافع بن عبد الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ.
وحدثنا محمد، حدثنا أحمد، حدثنا الواقدي، حدثنا إبراهيم بن يزيد المكي، عن عمرو بن شعيب، عن أم سليم بنت نافع بن عبد الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «البكر إذا نكحها رجل وله نساء، لها ثلاث ليال، وللثيب ليلتان».
وريطة، وأم سليم، ومحمد بن ضمرة، ما منهم معروف ولا مذكور في غيره فيما أعلم.
وإبراهيم بن يزيد الخوزي، مكي متروك، فالواقدي إذن إحدى علله
(٨١٩) وذكر من طريق النسائي عن عبد الله بن سرجس، أن رسول الله ﷺ
[ ٣ / ١٢٣ ]
قال: «إذا أتى أحدكم أهله، فليلق على عجزه وعجزها شيئا» الحديث.
ثم قال: هذا يتصل من حديث صدقة بن عبد الله السمين، وليس بقوي.
لم يزد على هذا، وهو حديث يرويه النسائي هكذا: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة ابن عبد الله، عن زهير بن محمد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، فذكره.
زهير بن محمد ضعيف، وقد اضطرب فيه أبو محمد، وسترى رأيه فيه بعد إن شاء الله تعالى
(٨٢٠) وذكر من طريق الدارقطني عن أبي سعيد الخدري، أن نبي الله ﷺ قال للمختلعة: «زيديه».
ثم قال: هذا يرويه الحسن بن عمارة، وهو متروك. انتهى ما ذكر.
وقد ترك فوقه وتحته من لا يصح الحديث من أجله، وذلك أنه يرويه الدارقطني هكذا: قرئ على أبي القاسم بن منيع وأنا أسمع، حدثكم أبو حفص: عمر بن زرارة الحدثي، حدثنا مسروح بن عبد الرحمن، عن الحسن بن عمارة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار، تزوجها على حديقة، فكان بينهما كلام،
[ ٣ / ١٢٤ ]
فارتفعا إلى رسول الله ﷺ، فقال: «تردين عليه حديقته ويطلقك؟» قالت: نعم، وأزيده قال: «ردي عليه حديقته وزيديه».
عطية العوفي ضعيف.
ومسروح بن عبد الرحمن لا أعرفه، إلا أن يكون أبا شهاب الذي يروي عن الثوري، وهو مسروح أبو شهاب، من ساكني مدينة حدث روى عن سفيان الثوري. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه - وعرضت عليه بعض حديثه - فقال: لا أعرفه، ويحتاج أن يتوب إلى الله من حديث باطل رواه عن الثوري.
وأبو حفص: عمر بن زرارة ثقة، ذكره الخطيب وقال بعضهم: فيه غفلة
(٨٢١) وذكر من طريق الدارقطني أيضا عن ابن عباس، أن النبي ﷺ: «جعل الخلع تطليقة بائنة».
ثم قال: في إسناده عباد بن كثير الثقفي، ولا يصح. انتهى ما ذكر.
وعباد بن كثير البصري الثقفي، متروك، شبيه بالحسن بن عمارة، ولكن دونه من يضعف أيضا، وهو رواد بن الجراح، أبو عصام العسقلاني، هو
[ ٣ / ١٢٥ ]
يرويه عنه.
ورواد هذا، قال فيه أبو حاتم: مضطرب الحديث لينه، اختلط بآخرة، وكان محله الصدق.
وأدخله البخاري في الضعفاء.
ووثقه ابن معين.
ودونه أيضا محمد بن أبي السري العسقلاني، وهو متكلم فيه من سوء حفظه، وليس ينبغي أن يرد حديثه، فإنه حافظ، مكثر، صدوق
(٨٢٢) وذكر حديث: «الذي أكرهته امرأته على طلاقها».
وعين للنظر فيه رجلا، وترك غيره ممن هو ضعيف عنده: بقية، ونعيم بن حماد، وغيرهما.
وقد بينا ذلك بيانا شافيا في باب النقص من الأسانيد
(٨٢٣) وذكر حديث المغيرة بن شعبة: «أن امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر» من طريق الدارقطني.
ورده بمحمد بن شرحبيل راويه عن المغيرة، قال فيه: متروك
[ ٣ / ١٢٦ ]
ولم يبين أنه من رواية سوار بن مصعب، وهو أشهر في المتروكين منه، ودونه صالح بن مالك ولا يعرف، ودونه محمد بن الفضل بن جابر، ولا يعرف حاله
(٨٢٤) وذكر من طريق الدارقطني أيضا عن علي، أن النبي ﷺ: «أمر المتوفى عنها زوجها أن تعتد حيث شاءت».
ثم أتبعه أن قال: لم يسنده غير أبي مالك النخعي، وهو ضعيف.
وهو كما قال، والدارقطني هو قائله، ولكن زاد أن قال: ومحبوب بن محرز ضعيف أيضا - يعني راويه عن أبي مالك -.
ويرويه أبو مالك عن عطاء بن السائب، وهو مختلط.
فأعرض أبو محمد عنهما، وعين لتضعيفه أبا مالك، وإنه لحري بذلك لضعفه، ولكن ذكر الجميع أصوب، لاحتمال أن تكون الجناية من غيره
(٨٢٥) وذكر من طريق الدارقطني أيضا عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: «في الأصلع يمر الموسى على رأسه».
وضعفه بعبد الكريم بن روح.
وترك عبد الله بن عمر العمري، وهو يرويه عن نافع، عن ابن عمر.
[ ٣ / ١٢٧ ]
وقد مر له في هذا الباب تضعيفه حديثا به، وإعراضه عمن هو أضعف منه، وذلك عكس ما فعل في هذا الحديث
(٨٢٦) وذكر من طريق الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: «مكة مناخ لا تباع رباعها» الحديث.
وضعفه بإبراهيم بن مهاجر
(٨٢٧) ونسي أنه قبل من روايته حديث: «تأخذين فرصة ممسكة» لما كان من كتاب مسلم
(٨٢٨) وضعف به أيضا حديث: «معاهدة نصارى بني تغلب، أن لا ينصروا أولادهم».
وترك دونه في هذا الحديث، في أن «مكة مناخ» ابنه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف
[ ٣ / ١٢٨ ]
وقال البخاري: فيه نظر، منكر الحديث
(٨٢٩) وقد ذكر أبو محمد حديث عبد الله بن عمرو في الجلالة: «لا تركب حتى تعلف أربعين ليلة».
فقال بإثره: في إسناده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، وهو ضعيف، وأبوه لا يحتج به
(٨٣٠) وذكر من طريق علي بن عبد العزيز من منتخبه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا شفعة لغائب، ولا لصغير، ولا لشريك على شريكه إذا سبقه بالشراء، والشفعة كحل العقال».
قال وذكره البزار، وحديث علي أتم، وهو حديث ضعيف الإسناد، فيه البيلماني وغيره.
وذكره أبو محمد وقال فيه: «الشفعة كحل العقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه».
وهو أيضا من أحاديث البيلماني عن ابن عمر مسندا.
هذا ما ذكر بنصه، وفيه عليه أشياء، والمقصود لهذا الباب، يبين بعد إيراد الأحاديث بأسانيدها وألفاظها
[ ٣ / ١٢٩ ]
قال عبد العزيز: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا محمد بن الحارث، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا شفعة لغائب، ولا لصغير، ولا لشريك على شريكه إذا سبقه بالشراء، والشفعة كحل العقال».
وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن الحارث، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا شفعة لغائب، ولا لصغير، والشفعة كحل العقال».
ومن طريق البزار بهذا الإسناد ساقه أبو محمد بن حزم في المحلى بهذا اللفظ، وزاد فيه: «من مثل بملوكه فهو حر، وهو مولى الله ورسوله، والناس على شروطهم ما وافق الحق».
ولم يذكر الزيادة التي أورد أبو محمد عنه، التي هي: «فإن قيدها مكانه» إلى آخره، ولعله رآها له في غير المحلى.
وهذا الذي زاد ابن حزم في المحلى، من أمر العبد والشروط، لم يذكره البزار في حديث الشفعة، وإنما حديث الشفعة عنده كما أوردناه عنه، لكنه أورد أمر العبد بالإسناد المذكور حديثا، وكذلك أورد أمر الشروط، ومعه: «المنحة مردودة» حديثا.
وأظن أن ابن حزم لما كان ذلك كله بإسناد واحد لفقه، تشنيعا على الخصوم الآخذين بعض ما روي بهذا الإسناد، التاركين لبعضه، وإلا فالحديث إنما هو كما أخبرتك.
وإلى هذا فإن المقصود لهذا الباب، إنما هو أن تعلم أن محمد بن الحارث هذا ضعيف جدا، أسوأ حالا من ابن البيلماني وأبيه، وهو أبو عبد الله،
[ ٣ / ١٣٠ ]
البصري، الحارثي.
قال عمرو بن علي فيه: متروك الحديث.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
وترك أبو زرعة حديثه، ولم يقرأه عليه في الشفعة - يعني هذا الحديث -.
وكذلك ضعفه أبو حاتم الرازي وغيره.
ولم أر من له فيه رأي أحسن من رأي البزار، وذلك أنه قال فيه: رجل مشهور، ليس به بأس، وإنما تأتي نكرة هذه الأحاديث من محمد بن عبد الرحمن ابن البيلماني، فاعلم ذلك والله الموفق
(٨٣١) وذكر من طريق العقيلي عن ابن عباس، أن النبي ﷺ حين أمر بإخراج بني النضير من المدينة، جاءه ناس منهم، فقالوا: إن لنا ديونا، فقال: «ضعوا وتعجلوا».
ثم قال: في إسناده رجل يقال له: علي بن أبي محمد، وهو مجهول، وحديثه غير محفوظ
[ ٣ / ١٣١ ]
هذا نص ما ذكر، وهو كما قال، وعلي بن أبي محمد هذا مجهول، وكذا وقع في كتاب العقيلي: علي بن أبي محمد، وقد قابلت هذا الموضع بالنسخة التي بخط أبي علي الجياني من كتاب العقيلي.
ووقع في سنن الدارقطني هذا الحديث، فقال: «علي بن محمد» هكذا في كتابي، وكذلك في أصل أبي علي الصدفي الذي بخطه، وذلك مما يؤكد كونه مجهولا.
والذي قصدت بيانه الآن، هو أن هذا الحديث مداره على مسلم بن خالد الزنجي، واضطرب فيه.
فقد كان ينبغي أن ينبه أبو محمد على كونه من روايته، فإنه لم يسالمه في أحاديث أعلها به وحده
(٨٣٢) كحديث «صلاة التراويح»
(٨٣٣) وحديث «سرق» يقول فيه دائبا: لا يحتج به.
والذي أعل به هذا الحديث من الجهل بحال علي بن أبي محمد، أو علي ابن محمد، علة كافية، والأكمل أن ينبه أيضا على أمر مسلم بن خالد، فإنه وإن كان قد وثقه قوم - وهو أحد الفقهاء - فإنه سيئ الحفظ، وتبين بعض سوء حفظه في هذا الحديث، فإنه تلون فيه تلونا نذكر بعضه ليبين أمره.
قال العقيلي: حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا مسلم بن خالد قال: سمعت علي
[ ٣ / ١٣٢ ]
ابن أبي محمد، يحدث عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ حين أمر بإخراج بني النضير من المدينة، جاءه ناس منهم فقالوا: إن لنا ديونا تحل، فقال: «ضعوا وتعجلوا».
قال العقيلي: لا يعرف إلا به، وهو مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ.
وهكذا نص الخبر عند العقيلي، وأظن أن أبا محمد خاف اختلال لفظة «تحل» بسقوط «لم» الجازمة، فأسقط اللفظة.
وقال الدارقطني: قرئ على أبي القاسم بن منيع وأنا أسمع، حدثكم عبيد الله ابن عمر القواريري، حدثنا مسلم بن خالد، قال: سمعت علي بن محمد، يذكره عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ حين أمر بإخراج بني النضير من المدينة، جاءه ناس منهم، فقالوا إن لنا ديونا لم تحل، فقال: «ضعوا وتعجلوا».
كذا في النسخة: «علي بن محمد»، «ولم تحل» قال الدارقطني: لا يصح.
حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا مسلم بن خالد بهذا.
حدثنا الحسين بن إسماعيل، وأبو بكر النيسابوري وآخرون، قالوا: حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا عفيف بن سالم، عن الزنجي بن خالد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أمر النبي ﷺ بإجلاء بني النضير، قالوا: يا محمد، إن لنا ديونا على الناس، قال: «ضعوا وتعجلوا».
هذا رجاله ثقات، إلا ما بمسلم بن خالد الزنجي من سوء الحفظ، ولكن
[ ٣ / ١٣٣ ]
بينه وبين داود بن حصين [فيه، رجل، والله أعلم.
قال الدارقطني: حدثنا محمد بن عبد الله بن العلاء، حدثنا عبد الله بن أحمد الدورقي، حدثنا عبد العزيز بن يحيى، حدثنا الزنحي بن خالد، عن محمد بن علي بن يزيد بن ركانة، عن داود بن الحصين] عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل. قال: «ضعوا وتعجلوا».
قال الدارقطني: مسلم بن خالد ثقة، إلا أنه سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث. انتهى كلام الدارقطني.
وفيه تثبيج فإن سوء الحفظ يناقض الثقة، وقد كان لازما لأبي محمد سوق هذا الحديث من هذا الطريق، فهو خير مما اختار، فإنه لم يعله بالزنجي بن خالد.
ومحمد بن علي بن يزيد بن ركانة من المساتير الذين يقبل أمثالهم، روى عنه ابن جريج، وابن إسحاق، ومسلم بن خالد، فهو خير من علي بن محمد، أو علي بن أبي محمد، وأراه لم يره فلذلك لم يذكره، وإلا فما يؤثر أحد ذلك الحديث من ذلك الطريق على هذا، ولا أقول: إنه صحيح ولكنه أقرب إلى أن يلتفت إليه ويكتب.
وقد حصل فيه من اضطراب الزنجي ابن خالد أربعة أقوال:
أحدها عن علي بن محمد، عن عكرمة
[ ٣ / ١٣٤ ]
والثاني: عن علي بن أبي محمد، عن عكرمة.
والثالث: عن داود بن الحصين، عن عكرمة.
والرابع: عن محمد بن علي بن يزيد بن ركانة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، فاعلم ذلك
(٨٣٤) وذكر من طريق الدارقطني حديث ابن عمر، في أن «من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب»
(٨٣٥) ثم أشار إلى حديث ابن عباس في ذلك، ولم يذكر متنه، وعزاه إلى الدارقطني.
ورده بأن في إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف.
وبقي عليه أن يبين أنه لا يصل إلى العرزمي إلا على لسان كذاب لعل الجناية منه، وهو إبراهيم بن أبي يحيى، وهو بنفسه قد نسب إليه الكذب في مواضع، وقد تقدم التنبيه عليه.
وإسناد هذا الحديث هو هذا: قال الدارقطني: حدثنا عبد الصمد بن علي، حدثنا محمد بن نوح بن حرب العسكري، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن محمد بن عبيد الله، عن عطاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من وهب هبة فارتجع فيها فهو أحق بها ما لم يثب
[ ٣ / ١٣٥ ]
منها، ولكنه كالكلب يعود في قيئه».
ويحيى بن غيلان ثقة
(٨٣٦) وذكر من طريق أبي داود عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل».
ثم رده بالأفريقي، وترك فوقه عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وهو لم تثبت عدالته، بل في أحاديثه مناكير.
(٨٣٧) وذكر من طريق أبي داود عن علي قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا» الحديث.
ثم رده بأن قال: يرويه حنش بن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة، عن علي، وكان رجلا صالحا، وفي حديثه ضعف.
كذا قال، والمقصود أن تعلم أنه إنما يرويه شريك، عن سماك عنه، ولم يبين ذلك. وقد رواه غير شريك، ولكن عند غير أبي داود.
وقد تقدم التنبيه على قوله: «وكان رجلا صالحا» في باب الأشياء المغيرة
[ ٣ / ١٣٦ ]
(٨٣٨) وذكر حديث: «ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به».
وضعفه بأسلم الكوفي.
وترك دونه عبد الواحد بن زيد، وهو ضعيف، وقد بينا أمر هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة
(٨٣٩) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ: «لا تجوز شهادة متهم ولا ظنين».
ثم ذكر أمر عبد الله بن محمد بن عقيل، وأن الناس ضعفوه، إلا أحمد، وإسحاق، والحميدي.
وترك في الإسناد قيس بن الربيع، وهو عنده ضعيف، وحماد بن الحسن، وهو لا تعرف حاله.
قال أبو أحمد: «حدثنا محمد بن جعفر بن يزيد، قال: حدثنا حماد بن الحسن قال: حدثنا أبو داود، عن قيس قال: حدثني عبد الله [بن محمد] بن عقيل». فذكره
(٨٤٠) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عباس قال: قال
[ ٣ / ١٣٧ ]
رسول الله ﷺ: «أيما أمة ولدت من سيدها، فإنها إذا مات حرة إلا أن يعتقها قبل موته».
ثم ضعفه بحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وترك دونه أبا أويس، وهو عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق ضعيف الحديث، ودونه عبيد الله بن يحيى الرهاوي ولا تعرف حاله
(٨٤١) وذكر بعده: «من ولدت منه أمة فهي حرة بعد موته».
وضعفه أيضا به.
وأعرض عن شريك راويه عنه، وهو شريك بن عبد الله القاضي
(٨٤٢) وذكر حديث: «إذا قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، فهو حر ولا استثناء له».
وضعفه بمحمد بن مالك.
ولم يذكر إسماعيل بن عياش، وهو يرويه عنه، ولا بين أنه منقطع.
وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي
[ ٣ / ١٣٨ ]
منقطعة
(٨٤٣) وذكر من طريق الدارقطني عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا».
ثم قال: في إسناده محمد بن سعيد، وأظنه المصلوب.
كذا قال، وأصاب في تشكيكه فيه، ولكنه ترك من لا شك في كونه للحديث علة.
وذلك أنه حديث يرويه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن محمد بن سعيد [هذا]، عن رجاء بن حيوة، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة.
والحارث متروك، منكر الحديث
(٨٤٤) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «لا يقتل حر بعبد».
ثم قال: في إسناده جويبر، عن الضحاك، مقطوع وضعيف.
كذا قال، وترك أن يبين أنه من رواية عثمان البري عنه.
وهو قد تولى بيان ضعفه في كتاب العلم إثر حديث:
[ ٣ / ١٣٩ ]
(٨٤٥) «أشد الناس عذابا يوم القيامة، عالم لم ينفعه الله بعلمه».
وقال: إنه كثير الوهم والخطأ، وكان صاحب بدعة، كان ينكر الميزان
(٨٤٦) وذكر حديث الذي قتل عبده متعمدا، «فجلده النبي ﷺ مائة» الحديث.
ثم ضعفه بأن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، متروك، وهو مدني.
ولم يبين أنه من رواية إسماعيل بن عياش [عنه].
وقبله - متصلا به - ضعف إسماعيل في غير الشاميين
(٨٤٧) وذكر من طريق الدارقطني عن عروة بن الزبير قال: شفع الزبير في سارق، فقيل: حتى نبلغه الإمام، فقال: «إذا بلغ فلعن الله الشافع والمشفع» كما قال رسول الله ﷺ.
ثم قال: في إسناده محمد بن موسى بن مسكين، أبو غزية، وهو ضعيف.
ورواه مالك عن ربيعة، أن الزبير، ولم يذكر النبي ﷺ، والموقوف هو
[ ٣ / ١٤٠ ]
الصحيح.
هذا ما ذكر، وفي قوله: «الموقوف هو الصحيح» تسامح، فإن ربيعة لم يدرك الزبير.
وإعلاله الحديث بأبي غزية صحيح، ولكنه ترك فيه أيضا من هو ضعيف عنده، وهو عبد الرحمن بن أبي الزناد، فعنه يرويه أبو غزية، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: شفع الزبير فذكره
(٨٤٨) ومن الأحاديث التي ضعفها من أجل ابن أبي الزناد: حديث «المجامع في رمضان»
(٨٤٩) وحديث «النهي أن يقتني الكلب إلا صاحب غنم، أو خائفا، أو صائدا».
ولعله إنما يعني بصحته موقوفا، ما رواه الدارقطني، حدثنا عبد الله بن جعفر بن خشيش، حدثنا سلم، بن جنادة، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة، عن الفرافصة الحنفي قال: «مروا على الزبير بسارق فشفع له، فقالوا: يا أبا عبد الله، تشفع للسارق؟ قال: نعم، لا بأس به
[ ٣ / ١٤١ ]
ما لم يؤت به الإمام، فإذا أتي به الإمام، فلا عفا الله عنه إن عفا عنه».
فهذا إن عناه فلا بأس به على أصله، فإن الفرافصة بن عمير من المساتير، وعبد الله بن عروة ثقة
(٨٥٠) وذكر حديث جابر، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يأذن لمن لا يبدأ بالسلام».
وضعفه بإبراهيم بن يزيد الخوزي.
ولم يبين أنه يرويه عن أبي الزبير عن جابر
(٨٥١) وذكر حديث جابر قال رسول الله ﷺ: «لا تأذنوا لمن لا يبدأ بالسلام».
وأعله بإبراهيم بن يزيد كذلك.
وفيه علة أخرى، وذلك إنما يرويه إبراهيم بن يزيد، عن أبي الزبير، والوليد بن أبي مغيث، عن أحدهما، أو عن كليهما، عن جابر.
والوليد بن أبي مغيث لا أعلمه إلا أن يكون الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث، فإن كان هو، فهو ثقة، ولكنه إنما تعرف له الرواية عن محمد بن علي ابن الحنفية، ويوسف بن ماهك، فأما عن صحابي فلا
[ ٣ / ١٤٢ ]
فهو إذن مشكوك في اتصاله، وقد بينا ذلك قبل.
قد ذكرنا من أحد القسمين في هذا الباب - وهو الذي ذكر فيه الأحاديث بغير قطع من أسانيدها - ما وجدنا من الأحاديث التي ضعفها بقوم وترك غيرهم ممن هو ضعيف.
ونذكر الآن من هذا القسم الأحاديث التي ضعفها بقوم وترك غيرهم، ممن لا تعرف له حال، إما ممن يروي عن أحدهم جماعة، وإما ممن لا يروي عن أحدهم إلا واحد
(٨٥٢) فمن ذلك حديث أبي سعيد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط» الحديث من طريق أبي داود.
وأتبعه أن قال: لم يسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه.
لم يزد على هذا، وبقي عليه أن يذكر علته العظمى، وهي من رواه عنه يحيى بن أبي كثير، وهو محل الاضطراب الذي أشار إليه، وذلك أنه حديث يرويه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير - في رواية عنه -: عن عياض بن هلال، وفي رواية عنه: عن هلال بن عياض، وفي رواية عنه: عن عياض بن
[ ٣ / ١٤٣ ]
أبي زهير، وهو مع ذلك كله مجهول لا يعرف، ولا يعرف بغير هذا، فأما لو كان هذا الرجل معروفا، ما كان عكرمة بن عمار له بعلة، فإنه صدوق حافظ، إلا أنه يهم كثيرا في حديث يحيى بن أبي كثير، فأما عن غيره فلا بأس به، وأمره مبسوط في كتب الرجال.
وقد وقع لأبي محمد فيه شبه اضطراب سنذكره إن شاء الله تعالى
(٨٥٣) وذكر من طريق أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الوضوء من البول مرة ومن الغائط مرتين».
ثم رده بأن قال: عمرو بن فائد منكر الحديث، ليس حديثه بشيء.
وترك أن يبين أن دونه من لا تعرف له حال أصلا، وهو أبو العلاء: أيوب ابن العلاء البصري مجاور كان بالمدينة وكذا ذكره أبو أحمد، ودونه أيضا من لا يعرف.
فالحمل على عمرو بن فائد من بينهم تبرئة لهؤلاء
(٨٥٤) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث قيس بن الربيع، يسنده إلى أبي الدرداء قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول منقع»
[ ٣ / ١٤٤ ]
ثم قال: كذا رواه أبو داود الطيالسي، عن قيس موقوفا على أبي الدرداء، ورواه شيخ مجهول عن قيس، فرفعه إلى النبي ﷺ.
هكذا ذكره، والحديث المذكور إنما أتبعه أبو أحمد هذا الكلام بعد أن تبرأ من عهدته بذكر إسناده، فأما أبو محمد - حين ترك إسناده وأتبعه الكلام المذكور - فقد أوهم أنه لا عيب له موقوفا، أما مسندا فعن هذا الشيخ المجهول.
وهو لا يصح لا موقوفا ولا مسندا؛ لأنه عند أبي أحمد هكذا: حدثنا ابن صاعد، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين، عن الأعجف بن زريق، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول منقع».
ثم قال أبو أحمد: قال لنا ابن صاعد: «رفعه شيخ مجهول عن قيس»
انتهى ما أورد أبو أحمد.
والأعجف بن زريق لا تعرف حاله أصلا، فما مثله ترك ذكره.
وقوله: «رفعه شيخ مجهول عن قيس» عزاه أبو محمد لأبي أحمد، وأبو أحمد إنما حكاه عن ابن صاعد
(٨٥٥) وذكر من طريق أبي داود عن علي، أن حبيبي ﷺ «نهاني أن
[ ٣ / ١٤٥ ]
أصلي في المقبرة وأرض بابل فإنها ملعونة».
ثم رده بأن قال: هذا أوهى من الذي قبله لأن فيه ابن لهيعة وغيره.
وهكذا قال ولم يزد، وهذا تلفيق في ضمنه خطأ.
وبيان ذلك هو أن أبا داود إنما أورد هذا الحديث من رواية ابن وهب من طريقين:
أحدهما رواية سليمان بن داود عن ابن وهب قال: نبأني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري، عن علي.
والآخر، رواية أحمد بن صالح، عن ابن وهب قال: أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي.
فالخلاف بين أحمد بن صالح وسليمان بن داود، إنما هو في الراوي له عن أبي صالح الغفاري:
أحدهما يجعله حجاج بن شداد، والآخر يجعله عمار بن سعد، فأما من رواه ابن وهب عنه، فلم يختلف أنه ابن لهيعة ويحيى بن أزهر.
فإذن ما حق الحديث أن يضعف بابن لهيعة إلا إن كان يحيى بن أزهر المقترن به في روايته إياه، ضعيفا كذلك، أما إن كان ثقة، فلا نبالي بمقارنة ابن لهيعة له في الرواية، وأنما جمعهما ابن وهب، وهو قد سمعه منهما منفردين،
[ ٣ / ١٤٦ ]
أو مجتمعين، وكل ذلك لا يضر.
فالذي ينبغي هو أن ننظر حال يحيى بن أزهر، فإن عرفناه ثقة صح الحديث، إلا أن تكون له علة أخرى مما لم يعرض له أبو محمد، وإن كان ضعيفا وجب من تبين أمره مثل ما بين من أمر ابن لهيعة، فأما إجمال القول فيه بحيث يحتمل أن يكون إنما أراد بقوله: «فيه ابن لهيعة وغيره» من فوقهما فليس بصواب.
ومن الآن نبين - إن شاء الله تعالى - من حال الإسناد ما يجب فنقول:
أما أبو صالح الغفاري، فهو سعيد بن عبد الرحمن، مصري، يروي عن علي، وأبي هريرة، وصلة بن الحارث وهبيب بن مغفل.
قال فيه الكوفي: مصري تابعي ثقة ذكر ذلك المنتجالي في كتابه.
وأما عمار بن سعد فهو التجيبي، شهد فتح مصر، يروي عن عمرو بن العاصي، وأبي الدرداء، روى عن الضحاك بن شرحبيل الغافقي، وعطاء بن دينار، توفي سنة خمسين ومائة، ولا تعرف حاله.
وحجاج بن شداد الصنعاني، مرادي، مصري، لا تعرف أيضا حاله.
فالحديث من هاهنا معلول من طريقه.
وأما يحيى بن أزهر فإنه مولى قريش، روى عنه ابن وهب، وابن القاسم
[ ٣ / ١٤٧ ]
وإدريس بن يحيى، وكان رجلا صالحا له حديث مسند، قاله ابن يونس.
وإنما يعني - والله أعلم - هذا الحديث، فنراه لا يصح من أجل الجهل بحال حجاج وعمار، ولم يعرض لبيان ذلك أبو محمد فاعلمه
(٨٥٦) وذكر من طريق الدارقطني حديث أبي هريرة: «إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم».
ورده بما رده به الدارقطني: من ضعف رواية أبي الوليد: خالد بن إسماعيل وأعرض عن العلاء بن سالم، راويه عن أبي الوليد، وهو لا يعرف أصلا
(٨٥٧) وذكر من طريقه أيضا حديث ابن عمر: «اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله ﷿»
[ ٣ / ١٤٨ ]
ورده بعمر بن يزيد قاضي المدائن، وسلام بن سليمان.
وأعرض من إسناده عن الحسين بن نصر المؤدب، راويه عن سلام بن سليمان المذكور وهو لا يعرف
(٨٥٨) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا تقبل منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون. . .» الحديث.
ثم رده بأن قال: في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي.
لم يزد على هذا، وعبد الرحمن ضعيف كما أفهم كلامه، ولكنه من أهل العلم والزهد بلا خلاف، وكان من الناس من يوثقه ويربأ به عن حضيض رد الرواية، ولكن الحق فيه أنه ضعيف بكثرة رواية المنكرات وهو أمر يعتري الصالحين كثيرا، لقلة نقدهم للرواة ولذلك قيل: لم تر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
والذي لأجله كتبناه هنا الآن، هو أنه إنما يرويه عبد الرحمن بن زياد المذكور، عن عمران بن عبد المعافري، عن عبد الله بن عمرو.
وعمران هذا لا تعرف حاله، حتى لو كان الإفريقي ثقة ما جاز أن يحتج بهذا الخبر، من أجل عمران المذكور
[ ٣ / ١٤٩ ]
(٨٥٩) وذكر من طريق أبي أحمد، حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل، ولو بدق شعرة».
ثم رده بمحمد بن القاسم الأسدي أبي إبراهيم؛ فإنه متروك.
وهذا الحديث ذكره أبو أحمد هكذا: حدثنا ابن مكرم، حدثنا محمد ابن معمر، حدثني محمد بن القاسم أبو إبراهيم الأسدي، حدثنا ثور - هو ابن يزيد - عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن يزيد بن جابر عن أبي هريرة. فذكره.
محمد بن القاسم متروك كما ذكر، وعليه حمل فيه أبو أحمد.
وبقي على أبي محمد أن يبين من حال يزيد بن جابر أنها لا تعرف، ولا يعرف روى عنه غير مكحول، وروى عن أبي هريرة.
وبهذا من غير مزيد ذكر في كتب الجرح والتعديل، فهو مجهول الحال
[ ٣ / ١٥٠ ]
ويشبه أن يكون والد يزيد بن يزيد بن جابر صاحب مكحول، راوي هذا الخبر عنه، فكلاهما أزدي.
ويزيد بن يزيد بن جابر أحد الثقات فاعلم ذلك.
(٨٦٠) وذكر حديث ابن عباس: «خياركم ألينكم مناكب في الصلاة» من طريق أبي داود.
ورده بأن قال: عمارة بن ثوبان ليس بالقوي.
وهذا لا أعرفه في هذا الرجل، ولا أدري لمن رآه فيه، وإنما هو مجهول الحال.
ومع ذلك فإنه لم يبين حال جعفر بن يحيى بن ثوبان، ابن أخيه، ولا أنه
[ ٣ / ١٥١ ]
من روايته، وهو أيضا مجهول الحال كذلك
(٨٦١) وذكر من طريق الدارقطني حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ: «لا يتقدم الصف الأول أعرابي ولا أعجمي» الحديث.
ثم قال: ليث بن أبي سليم عندهم ضعيف.
ولم يعرض من إسناده لغيره، وهو حديث يرويه محمد بن غالب، قال: حدثنا العباس بن سليم، قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد، عن الليث، عن مجاهد عن ابن عباس. فذكره.
وعباس هذا لم أجد له ذكرا، وعبيد الله بن سعيد لم يتعين من جماعة يتسمون هكذا، فهو إذن مجهول أيضا كذلك، فليث بن أبي سليم أيسر ما فيه
(٨٦٢) وذكر من طريق الدارقطني حديث ابن عباس: «في الصلاة في السفينة»
[ ٣ / ١٥٢ ]
ثم رده بأن قال: حسين بن علوان متروك.
وهو كذلك ولكن بقي عليه أن يبين أنه من رواية جابر بن كردي عنه، وهو لا يعرف
(٨٦٣) وذكر من طريق أبي عمر، من كتاب التمهيد، حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ «نهى عن البتيراء: أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها».
ثم أتبعه أن قال: في إسناده عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن،
[ ٣ / ١٥٣ ]
والغالب على حديثه الوهم.
هذا نص ما أورد، لم يزد عليه والحديث من شاذ الحديث الذي لا يعرج على رواته ما لم تعرف عدالتهم، وعثمان واحد من جماعة فيه.
قال ابن عبد البر: حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن إسماعيل بن الفرج حدثنا أبي الحسن، حدثنا ابن سليمان قبيطة، حدثنا عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ «نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها».
قال أبو عمر: هو عثمان بن محمد بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال العقيلي: «الغالب على حديثه الوهم» انتهى كلامه.
فأقول: ليس دون الدراوردي من يغمض عنه
(٨٦٤) وذكر من طريق البزار، من حديث وائل بن حجر، وصف
[ ٣ / ١٥٤ ]
صلاة رسول الله ﷺ وفيه: «وصف الناس خلفه، عن يمينه وعن يساره».
ورده بأن قال: محمد بن حجر، ليس بالقوي.
قال البخاري: فيه نظر. انتهى قوله.
وهو عند البزار حديث طويل، فيه صفة الوضوء والصلاة بألفاظ تنكر ولا تعرف في غيره.
وعلته ليست ما ذكر، وإنما يرويه محمد بن حجر، عن عمه: سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل.
وأمه هذه لا تعرف لها حال، فأما ابنها عبد الجبار فثقة، وكان إذ مات وائل حملا، فإنما روايته عنه بواسطة أمه هذه أو غيرها من أهل بيته، أو عن أخيه عنه.
وذكر أيضا قطعة أخرى من حديث وائل «وهي وضع يمينه على يساره عند صدره» وأعله بمحمد بن حجر كذلك
(٨٦٥) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول».
ثم رده بأن قال: في إسناده بشر بن رافع
[ ٣ / ١٥٥ ]
ولم يزد على هذا وقد بقي عليه أن يبين أمر بشر هذا، وأمر من يرويه عنه بشر.
فأما بشر فهو أبو الأسباط الحارثي، وقد تقدم ذكره بالضعف، ويروي هذا الحديث عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة.
وأبو عبد الله هذا لا تعرف له حال ولا روى عنه غير بشر.
وهناك أيضا أبو عبد الله شيخ من أهل صنعاء، سمع وهب بن منبه، روى عنه أيضا بشر بن رافع المذكور: فقال: أبو أحمد الحاكم: خليق أن يكون هذا وابن عم أبي هريرة واحدا، وزعم ابن عبد البر في كتابه في الكنى، أنهما اثنان وذلك مما يزيد به جهالة.
والحديث لا يصح من أجله
(٨٦٦) وذكر من طريق أبي داود عن أبي هريرة [قال] رسول الله ﷺ: «أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر» الحديث.
ثم قال بإثره: رواه الليث بن أبي سليم، عن حجاج بن عبيد، ضعيف عن مجهول، وترك في الإسناد من هو أيضا مجهول وهو إبراهيم بن إسماعيل
[ ٣ / ١٥٦ ]
قال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد وعبد الوارث، عن ليث، عن الحجاج بن عبيد، عن إبراهيم، بن إسماعيل، عن أبي هريرة، فذكره.
قال أبو حاتم الرازي في حجاج بن عبيد وإبراهيم بن إسماعيل: إنهما مجهولان. وهما كذلك
(٨٦٧) وذكر من طريق الدارقطني، عن علي، عن النبي ﷺ «في هيئة صلاة المريض».
ثم قال: في إسناده الحسن بن الحسين العرني، ولم يكن عندهم بصدوق، وكان من رؤساء الشيعة ولم يذكر من إسناده غيره، ودونه وفوقه من لا يعرف.
وذلك أنه يرويه الحسن بن الحكم - وهو لا يعرف له حال - عن حسن بن الحسين المذكور، عن حسين بن يزيد وهو أيضا لا تعرف له حال - عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن الحسين بن علي، عن علي، فاعلم ذلك
(٨٦٨) وذكر في الاستسقاء من حديث ابن عباس، قصة خروج النبي ﷺ،
[ ٣ / ١٥٧ ]
ثم أردفه من عند الدارقطني: «التكبير في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا».
ثم أعله بمحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، ولم يعرض لأبيه عبد العزيز، وهو مجهول الحال، وهو من روايته عنه.
واعتراه فيه أمر آخر، ذكرناه لأجله في باب الأحاديث التي أوردها عن رواة ثم أردف عليها ما ليس عنهم، موهما أنها عنهم
(٨٦٩) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن منين، عن عمرو ابن العاص حديث: «خمس عشرة سجدة، منها في الحج ثنتان».
ثم قال: عبد الله ابن منين لا يحتج به.
لم يزد على هذا، وإنما معنى قوله في عبد الله بن منين: لا يحتج به، أنه مجهول فإنه لا يعرف، والمجهول لا يحتج به.
وقد وقع في نسبه وفي اسم أبيه اختلاف وتصحف على ابن أبي حاتم فقال فيه: منير - بالراء - وإنما هو منين - بضم الميم ونونين - وقال فيه: «من بني عبد الدار»، وصوابه أنه من بني عبد كلال، كذلك هو مبين في كتاب أبي داود، وفي تاريخ البخاري. ولا يعرف روى عنه إلا الرجل الذي من
[ ٣ / ١٥٨ ]
أجله ذكرناه الآن، لإعراض أبي محمد عنه، وهو الحارث بن سعيد العتقي وهو رجل لا تعرف له حال، وروى عنه ابن لهيعة، ونافع بن يزيد، ذكره بذلك أبو سعيد بن يونس في تاريخ المصريين وذكر من روايته حديث السجود في «إذا السماء انشقت».
فالحديث من أجله لا يصح، ولو كان ابن منين معروفا.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله ابن منين - من بني عبد كلال - عن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ «أقرأه خمس عشرة سجدة [في القرآن] منها ثلاثة في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان»
(٨٧٠) وذكر في الجمعة من رواية ضرار بن عمرو، من حديث تميم الداري عن النبي ﷺ زيادة «أو مسافر».
قال: ولم يتابع ضرار على هذا الحديث، خرجه العقيلي
[ ٣ / ١٥٩ ]
هذا ما أورد من غير مزيد، وهو حديث يجب النظر فيه في غير ضرار المذكور.
قال العقيلي: حدثني جدي، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال، حدثنا محمد بن طلحة، عن الحكم أبي عمرو، عن ضرار بن عمرو، عن أبي عبد الله الشامي، عن تميم الداري، عن رسول الله ﷺ قال: «الجمعة واجبة إلا على امرأة، أو صبي، أو مريض، أو عبد، أو مسافر».
ثم قال: لا يتابع عليه، وقال البخاري: «فيه نظر».
أقول - وبالله التوفيق -: أبو عبد الله الشامي مجهول، ولم يزد ابن أبي حاتم في ذكره إياه [على] أن قال: «روى عن تميم الداري، روى عنه ضرار ابن عمر»، وإنما أخذ ذلك من هذا الإسناد.
والحكم أبو عمرو بن عمرو، روى عنه محمد بن طلحة بن مصرف، قال فيه أبو حاتم: «شيخ مجهول».
ومحمد بن طلحة بن مصرف، قال ابن حنبل: «لا بأس به، إلا أنه لا يكاد يقول في شيء من حديثه: حدثنا».
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: «إنه صالح».
وقال عنه إسحاق بن منصور: «إنه ضعيف»
[ ٣ / ١٦٠ ]
وقال عنه عبد الله بن أحمد: «كان يقال: ثلاثة يتقى حديثهم: محمد بن طلحة بن مصرف، وأيوب بن عتبة، وفليح بن سلمان، قلت له: سمعت هذا؟ قال: سمعته من أبي كامل: مظفر بن مدرك، وكان رجلا صالحا».
فهذا - كما ترى - حديث فيه ثلاثة، يعتل بكل واحد منهم: ضرار رابعهم
وإنما اعتمد أبو محمد في تعليل الخبر ضرارا، من أجل أن العقيلي ذكره في بابه، وهو على عادته لا يلتفت من الإسناد إلى غير من يذكره أبو أحمد، أو العقيلي، أو الساجي، أو غيرهم في باب، ورب حديث يكون فيه ضعيفان فيذكر في بابيهما، فيعل الحديث بأحدهما، لأنه لم ينظره في باب الآخر، وقد مر في هذا الباب من ذلك.
وضرار المذكور مجهول كما ذكر، ولم يتحصل من أمره ما يعتمد.
ذكره ابن أبي حاتم فقال: روى عن عطاء الخرساني، وأبي رافع، عن أبي هريرة، وأبي عبد الله الشامي، روى عنه الحكم أبو عمرو والمعافى بن عمران الموصلي، وعبد العزيز بن مسلم، وذكر ذلك عن أبيه أبي حاتم.
وأما البخاري فجعل هذا المجموع في ترجمتين، ذكر في إحداهما ضرار بن عمرو، عن أبي عبد الله الشامي، روى عنه الحكم أبو عمرو، وفي الأخرى ضرار بن عمرو، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، روى عنه عبد العزيز بن مسلم.
فالله أعلم أن كانا اثنين كما جعلهما البخاري، أو واحدا كما جعله
[ ٣ / ١٦١ ]
أبو حاتم، وأي ذلك كان، فحاله، أو حالهما لا تعرف، ولا ينبغي أن يحمل عليه وحده في هذا الحديث.
وقد ذكر ابن سنجر الحديث المذكور كما ذكره العقيلي، من رواية محمد ابن طلحة المذكور، عن الحكم أبي عمرو المذكور، عن ضرار، عن أبي عبد الله الشامي، عن تميم الداري، ولفظه كلفظه
(٨٧١) وذكر من طريق الترمذي عن أبي المهزم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «من اتبع جنازة وحملها ثلاث مرات، فقد قضى ما عليه من حقها».
ثم قال: أبو المهزم: اسمه يزيد بن سفيان، وهو ضعيف.
هكذا من غير مزيد، وهو فيه تابع لمخرجه أبي عيسى.
قال أبو عيسى: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عباد بن منصور، قال: سمعت أبا المهزم قال: صحبت أبا هريرة عشر سنين، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره.
قال: هذا حديث غريب، ورواه بعضهم بهذا الإسناد ولم يرفعه، وأبو المهزم، اسمه يزيد بن سفيان، وضعفه شعبة.
فهذا نص ما أتبعه الترمذي، وهو قد أعرض منه عن قوله: «رواه بعضهم ولم يرفعه» وهو دائبا يعل به الأحاديث، وظن أن الترمذي اعتمد في تضعيفه أبا المهزم، وضعفه، فتبعه في ذلك
[ ٣ / ١٦٢ ]
والترمذي إنما تشاغل بالكنية يسميها، ثم ذكر ضعفه، وعباد بن منصور عنده ضعيف وبارز الاسم.
فأبو محمد حين طوى ذكره، تعين الدرك عليه.
وقد ذكروا من أمر عباد بن منصور التدليس، ونكارة الحديث، والقول بالقدر، والدعاء إليه.
قال أبو حاتم البستي: «كان قدريا داعية إلى القدر».
وقال فيه ابن معين: «ليس بشيء».
وعنه في رواية أخرى «أنه ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه».
وهذا خطأ من ابن معين، إلا أن لا يكون علمه داعية، فإنهم إنما اختلفوا فيمن يقول برأي فاسد ولا يدعو إليه، أما إذا كان داعية، فالثقة به ساقطة، وروايته مردودة عند جميعهم.
وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور تغير؟ قال: لا أدري، إلا أنه حين رأيناه كان لا يحفظ.
وسيأتي بيان ما عمل به أبو محمد في أحاديث عباد هذا، في باب الأحاديث التي سكت عنها، وهي ضعيفة - إن شاء الله تعالى -.
وأما أبو المهزم، فقال شعبة: «كتبت عنه مائة حديث، ما حدثت عنه
[ ٣ / ١٦٣ ]
بشيء منها».
وقال البخاري: «تركه شعبة».
وقال شعبة: كان مطروحا في مسجد ثابت البناني، لو أعطاه رجل فلسين حدثه خمسين حديثا.
وقال مسلم بن إبراهيم: سمعت شعبة يقول: رأيت أبا المهزم في المسجد، لو يعطى درهما وضع حديثا.
هذا أشنع ما لهم، فإنه اتهام بالوضع، ولم يحدث عنه يحيى، وعبد الرحمن بشيء.
وقال أبو أحمد: عامة ما يروي ينكر عليه.
وذكر من ذلك جملة، منها هذا الحديث.
وسئل عنه ابن حنبل فقال: ما أقرب حديثه
(٨٧٢) وذكر من طريق العقيلي حديث أبي هريرة: «أميران وليسا بأميرين»
[ ٣ / ١٦٤ ]
وأعله بعمرو بن عبد الجبار.
ولم يبين أن في إسناده داود بن إبراهيم وصدقة بن عبيد، وكلاهما لا تعرف أحوالهما.
وقد كتبت الحديث بإسناده، في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها، تابعا لحديث جابر.
وقد ذكر مسلمة بن قاسم، داود بن إبراهيم هذا، وقال: هو أبو شيبة داود بن إبراهيم بن داود بن يزيد الفارسي، توفي بمصر يوم السبت، لعشرين ليلة خلت من رمضان، سنة عشر وثلاثمائة ولم يذكر له حالا، وعنه يروي العقيلي هذا الحديث
(٨٧٣) وذكر من طريق أبي أحمد حديث: «الصائم في عبادة ما لم يغتب».
وقال: إنه يرويه عبد الرحيم بن هارون، وضعفه به.
ولم يبين أن في الإسناد الحسن بن منصور، وهو غير معروف الحال.
قال أبو أحمد: حدثنا القاسم بن زكرياء، حدثنا الحسين بن منصور،
[ ٣ / ١٦٥ ]
حدثنا عبد الرحيم بن هارون، أبو هشام الغساني، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الصائم في عبادة ما لم يغتب».
لم أجد للحسين بن منصور هذا ذكرا
(٨٧٤) وذكر من طريق أبي محمد بن حزم، من رواية ابن عباس، أن النبي ﷺ: «كان يصبح ولم يجمع الصوم، فيبدو له فيصوم».
ثم قال: إسناده ضعيف جدا، فيه عمر بن هارون، عن يعقوب بن عطاء.
وعبد الباقي أيضا تركه أصحاب الحديث، وكان قد اختلط عقله قبل موته بسنة.
هذا كما ذكر، ولكنه ترك دون عمر بن هارون من لا يعرف أصلا، وهو مسلم بن عبد الرحمن البلخي السلمي، يرويه عبد الباقي عنه، عن عمر بن هارون - وهو متروك -، عن يعقوب بن عطاء - وهو ضعيف - عن أبيه، عن ابن عباس
[ ٣ / ١٦٦ ]
(٨٧٥) وذكر من حديث يعلى بن أمية: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه».
وأبرز من إسناده موسى بن باذان، وترك عمارة بن ثوبان، ودونه ابن أخيه جعفر بن يحيى بن ثوبان، والثلاثة مجهولون
(٨٧٦) وذكر من طريق أبي داود، عن الحارث بن قيس، قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة. الحديث.
ثم قال: الصواب: قيس بن الحارث، في إسناده محمد بن عبد الرحمن
[ ٣ / ١٦٧ ]
ابن أبي ليلى، وهو ضعيف، تركه البخاري. انتهى كلامه.
وقد ترك من الحديث ما من أجله في غاية الضعف، ولو كان ابن أبي ليلى ثقة، وهو حميضة بن الشمرذل، فإن إسناده عند أبي داود هكذا: حدثنا مسدد، قال: حدثنا هشيم.
وحدثنا وهب بن بقية قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن حميضة ابن الشمرذل، عن الحارث بن قيس - قال مسدد: ابن عميرة، وقال وهب: الأسدي - قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، وذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «اختر منهن أربعا».
قال أبو داود: حدثنا به أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم فقال: قيس ابن الحارث - مكان الحارث بن قيس - قال أحمد بن إبراهيم: هو الصواب - يعني قيس بن الحارث -.
حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، قاضي الكوفة، عن عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمرذل، عن قيس ابن الحارث بمعناه.
هذا جميع ما ذكر أبو داود، والمقصود بيانه، هو أن أبا محمد أعل الحديث بابن أبي ليلى - وهو من الفقه والعلم بمكان، على سوء حفظه وتغيره بولاية القضاء - وترك إعلاله بحميضة بن الشمرذل، وبيان كونه من روايته، وهو لا يعرف إلا بحديثين أو ثلاثة، يرويها عنه ابن أبي ليلى، ولا تعرف له حال
[ ٣ / ١٦٨ ]
وقال البخاري: فيه نظر.
وقد ضعف ابن السكن حديثه هذا
(٨٧٧) ولهذا الحديث إسناد آخر لا يصح أيضا، ذكره ابن السكن والدارقطني، ولا معنى للإطاله به
(٨٧٨) وذكر حديث أنس في «النهي عن أن تسترضع الحمقاء».
وضعفه بعمرو بن خليف.
وترك دونه محمد بن مخلد الرعيني، وفوقه نعيم بن سالم، وكلاهما لا تعرف حاله.
وقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدم: في باب الأحاديث التي لم يعلها بسوى الإرسال
(٨٧٩) وذكر من طريق العقيلي، حديث عائشة عن معاذ «في النثار».
وقال: في إسناده بشر بن إبراهيم الأنصاري وهو ضعيف.
ولم يبين أن في إسناده من لا يعرف، وهو القاسم بن عمر العتكي
[ ٣ / ١٦٩ ]
قال العقيلي: حدثنا أزهر بن زفر الحضرمي، قال: حدثنا القاسم بن عمر العتكي، قال: حدثنا بشر بن إبراهيم الأنصاري، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: حدثني معاذ بن جبل «أنه شهد ملاك رجل من الأنصار، مع رسول الله ﷺ، فخطب رسول الله ﷺ، وأنكح الأنصاري، وقال: «على الألفة والخير، والطير الميمون، دففوا على رأس صاحبكم».
فدفف على رأسه، وأقبلت السلال، فيها الفاكهة والسكر، فنثر عليهم، وأمسك القوم فلم ينتهوا، فقال رسول الله ﷺ: «ما أزين الحلم!! ألا تنتهبون؟» فقالوا: يا رسول الله، إنك نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، قال: «إنما نهيتكم عن نهبة العساكر، ولم أنهكم عن نهبة الولائم، فانتهبوا».
قال معاذ بن جبل: فوالله لقد رأيت رسول الله ﷺ يجررنا ونجرره في ذلك النهاب».
قال العقيلي: بشر بن إبراهيم روى عن الأوزاعي أحاديث موضوعة، فذكر منها حديثا، وهذا بعده.
والقاسم بن عمر هذا لم أجد له ذكرا
(٨٨٠) وذكر من طريق الدارقطني عن معاذ، عن النبي ﷺ قال: «ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق» الحديث
[ ٣ / ١٧٠ ]
ورده بأن قال: حميد بن مالك ضعيف.
وترك في الإسناد من لا يعرف.
قال الدارقطني: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، حدثنا حميد بن مالك اللخمي، حدثنا مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ. فذكره.
عمر بن إبراهيم بن خالد هذا لا يعرف، وقد ذكر ابن أبي حاتم عمر بن إبراهيم بن خالد الهاشمي، القرشي، يروي عن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وعبد الملك بن عمير، روى عنه أحمد بن مصعب المروزي وهو أيضا غير معروف الحال، ولا أدري أهو هذا أم لا؟
وإسحاق بن إبراهيم بن سنين مجهول الحال
(٨٨١) وذكر من طريقه أيضا عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: «إذا كانت الأمة تحت الرجل، فطلقها تطليقتين ثم اشتراها، لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره».
ورده بأن قال: في إسناده مسلم بن سالم
[ ٣ / ١٧١ ]
وبينا في باب الأسماء المغيرة أنه سلم لا مسلم.
وبقي عليه أن يبين أن هذا الحديث من رواية من لا يعرف.
قال الدارقطني: حدثنا أحمد بن حسين، أبو حامد الهمداني، حدثنا أحمد بن محمد بن عمر المنكدري، حدثنا أبو حنيفة: محمد بن رباح بن يوسف الجوزجاني، ومحمد بن صالح بن سهل، قالا: حدثنا صالح بن عبد الله الترمذي، حدثنا سلم بن سالم، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
سلم بن سالم، مرجئ، متروك الحديث، وصالح بن عبد الله الترمذي صدوق، والمنكدري، وأبو حنيفة، ومحمد بن صالح، كلهم لا تعرف أحوالهم
(٨٨٢) وذكر من طريقه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه».
ثم قال: هذا يرويه عمر بن إبراهيم الكردي، وكان يضع الحديث. انتهى ما ذكره.
وهو كما قال، ولكن بقي عليه أن يبين أنه يرويه عن عمر المذكور، داهر ابن نوح، وهو لا يعرف ولعل الجناية منه
[ ٣ / ١٧٢ ]
(٨٨٣) وذكر حديث: «النهي عن بيع السلاح في الفتنة» من طريق أبي أحمد.
وأتبعه القول في محمد بن مصعب القرقساني، كأنه لا عيب له سواه، وترك راويه عنه لم يبرزه، وهو عثمان بن يحيى إمام مسجد قرقيساء، فإنه أيضا لا تعرف حاله
(٨٨٤) وذكر حديث أبي سعيد: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره».
وضعفه بعطية العوفي.
ولم يبين أن دونه سعد الطائي، أبا المجاهد، ولا تعرف حاله، وقد روى عنه جماعة
(٨٨٥) وذكر من طريق الدارقطني، عن ابن عمر [قال]: قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل» الحديث
[ ٣ / ١٧٣ ]
ثم رده بأن قال: في إسناده أبو حمزة، عن جابر بن يزيد، ضعيف عن متروك. انتهى كلامه.
وفيه مجازفة نبينها بعد الفراغ من مقصود الباب، وهو أن دون هذين من لا يعرف.
قال الدارقطني: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أبي قتادة المقرئ، حدثنا عيسى بن محمد بن عيسى المروزي، حدثنا عمر بن محمد بن الحسين، حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن موسى، حدثنا أبو حمزة، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
فعيسى بن محمد، وعمر بن محمد بن الحسين، وأبو محمد بن الحسين، كلهم مجهول الحال.
فأما عيسى بن موسى، فهو غنجار، أبو أحمد الأزرق.
وقد عد أبو حاتم في الرواة عنه، محمد بن الحسين البخاري، ولعله هذا الذي في هذا الإسناد، ولم يترجم باسمه في باب محمد والحاء من أسماء الآباء.
فلو لم يكن في الحديث جابر الجعفي، ما صح من أجل هؤلاء، بل من أجل أحدهم، لا سيما في حق من بحث عنهم وباحث، فلم يعرفهم ولا عرف بهم.
وإلى هذا فإن قوله: «أبو حمزة ضعيف» مجازفة، وذلك أنه ظنه أبا حمزة ميمونا القصاب، فهو ضعيف كما ذكر
[ ٣ / ١٧٤ ]
وقد مر له ذكره في حديث:
(٨٨٦) «إن في المال حقا سوى الزكاة».
وهذا الظن خطأ، وما أبو حمزة المذكور إلا السكري واسمه محمد بن ميمون، وهو ثقة، وثقه ابن معين، وقال فيه ابن المبارك: صحيح الكتب.
ولا يعرف لغيرهما فيه تضعيف.
والغنجار معدود في الرواة عنه، وهو معدود فيمن يروي عن جابر الجعفي.
ولأجل أن هذا لم يصرح به، لم نكتبه في باب الرجال الذين أخطأ في التعريفات بهم، وإنما ظنناه عليه، لقوله فيه: «ضعيف» فبذلك عرفنا أنه اعتقد فيه أنه القصاب، فإن السكري عنده ثقة، قد قبل من روايته أحاديث
(٨٨٧) وذكر من طريق أبي داود حديث سعد بن أبي وقاص: «كنا نكري الأرض بما على السواقي، من الزرع، وما سعد بالماء منها، فنهاني رسول الله ﷺ» الحديث
[ ٣ / ١٧٥ ]
وأعله بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة - ويقال: ابن لبيبة - وترك دونه من لا يعرف، وهو محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يرويه عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، ذكره عنه إبراهيم بن سعد.
وقد ذكره البزار من رواية إبراهيم بن سعد، عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي لبيبة، أسقط من بينهما محمد بن عكرمة.
وهو هكذا منقطع، ولا بد في اتصاله منه، وهو مجهول الحال، فاعلم ذلك
(٨٨٨) وذكر من طريق الدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من بنى في رباع قوم بإذنهم، فله القيمة، ومن بنى بغير إذنهم، فله النقض».
ثم قال: في إسناد عمر بن قيس، يعرف بسندل، وهو متروك.
لم يزد على هذا، وترك في إسناده من لا يعرف.
قال الدارقطني: حدثنا موسى بن جعفر بن قرين العثماني حدثنا محمد ابن فضالة، حدثنا كثير بن أبي صابر، حدثنا عطاء بن مسلم، عن عمر بن قيس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
أما عطاء بن مسلم فهو الخفاف، ثقة، وأما كثير بن أبي صابر فلا أعرفه،
[ ٣ / ١٧٦ ]
وقد ذكر ابن أبي حاتم كثير بن يزيد أبا صابر التنوخي، روى عن مبشر بن إسماعيل، وعطاء بن مسلم، ويحيى بن سليم الطائفي، سمع منه أبو حاتم بقنسرين وقال فيه: صدوق.
والقضاء على الذي في الإسناد بأنه هو؛ يحتاج إلى زيادة بيان.
والشبهة من اجتماعهما في الرواية عن عطاء بن مسلم، غير كافية:
والذي في الإسناد: كثير بن أبي صابر، وهذا الذي ذكر ابن أبي حاتم، كثير بن يزيد أبو صابر، ومحمد بن فضالة غير معروف الحال أيضا
(٨٨٩) وذكر من طريق العقيلي عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «من أهديت له هدية، ومعه قوم جلوس، فهم شركاؤه فيها».
ثم قال: هذا يرويه مندل بن علي، وعبد السلام بن عبد القدوس، وهما ضعيفان، ورواه أيضا عن عائشة، عن النبي ﷺ، وفي إسناده وضاح بن خيثمة، ولا يتابع عليه، انتهى ما ذكر.
وقد ترك دون عبد السلام نعيم بن حماد، وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة، وترك أيضا دون وضاح بن خيثمة من لا يعرف
[ ٣ / ١٧٧ ]
قال العقيلي: حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا بكار بن محمد بن شعبة، حدثنا الوضاح بن خيثمة، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة قالت: أهدي لرسول الله ﷺ هدية، وعنده أربعة نفر من أصحابه، فقال رسول الله ﷺ لجلسائه: «أنتم شركائي فيها، إن الهدية إذا أهديت إلى الرجل، وعنده جلساؤه، فهم شركاؤه فيها».
قال: ولا يتابع عليه، ولا يصح في هذا المتن حديث. انتهى.
وبكار بن محمد لا تعرف حاله
(٨٩٠) وذكر من طريق الدارقطني، حديث ابن عباس: «في أن القاتل لا يرث».
وأعله بليث بن أبي سليم وترك رجلا يقال له: أبو حمة لا تعرف حاله
(٨٩١) وذكر من طريق الدارقطني من رواية القاسم بن محمد العمري، حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان».
ثم قال: القاسم بن محمد هذا متروك
[ ٣ / ١٧٨ ]
هذا ما ذكر، وقد بينا الخطأ الذي في قوله: «القاسم بن محمد» في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها.
ونبين الآن - إن شاء الله - أنه ترك في الإسناد من لا يصح من أجله.
قال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن ثابت البزار حدثنا القاسم ابن عاصم، حدثنا موسى بن داود، حدثنا القاسم بن عبد الله العمري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، عن أبيه، عن أبي سعيد، فذكره.
أشبه من يكون عبد الله هذا، عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، فإنه الذي يروي عن أبي سعيد، ويروي عنه ابناه: محمد، وعبد الرحمن ولكني لا أحقق أنه هو، وذلك لأنه في هذا الحديث، إنما يرويه عن أبيه، عن أبي سعيد، فلا أدري - لأجل ذلك - أنه هو، ولو كان هو لم ينفع ذلك في شأن أبيه، فإنه لا يعرف له حال، فالحق أنهما مجهولان.
وأما القاسم بن عاصم فمجهول الحال، وقد ذكر أبو بكر بن ثابت الخطيب في تاريخه: «القاسم بن عاصم المروزي» نزل بغداد وحدث بها، عن يحيى بن أبي بكير وأبي مسهر الدمشقي، وقال: ذكره ابن أبي حاتم قال: كتبت عنه ببغداد.
ثم ساق بعده القاسم بن عاصم أبا السري الصائغ، فقال: حدث عن محمد بن عمر الواقدي، وعلي بن عياش الحمصي، وحنيفة بن مرزوق،
[ ٣ / ١٧٩ ]
وموسى بن داود، روى عنه ابن مخلد، وعبد الله بن يزيد الدقيقي وعبد الله ابن أحمد بن ثابت البزار، قال: وأخاف أن يكون شيخ ابن أبي حاتم، فالله أعلم. انتهى كلام الخطيب.
وقد تبين بهذا الذكر الذي ذكره [به] أنه الذي في الإسناد المذكور، وحاله - كما ترى - غير معروفة، فاعلم ذلك
(٨٩٢) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن عمرو بن هلال
[ ٣ / ١٨٠ ]
المزني: «نهى رسول الله ﷺ عن كسر سكة المسلمين» الحديث.
ثم قال: فيه محمد بن فضاء، وهو عندهم ضعيف جدا. انتهى ما ذكر.
وقد ترك أن يذكر والده فضاء بن خالد الجهضمي، فإن حاله مجهول ولا يعرف بغير هذا.
قال أبو حاتم البستي - في عبد الله المزني هذا -: «لم يصح إسناد حديثه»
(٨٩٣) وذكر من طريق أبي أحمد من حديث معاذ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجوز شهادة نخاس، من استقالنا شهادته أقلناه».
ثم رده بعمر بن عمرو الطحان العسقلاني.
وبقي عليه أن ينبه على راويه عنه فإنه مجهول لا يعرف البتة.
قال أبو أحمد: حدثنا أحمد بن حماد بن عبد الله، الرقي، حدثنا زكرياء بن الحكم، حدثنا عمر بن عمرو العسقلاني، حدثنا أبو فاطمة الكوفي، عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن معاذ، فذكره
[ ٣ / ١٨١ ]
(٨٩٤) وأورد أيضا عن أبي فاطمة هذا حديثا آخر، وقال فيه: أبو فاطمة النخعي.
ثم قال أبو أحمد: أبو فاطمة هذا لا يعرف، وعمر بن عمرو، عامة ما يرويه موضوع
(٨٩٥) وذكر من طريق أبي داود حديث الزبيب في «إسلام بلعنبر، والقضاء باليمين مع الشاهد».
ورده بأن قال: عمار بن شعيث لا يحتج بحديثه.
وصدق، ولكنه بقي عليه أن ينبه على أبيه شعيث بن عبيد الله، فعنه يرويه، وهو أيضا مجهول، وقد نص على ذلك أبو حاتم الرازي
(٨٩٦) وذكر من طريق البزار عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «إن الولاء ليس بمتنقل ولا متحول»
[ ٣ / ١٨٢ ]
ثم قال: في إسناده المغيرة بن جميل وهو مجهول.
وترك فوقه من لا يعرف حاله، قال البزار: حدثنا عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا المغيرة بن جميل، قال: حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: أخبرني أبي، عن جدي عبد الله بن عباس رفعه. فذكره.
وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، والمغيرة بن جميل ليس بمعروف في الحديث. انتهى قول البزار.
فأقول: سليمان بن علي - في بيته وشرفه في قومه - غير معروف الحال في الحديث
(٨٩٧) وذكر من طريق أبي داود، عن فضالة بن عبيد، قال: «أتي رسول الله ﷺ بسارق، فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه».
ثم قال: في إسناده حجاج بن أرطأة.
لم يزد على هذا، وهو حديث يرويه حجاج بن أرطأة، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن محيريز [قال: سألنا فضالة بن عبيد، فذكره
[ ٣ / ١٨٣ ]
وعبد الرحمن بن محيريز، قال الترمذي: إنه أخو عبد الله بن محيريز] وهو شامي، ولم يعرف بشيء من حاله، وهي لا تعرف، ولم يذكره البخاري ولا ابن أبي حاتم
(٨٩٨) وذكر من طريق أبي داود، عن حنش، قال: رأيت عليا يضحي بكبش، فقلت: ما هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ: «أوصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه».
ثم قال: حنش هذا لا يحتج بحديثه. انتهى ما ذكر.
وهو حديث يرويه شريك عن أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش.
وأبو الحسناء هذا، اسمه الحسن ولا تعرف له حال.
فأما شريك، فقد تقدم القول فيه
(٨٩٩) وذكر من طريق أبي داود، عن عائشة قالت: «كنت آخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب، فألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي ﷺ».
ثم قال: في إسناده أبو بحر البكراوي، وهو ضعيف عندهم
[ ٣ / ١٨٤ ]
وله فيه إسناد آخر، والصحيح النهي كما ذكر مسلم. انتهى ما ذكر.
أما الإسناد الأول الذي أعله بأبي بحر البكراوي، فإنه قد ترك فيه من لا يصح معه، فإنه إنما يرويه أبو بحر، عن عتاب بن عبد العزيز الحماني قال: حدثتني صفية بنت عطية، عن عائشة.
وصفية هذه لا تعرف.
وعتاب بن عبد العزيز بصري، روى عنه يزيد بن هارون، وعلي بن نصر، ولا تعرف أيضا حاله.
وأما الإسناد الآخر لهذا المعنى، فنذكره - إن شاء الله تعالى - في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها.
وقد فرغنا من ذكر القسم الأول من هذا الباب، وه الأحاديث التي أعلها بقوم وترك من تعلل به أيضا لم ينبه عليه، ولم يذكر من أسانيدها غير من نبه عليه.
ونذكر الآن إن شاء الله القسم الثاني، وهي الأحاديث التي اقتطع من أسانيدها قطعا، نبه على ضعف الحديث بذكر رجل أو أكثر ممن فيها، أو ممن فيما ترك من الأسانيد، وقد قلنا: إنه إذا ضعفه ببعض من في القطعة التي ترك، وترك في القطعة التي ذكر من يعتل به ولم ينبه عليه، فهو في هذا أعذر.
وإنما كان في هذا أعذر لأنه لم يطو ذكر هذا الذي يعتل به أيضا، بل أبرزه وعرضه لنظر المطالع، ويعارض هذا ما فيه من مسالمته له، المؤكدة بالقصد إلى
[ ٣ / ١٨٥ ]
غيره، وذلك يوهم أنه لا نظر فيه.
وإما إذا كان من ترك التنبيه عليه في القطعة التي لم يذكر، فسوء الصنيع في ذلك أبين، من حيث يمكن أن تكون الجناية من ذلك الضعيف أو المجهول، الذي قبل من ضعف هو به الخبر.
فلتقع البداية بهذا القسم، وهم إما ضعفاء وإما مجهولون
(٩٠٠) فمن ذلك أنه ذكر من طريق أبي أحمد، من رواية سليمان بن أرقم، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ أحدكم فلا يغسل أسفل رجليه بيده اليمنى».
ثم قال: سليمان بن أرقم متروك، ولم يصح سماع الحسن من أبي هريرة
انتهى ما ذكر.
وهو كما قال، ولكنه (بتوجه قصده إلى هذه القطعة من إسناده) يوهم أن ما ترك منه لا نظر فيه، وليس كذلك، بل فيما طوى ذكره من يتهم، ممن لعل الجناية فيه منه.
قال أبو أحمد: حدثنا أحمد بن موسى الحنيني، الجرجاني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم السالحيني، حدثنا محمد بن القاسم، أبو إبراهيم الأسدي، حدثنا سليمان بن أرقم، فذكره بإسناده ومتنه.
محمد بن القاسم هذا، هو أبو إبراهيم الأسدي الكوفي.
قال البخاري: كذبه أحمد بن حنبل
[ ٣ / ١٨٦ ]
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أحاديثه موضوعة ليس بشيء.
[وحكى الساجي عن أحمد أنه قال: لا يكتب حديثه، أحاديثه موضوعة، ليس بشيء].
وكذا حكى العقيلي عنه.
وقال أبو حاتم البستي: يروي عن الثقات ما لم يحدثوا به، كان أحمد يكذبه.
فأما ابن معين، فعنه أنه كان لا يرضاه لغفلته.
وحكى ابن أبي خيثمة عنه، أنه وثقه.
وليس ذلك بشيء.
وبالجملة فما حاله بأحسن من حال سليمان بن أرقم، فما باله يلوم سليمان، ولعله منه بريء؟
(٩٠١) وذكر من طريق الدارقطني، عن خارجة بن عبد الله بن سليمان ابن زيد بن ثابت، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «أصاب النبي ﷺ - أو جلده - بول صبي» الحديث
[ ٣ / ١٨٧ ]
ورده بأن قال: خارجة ضعيف.
وهو كما ذكر، ولكنه قد قيل فيه غير ذلك.
قال أبو حاتم الرازي: حديثه صالح.
وقد ترك دونه من لا ريب في ضعفه، بل هو متهم، وهو الواقدي، وقد تعمقوا في رميه بالكذب، حتى قال بعضهم: الكذابون على رسول الله ﷺ أربعة، الواقدي أحدهم.
فالعجب لأبي محمد، يعل الحديث بخارجة، ويترك الواقدي لا ينبه على كون الحديث من روايته
(٩٠٢) وذكر من طريقه أيضا عن البراء، حديث: «لا بأس ببول ما أكل لحمه».
من رواية سوار بن مصعب، عن مطرف بن طريف، عن أبي الجهم عن البراء.
ثم قال: خالفه يحيى بن العلاء؛ فرواه عن مطرف، عن محارب بن دثار، عن جابر.
وسوار متروك، ويحيى بن العلاء [ضعيف
[ ٣ / ١٨٨ ]
كذا قال: وهو كما ذكر، ولكن بقي عليه أن يبين أن حديث] يحيى بن العلاء، لم يصل إليه إلا من طريق متروك، يرويه عنه، وهو عمرو بن الحصين.
وقد نبه الدارقطني [حين ذكره] على أنه متروك، فترك ذلك أبو محمد، وذلك غير منبغ؛ لاحتمال أن تكون الجناية منه
(٩٠٣) وذكر من طريق أبي أحمد، عن العلاء بن كثير، قال: حدثنا مكحول، عن واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة، قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «جنبوا مساجدكم صبيانكم» الحديث.
ثم رده بأن قال: العلاء بن كثير هو الدمشقي، مولى بني أمية، ضعيف عندهم.
هذا نص ما أتبعه، وهو كما ذكر، ولكن لا معنى للحمل فيه على العلاء بن كثير، ودونه من هو متهم بالكذب، فلعل الجناية منه، وإنما يغر أبا محمد في هذا، ذكر أبي أحمد للحديث في باب رجل كيفما تيسر له، فيظن أبو محمد أن الجناية منه، ويحسن ظنه بغيره، فيقع له ما ذكرناه في هذا الباب كله.
وهذا الحديث قال أبو أحمد - حين ذكره في باب العلاء بن كثير -:
[ ٣ / ١٨٩ ]
حدثنا حذيفة بن الحسن، حدثنا أبو أسامة: محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن هانئ النخعي، قال: حدثنا العلاء مولى بني أمية، حدثنا مكحول، عن واثلة، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول فذكره.
عبد الرحمن بن هانئ هذا، هو أبو نعيم، النخعي، الكوفي، قال فيه ابن حنبل: ليس بشيء. وقال على بن الحسن الهسنجاني: سمعت يحيى بن معين يقول: بالكوفة كذابان: أبو نعيم النخعي، وأبو نعيم: ضرار بن صرد.
وقد ذكر أبو أحمد أبا نعيم هذا في باب يخصه، وذكر له أحاديث مما أنكر [عليه] وقال: إن له سواها كذلك.
فإذن، الحمل في هذا الحديث على العلاء بن كثير - وهو لا يرويه عنه إلا هذا الكذاب - ظلم له، فاعلم ذلك
(٩٠٤) وذكر من طريق العقيلي، من حديث الهيثم بن عقاب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من أم قوما
[ ٣ / ١٩٠ ]
وفيهم من هو أقرأ منه» الحديث.
ثم رده بأن الهيثم بن عقاب كوفي مجهول، وحديثه غير محفوظ.
وهذا الذي أتبعه من القول، هو قول العقيلي فيه لما ذكر.
وبقي عليه أن يبين أنه من رواية من يمكن أن تكون الجناية منه، وهو علي بن يزيد الصدائي فقد قال أبو حاتم الرازي: إنه منكر الحديث عن الثقات.
وقال أبو أحمد بن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات، إما أن يأتي بإسناد لا يتابع عليه، أو بمتن عن الثقات منكر، أو يروي عن مجهول، وعامة ما يرويه مما لا يتابع عليه
(٩٠٥) وذكر من طريق أبي أحمد بن عدي، من حديث خالد بن إسماعيل، عن عيبد الله بن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» الحديث.
ثم رده بأن قال: خالد بن إسماعيل هو المذكور فيما تقدم.
يعني أبا الوليد المخزومي ولم يزد على هذا، وهذه تبرئة لمن دونه ممن
[ ٣ / ١٩١ ]
طوى ذكره، وذلك منه سوء صنيع، فإن دونه من يتهم بوضع الحديث.
قال أبو أحمد: حدثنا عمر بن سنان، قال: حدثنا محمد بن المغيرة، الشهرزوري قال: حدثنا خالد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عمر.
فذكره بإسناده في باب خالد بن إسماعيل المذكور، وهو - أعني أبا أحمد - قد ذكر محمد بن المغيرة هذا، - الذي يرويه عن خالد بن إسماعيل - ذكرا يخصه فقال: «إنه يسرق الحديث، وهو ممن يضع الحديث».
وذكر له أحاديث ما ينكر عليه، ثم قال: ورأيت له مما يتهم فيه غير ما ذكرت.
ولو أن أبا محمد نظر بقية الإسناد لم يخف عليه أمر هذا الرجل، فإنه - كما قلناه - مذكور في كتاب أبي أحمد.
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث من رواية العلاء بن سالم الذي روى حديث:
(٩٠٦) «قدموا خياركم»، فاعلمه
(٩٠٧) وذكر من طريق أبي أحمد من حديث زيد بن الحواري، العمي، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «يكره للمؤذن أن يكون إماما»
[ ٣ / ١٩٢ ]
ثم قال: زيد العمي هذا، معروف في الضعفاء.
لم يزد على هذا، قأقول - وبالله التوفيق -: قد كنت أظن أن الذي يوقعه في هذا المذكور في هذا الباب - من عند أبي أحمد، أو العقيلي، أو الساجي - رؤيته للحديث عند أحدهم في باب الرجل الضعيف الذي يوردون الحديث في بابه، فيكتفي من تعليله بالإخبار عن كون ذلك الرجل في إسناده، ولا يمتد نظره إلى من سواه ممن يمكن أن تكون علة الخبر منه، اكتفاء بمعتقد مخرجه في باب ذلك الرجل، فإذا بهذا الظن قد أخلفني في هذا الحديث، وذلك أن أبا أحمد مخرجه، قد جاز عنده أن تكون الجناية فيه من غير زيد العمي، ممن هو أضعف منه، وأكثر منكرات، فلم يذكر ذلك أبو محمد ﵀.
ولنذكر لك نص ما أورد أبو أحمد، حتى تتبين هذا الذي ذكرت.
قال في باب زيد العمي: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن موسى بن عدي الجرجاني بمكة، قال: حدثنا أحمد بن سعيد قال: حدثنا القاسم بن الحكم، قال: حدثنا سلام - هو الطويل - عن زيد العمي، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «يكره للمؤذن أن يكون إماما»
[ ٣ / ١٩٣ ]
قال أبو أحمد: وهذا منكر عن قتادة، عن أنس، ولعل البلاء فيه من سلام، أو منهما.
وذكر قبله حديثا آخر، من رواية أبي الربيع الزهراني، عن سلام الطويل، عن زيد العمي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال:
(٩٠٨) «فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء».
ثم قال: ولعل البلاء فيه من سلام الطويل، أو منهما جميعا، فإنهما ضعيفان. وذكر بعده حديثا آخر، من رواية أبي الربيع الزهراني أيضا، عن سلام الطويل، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ:
(٩٠٩) «من احتجم يوم الثلاثاء لسبعة عشر من الشهر، كان دواء لداء السنة».
ثم قال: لا أعلم يرويه عن زيد العمي غيره.
فيدل هذا على أن البلاء في هذه الأحاديث، التي يرويها سلام عن زيد، من سلام، لا من زيد
[ ٣ / ١٩٤ ]
وذكر في باب سلام الطويل أقوال العلماء فيه، وأورد له من الأحاديث بعض ما ينكر عليه، ثم قال: وعامة ما يرويه عمن يرويه عنه من الضعفاء والثقات، لا يتابعه عليه أحد. انتهى ما كتبت عنه.
فإذن لا ينبغي أن يخص زيد العمي بالذنب فيه، ودونه من يجوز أن يكون كاذبا عليه، فاعلم ذلك
(٩١٠) وذكر من طريق البزار من حديث خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ «كان يأمرنا أن يصلي أحدنا كل ليلة بعد الصلاة المكتوبة ما قل أو كثر».
ثم قال: خبيب ضعيف.
كذا ذكره، وفي إسناده عند البزار من يكذب، وهو يوسف بن خالد السمتي، ولم يذكر البزار هذا الحديث إلا من روايته، أو من رواية سلام بن أبي خبزة، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة، وقد عرض له أبو محمد بما ينبغي أن يقال فيه.
فأما حديث يوسف بن خالد فقال البزار: وحدثناه خالد بن يوسف، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا جعفر بن سعد، عن خبيب بن سليمان بن سمرة، عن أبيه، عن جده سمرة بن جندب. فذكره
[ ٣ / ١٩٥ ]
وهذا الإسناد قد ذكر به البزار عشرات من الحديث، وتبين عنده بيانا شافيا أنه - أعني والد خالد بن يوسف - يوسف بن خالد السمتي، وكان صاحب رأي، من أصحاب أبي حنيفة، يكذبه أصحاب الحديث
(٩١١) وقد ذكر أبو محمد ﵀ في المساجد، حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليدفنها».
وهو حديث يرويه البزار هكذا: حدثنا خالد بن يوسف، حدثنا أبي، قال: سمعت زياد بن سعد يحدث عن عتبة الكوفي، وهو عتبة بن يقظان، عن عكرمة، عن أبي هريرة.
وقال أبو محمد بإثره: في إسناده يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف الحديث جدا. فاعلم ذلك
(٩١٢) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عمر بن موسى الوجيهي، عن مكحول، عن أنس «كانت قراءة رسول الله ﷺ إذا قام من
[ ٣ / ١٩٦ ]
الليل الزمزمة» الحديث.
ورده بأن الوجيهي متروك.
ولم يبين أنه يرويه عنه الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني، وهو ضعيف الحديث؛ قاله ابن معين.
وقد ذكر أبو أحمد هذا الحديث في باب الوليد المذكور، وقال: ليس البلاء في هذا الحديث منه، بل من عمر بن موسى الوجيهي، وذكر عن ابن حنبل توثيق الوليد.
ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك بيان كونه من روايته، ويرويه عن الوليد المذكور [محمد بن المستنير] وهو لا تعرف حاله
(٩١٣) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية شبيب بن شيبة الخطيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة [قالت:] قال رسول الله ﷺ: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين، فهي خداج».
ثم قال: شبيب بن شيبة ليس بثقة، قاله ابن معين.
وقال فيه أبو حاتم: ليس بقوي. انتهى ما ذكر
[ ٣ / ١٩٧ ]
فنقول وبالله التوفيق: في إسناد هذا الحديث عند أبي أحمد، من هو أضعف من شيبة بن شبيب، وهو جبارة بن المغلس.
كان ابن معين يقول: جبارة بن مغلس كذاب.
وترك أبو حاتم حديثه.
وقال أبو زرعة: ليس هو عندي ممن يكذب. وإنما كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان ممن يتعمد الكذب.
وقال فيه البخاري: مضطرب الحديث.
وقال ابن نمير: صدوق.
وقال فيه أبو أحمد بن عدي: في بعض أحاديثه ما لا يتابع عليه، وعندي أنه لا بأس به
(٩١٤) وقد ذكر أبو محمد في كتاب العلم حديث «تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله».
فقال بعده: جبارة متروك
[ ٣ / ١٩٨ ]
وبالجملة فلا يداني أبا معمر: شبيب بن شيبة، فإن شبيب بن شيبة لا يتهم، فاعلم ذلك
(٩١٥) وذكر أبو محمد من حديث حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس «كان رسول الله ﷺ يغسل يوم الفطر ويوم الأضحى».
ثم أتبعه أن قال: قال أبو أحمد: أحاديث حجاج عن ميمون، ليست بمستقيمة. انتهى ما أورد.
وهذا العمل منه ليس بمستقيم؛ فإنه اقتطع الإسناد من حيث حسن، وأعرض عن موضع العلة منه، فجاء الحديث غير ذي علة، فإن القول بأن حجاجا ليست روايته عن ميمون بمستقيمة، لا يعطى فيه ما يترك الحديث لأجله، لأنه قد يقال مثل ذلك في الرجل بالإضافة إلى غيره، فإن الناس متفاوتون.
وأيضا فإنه يعطي أنه في غير ميمون بن مهران أحسن حالا منه في ميمون، ويعطي أن الحديث لا علة له سوى ما ذكر.
وهذا هو الذي قصد بيانه في هذا الباب، وذلك أنه حديث يرويه عنه جبارة بن المغلس المتقدم الآن ذكره.
وإنما ذكر الحديث أبو أحمد في باب حجاج، لأن مذهبه في جبارة ما قدمنا عنه الآن: من أنه لا بأس به، ولا يتابع في بعض حديثه
[ ٣ / ١٩٩ ]
وأقل ما كان على أبي محمد، أن يبين أنه من رواية جبارة عنه. فاعلم ذلك
(٩١٦) وذكر من طريق الدارقطني، عن الوليد بن محمد الموقري، قال: حدثنا الزهري، أنبأني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، أخبره أن رسول الله ﷺ «كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى».
ثم أتبعه أن قال: الموقري ضعيف عندهم.
لم يزد على هذا، وهذا مؤكد لما يغلب على الظن من أمره: من أنه كان إذا ظفر من الإسناد بضعيف، عصب الجناية برأسه، ولم ينظر سائرهم، وأعرض عنهم، وإن كان لا يعرفهم.
وذلك أن هذا الحديث هو عند الدارقطني هكذا: حدثنا أبو عبد الله الأيلي: محمد بن علي بن إسماعيل، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن خنيس قال: حدثنا موسى بن محمد بن عطاء، قال: حدثنا الوليد بن محمد، قال: حدثنا الزهري، قال: حدثنا سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، أخبره أن رسول الله ﷺ. فذكره.
موسى بن محمد بن عطاء، أبو الطاهر المقدسي، يروي عن أبي المليح، وحجر بن الحارث، والوليد بن محمد، والهيثم بن حميد.
قال أبو حاتم الرازي: رأيته عند هشام بن عمار، ولم أكتب عنه، كان
[ ٣ / ٢٠٠ ]
يغرب، ويأتي بأباطيل.
وقال موسى بن سهل الرملي: أشهد عليه أنه كان يكذب.
وقال أبو زرعة: أتيته فحدث عن الهيثم بن حميد، وفلان، وفلان، وكان يكذب.
وقال أبو أحمد بن عدي: منكر الحديث، يسرق الحديث، روى عن الموقري، عن الزهري، عن أنس أحاديث مناكير، وليس البلاء فيها عن الزهري من أبي الطاهر، إنما البلاء من الموقري، والموقري وأبو الطاهر ضعيفان. انتهى كلام أبي أحمد.
ولا أدري لماذا حمل على الموقري دون أبي الطاهر، وهي لا تصل إلينا عن الموقري إلا على لسان أبي الطاهر، وهبك هذا في أحاديث الزهري عن أنس، حديثنا هذا من روايته عن الموقري، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
فالحمل عليه فيه متعين، واقتطاع الإسناد من الموقري تبرئة لأبي الطاهر، وما أراه فعل ذلك إلا وهو لا يعرفه، وحسن به الظن، ولم يبحث عنه.
وإلى هذا، فإن الراوي له عن أبي الطاهر - وهو عبيد الله بن محمد بن خنيس - لا أعرف حاله. فالله أعلم
(٩١٧) وقد ذكر في الجمعة حديث أم عبد الله الدوسية: «الجمعة واجبة
[ ٣ / ٢٠١ ]
على كل قرية فيها إمام، وإن لم يكونوا فيها إلا أربعة».
ثم رده بأن قال: لم يروه إلا متروك.
وإنما قال الدارقطني عقيبه: لم يروه عن الزهري إلا متروك، فجاء كلام أبي محمد أعم.
وهو إلى الصواب أقرب، فإن أحد طريقيه عند الدارقطني، هو هذا الذي فرغنا منه آنفا، عن أبي عبد الله الأيلي، عن عبيد الله بن محمد بن الأخنس عن موسى بن محمد المذكور، عن الموقري، عن الزهري، عن أم عبد الله.
وطريق آخر، فيه جماعة من الضعفاء والمجاهيل، أحدهم راويه عن الزهري، وهو الحكم بن عبد الله، ورواه عنه مجهول لا يعرف، وهو محمد ابن مطرف - وليس بأبي غسان - وعنه مسلمة بن علي الخشني، وهو متروك، وعنه عمرو بن الربيع بن طارق، ولا تعرف حاله.
والمقصود إنما هو أن تعلم أنه هاهنا من حيث عمم القضية، قد عرف حال موسى بن محمد المذكور الذي أعرض عن ذكره في حديثنا الأول، وذلك - والله أعلم - أنه عرف حاله بالمطالعة، ولم يبق في حفظه، والله الموفق
(٩١٨) وذكر من طريق أبي داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
[ ٣ / ٢٠٢ ]
جده: «كان النبي ﷺ إذا استسقى قال:» اللهم اسق عبادك وبهائمك. . .» الحديث.
ولم يعرض لشيء منه، وهو حديث إنما يرويه علي بن قادم، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب.
وعلي بن قادم وإن كان صدوقا فإنه يستضعف.
قال فيه ابن معين: ضعيف.
وقال أبو أحمد: نقمت عليه أحاديث رواها عن الثوري غير محفوظة.
وحديثه هذا عن الثوري كما ترى، فأقل ما كان يلزم، التنبيه على كون الحديث من روايته، والله الموفق.
(٩١٩) وذكر من طريق البزار، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن النبي ﷺ قال: «إن أفضل الصلوات صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة» الحديث.
ولم يقل فيه شيئا، إما تسامحا لما كان من فضائل الأعمال، وإما لأنه قد أبرز من إسناده من يعتل به، اعتمادا على ما قدم فيهم، وأي ذلك كان، فقد طوى ذكره من هو أيضا ضعيف، وإن كان لا بأس به عند بعضهم، وهو عبد الله
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ابن زحر فعنه ذكره البزار وهو يرويه عن علي بن يزيد.
ولا ندري من أضعف: أعلي بن يزيد، أم عبيد الله بن زحر؟ فكلاهما منكر الحديث.
قال أبو حاتم البستي: يروي عن علي بن يزيد الطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، فلا يكون ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم، فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية ابن زحر على الأحوال أولى.
قال ابن معين: كل حديثه عندي ضعيف. انتهى كلام البستي.
وهو مغن عن طويل ما لهم في هذا الإسناد
(٩٢٠) وقد ذكر أبو محمد في الطهارة حديث: «يطهر المؤمن ثلاثة أحجار والماء والطين» من عند أبي أحمد.
فقال فيه: أضعف من في هذا الإسناد علي بن يزيد. وعبيد الله والقاسم، قد تكلم فيهما
(٩٢١) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، حديث قيس بن سعد بن عبادة،
[ ٣ / ٢٠٤ ]
عن النبي ﷺ قال: «إن ربي حرم الخمر والكوبة والقنين».
ثم قال: في إسناده يحيى بن أيوب المصري، عن عبيد الله بن زحر.
وعبيد الله هذا، ضعفه [أحمد] بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وابن المديني وقال فيه أبو زرعة: «صدوق». ووثقه البخاري.
والمقصود هو أن ترك ذكره، والتنبيه على كون الحديث من روايته، تبرئة له فاعلمه
(٩٢٢) وذكر من طريق أبي أحمد، عن قيس بن الربيع، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ «كفن في قطيفة حمراء».
ثم رده بأن قال: قيس بن الربيع لا يحتج به.
وإنما الصحيح ما رواه مسلم، من حديث غندر، ووكيع، ويحيى بن سعيد، عن شعبة بهذا الإسناد:
(٩٢٣) «جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء» انتهى ما ذكر.
وعلة هذا الخبر في الحقيقة، إنما هي ما ثبت من أنه ﵇ «كفن في ثلاثة أثواب بيض»
[ ٣ / ٢٠٥ ]
فأما جعل القطيفة في القبر، فغير مناقض للتكفين في قطيفة أخرى مثلها، فالقطائف الحمر كثيرة، وليس هذا بمقصود، وإنما المقصود أنه طوى ذكر من هو مثل قيس بن الربيع، أو أسوأ حالا، فإن قيسا غاية ما رمي به حديثه، ما اعتراه من سوء الحفظ حين ولي القضاء، كشريك، وابن أبي ليلى.
والحديث المذكور يرويه عن قيس، محمد بن مصعب القرقساني.
وأبو محمد قد تولى تضعيفه، وذكر أقوال الناس فيه في مواضع، وقد مر ذكره مرات
(٩٢٤) فمنها: حديث: «كان يرفع يديه في كل خفض ورفع».
قال فيه بإثره: كانت فيه غفلة شديدة
(٩٢٥) وكذلك حديث: «أعتقها ولدها».
وغلط في جعله راويا لذلك الحديث.
والحديث المذكور الآن، هو عند أبي أحمد هكذا: حدثنا الحسن بن عبد الله القطان، قال: حدثنا أيوب الوزان قال: حدثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا قيس، عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: «كفن في قطيفة حمراء»
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ولقد أخاف أن يكون تصحف لبعض رواته أو رواة الكتاب «الكامل» الذي هو فيه، لفظ «دفن» ب «كفن»، والله أعلم
(٩٢٦) وذكر من طريق البزار، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، أن النبي ﷺ: «قام على قبر عثمان بن مظعون بعدما دفنه، وأمر فرش عليه بالماء».
ثم قال: قد تقدم ذكر عاصم.
لم يعرض له بأكثر من هذا، وفي إسناد هذا الحديث من هو أضعف من عاصم، فلا ينبغي أن يطوى ذكره، إذ لعل الجناية منه.
قال البزار: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا يونس قال: حدثنا العمري، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه فذكره.
العمريون كثير، ومنهم عاصم بن عبيد الله هذا، وأكثر ما يقع في الإسناد هكذا «العمري» غير مسمى، عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، ومع هذا فقد تبين أن العمري المذكور في هذا الإسناد، الراوي له عن عاصم بن عبيد الله، هو القاسم بن عبد الله العمري.
وتبين ذلك في كتاب البزار، فإنه ساق جملة أحاديث بهذا الإسناد، أعني عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، من
[ ٣ / ٢٠٧ ]
رواية العمري عنه، وهو في بعضها مسمى كما قلناه، من جملتها هذا الحديث.
والقاسم المذكور، هو أخو عبيد الله، وعبد الله، وكلهم بنو عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ضعيف جدا.
قال ابن حنبل: هو مدني كذاب، كان يضع الحديث، ترك الناس حديثه.
ومنهم من يقول: متروك.
ومنهم من يقول: منكر الحديث.
وقال أبو زرعة: لا يساوي شيئا
(٩٢٧) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث أبي المهدي: سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية: كثير بن مرة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: «لا تبنى كنيسة في الإسلام، ولا يجدد ما خرب منها».
ثم قال: أبو المهدي كان رجلا صالحا، من صالحي أهل الشام، ولكن حديثه ضعيف لا يحتج به. انتهى كلامه.
فنقول - وبالله التوفيق -: قد تبين في باب النقص من الأسانيد، الفساد الواقع في هذا الحديث، بسقوط «عن» بين أبي الزاهرية وكثير بن مرة،
[ ٣ / ٢٠٨ ]
ونريد الآن بيان ما لهذا الباب، من كونه طوى ذكر من يرويه عن أبي المهدي، وهو متروك.
قال أبو أحمد: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن جامع، حدثنا سعيد بن عبد الجبار، عن أبي المهدي، فذكره.
سعيد بن عبد الجبار الحمصي، ضعيف، بل متروك.
حكى البخاري أن جرير بن عبد الحميد كان يكذبه.
ومحمد بن جامع، أبو عبد الله العطار، بصري معروف بالرواية عنه، وعن حماد بن زيد، ومعتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث، وهو أيضا ليس بصدوق، قاله أبو زرعة، ولم يقرأ عليهم حديثه.
وامتنع أبو حاتم من الرواية عنه.
فهذا شأن هذا الحديث، فلعل أبا المهدي لا ذنب له، ونحن نلومه
(٩٢٨) وذكر من طريق أبي أحمد، عن نوح بن أبي مريم، عن مقاتل بن حيان، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «يتربص بالغريق يوم وليلة ثم يدفن»
[ ٣ / ٢٠٩ ]
ثم رده بأن قال: لم يسمع الحسن من جابر، ونوح متروك.
هذا ما ذكره به، وقد طوى ذكر سلم بن سالم، راويه عن نوح بن أبي مريم، وهو متهم.
وقد ذكره أبو أحمد في باب سلم بن سالم، وفي باب نوح، وإن كان قد قال: لعل البلاء فيه من نوح وسالم سلما، ولكن مع ذلك لا ينقطع عن سلم الاتهام به فإنه متروك متهم.
قال أبو زرعة: ما أعلم أنه حدثت عنه إلا مرة، قيل له: كيف كان في الحديث؟ قال: لا يكتب حديثه، كان مرجئا، وكان لا - وأومأ بيده إلى فيه -.
قال ابن أبي حاتم: يعني لا يصدق.
وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول:
(٩٢٩) سئل ابن المبارك عن الحديث الذي يحدثه في أكل العدس: «إنه قدس على لسان سبعين نبيا»، فقال: لا، ولا على لسان نبي واحد، إنه لموذ، منفخ من يحدثكم هذا؟ قالوا: سلم بن سالم، قال: عمن؟ قالوا: عنك، قال: وعني أيضا؟!
وقال ابن معين: ليس بشيء
[ ٣ / ٢١٠ ]
وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك - وذكر عنده حديث لسلم بن سالم - فقال: هذا من عقارب سلم.
وقال أبو زرعة: أخبرني بعض الخراسانيين، قال: سمعت ابن المبارك يقول: اتق حيات سلم لا تلسعك.
وقال فيه النسائي: ضعيف.
هذا هو الصحيح في أمر هذا الرجل: إنه ضعيف، لا ما قاله أبو أحمد، من أنه لا بأس به.
فليس ينبغي أن يحمل على نوح بن أبي مريم، وإن كان متروكا، في حديث إنما جاءنا عنه على لسان ضعيف
(٩٣٠) وذكر من طريق الدارقطني، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس عليكم في ميتكم غسل إذا غسلتموه؛ إن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم».
ثم قال: عمرو بن أبي عمرو لا يحتج به
(٩٣١) وسيأتي ذكره في «رجم الذي يعمل عمل قوم لوط» بأكثر من هذا
[ ٣ / ٢١١ ]
ثم قال: وإسناده عند الدارقطني: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أبو شيبة: إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو. فذكره. انتهى ما ذكر.
ويشبه أن يكون قد تبرأ من عهدته لما ذكر إسناده، هذا هو ظاهر أمره في الأحاديث التي يذكرها بأسانيدها، أنه لم يحكم عليها بشيء، وإنما تركها لنظر المطالع. وقد يندر له خلاف هذا، أن يذكر إسناد ما هو عنده صحيح أو بعضه
(٩٣٢) كما فعل في قصة كعب بن الأشرف، فإنه ساقه من طريق مسلم فقال: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابرا
فذكره.
وإلى هذا، فاعلم أن أبا شيبة أولى بالحمل عليه في هذا الحديث من عمرو ابن أبي عمرو، فإنه ضعيف، وعمرو بن أبي عمرو مختلف فيه.
وقد تقدم لأبي محمد تضعيف أبي شيبة في كتاب الجنائز. فاعلم ذلك
[ ٣ / ٢١٢ ]
(٩٣٣) وذكر من طريق الدارقطني من حديث غورك بن الخضرم أبي عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «في الخيل السائمة، في كل فرس دينار».
ثم قال: تفرد به غورك [وهو ضعيف جدا.
هذا ما ذكر، وقد أساء في ترك ذكر من دون غورك] وهم جماعة ضعفاء.
قال الدارقطني: أخبرني أحمد بن عبدان الشيرازي فيما كتب إلي، أن محمد بن موسى الحارثي، حدثهم قال: أخبرنا إسماعيل بن يحيى بن بحر الكرماني، قال: حدثنا الليث بن حماد الإصطخري قال: حدثنا أبو يوسف، عن غورك بن الخضرم، أبي عبد الله، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «في الخيل السائمة، في كل فرس دينار».
ثم قال الدارقطني: تفرد به غورك عن جعفر، وهو ضعيف جدا، ومن دونه ضعفاء. هذا نص ما ذكره به الدارقطني.
وقد طوى أبو محمد ذلك كله، واقتصر على غورك بن الخضرم.
وأبو يوسف، هو القاضي، وهو محمول عليه عندهم، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٢١٣ ]
(٩٣٤) وذكر من طريق البزار حديث: «من مات وعليه صيام فليصم عنه وليه إن شاء».
واقتطع إسناده من ابن لهيعة، وطوى ذكر الراوي له عنه، وهو يحيى بن كثير الزيادي، أبو النضر وهو عندهم ضعيف
(٩٣٥) وذكر من طريق الدارقطني، عن سفيان بن بشر قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق، وإن شاء تابع».
ثم قال: لم يسنده غير سفيان بن بشر
هكذا أورده ولم يبين له في الحقيقة علة، فإنه لم يتقدم له قول في سفيان بن بشر، والرجل غير معروف الحال.
والذي لأجله كتبناه الآن، هو أنه حديث يرويه الدارقطني هكذا: حدثنا أبو الحسن: عبد الباقي بن قانع القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن منصور الفقيه، أبو إسماعيل، ومحمد بن عثمان، قالا: حدثنا سفيان بن بشر، فذكره.
وأقل ما كان عليه أن يبين أنه من رواية عبد الباقي إحالة على ما تقدم
[ ٣ / ٢١٤ ]
فيه مما ذكرناه الآن، إثر حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ:
(٩٣٦) «كان يصبح ولم يجمع الصوم، فيبدو له فيصوم»
من تضعيفه إياه، وترك أصحاب الحديث [له] واختلاط عقله قبل موته بسنة
(٩٣٧) وذكر من طريقه أيضا، عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «من أفطر يوما من شهر رمضان فليهد بدنة» الحديث.
ثم قال: مقاتل بن سليمان متروك.
هذا ما ذكره به، وهو كما قال، ولكنه ترك دونه من يمكن أن يكون لغيره فيه نظر، وذكره كان أبرأ للعهدة، وإن كان مقاتل ضعيفا جدا.
قال الدارقطني: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا أحمد بن خالد بن عمرو الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا الحارث بن عبيدة الكلاعي، حدثنا مقاتل بن سليمان. فذكره.
وقال الدارقطني: الحارث بن عبيدة، ومقاتل، ضعيفان.
هذا فعل الدارقطني مخرجه، قد تبرأ من عهدة الحديث بتضعيف الحارث ابن عبيدة ومقاتل جميعا، فما بال أبي محمد يقتصر على مقاتل؟ ولعله مكذوب عليه فيه
[ ٣ / ٢١٥ ]
وإلى ذلك فإن أحمد بن خالد، وأباه خالد بن عمرو، لا أعرف حالهما
(٩٣٨) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عمر بن موسى الوجيهي - وهو متروك - عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتزوج المملوك فوق اثنتين».
هكذا ذكره، ولم يبين أنه من رواية بقية عن الوجيهي
(٩٣٩) وذكر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، حديث: «فإذا استرد الواهب ما وهب، فليوقف» الحديث.
ولم يبين أنه من رواية أسامة بن زيد عن عمرو، وهو مختلف فيه
(٩٤٠) وذكر من طريق النسائي، من حديث ابن جريج ويحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ حديث: «ليس لقاتل من الميراث شيء».
ولم يقل فيه إلا أن جماعة روته مرسلا، عن عمرو بن شعيب، عن عمر
[ ٣ / ٢١٦ ]
والحديث المذكور إنما رواه عن ابن جريج ويحيى بن سعيد، إسماعيل بن عياش، وهو يضعفه إذا روى عن غير الشاميين، فكان عليه أن يبين ذلك ولم يفعل
(٩٤١) وذكر من طريق الدارقطني، من رواية إسحاق بن الفراث، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ «رد اليمين على صاحب الحق».
قال: وإسحاق ضعيف.
كذا قال: وطوى ذكر من دون إسحاق، وإسحاق خير ممن دونه، وأنه - أعني إسحاق بن الفراث بن الجعد بن سليم مولى معاوية بن خديج - فقيه ولي القضاء بمصر، خليفة لمحمد بن مسروق الكندي، يكنى أبا نعيم، يروي عن مالك، والليث، ويحيى بن أيوب، والمفضل بن فضالة، وحميد بن هانئ.
ولم يعرفه أبو حاتم الرازي، وذلك أنه سئل عنه فقال: شيخ ليس بالمشهور.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: ما رأينا قاضيا أفضل منه، وكان
[ ٣ / ٢١٧ ]
عالما.
وقال بحر بن نصر: سمعت ابن علية يقول: ما رأيت ببلدكم أحدا يحسن العلم إلا ابن الفراث.
قال ابن الوزير: وكان من أكابر أصحاب مالك.
وكان لقي القاضي أبا يوسف بالبصرة وأخذ عنه، وكان يتخير في الأحكام، وولي القضاء، وكان موفقا سديدا. قال ابن الوزير: وسمعته يقول: ولدت سنة خمس وثلاثين ومائة.
قال أبو سعيد بن يونس: توفي ليلة الجمعة لليلتين خلتا من ذي الحجة أربع ومائتين، وله أخ يقال له: يحيى بن الفراث من أكابر أصحاب مالك
هذا كل الذي ذكر به هو من كتاب تاريخ المصريين لأبي سعيد بن يونس.
وإسناد الحديث المذكور هو هذا: قال الدارقطني: حدثنا أبو هريرة الأنطاكي: محمد بن علي بن حمزة بن صالح، حدثنا يزيد بن محمد، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن مسروق، عن إسحاق بن الفراث، فذكره.
سليمان بن عبد الرحمن، هو ابن بنت شرحبيل الدمشقي، وهو مختلف فيه، إلا أنه كان أروى الناس عن المجهولين، وكانت فيه غفلة، وكان في حد
[ ٣ / ٢١٨ ]
لو أن رجلا وضع له حديثا لم يفهم، وكان لا يميز.
ومحمد بن مسروق لا تعرف له حال، روى عنه هشام بن عمار، وموسى ابن عبد الرحمن المسروقي، فاعلم ذلك
(٩٤٢) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن عبدا من رقيق الخمس سرق
الحديث.
ثم قال: حجاج ليست روايته عن ميمون بمستقيمة.
هذا ما ذكره به، وقد طوى ذكر جبارة بن مغلس، راويه عن حجاج، وقد تقدم الآن القول فيه
(٩٤٣) وذكر أيضا من طريقه من حديث عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، قال: قال ابن عباس: «نهى رسول الله ﷺ عن الذبيحة أن تفرس قبل أن تموت»
(٩٤٤) وذكر به أيضا حديث آخر، وهو: «النهي عن ذبيحة نصارى
[ ٣ / ٢١٩ ]
العرب».
ونبه على ما قدم من ضعف شهر والخلاف فيه.
ولم يبين أنهما من رواية جبارة بن المغلس أيضا، عن عبد الحميد المذكور
(٩٤٥) وذكر من طريق أبي داود، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح
عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه».
وضعفه بضعف القداح.
ولم يبين أنه من رواية عتاب بن بشير عنه.
وعتاب بن بشير أبو الحسن الحراني زعموا أنه روى بآخرة أحاديث منكرة، وأنه اختلط عليه العرض والسماع، فتكلموا فيه.
وهذا عندي من الوسواس، ولا يضره ذلك، فإن كل واحد منهما تحمل صحيح، وإنما ذكرناه لأنه مختلف فيه بينهم
(٩٤٦) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث محمد بن عبد الرحمن
[ ٣ / ٢٢٠ ]
الطفاوي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ «كان إذا أكل الطعام أو الإدام أكل بثلاث أصابع».
ثم قال: هذا الحديث ضعيف، وقد وقع ذكر الطفاوي في الطب، قال: وقد رواه عنه الطفاوي أيضا. انتهى كلامه
(٩٤٧) وقد بين كما ذكر أمر الطفاوي [إثر حديث عائشة فيما ينفع من الجذام].
وأسوأ ما ذكره به أنه منكر الحديث.
والذي لأجله كتبنا الآن هذا الحديث، هو أنه من رواية عمرو بن عبد الجبار، عن الطفاوي.
وقد كرر أبو أحمد ذكره في بابه، وأنكره عليه في جملة ما أورد له ولم يخص به الطفاوي، بل جاز عنده أن تكون الجناية من عمرو، فالاقتصار على الطفاوي في تعليله لا معنى له
[ ٣ / ٢٢١ ]
(٩٤٨) وذكر من طريق الترمذي، عن ابن لعطاء بن أبي رباح، عن أبيه، عن ابن عباس [قال] رسول الله ﷺ: «لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير» الحديث.
ثم قال فيه: غريب.
لم يذكره بأكثر من هذا، ووجب ذكره في هذا الباب؛ لأنه لما اقتطع ذكره من ابن عطاء، [ثم] لم يقض عليه بالصحة، كان ذلك موهما أنه لا عيب له فيما ترك من إسناده.
وليس كذلك، بل هو من رواية يزيد بن سنان الجزري أبي فروة عن ابن عطاء المذكور، ويزيد ضعيف عندهم
(٩٤٩) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عيسى بن إبراهيم بن طهمان الهاشمي، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير - وكان من أصحاب النبي ﷺ - قال: «رخص رسول الله ﷺ في لباس الحرير عند القتال».
ثم قال: عيسى ضعيف عندهم، بل متروك
[ ٣ / ٢٢٢ ]
لم يزد على هذا، ولم يبين أنه من رواية بقية، عن عيسى، وهو عنده لا يحتج به، ولا بين أيضا أن موسى بن أبي حبيب ضعيف، إلا أنه أبرزه
(٩٥٠) وذكر من طريقه أيضا، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس: «نهى رسول الله ﷺ عن حلق القفا بالموسى إلا عند الحجامة».
ثم أتبعه أنه متن منكر، وتضعيف سعيد بن بشير بأنه يهم في الشيء بعد الشيء، والغالب على حديثه الاستقامة، وعليه الصدق.
ولم يبين أنه من رواية سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ابن بنت شرحبيل، عن الوليد بن مسلم، عنه.
وسليمان مغفل، قد مر ذكره
(٩٥١) وذكر من طريقه أيضا عن خارجة بن مصعب، عن عبد الحميد ابن سهيل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا لم يكن على الباب ستر ولا باب، فلا بأس أن يطلع في الدار».
ثم ضعفه من أجل خارجة المذكور، وطوى ذكر راويه عنه، وهو خالد بن أيوب ولا أعرفه إلا البصري، وهو ضعيف عندهم
[ ٣ / ٢٢٣ ]
ويرويه عن خالد وارث بن الفضل، وهو لا تعرف حاله، وكذا وقع في النسخة: عبد الحميد، وصوابه: عبد المجيد، وقد بينت ذلك في باب الأسماء المغيرة عما هي عليه
(٩٥٢) وذكر من طريقه أيضا من حديث عبد الله بن محمد بن المغيرة، عن سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «نهى رسول الله ﷺ أن يقعد الرجل بين الظل والشمس، وقال: إنه مقعد الشيطان».
ثم قال في عبد الله هذا: ليس بالقوي.
وترك أن يبين أنه من رواية مقدام بن داود عنه، وهو مختلف فيه.
قال أبو أحمد: حدثنا محمد بن أبي علي، حدثنا مقدام، فذكره.
وقال: لا أعلم يرويه عن الثوري غير عبد الله بن محمد
(٩٥٣) وذكر من طريقه أيضا حديث ابن عباس: (فلما بلغا مجمع بينهما) قال: إفريقية.
ثم أتبعه أن قال: هذا يرويه محمد بن أبان بن صالح، وكان من رؤوس المرجئة، فتكلم فيه من أجل ذلك، ومع ذلك يكتب حديثه.
هذا ما ذكر، وهو كما قال، إلا أنه ترك أن يبين أنه من رواية ابن
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الحماني عنه.
وقال أبو أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن فضيل، قال: حدثنا يوسف ابن سعيد بن مسلم، قال: أملى علي ابن الحماني، قال: حدثنا محمد بن أبان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: (فلما بلغا مجمع بينهما) قال: «إفريقية».
ويحيى بن عبد الحميد الحماني، لا ينبغي أن يطوى ذكره، فإن جماعة - وهم الأكثرون - يضعفونه، بل كان أحمد بن حنبل يكذبه.
وترك الرواية عنه ابن نمير، وأبو زرعة.
وسئل علي بن الحسين بن الجنيد: أيكتب حديثه؟ قال: لا.
وكان ابن معين في كل الروايات عنه يوثقه ويثني عليه.
وأما ما يوهمه إيراد أبي محمد لهذا الحديث - من كونه موقوفا، وهو عند أبي أحمد مرفوع - فقد بيناه في باب الأحاديث التي أوردها موقوفة وهي مرفوعة.
قد ذكرنا من هذا القسم ما كان المسكوت عنه، المتروك ذكره من رواته
[ ٣ / ٢٢٥ ]
ضعيفا، ونذكر الآن منه [ما كان ممن] لم يجر ذكره من رواته مجهولا
(٩٥٤) فمن ذلك ما ذكر من طريق أبي أحمد [أيضا] من حديث العلاء بن كثير، عن مكحول، عن أبي ذر وعبادة بن الصامت، قالا: قال رسول الله ﷺ: «أقروا بالإيمان، وتسموا به». الحديث.
ثم قال: العلاء بن كثير منكر الحديث ضعيفه، ولا يصح سماع مكحول من عبادة وأبي ذر.
هذا ما ذكره به، وهو كما قال، ولكنه ترك أن يبين أنه من رواية أبي غانم الكاتب، قال: حدثنا سليمان بن عمرو، قال: سمعت العلاء بن كثير، فذكره.
وأبو غانم لا تعرف حاله، وسليمان بن عمرو لا يعرف، إلا أن يكون النخعي، فهو كذاب
(٩٥٥) وذكر من طريق الدارقطني، من حديث محمد بن أبان، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ وذكر اسم الله تطهر جسده كله» الحديث
[ ٣ / ٢٢٦ ]
ثم قال: محمد بن أبان، لا أعرفه الآن، وأما أيوب بن عائذ فمعروف، ثقة. انتهى كلامه.
ولقد جعل من محمد بن أبان مجهولا، وإن كان يغلب على الظن أنه محمد بن أبان الجعفي، جد مشكدانة الحافظ، وهو كوفي ضعيف، كان رأسا في المرجئة، فترك لأجل ذلك حديثه.
وأيوب بن عائذ أيضا كذلك، كوفي، مرجئ، ذكره بذلك البخاري ووراء هذا أن في إسناده من لايعرف البتة، وهو راويه عن محمد بن أبان، وهو مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبي بردة فاعلم ذلك
(٩٥٦) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية كثير بن شنظير عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك فضل الجماعة» الحديث.
ثم رده بأن قال: كثير بن شنظير، ليس بقوي
[ ٣ / ٢٢٧ ]
كذا قال ولم يزد.
وكثير بن شنظير، أبو قرة ليس في حد من يترك به هذا الخبر لو لم يكن فيه سواه، فقد قال فيه ابن معين: صالح الحديث.
وقد روى الناس عنه واحتملوه، وأخرج له مسلم، ومع ذلك ففي حديثه لين، قاله أبو زرعة.
وهذا غير ضائر فإن الناس متفاوتون، وإنما الرجل قليل الحديث، وبحسب ذلك قال فيه من قال: ليس بالقوي.
وقد قال بهذا الذي قلناه فيه، أبو عبد الله بن البيع الحاكم.
وإعراض أبي محمد عن جميع الإسناد إلا كثير بن شنظير، عجب، وذلك أنه حديث أورده أبو أحمد في باب كثير بن شنظير، فتوهم أبو محمد - لأجل ذلك - أنه لا حمل فيه إلا عليه، وليس كذلك، بل قبله في الإسناد من يتعين لتضعيف الخبر به، وضعفه من أجله.
قال أبو أحمد: حدثنا حاجب بن مالك، قال: حدثنا عباد بن الوليد الغبري قال: حدثنا صالح بن رزين المعلم، قال: حدثنا محمد بن جابر، عن أبان بن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن جابر، فذكره
[ ٣ / ٢٢٨ ]
هذا إسناده عنده، وليس فيه من دون كثير بن شنظير أحسن حالا من كثير المذكور.
أما أبان بن طارق، فمجهول لا يعرف إلا بحديثين، أو ثلاثة
(٩٥٧) أحدها [في قصة نصر مع الطفيلي] وهو روايته عن نافع، عن ابن عمر يرفعه: «من أتى طعاما لم يدع إليه، دخل سارقا وخرج مغيرا».
وبه ذكره أبو أحمد وقال: لعل له حديثين أو ثلاثة، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، وهو أنكر ما يرويه، أو كلاما هذا معناه.
وسئل أبو زرعة عن أبان بن طارق هذا، فقال: شيخ مجهول.
ومحمد بن جابر الراوي عنه، إن لم يكن اليمامي فهو مجهول أيضا، وصالح بن رزين المعلم لا يعرف أصلا، فهذه حال هذا الخبر فاعلمه
(٩٥٨) وذكر من طريقه أيضا عن سعيد بن زربي عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «الاثنان جماعة، والثلاثة جماعة» الحديث.
ثم أتبعه تضعيف سعيد بن زربي، ولم يذكره غيره.
وهذا الحديث يرويه أبو أحمد هكذا: حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن
[ ٣ / ٢٢٩ ]
خليفة قال: حدثنا عباد الدورقي، قال: حدثنا محمد بن الصلت قال: حدثنا سعيد بن زربي. فذكره.
وعباد هذا لم أجد له ذكرا، ولا أعرفه في غير هذا
(٩٥٩) وذكر من طريق البزار، من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الهرة لا تقطع الصلاة؛ إنما هي من متاع البيت».
وأتبعه أن قال: عبد الرحمن بن أبي الزناد يكتب حديثه على ضعفه.
لم يزد على هذا.
وإسناده عند البزار هكذا: حدثنا فردوس الواسطي، حدثنا مهدي بن عيسى قال: حدثنا ابن أبي الزناد. فذكره.
مهدي بن عيسى، أبو الحسن الواسطي، يروي عن حماد بن زيد، وجعفر بن سليمان، وعبد الله بن يحيى التوأم، وعبيس بن ميمون،
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وخالد بن عبد الله، وهشيم.
روى عنه الرازيان، ولم يذكر فيه أبو محمد بن أبي حاتم تجريحا ولا تعديلا، فهو عنده مجهول الحال.
وليس في رواية أبيه وأبي زرعة عنه ما يقضي له بحسن الحال، فقد رويا عمن لا يثقان.
وفردوس الواسطي أيضا لا أعرف حاله
(٩٦٠) وسيأتي له في باب الأحاديث المصححة بالسكوت حديث «التجرد والاغتسال للإهلال».
سكت عنه، وهو من رواية ابن أبي الزناد، وفيه من لا يعرف، وإنما لم نذكره هاهنا لأنه لم يضعفه، وشرط هذا الباب أن يضعف الحديث برجل ويترك غيره
(٩٦١) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية حنظلة بن عبيد الله السدوسي، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ «صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب».
ورده بأن قال: حنظلة اختلط، فأنكر عليه، وضعف
[ ٣ / ٢٣١ ]
هذا كما ذكر، ولكن بقي عليه أن يبين أنه من رواية عبد الملك بن خطاب بن عبيد الله بن أبي بكرة، عن حنظلة المذكور.
وعبد الملك لا يعرف بأكثر من رواية محمد بن عبد العزيز الرملي، وعبد الله بن المفضل العلاف عنه، وحاله مجهولة
(٩٦٢) وذكر من طريق أبي داود، عن سليمان بن سمرة، عن سمرة، عن النبي ﷺ: «ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم».
ثم قال: ليس هذا الإسناد مشهورا.
كذا ذكره، ولم يبرز من إسناده غير سليمان، فإذن لا يرجع قوله: «ليس هذا الإسناد مشهورا» إلا إليه عند من لا يعرف ما قبله، بل يظن أن ما قبله لا نظر فيه، وليس الأمر فيه كذلك.
وحديث سمرة هذا، له إسناد مجهول قبل الوصول إلى سليمان، تروى به جملة أحاديث.
قال أبو داود: حدثنا [محمد بن داود بن سفيان، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا سليمان بن موسى] حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب قال: حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سمرة.
وليس في هذا الإسناد من تعرف ثقته إلا موسى بن إسماعيل، وقد بسطنا
[ ٣ / ٢٣٢ ]
القول في هذا الإسناد بأكثر من هذا في باب الأحاديث التي أتبعها [منه] كلاما يقضي ظاهره بصحتها وليست [كذلك] بصحيحة
(٩٦٣) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث يحيى بن سعيد الحمصي العطار، عن عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن النبي ﷺ: «كان يمشي خلف الجنازة» الحديث.
ثم قال: يحيى هذا منكر الحديث.
لم يزد على هذا، وهو كما ذكر منكر الحديث، قاله السعدي.
وقال محمد بن عوف: سمعت ابن معين يضعفه، وذكر أنه احترقت كتبه، وأنه روى أحاديث منكرة.
وفي رواية الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء.
قال أبو أحمد بن عدي: له كتاب مصنف في حفظ اللسان، حدثنا به أحمد بن محمد بن عنبسة، عن أبي التقي: هشام بن عبد الله، عنه وفي ذلك الكتاب أحاديث لا يتابع عليها، وهو بين الضعف
[ ٣ / ٢٣٣ ]
والذي لأجله كتبناه الآن هنا، هو أنه يرويه عن يحيى بن سعيد المذكور، سليمان بن أبي سلمة، ولا يعرف من هو، ويروي عن سليمان هذا الحسن بن أبي معشر، شيخ أبي أحمد بن عدي.
وإلى ذلك فإن عبد الحميد بن سليمان - أخا فليح بن سليمان - ضعيف، أضعف من أخيه فليح، فاعلم ذلك
(٩٦٤) وذكر من طريق أبي أحمد، عن أبي معشر: نجيح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقولوا رمضان؛ فإن رمضان اسم من أسماء الله».
ثم قال: أبو معشر هذا، من ضعفه أكثر ممن وثقه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
لم يزد على هذا، وهذا الحديث إنما ذكره أبو أحمد هكذا: حدثنا علي بن سعيد، حدثني محمد بن أبي معشر، حدثني أبي، عن سعيد المقبري، فذكره.
ومحمد بن أبي معشر لا تعرف له حال، بل لم أجد له ذكرا، غير أني أرى أبا أحمد يروي عن علي بن سعيد عنه، وعن محمد بن هارون عنه، وعن شعيب الذارع عنه، ولا ينبغي أن يقبل حديثه حتى تعرف حاله
[ ٣ / ٢٣٤ ]
فأما أبوه، فقد وثقه قوم وضعفه آخرون، وإنما يغلط أبا محمد في مثل هذا، ذكر أبي أحمد للحديث في باب أبي معشر، فيظن أن ذلك منه تبرئة لابنه الراوي له عنه، فاعلم ذلك
(٩٦٥) وذكر من طريقه أيضا، عن مبشر بن عبيد، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: «نهى رسول الله ﷺ عن صيام الدارة».
يعني آخر يوم من الشهر.
وقال في مبشر بن عبيد: متروك.
وهذا الحديث يرويه أبو أحمد، عن ابن قتيبة - هو محمد بن الحسن بن قتيبة - قال: حدثنا عيسى بن هلال، قال: حدثنا شريح بن يزيد، قال: حدثنا مبشر بن عبيد فذكره.
وعيسى بن هلال ليس بالصدفي المصري، ولا البصري، ولا أعرفه
(٩٦٦) وذكر من طريقه أيضا، عن إبراهيم بن أبي حية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «استأذنت النبي ﷺ في أن أبتني كنيفا بمنى، فلم يأذن لي»
[ ٣ / ٢٣٥ ]
ثم قال: إبراهيم هذا وثقه ابن معين.
وقال فيه البخاري، وأبو حاتم: «منكر الحديث».
لم يزد على هذا.
وهذا الحديث إنما يرويه أبو أحمد، عن أحمد بن محمد ابن عبد العزيز بن الجعد، قال: حدثنا داود بن حماد، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي حية، فذكره.
وداود بن حماد هذا، يشبه أن يكون داود بن حماد بن فرافصة، البلخي، كان بنيسابور، يروي عن سفيان بن عيينة، ووكيع، وإبراهيم بن الأشعث، روى عنه أبو زرعة، وأحمد بن سلمة النيسابوري.
بهذا ذكره ابن أبي حاتم من غير مزيد، فحاله مجهولة، وإن لم يكن هو، فهو مجهول العين والحال، والله أعلم
(٩٦٧) وذكر من طريق الدارقطني، عن الحسن بن دينار، عن أبي جعفر المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا من النكاح أربعا».
وضعفه بالحسن بن دينار.
وقد بينا في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها، الخطأ في قوله: «الحسن ابن دينار» وأن صوابه: «الحسن بن عمارة»، وترك الراوي عنه، وهو
[ ٣ / ٢٣٦ ]
سليمان بن عبد العزيز، فإنه من لا يعرف، والراوي عنه - وهو عبد الله بن سعيد، أبو الخصيب لا يعرف أيضا من هو
(٩٦٨) وذكر حديث «النهي عن استرضاع الحمقاء، فإن اللبن يشبه».
وترك من رواته من لم ينبه عليه ممن هو مجهول لا يعرف.
وقد كتبناه في باب الأحاديث التي لم يعبها بغير الإرسال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا
(٩٦٩) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث سعيد بن المرزبان عن يزيد الفقير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «لا رضاع بعد الفصال» الحديث.
ثم ضعفه بأن قال: سعيد هذا، هو أبو سعد البقال، أحسن ما قيل فيه: إنه [كان] لا يكذب، وأنه ممن يكتب حديثه
[ ٣ / ٢٣٧ ]
هذا ما ذكر، وهو - أعني أبا سعيد البقال - ضعيف جدا، والقول فيه أغلظ مما قال أبو محمد، فإنه منكر الحديث.
وإلى ذلك فإن دونه من لا يعرف وهو أبو مسعود اليمني، فاعلم ذلك
(٩٧٠) وذكر من طريقه أيضا، من حديث الهيثم بن جميل، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين».
ثم قال: هذا يعرف بالهيثم، مسندا، عن ابن عيينة، وغيره يقفه على ابن عباس.
والهيثم هذا، سكن أنطاكية، ويقال: هو البغدادي، ويغلط الكثير على الثقات، كما يغلط غيره، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب.
وذكر أبو حاتم الهيثم هذا، وقال: وثقه أحمد بن حنبل. انتهى كلامه.
وهو بعينه كلام أبي أحمد، إلا ما حكاه عن أبي حاتم.
والمقصود أن تعلم أن دون الهيثم من لا يعرف
[ ٣ / ٢٣٨ ]
قال أبو أحمد: سمعت عمر بن محمد الوكيع يقول: حدثنا أبو الوليد: يزيد الأنطاكي، حدثنا الهيثم بن جميل، حدثنا سفيان، فذكره.
وأبو الوليد هذا لا يعرف
(٩٧١) وذكر من طريقه أيضا، من حديث إبراهيم بن عبد الله ابن أخي عبد الرزاق قال: أظنه عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال رسول الله ﷺ: «الضيافة على أهل الوبر، وليست على أهل المدر».
ثم قال: إبراهيم هذا، يحدث بالمناكير.
هذا ما ذكر، وهو كما قال، ولكن بقي عليه أن يبين أنه من رواية من لا يعرف.
قال أبو أحمد: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثنا إبراهيم ابن عبد الله - قال أبو أحمد: أظنه الكجي - قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله ابن أخي عبد الرزاق، فذكر الحديث كما قال.
فإبراهيم هذا الذي ظن به أبو أحمد أنه الكجي، لا يتحقق أنه هو، فهو
[ ٣ / ٢٣٩ ]
مجهول، والكجي أحد الأثبات
(٩٧٢) وذكر من طريقه أيضا، من حديث يحيى بن سعيد المازني، الفارسي، قاضي شيراز، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ: «نهى عن عتق اليهودي، والنصراني، والمجوسي».
ورده بيحيى بن سعيد المذكور.
وهو به مردود، ولكن دونه من لا يعرف.
قال أبو أحمد: حدثنا علي بن أحمد بن مروان، حدثنا أحمد بن عبد الله ابن زيد الديباجي، حدثنا أيوب بن سليمان الجبلي، أبو اليسع، حدثنا يحيى بن سعيد المذكور.
وأيوب هذا، وأحمد الراوي عنه، لا تعرف لهما حال
(٩٧٣) وكذلك القول في حديث آخر، ذكره من طريق أبي أحمد أيضا بهذا الإسناد في الذي يحلف بالمشي إلى مكة وبالهدي وبالأيمان المغلظة، إن مضى شهر كذا وكذا حتى يطلق امرأته، «إنها يمين يكفرها» من حديث ابن عباس وابن عمر
[ ٣ / ٢٤٠ ]
(٩٧٤) وذكر من طريقه أيضا، عن يحيى بن عمر بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها، فإنها كفارتها إلا طلاقا أو عتاقا».
وضعفه بضعف يحيى هذا.
وأعرض عن ابنه مالك بن يحيى راويه عنه، وعن أبيه عمرو بن مالك، وعن المنذر بن الوليد الجارودي، راويه عن مالك بن يحيى، وما منهم من تعرف له حال
(٩٧٥) وذكر من طريقه أيضا، من رواية ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: «قطع رسول الله ﷺ سارقا من المفصل».
ثم قال: ليث هو ابن أبي سليم، ذكره في باب خالد بن عبد الرحمن الخراساني، وهو راويه عن مالك بن مغول، عن ليث، وخالد ثقة معروف.
كذا ذكره، وترك دون خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عبد الرحمن بن سلمة، ولا أعرف له حالا
[ ٣ / ٢٤١ ]
قال أبو أحمد: حدثنا أحمد بن عيسى الوشاء بتنيس قال: حدثنا عبد الرحمن بن سلمة، فذكره
(٩٧٦) وذكر من طريق أبي داود، عن ملقام بن التلب، عن أبيه: «صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما».
ثم قال: ملقام ليس بمشهور، ولا أعلم روى عنه إلا غالب بن حجرة
انتهى ما ذكر.
غالب بن حجرة - بضم الحاء - كذا ضبطه الأمير من ماكولا وهو راوي هذا الحديث، عن ملقام بن التلب، وهو لا تعرف حاله، وإن كان قد روى عنه محمد بن عبد الله الرقاشي، وموسى بن إسماعيل، وحرمي بن حفص
(٩٧٧) وذكر من طريق أبي أحمد، من رواية عمر بن موسى بن وجيه، عن واصل بن أبي جميل، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ «كان يكره أكل سبع من الشاة: المثانة والمرارة، والغدة والأنثيين، والحياء، والدم»
[ ٣ / ٢٤٢ ]
ثم قال: عمر بن موسى متروك.
وهو كما قال، ولم ينبه على واصل بن أبي جميل، ولكنه أبرزه، وهو لم تثبت له عدالة، وقد قال فيه ابن معين: ليس بشيء.
وإلى ذلك فإن هذا الحديث إنما يرويه عن عمر بن موسى فهر بن بشر الداماني، وهو مجهول الحال، ولا أعلم له ذكرا في شيء من مصنفات الرجال، مظان كره وذكر أمثاله، غير أن ابن الفرضي ذكره لضبط اسمه، فذكره بالراء والفاء المكسورة ولم يزد على أن قال: روى عنه أيوب بن محمد الوزان، أخذا من إسناد هذا الحديث، فهو يرويه عنه، فاعلم ذلك
(٩٧٨) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث غالب بن عبيد الله الجزري، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ «كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما، ثم أكلها بعد ذلك».
وضعفه بغالب بن عبيد الله، فإنه متروك الحديث.
إلا أن أبا أحمد يرويه من رواية مسعود بن جويرية، قال: حدثنا عمر بن أيوب، عن غالب، فذكره، ويروي بهذا الإسناد أحاديث.
ومسعود هذا لا تعرف حاله
[ ٣ / ٢٤٣ ]
(٩٧٩) وذكر من طريقه أيضا من رواية ابن المبارك، عن وقاء بن إياس، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تجمع شيئين مما يبغي، أحدهما على الآخر» الحديث.
وتكلم على وقاء بن إياس، وذكر الخلاف فيه، ولم يبين أنه من رواية يحيى بن عيسى بن ماسرجس والمسيب بن واضح.
أما المسيب فقد قدم القول فيه إثر حديث:
(٩٨٠) «النهي عن شم الطعام كما تشم السباع».
وأما يحيى بن عيسى هذا فلا أعرف حاله
(٩٨١) وذكر من طريق أبي داود، عن مالك بن أبي مريم، قال: دخلنا على عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء فقال: حدثني أبو مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها»
[ ٣ / ٢٤٤ ]
وعرض من إسناده لمعاوية بن صالح، فذكر الخلاف فيه، ومعاوية إنما يرويه عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم.
وحاتم هذا، سئل ابن معين عنه فقال: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: شيخ.
وليس في هذا ما يقضي له بالثقة، وهو طائي حمصي، روى عنه معاوية ابن صالح، والجراح بن مليح.
ومالك بن أبي مريم أيضا لا تعرف حاله إلا أنه قد أبرز اسمه كالمتبرئ من عهدته.
قد فرغنا من ذكر أحد القسمين، وهو ما ذكر فيه من الأسانيد قطعا، وكان الحديث بمن لم يذكر ممن طوى ذكره ضعيفا، بحيث لا تتعين الجناية في حق من ضعف هو الخبر به.
ونذكر الآن إن شاء الله [تعالى] القسم الأول: وهو ما ذكر من الأحاديث بقطع من أسانيدها، ثم ضعفها بذكر بعض من في تلك القطع، وترك بعض من فيها.
وقد قلنا: إنه أعذر في هذا من حيث أبرز ذكر من لم ينبه عليه، فذلك منه كالتبري من عهدته، وإحالة للمطالع على ما أبرز من اسمه، ويعارض هذا
[ ٣ / ٢٤٥ ]
ما فيه من مسالمته له، المؤكدة بقصده إلى غيره، الموهمة أنه لا نظر فيه.
فمن ذلك ما يكون من ترك التنبيه عليه من القطع التي يذكر، ضعيفا، ومنه ما يكون مجهولا لا يعرف.
ومنهم من يكون قد قدم [فيهم] قولا، يكون هذا الإبراز هنا لاسمه إحالة على ما قدم فيه، ولكن لا يعرف ذلك من يقرأ الموضع.
ومنهم من لم يقدم فيه شيئا والدرك في هذا ألحق له.
والآن نذكر ما وجدنا له من ذلك - إن شاء الله تعالى - فنقول:
(٩٨٢) وذكر في كتاب الإيمان، من طريق أبي أحمد من حديث حجاج ابن نصير قال: حدثنا المنذر بن زياد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كما لا ينفع مع الشرك شيء، كذلك لا يضر مع الإيمان بالله شيء».
ثم قال: حجاج بن نصير، ضعفه ابن معين والنسائي.
وقال فيه أبو حاتم والبخاري وعلي بن المديني: متروك.
ولفظ البخاري فيه: سكتوا عنه.
وقال فيه ابن معين مرة: «شيخ صدوق، ولكن أخذوا عليه أشياء من
[ ٣ / ٢٤٦ ]
حديث شعبة».
وذكر له أبو أحمد أحاديث، منها هذا، وذكر كلامه إلى آخره.
فنقول - وبالله التوفيق -: في اعتنائه من هذا الإسناد بذكر ما قيل في حجاج بن نصير، وحشر كلامهم فيه، يذهب بقارئ هذا الموضع إلى اعتقاد سلامة من في سائر القطعة، وأنه لا نظر في أحد منهم.
ولم يتقدم له ذكر فيهم، يكون بإبرازه إياهم، محيلا على ما قد قدم فيهم، وذلك من فعله خطأ.
والمنذر بن زياد هذا الذي يروي عنه حجاج بن نصير، هو أبو يحيى الطائي البصري، الراوي عن الوليد بن سريع.
قال عمرو بن علي: كان كذابا، ينزل في منزل بني مجاشع يعني بالبصرة.
ذكر قول عمرو بن علي هذا أبو أحمد.
وذكر عنه ابن أبي حاتم قال: سمعت المنذر بن زياد، وكان كذابا.
وإلى هذا فإن دون حجاج بن نصير من لا تعرف حاله، وهو يعقوب بن سفيان، فاعلم ذلك
(٩٨٣) وذكر من طريق أبي أحمد أيضا، من رواية يزيد بن عبد الملك
[ ٣ / ٢٤٧ ]
النوفلي، قال: حدثنا داود بن فراهيج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «النظر إلى المغنية حرام» الحديث.
ثم قال: يزيد بن عبد الملك: لا أعلم أحدا وثقه.
كذا ذكره، ولم يبين من أمر داود بن فراهيج شيئا، وهو ضعيف، وقد تركه شعبة، وابن معين، وإن كان صدوقا
(٩٨٤) وذكر ٠ حديث ابن عباس في «الرخصة للمحرم في الهميان».
وأبرز من إسناده أحمد بن ميسرة، وصالحا مولى التوأمة، وعرض منه لأحمد بن ميسرة، ولم يعرض لصالح، وأراه اعتمد فيه على ما تقدم
(٩٨٥) وذكر أيضا من طريق أبي داود، عن زهير بن محمد، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر «حرقوا متاع الغال».
وضعفه بزهير.
ولم يعرض لعمرو بن شعيب، وذلك إحالة على ما شهر من أمره في مواضع
[ ٣ / ٢٤٨ ]
(٩٨٦) وذكر من المراسل، عن بقية، عن مبشر بن عبيد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: «نهى رسول الله ﷺ عن الذبح بالليل».
وعرض لمبشر، وأعرض عن بقية، اعتمادا على ما تقدم فيه
(٩٨٧) وذكر من حديث ابن مسعود: «الجزور في الأضحى عن عشرة».
من رواية أيوب أبي الجمل عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عن ابن مسعود.
وضعف أيوب، ولم يعرض لعطاء ولعله اعتمد فيه [على] ما قد قدم، وسترى رأيه فيه بعد إن شاء الله.
وقد تقدم له في أيوب أنه لا بأس به في حديث:
(٩٨٨) «ليس على المرأة حرم إلا في وجهها»
[ ٣ / ٢٤٩ ]
(٩٨٩) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عبد الرحمن بن عبد الله ابن عمر بن حفص العمري، عن أبيه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الغناء ينبت النفاق في القلب».
قال: وعبد الرحمن متروك، انتهى ما ذكر.
وهو كما قال، بل هو متهم بالكذب، والذي لأجله ذكرنا هذا الحديث هو بإعراضه عن أبيه، وهو يضعفه دائبا، وإنما اعتمد فيه ما تقدم.
فأما المجاهيل من هذا القسم، فذكر من طريق العقيلي، عن صالح الناجي، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:
(٩٩٠) «يمسح المتيمم هكذا» الحديث.
ثم قال: محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، لا يعرف بالنقل، وحديثه غير محفوظ. انتهى ما ذكر.
وقد بينا في باب الأشياء المغيرة عما هي عليه، أنه تصحف له «التيمم» من «اليتيم».
ونبين الآن - إن شاء الله - أن سليمان بن علي - والد محمد - هو أيضا لا
[ ٣ / ٢٥٠ ]
تعرف حاله في الحديث، وكان أميرا بالبصرة، يروي عنه ابنه محمد بن سليمان، ومحمد بن راشد.
وذكر ابن أبي حاتم أن صالحا الناجي يروي عنه.
وذلك خطأ، وإنما يروي عن محمد بن سليمان ابنه.
وصالح الناجي أيضا لا تعرف له حال، ويروي عنه أبو عاصم النبيل
(٩٩١) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج، عن الحسن قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ﷺ، ومنهم أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ «نهى عن الصلاة تجاه حش أو حمام، أو مقبرة».
ثم أعله بعباد بن كثير.
وهو علة كافية، ولكن مع ذلك بقي عليه أن ينبه على عثمان هذا، فإنه لا يعرف
(٩٩٢) وذكر من طريق أبي داود، عن الفرج بن فضالة، عن أبي سعد، قال: رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على البوري - يعني الحصير - ثم مسحه برجله، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: «لأني رأيت
[ ٣ / ٢٥١ ]
رسول الله ﷺ يفعله».
ثم أتبعه أن قال: فرج بن فضالة ضعيف، وأيضا فلم يكن في مسجد رسول الله ﷺ حصر
(٩٩٣) والصحيح أن رسول الله ﷺ إنما «بصق على الأرض، ودلكه بنعله اليسرى».
ولعل واثلة إنما أراد هذا، فحمل الحصير عليه. انتهى ما ذكر.
وبقي عليه أن يبين أن أبا سعد هذا لا يعرف من هو، ووقع في رواية ابن الأعرابي: أبو سعيد، والصواب أبو سعد، وهو شامي مجهول الحال
وتعليل الحديث به أولى من تعليله بفرج بن فضالة؛ فإنه - وإن كان ضعيفا - فإنه معروف في أهل العلم، أخذ الناس عنه، وقد روى عنه شعبة، وهو من هو، قال يزيد بن هارون: رأيت شعبة يسأله عن حديث من حديث إسماعيل بن عياش.
وممن روى عنه أيضا قتيبة بن سعيد، وسعيد بن محمد الجرمي، وإبراهيم ابن مهدي، وسويد بن سعيد، وابن الطباع، وسعدويه، وأمثالهم
[ ٣ / ٢٥٢ ]
وهو صدوق، وإنما أنكروا عليه أحاديث رواها عن يحيى بن سعيد الأنصاري مقلوبة.
قال أبو حاتم: وهو في غيره أحسن حالا وهو بالجملة ضعيف.
وأما ما ذكر من أن ذكر البوري ملغى من الحديث، وإنما بصق النبي ﷺ على الأرض فحمل واثلة البوري عليها بنظره، فتأويل صحيح، وكذلك ذكره الحماني عن فرج، لم يذكر البوري.
قال الساجي: أخبرني محمد بن عبد الله فيما كتب إلي، حدثنا الحماني، حدثنا الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد قال: رأيت واثلة بن الأسقع بزق ودلك برجله، وقال: «رأيت رسول الله ﷺ يفعله»
(٩٩٤) وذكر من طريق البزار، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «أيما امرأة تطيبت ثم أتت المسجد. . .» الحديث.
ثم أتبعه تضعيف عاصم عن جماعة.
ولم يعرض لعبيد مولى أبي رهم، وهو لا يعرف، وقد اختلفوا فيه
[ ٣ / ٢٥٣ ]
فمنهم من لا يسميه عن عاصم، فيقول: عن مولى لأبي رهم.
فمن قائلي ذلك: ابن عيينة، من رواية ابن أبي عمر عنه.
وقال عنه ابن أبي شيبة: عن مولى ابن أبي رهم.
ومنهم من يسميه، واختلفوا، فالأكثر يقول: عن عاصم، عن عبيد، وهذا قول الثوري، وشعبة، وربما قال بعضهم: عن عبيد بن أبي عبيد، كذا قال شريك.
ومنهم من يقول: عن علوان مولى أبي رهم، كذا قال ابن إدريس، عن ليث، عن علوان مولى أبي رهم.
وقال المحاربي: عن ليث، عن عبيد الكريم مولى لأبي موسى الأشعري، عن أبي هريرة.
وفيه غيره هذا، وهو مع هذا رجل لا تعرف له حال، ولا يعرف له كبير شيء من الحديث، إنما هي ثلاثة أو نحوها عن أبي هريرة، فاعلم ذلك
(٩٩٥) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن الأعمش، عن أبي العلاء العنزي، عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: «عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم. . .» الحديث
[ ٣ / ٢٥٤ ]
ثم قال: قال أبو أحمد: [ابن أبي الجون أحاديثه مستقيمة.
هذا ما ذكره به، وفي ذكره] ابن أبي الجون إعراض عمن سواه.
وابن أبي الجون، قال أبو أحمد: أرجو أنه لا بأس به، أحاديثه مستقيمة.
وليس الشأن فيه عندي، وإنما الشأن في أبي العلاء العنزي، فإنه لا يعرف بغير هذا، ولم يذكره البخاري، ولا ابن أبي حاتم.
وذكره ابن الجارود غير مسمى، ولا معرفا بشيء من أمره، إلا روايته عن سلمان، ورواية الأعمش عنه، فاعلم ذلك
(٩٩٦) وذكر من طريق الترمذي، عن ميمون: أبي حمزة، عن أبي صالح مولى أم سلمة قالت: رأى النبي ﷺ غلاما يقال له: أفلح، إذا سجد نفخ، فقال له: «يا أفلح، ترب وجهك».
ثم رده بأن قال: ميمون أبو حمزة قد ضعفه بعض أهل العلم.
ولم يبين من أمر هذا الحديث أكثر من هذا، كأن أبا صالح المذكور فيه، معروف عنده.
والذي اعتره فيه هو ما يعتري أكثر الناظرين فيه ما لم يحققوا، وذلك أنهم يظنونه أبا صالح: ذكوان السمان، الثقة المأمون، وليس به، وإنما هو أبو صالح ذكوان مولى أم سلمة، [وقد بين ذلك ابن الجارود في كتاب الكنى:
[ ٣ / ٢٥٥ ]
ذكر أبا صالح ذكوان السمان، ثم ذكر بعده أبا صالح ذكوان مولى] أم سلمة، عن أم سلمة، روى عنه ميمون أبو حمزة.
فإذا الأمر فيه هكذا، فأبو صالح هذا مجهول الحال، ولا أعلم له غير هذا
(٩٩٧) وسيأتي لأبي محمد في الجنائز حديث، هو من رواية أبي حمزة، ميمون «في كراهية النعي».
وسكت عنه، ولم يبين أنه من روايته، وترك في الباب صحيحا من غير روايته لم يذكره. فاعلم ذلك
(٩٩٨) وذكر من طريق النسائي حديث مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي [عن الفراسي] «إن كنت لا بد سائلا، فسل الصالحين».
ورده بأن قال: ابن الفراسي لا أعلم روى عنه إلا مسلم بن مخشي.
وترك إعلاله بمسلم بن مخشي.
وقد قدم في ماء البحر أنه لم يرو عنه إلا بكر بن سوادة.
وقد جرى لهذا الحديث ذكر في باب الأحاديث التي أوردها على أنها
[ ٣ / ٢٥٦ ]
متصلة وهي منقطعة
(٩٩٩) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، عن زهير بن محمد، عن موسى ابن جبير، عن أبي أمامة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: «اتركوا الحبشة ما تركوكم» الحديث.
ثم رده بأن قال: زهير بن محمد سيئ الحفظ، لا يحتج به، ومن طريقه أخرجه أبو داود.
هذا ما ذكر، وبقي عليه أن يبين أن حال موسى بن جبير لا تعرف، وإن كان قد روى عنه جماعة، وهو مدني مولى بني سلمة
(١٠٠٠) وذكر من طريق النسائي، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن أبي هند البجلي، قال: قال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة» الحديث
[ ٣ / ٢٥٧ ]
ثم قال: أبو هند ليس بالمشهور.
كذا قال: ليس بالمشهور، وليس كذلك، بل هو مجهول لا يعرف بغير هذا، ولا يعرف روى عنه إلا عبد الرحمن هذا.
ولم يبين أبو محمد من أمر عبد الرحمن هذا شيئا، وهو مجهول الحال، وإن كان قد روى عنه جماعة: صفوان بن عمرو الزبيدي، وحريز بن عثمان، وثور بن يزيد.
ويروي عن جبير بن نفير، عن المقدام بن معدي كرب، حديث:
(١٠٠١) «ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه».
ذكره أبو داود، وبه ذكره البخاري في تاريخه، وهو قاضي حمص، فاعلم ذلك
(١٠٠٢) وذكر من المراسل، عن عبد الله بن بسر الحبراني، عن
[ ٣ / ٢٥٨ ]
عبد الرحمن بن عدي البهراني، عن أخيه عبد الأعلى، عن رسول الله ﷺ: أنه بعث عليا يوم غدير خم، فرأى رجلا معه قوس فارسية فقال له رسول الله ﷺ: «يا صاحب القوس ألقها» الحديث.
ثم أتبعه قول أبي داود: أسند وليس بصحيح.
وعبد الله بن بسر، ليس بقوي، كان يحيى بن سعيد يضعفه.
وهذا الحديث ذكره أبو داود في المراسل هكذا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الجماهر التنوخي، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن بسر الحبراني فذكره، ثم أتبعه ما ذكرنا.
والذي لأجله كتبته الآن، ليس هو أمر إسماعيل بن عياش وما قيل فيه، فإنه إنما رواه عن شامي، لكن أمر عبد الرحمن وأخيه، فإنهما مجهولان وإن كان عبد الأعلى منهما، قاضي حمص، فإن حاله في الحديث لا تعرف.
وذكر البخاري جماعة روت عنه، وأخوه عبد الرحمن أخمل منه.
وأبو محمد - بإعراضه عنهما وتشاغله بعبد الله بن بسر - أوهم أنهما معروفان عنده، وما أراه عرف من أحوالهما أكثر من هذا الذي ذكرناه، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٢٥٩ ]
(١٠٠٣) وذكر من طريق أبي داود، عن أبان بن عبد الله بن أبي حازم، عن عثمان بن أبي حازم، عن أبيه، عن جده صخر، أن رسول الله ﷺ: «غزا ثقيفا، فلما أن سمع صخر بذلك، ركب في خيل يمد النبي ﷺ» الحديث بطوله.
ثم قال بإثره: عثمان بن أبي حازم، لا أعلمه روى عنه إلا أبان بن عبد الله.
كذا قال: وهو كما ذكر، ولكن بقي عليه أن يبين أن أبا حازم بن صخر، لا يعرف روى عنه أيضا إلا ابنه عثمان، ولا يعرف بغير هذا الحديث
(١٠٠٤) وذكر من طريق النسائي، عن رافع بن سلمة، عن حشرج ابن زياد، عن جدته أم أبيه قالت: «خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة خيبر، وأنا سادسة ست نسوة» الحديث.
ورده بأن قال: حشرج لا أعلم روى عنه إلا رافع بن سلمة بن زياد.
وترك أن ينبه على حال رافع بن سلمة بن زياد بن أبي الجعد، فإنها لا تعرف، وإن كان روى عنه جماعة: زيد بن الحباب، ومسلم بن إبراهيم، وسعيد بن سليمان، وهلال بن فياض
[ ٣ / ٢٦٠ ]
ولما ذكر أبو محمد بن حزم هذا الحديث قال: رافع وحشرج مجهولان.
وأصاب في ذلك
(١٠٠٥) وقد وقع ذكره في حديث جعيل في ضرب الفرس.
وسيأتي في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها
(١٠٠٦) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، عن نوفل بن عبد الملك، عن أبيه، عن علي: «نهى رسول الله ﷺ عن التلقي، وعن ذبح ذوات الدر» الحديث.
ثم قال: إسناد هذا الحديث ضعيف من أجل نوفل، وقبله في الإسناد أيضا الربيع بن حبيب أخو عائذ بن حبيب، ضعفه البخاري والنسائي.
هكذا ذكره، وقد عمل فيه بنحو مما طالبته بعمله في سائر هذا الباب، ولكنه مع ذلك قد ترك أن يبين من حال عبد الملك والد نوفل، ما لم يعرف به قبل.
وذلك أنه أيضا كابنه، لا تعرف حاله، بل لم أجد له ذكرا، فاعلم ذلك
[ ٣ / ٢٦١ ]
(١٠٠٧) وذكر من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن الواقدي، عن عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، قال: سمع رسول الله ﷺ عثمان يقول: «في هذا الوعاء كذا وكذا، ولا أبيعه إلا مجازفة» الحديث.
ثم قال: الواقدي، متروك.
كذا ذكره، وهو كما قال، وبقي أن تعلم أن عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس، ليس بمعروف، وليس بأبي الجويرية
(١٠٠٨) وذكر من طريق أبي داود، عن سيار بن منظور، رجل من بني فزارة، عن أبيه، عن امرأة يقال لها بهيسة عن أبيها، قال لي النبي ﷺ: «ما الشيء الذي لا يحل منعه» الحديث.
ثم قال: بهيسة مجهولة، وكذلك الذي قبلها.
هكذا ذكره، وصدق، وبقي عليه أن يبين أن منظورا أيضا لا تعرف حاله، وكذلك أيضا أبوها، فاعلم ذلك
(١٠٠٩) وذكر من رواية إسرائيل، عن عمر بن عبد الله بن يعلى، عن
[ ٣ / ٢٦٢ ]
حكيمة، عن أبيها، أن رسول الله ﷺ قال: «من التقط لقطة درهما أو حبلا». . . الحديث.
ثم ضعفه بعمر بن عبد الله بن يعلى، وترك أن يعرف بحال حكيمة وأبيها، وهما مجهولان، وقد ذكرناه في باب الأحاديث التي لم يعزها
(١٠١٠) وذكر من طريق البزار، عن دهثم بن قران، عن نمران ابن جارية، عن أبيه، أن قوما اختصموا إلى رسول الله ﷺ في خص فبعث حذيفة بن اليمان ليقضي بينهم، فقضى به للذي يليه القمط.
ثم ضعفه بأن قال: دهثم بن قران متروك الحديث.
وترك بيان حال نمران بن جارية، فإنها لا تعرف، ولا يعرف أحد روى عنه غير دهثم
(١٠١١) وذكر أيضا من طريقه، حديث العبد الذي خرج فلقي رجلا، فقطع يده، ثم لقي آخر فشجه فاختصم مولى العبد، والمقطوع، والمشجوج، إلى رسول الله ﷺ. . . الحديث
[ ٣ / ٢٦٣ ]
[وهو أيضا من رواية دهثم، عن نمران، عن أبيه كذلك، والقول فيهما واحد]
(١٠١٢) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث حرام بن عثمان، عن أبي عتيق، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل إنسية توحشت فذكاتها ذكاة الوحشية».
كذا ذكره، ولم يعرض لأبي عتيق، ولا يعرف من هو.
ويرويه عن حرام بن عثمان، إسماعيل بن عياش
(١٠١٣) وذكر من طريق النسائي، عن يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث، قال: أخبرني أبي، عن جدي، سمع النبي ﷺ يقول: «من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، من شاء فرع ومن شاء لم يفرع» الحديث.
وضعفه بأن قال: زرارة هذا لا يحتج بحديثه.
وإنما يعني بذلك أنه لا تعرف حاله، وهو مع ذلك قد ترك أن يبين أمر ابنه
[ ٣ / ٢٦٤ ]
يحيى، وهو أيضا لا تعرف حاله، غير أنه قد روى عنه جماعة من الأجلة كابن المبارك، وأبي عاصم النبيل، وموسى بن إسماعيل، وأبي الوليد الطيالسي
(١٠١٤) وذكر من طريق أبي عمر من التمهيد عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري قال: «اشتريت كبشا لأضحي به، فأكل الذئب من ذنبه» الحديث.
وضعفه بجابر الجعفي، وأعرض عن محمد بن قرظة هذا، وهو لا تعرف له حال، وقال: يقال إنه لم يسمع من أبي سعيد
(١٠١٥) وذكر من طريق أبي داود، عن محمد بن حسان، قال: حدثنا عبد الوهاب الكوفي، عن عبد الملك بن عمير، عن أم عطية، أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ: «لا تنهكي» الحديث.
وضعفه بأن محمد بن حسان مجهول.
ولم يبين حال عبد الوهاب هذا، وهي لا تعرف
[ ٣ / ٢٦٥ ]
(١٠١٦) وذكر من طريقه أيضا، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن ابن حرملة، أن ابن مسعود كان يقول: «كان نبي ﷺ يكره عشر خصال» الحديث.
ذكره في كتاب الطب، في أحاديث الرقى، وأتبعه أن ضعف عبد الرحمن ابن حرملة، وقال: إنه ليس بمشهور في أصحاب ابن مسعود.
وترك أن يبين أن القاسم بن حسان لا تعرف حاله، وهو كوفي، وترك أن يذكر أيضا ما ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه أنه قال: لا يعلم سمع من ابن مسعود أم لا.
ذكره في باب القاسم وهو عم القاسم بن حسان
(١٠١٧) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث علي بن غراب الكوفي، قال: حدثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي، عن أنس بن مالك، أن رجلا قال: يا رسول الله [ﷺ] أأرسل ناقتي وأتوكل، أم أعقلها وأتوكل؟ قال: «بل اعقلها وتوكل»
[ ٣ / ٢٦٦ ]
ثم قال: علي بن غراب صدوق لا بأس به، وإنما كان يدلس، وقد قال في الحديث: حدثنا المغيرة بن أبي قرة.
وذكر ابن أبي حاتم عن يحيى بن معين أنه قال: ظلمه الناس حين تكلموا فيه.
قال: وذكره الترمذي من حديث يحيى بن سعيد، عن المغيرة، قال: وهو حديث غريب. انتهى ما ذكر.
وفيه إعراضه عن المغيرة، وهو لا تعرف له حال، غير أنه روى عنه يحيى القطان، وعلي بن غراب هذا الحديث.
ودون علي بن غراب فيه، عبد الغفار بن الحكم، وحاله أيضا لا تعرف.
ودون عبد الغفار، العباس بن صالح بن مساور.
وحديث الترمذي سليم من هذا كله، إلا المغيرة بن أبي قرة.
إنما قال الترمذي: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل».
قال عمرو بن علي: قال يحيى: وهذا عندي منكر. انتهى ما أورد الترمذي
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وأظن أبا محمد إنما عدل عن هذا الإسناد إلى إسناد أبي أحمد - على ما فيه - لمكان زيادة «ناقتي» وليس ذلك عند الترمذي.
وعلة الخبر المشتركة في الموضعين، هي المغيرة بن أبي قرة، فعلم ذلك
* * *
[ ٣ / ٢٦٨ ]