[ ٣ / ٢٦٩ ]
هذه الترجمة إنما نعني بقولنا فيها «ما ليس بعلة» أي في الصحيح من النطر، فأما هو فقد رأى ما أعل به ما يذكر من الأحاديث التي في هذا الباب عللا
(١٠١٨) فمن ذلك أنه ذكر من طريق أبي داود، حديث أبي سعيد: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك».
وأعله بأن قال: «لم يسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه».
لم يزد على هذا، وقد ترك ما هو علة في الحقيقة، وهو الجهل براويه عن أبي سعيد، وهو عياض بن بلال، أو هلال بن عياض.
وقد بسطنا القول في هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها من طرق ضعيفة، ولها طرق صحيحة أو حسنة
(١٠١٩) وذكر من طريقه أيضا عن علي، أن رسول الله ﷺ قال «من
[ ٣ / ٢٧١ ]
ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا في النار».
ثم قال بعده: هذا يروى موقوفا على علي، وهو الأكثر، انتهى ما ذكر.
وهذا الأصل - أعني أن يروي الحديث تارة موقوفا، وتارة مسندا مرفوعا - قد تناقض فيه، وسنريك ذلك له بعد إن شاء الله تعالى.
والأحاديث التي قد صححها وهذا المعنى موجود فيها، كثيرة جدا، لم نعرض لإحصائها عليه، ولكنك لا تعدمه، وإنما تعدم حديثا لا يعتريه هذا المعنى، إلا في الأقل من الأحاديث، وهو مع ذلك أصل باطل، فإنه لا بعد في أن يكون راوي الحديث يتقلد مقتضاه، فيفتي به فيجيء الحديث عنه مرفوعا وموقوفا، أو أن يتقلد مقتضاه، فيحدث به عن نفسه لا في معرض الفتوى، أو أن يكون ابن عمر مثلا، قد روى الحديث مرفوعا، ورواه عن أبيه موقوفا، وكذلك غيره من الصحابة.
والخوض في هذا طويل، وليس هذا موضعه.
وهذا الحديث قد أعرض أبو محمد منه عما هو في الحقيقة علته، وهي أنه من رواية حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي.
وحماد بن سلمة إنما سمع من عطاء بعد اختلاطه وإنما يقبل من حديث عطاء ما كان قبل أن يختلط
[ ٣ / ٢٧٢ ]
وأبو محمد يعتبر هذا من حاله، وسنريك ذلك له فيما بعد، ونريك أيضا تناقضه فيه، بسكوته عن بعض ما هو من روايته بعد اختلاطه، وإنما ينبغي أن يقبل من حديثه ما روى عنه مثل شعبة، وسفيان.
فأما جرير، وخالد بن عبد الله، وابن علية، وعلي بن عاصم، وحماد بن سلمة، وبالجملة أهل البصرة، فأحاديثهم عنه مما سمع منه بعد الاختلاط، لأنه إنما قدم عليهم في آخر عمره.
وقد نص العقيلي على حماد بن سلمة أنه ممن سمع منه بعد الاختلاط، وأما أبو عوانة فسمع منه في الحالين.
ولما أورد أبو أحمد في بابه ما أنكر عليه من الحديث، أو ما خلط فيه، أو ما روي عنه بعد اختلاطه، أورد في جملة ذلك هذا الحديث
(١٠٢٠) وإن أردت أن تتعجل الوقوف على بعض ما اعتبر فيه أبو محمد حال عطاء، فانظر في التيمم حديث ابن عباس في قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر).
فإنه أتبعه أن قال: قال يحيى بن معين: إنما روى جرير عن عطاء بعد
[ ٣ / ٢٧٣ ]
الاختلاط، ذكر ذلك أبو أحمد، فاعلم ذلك
(١٠٢١) وذكر حديث: «أذان بلال عند الفجر».
ورده بمعارضة قوله ﵇: «إن بلالا ينادي بليل».
ولم يبين أنه من رواية ابن إسحاق.
والحديث المذكور لا يعارضه؛ لأنه في رمضان خاصة، أما سائر العام فما كان يؤذن إلا بعد الفجر.
وعلة الخبر إنما هي أن المرأة المذكورة لم تثبت صحبتها، ولا ارتهن فيها الراوي عنها - وهو عروة بن الزبير - بشيء، وإنما هي قالت عن نفسها: إنها شاهدت ما ذكرت
(١٠٢٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من صلى وحده ثم أدرك الجماعة فليصل، إلا الفجر والعصر».
ثم قال: رواه سهل بن صالح الأنطاكي - وكان ثقة - عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
وخالفه عمرو بن علي، عن يحيى القطان بهذا الإسناد عن ابن عمر.
وتابعه على ذلك ابن نمير، وأبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر موقوفا من قوله
[ ٣ / ٢٧٤ ]
وكذا قال مالك والليث، عن نافع، عن ابن عمر قوله.
هذا نص ما ذكره به، وهو كالأول إعلال للحديث، بوقفه عند قوم، ورفعه عند آخرين وعلته في الحقيقة غير هذا، وذلك أنه لا يصل إلى سهل ابن صالح إلا بمن لا تعرف حاله، وهو أيضا مضطرب المتن، وذلك علة، لا كالاضطراب في الإسناد، فإنه لا ينبغي أن يعد علة، وإن رآه المحدثون علة.
بيان ذلك من حال هذا الخبر، هو أن الدارقطني ساقة هكذا: حدثنا أبو بكر الطلحي، قال: حدثنا الحضرمي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي.
وحدثنا أبو بكر: محمد بن عمر بن أيوب المعدل، الرملي، بها من أصله، حدثنا محمد بن محمد بن يعقوب القحطي، بطرسوس، قال: أخبرني سهل بن صالح، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من صلى وحده ثم أدرك الجماعة، أعاد، إلا الفجر والمغرب».
وقال الحضرمي: «إلا الفجر والعصر».
هذا ما ذكر الدارقطني، وهو في كتاب العلل من القليل الموصل فيه، ولم يذكره في كتاب السنن.
وأبو بكر الطلحي، اسمه عبد الله بن يحيى، أصله من الكوفة، وبها سمع منه الدارقطني، ولا أعرف حاله.
والحضرمي هو محمد بن عبد الله بن سلمان مطين، الكوفي، أحد الثقات
[ ٣ / ٢٧٥ ]
وأبو بكر: محمد بن عمر بن أيوب، ومحمد بن محمد، لا أعرف حالهما أيضا فاعلم ذلك
(١٠٢٣) وذكر من طريق أبي داود، عن أبي موسى حديث: «لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق».
ثم قال بإثره: منهم من يرويه موقوفا على أبي موسى، وهو الأشهر. وقد صح النهي عن التخلق. انتهى كلامه.
وهو أيضا تعليل بما ليس بعلة، ولا يضره أن يقفه واقف على أبي موسى أو غيره لو صح سنده، وإنما ليس صحيحا من جهة أخرى ترك ذكرها، وهي أنه من رواية الربيع بن أنس بن مالك، عن جديه: زيد وزياد:
وهما غير معروفين، ولم يذكرا بغير ما في هذا الإسناد من روايتهما عن أبي موسى، ورواية الربيع بن أنس عنهما، وليسا بمذكورين في نسب الربيع بن أنس.
وقد ذكر البخاري في تاريخه هذا الحديث فقال: في إسناده نظر
[ ٣ / ٢٧٦ ]
(١٠٢٤) وذكر من طريق الترمذي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل».
ثم قال: هذا حديث قد اضطرب الناس فيه، وروي موقوفا.
هذا ما أعله به من غير مزيد، وقد ترك ما هو في الحقيقة علته، وذكر ما ليس بعلة عند التحقيق.
أما اضطراب الناس فيه، فهو في الإسناد لا في المتن، وأما وقف من وقفه فلا يضره ذلك، ونبين الآن الفصلين، ثم نبين علته في الحقيقة.
قال الترمذي: اضطرب الناس فيه، فروى بعضهم عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ، ورواه أشعث بن سوار، وغير واحد، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا.
وروى محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر موقوفا، وكأن هذا أصح من الحديث المرفوع. انتهى كلام الترمذي.
وهو الذي اقتصر أبو محمد عليه، مختصرا له، والترمذي أيضا ترك أن يبين علة المرفوع الحقيقية إلا أنه أعذر في ذلك من أبي محمد، بإبرازه إسناده، وذلك يبرئ ساحته منه، ويحيل المطالع عليه لينظر فيه، وأقل ما كان على أبي محمد، أن ينبه على كونه من رواية أبي الزبير عن جابر، بلفظة «عن» من غير رواية الليث عنه، وقد عهد يعتد هذا علة
[ ٣ / ٢٧٧ ]
وإلى ذلك فإنه من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عن أبي الزبير، عن جابر وهو جدا ضعيف.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد - وسئل عنه - فقال: «لم يزل مخلطا، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب».
قال عمرو بن علي: «كان يرى القدر»، وهو ضعيف، يحدث عن الحسن، وقتادة، بأحاديث بواطل، لم يحدث عنه يحيى، ولا عبد الرحمن، قال: وهو متروك الحديث، قد اجتمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنما يحدث عنه من لا يبصر الرجال، قال: وقد حدث عنه قوم من أهل الكوفة: الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وحفص، وأبو معاوية، وعبد الرحيم المحاربي، وجماعة. انتهى كلامه، فاعلمه
(١٠٢٥) وذكر من طريق الدارقطني، من حديث عفيف بن سالم، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحصن الشرك بالله شيئا»
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ثم قال: وهم عفيف في رفعه، والصحيح موقوف من قول ابن عمر.
هذا ما أتبعه، وهو كلام الدارقطني، وهو في الحقيقة غير علة، فإن عفيف بن سالم الموصلي ثقة، قاله ابن معين، وابن حاتم وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه.
وإنما علته أنه من رواية أحمد بن أبي نافع، عن عفيف المذكور - وهو أبو سلمة الموصلي - ولم تثبت عدالته.
وقال أبو أحمد بن عدي: سمعت أحمد بن علي بن المثنى يقول: لم يكن موضعا للحديث، وذكر له فيما ذكر هذا الحديث وقال: وهو منكر من حديث الثوري
(١٠٢٦) وذكر من طريقه أيضا، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «من كان له مال فلم يضح فلا يقربن مصلانا».
ثم قال: الصواب موقوف
[ ٣ / ٢٧٩ ]
هذا ما أعله به، وعلته في الحقيقة أنه من رواية عمرو بن الحصين، عن ابن علاثة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وضعف عمرو بن الحصين وابن علاثة لا خفاء به عندهم، وما مثل ذلك طوى
(١٠٢٧) وذكر حديث جابر: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل إلا وراء إمام».
وضعفه مرفوعا بمخالفة الناس يحيى بن سلام في رفعه.
وليس ذلك له بعلة لو كان يحيى بن سلام معتمدا.
وقد استوفينا الكلام على هذا الحديث في باب الأحاديث التي أغفل نسبتها إلى المواضع التي أخرجها منها، وفي باب الأحاديث التي عزاها، ولم أجد لها حيث ذكر ذكرا
(١٠٢٨) وذكر حديث سلمان: «عليكم بقيام الليل».
وأعله بما ليس بعلة.
وترك ما هو في الحقيقة علته: مما قد كتبناه في الباب الذي قبل هذا
[ ٣ / ٢٨٠ ]
(١٠٢٩) وذكر من طريق أبي داود، حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ: «كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به، خر ساجدا لله».
ثم قال: في إسناده بكار بن عبد العزيز، وليس بقوي.
هذا ما أعله به، وهو في الحقيقة لا يكون به الخبر ضعيفا، فإنه رجل مشهور، يكنى أبا بكرة، ثقفي، روى عنه جماعة: منهم أبو عاصم، وموسى ابن إسماعيل، وخالد بن خراش، وغيرهم.
وقد عهد سقبل المستورين الذين روى عن أحدهم جماعة، وهذا أرفع حالا منهم.
وما روى ابن خيثمة عن ابن معين من قوله فيه: «ليس بشيء» إنما يعني بذلك قلة حديثه، وقد عهد يقول ذلك في المقلين، وفسر قوله فيهم ذلك بما قلناه.
وقد جرى ذكر ذلك عند قوله مثل ذلك في كثير بن شنظير.
ويدلك على هذا أنه - أعني ابن معين - قد روى عنه إسحاق بن منصور أنه قال في بكار بن عبد العزيز هذا: إنه صالح.
وقال البزار: ليس به بأس
[ ٣ / ٢٨١ ]
وإنما علة الخبر أبوه عبد العزيز بن أبي بكرة، فإنه لا تعرف له حال، وهو يرويه عنه، عن أبي بكرة جده، وقد روى عنه ابنه بكار، وعبد ربه بن عبيد، وسوار أبو حمزة، وبحر بن كنيز، فاعلم ذلك
(١٠٣٠) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عيسى بن عبد الله بن الحكم بن النعمان بن بشير، أبي موسى، عن نافع، عن ابن عمر: «كان النبي ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة، سلم على من عنده من الجلوس فإذا صعد المنبر، استقبل الناس بوجهه».
ثم قال: لا يتابع عيسى بن عبد الله على هذا الحديث.
كذا قال، وهو ليس بعلة في الحقيقة أن لا يتابع الثقة، ولا يضره الانفراد عند أكثر المحدثين، وهو أحدهم، وإن كان بعض الناس يأبى ذلك.
وإنما العلة أن عيسى بن عبد الله المذكور، لا يتابع فيما يرويه، ليس في هذا الحديث فقط، بل في عامة ما يرويه.
كذلك ذكره أبو أحمد بن عدي حين ذكره، فهو إذن منكر الحديث
(١٠٣١) وقد ذكر أبو أحمد من طريق البزار، من رواية عيسى المذكور، عن نافع، عن ابن عمر، «أن النبي ﷺ كان يمس لحيته في الصلاة
[ ٣ / ٢٨٢ ]
من غير عبث».
ثم قال بإثره: لا يتابع عيسى على هذا الحديث، وله أحاديث مناكير، فاعلم ذلك
(١٠٣٢) وذكر من طريق أبي داود حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ».
ثم قال: واختلف في إسناد هذا الحديث. انتهى ما ذكر.
وهو إن كان ليس تعليلا، فسنبين الآن أنه حديث ضعيف، وإن كان منه تعليلا.
فسنبين أنه ليس بعلة في الحقيقة، ونذكر ما هو العلة فنقول:
هذا الحديث ذكره أبو داود، ولم يسق لفظا سواه، وإنما ركب عليه طريقا آخر، وقال: «بمعناه»، ولم يذكر متنه.
والخبر المذكور باللفظ المذكور، هو من رواية عمرو بن عمير، عن أبي هريرة، يرويه عن عمرو بن عمير القاسم بن عباس، ورواه عن القاسم ابن عباس ابن أبي ذئب
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وعمرو بن عمير هذا، مجهول الحال، لا يعرف بغير هذا، وبهذا الحديث من غير مزيد ذكره ابن أبي حاتم فهذه علة هذا الخبر.
فأما الاختلاف الذي قاله أبو محمد، فإنه وضعه غير موضعه، وليس هو في هذا الإسناد، إنما هناك لحديث أبي هريرة في الغسل من غسل الميت طريقان مشهوران:
أحدهما طريق أبي صالح، عن أبي هريرة، فيه بينهم اختلاف على سهيل بن أبي صالح.
منهم من يقول فيه: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ومنهم من يقول: عن سهيل، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة.
ومنهم من يقفه بهذا الطريق على أبي هريرة.
ومنهم من يقفه عليه أيضا، ولكنه يقول: عن سهيل، عن إسحاق، عن أبي هريرة، ولا يذكر أبا صالح.
قال الدارقطني - لما ذكر هذا الاختلاف -: يشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه.
وأما الطريق الآخر، فمن رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ، ومن تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع».
رواه قوم عن أبي سلمة هكذا
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ورواه قوم عنه فوقفوه على أبي هريرة.
وقد روي من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وليس ذلك بمعروف.
وروي أيضا عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو أيضا كذلك غير معروف.
والمقصود أن رواية عمرو بن عمير ليس فيها اختلاف ولا [هو] علة لها، وإنما علتها الجهل بحال عمرو بن عمير، فلو عرفت حاله لم تكن كثرة الرواة له عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا، ضادا لها، فاعلم ذلك
(١٠٣٣) وذكر حديث: «سيأتيكم ركيب مبغضون».
وأعله بأن قال: عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، لا يحتج به.
هذا ما أعله به، وهذا الرجل ليس كما ذكر، بل هو ثقة، وثقه الكوفي، وأخرج له البخاري ومسلم.
وإنما علة الخبر، الجهل بحال خارجة السلمي، راويه عنه.
وقد تقدم هذا مبسوطا في باب الأحاديث التي أوردها عن رواة، ثم أردفها أشياء، موهما أنها عن أولئك الرواة
(١٠٣٤) وذكر من طريق النسائي، حديث عائشة في قضاء صيام
[ ٣ / ٢٨٥ ]
التطوع «صوما يوما مكانه».
وعلله بتعليل الدارقطني له بأن قال: وهم جرير بن حازم، وفرج بن فضالة - يعني في قولهما: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة -
وخالفهما حماد بن زيد، وعباد بن العوام، ويحيى بن أيوب، رووه عن يحيى ابن سعيد، عن الزهري مرسلا.
هذا ما أتبعه، ولا عيب على الحديث في أن يروى تارة مسندا، وتارة مرسلا، وإنما علة حديث النسائي المذكور، أنه عنده من روايته عن شيخه أحمد بن عيسى المصري الخشاب، عن ابن وهب، عن جرير.
وأحمد هذا يتكلم فيه، وينكر عليه، ويروي بواطل.
وقد كتبه أبو محمد في كتابه الكبير من طريق النسائي بهذا الطريق الذي قلناه، فهو معنيه بلا شك
(١٠٣٥) وذكر من طريق أبي داود، عن ركانة بن عبد يزيد، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس».
ثم قال: إسناده مجهول، لا يعرف لبعضهم سماع من بعض. انتهى ما ذكر
[ ٣ / ٢٨٦ ]
هذا الكلام الذي ذكر، هو كلام البخاري، إلا أنه من البخاري على أصله، وليس من أبي محمد على أصله فيما لا يحصى من الأحاديث.
وذلك أن البخاري وعلي بن المديني، يريان رأيا قد تولى رده عليهما مسلم، وهو: «أن المتعاصرين لا يحمل معنعن أحدهما عن الآخر على الاتصال، ما لم يثبت أنهما التقيا» وخالفهما الجمهور في ذلك.
وعندي أن الصواب ما قالاه وليس هذا موضع بيانه، ولنوم إليه، وذلك أن الأصل في أخبار الآحاد الرد لما هي عليه من احتمال الخطأ والكذب، وغير ذلك من أحوالها لولا ما قام من الحجة على إلزام العمل بها، التي هي الإجماع، أو التواتر عن الشرع بإلزام ذلك.
ولا يتحقق الإجماع إلا فيما إذا كانا قد التقيا ولو مرة من دهرهما، ولم يكن المعنعن معروفا بالتدليس، وكان ثقة، ومتى اختل من هذه واحد، فالخلاف قائم، فلا يكن حجة، وكذلك حجة التواتر إنما تتحقق فيما لا يشك في الالتقاء.
وليس بسط هذا من غرضنا، فلنرجع إلى رأي الجمهور ملتزم أبي محمد: فنقول له:
البخاري إذا قال ذلك في هؤلاء فعلى أصله، وأما أنت إذا قلته فقد تركت أصلك، إذ الزمان محتمل للقاء.
وإنما علة هذا الخبر أنه من رواية أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر
[ ٣ / ٢٨٧ ]
[بن] محمد بن ركانة، عن أبيه، أن ركانة، فذكره.
وما من هؤلاء من تعرف له حال.
ولما ذكر الترمذي هذا الخبر قال فيه: «غريب، إسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني، ولا ابن ركانة».
والأمر في هذا كما قال الترمذي، فاعلمه
(١٠٣٦) وذكر من طريق الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ - في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج -: «ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها».
ثم قال: في إسناده رجل مجهول يقال له محمد بن أبي يعقوب الكرماني، رواه عن حسان بن إبراهيم الكرماني.
هذا ما ذكر من غير مزيد، وهذا الحديث ذكره الدارقطني هكذا: حدثنا إبراهيم بن أحمد القرميسيني قال: حدثنا العباس بن محمد بن مجاشع، قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، قال:
[ ٣ / ٢٨٨ ]
حدثنا إبراهيم الصائغ قال: قال نافع، عن ابن عمر، فذكره.
فأبو محمد ﵀ قال في محمد بن أبي يعقوب هذا الذي يروي عن حسان بن إبراهيم: إنه مجهول كما قال غيره، وهو أبو حاتم الرازي.
وكذلك ذكره البخاري ذكرا يقضي بأنه مجهول.
ورد ذلك الخطيب بن ثابت على البخاري، وبين أنه محمد بن إسحاق بن أبي يعقوب الكرماني المتقدم ذكره عنده في باب الألف من أسماء الآباء.
قال: وقد وهم البخاري في التفرقة بينهما بترجمتين، وهما واحد، وكذلك قال أبو نصر الكلاباذي كما قال الخطيب.
فأما متابعة ابن أبي حاتم للبخاري على التفرقة فغير معتبرة؛ فإنه إنما ينقل رسوم البخاري في الأكثر، ويزيد الجرح والتعديل، فلذلك يتفقان في الأوهام كثيرا، وكذا ذكره ابن الجارود في كتاب الكنى منسوبا إلى جده فقال: أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب كما في الإسناد.
وإذا كان محمد بن إسحاق بن أبي يعقوب الكرماني، فهو ثقة، وثقه ابن
[ ٣ / ٢٨٩ ]
معين، وأخرج له البخاري في جامعه، روى عنه البخاري بالبصرة، وإذا ثبت هذا، فليس ما أعل الخبر به علة، وعلته إنما هي العباس بن محمد بن مجاشع، فإنه لا تعرف حاله، فاعلم ذلك
* * *
[ ٣ / ٢٩٠ ]