في مقتضياتها وليست كذلك
[ ٢ / ١٤٣ ]
هذا الباب، تنتسب فيه أيضًا الأحاديث إلى غير رواتها بحكم ظاهر اللفظ، فلذلك جعلته بعد البابين المتقدمين المفروغ منهما، ولست أعني فيه أن يعطف الحديث على الحديث، وهو بغير لفظه، ولكنه بمعناه.
(١١٤) كما روى ابن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء».
قال ابن وهب وسمعت مالكًا، يحدث عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ مثله.
فقال أبو عمر بن عبد البر: هكذا عطفه ابن وهب على حديث ابن عمر ولفظه: «فأطفئوها».
ولفظ حديث عائشة «فأبردوها» وهذا على نقل الحديث بالمعنى، انتهى معنى ما ذكر أبو عمر.
ولست أعني هذا النحو، وإنما أعني، أن يتضمن أحدهما ما ليس في الآخر، فيعطف عليه عطفًا، يوهم تساويهما، ويتبين المقصود في نفس الباب إن شاء الله تعالى.
(١١٥) فمن ذلك ما ذكر من طريق النسائي عن قتادة عن أنس قال:
[ ٢ / ١٤٥ ]
«كانت نعل سيف رسول الله ﷺ: فضة، وقبيعة سيفه فضة، وما بين ذلك حلق فضة».
ثم قال: الذي أسند هذا الحديث ثقة، وهو جرير بن حازم، وكذلك أسنده عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، ولكن قال الدارقطني: الصواب: عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، أخي الحسن مرسلًا.
هكذا أورد هذا الكلام إثر الحديث المذكور، وفيه إيهام مساواة مرسل سعيد بن أبي الحسن للحديث المتقدم، فيما فيه من ذكر النعل، والقبيعة، والحلق، وليس كذلك، وليس فيه إلا ذكر القبيعة فقط.
وما حكاه عن الدارقطني، يوهم مثل صنيعه، وليس الأمر كذلك عند الدارقطني، بل قد تحرز فيه، على أنه كثيرًا ما يجمع الأسانيد للحديث الواحد، من غير اعتبار للفظه، ولا تعيين لرواية، وهو هاهنا إنما قال في كتاب العلل: وسئل عن حديث قتادة عن أنس: «كان حلية سيف رسول الله ﷺ من فضة» فقال: اختلف فيه على قتادة، فرواه جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، وكذلك روى عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن أنس، ورواه
[ ٢ / ١٤٦ ]
هشام الدستوائي، ونصر بن طريف، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، أخي الحسن مرسلًا.
هذا نص ما ذكر، ولا إخلال فيه، لأنه أجمل لفظ الحلية.
(١١٦) ومتن مرسل سعيد هو هذا: قال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد - وهو ابن زريع - عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة».
وهكذا اشار إليه الترمذي بهذا اللفظ، وقوله: الذي أسنده - وهو جرير ابن حازم - ثقة، وكذلك عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، يوهم أن عمرو بن عاصم، إنما يرويه عن همام فقط، وهو إنما يرويه عن همام وجرير ابن حازم، قالا: حدثنا قتادة عن أنس، كذلك هو عند النسائي.
ورواه أيضًا جرير بن حازم وحده عن قتادة، عن أنس، بذكر القبيعة فقط، مثل لفظ المرسل سواء، ذكره الترمذي والبزار.
وقال البزار أيضًا: إنما يروى عن قتادة، عن سعيد بن ابي الحسن مرسلًا، وهو الصواب فاعلم ذلك
[ ٢ / ١٤٧ ]
(١١٧) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «إذا نكح العبد بغير إذن مولاه، فنكاحه باطل».
ثم قال: في إسناده العمري هذا، وهو ضعيف عند أهل الحديث، وقد أسنده يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.
ورواه أبو عاصم، وحجاج، وعبد الرزاق، عن ابن جريج، بهذا الإسناد موقوفًا، وهو الصواب.
وكذلك رواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفًا، ذكر ذلك كله الدارقطني، فجعل حديث يحيى بن سعيد الأموي، في رفع هذا الحديث وهمًا
انتهى كلامه.
والمقصود منه هو أن حديث يحيى بن سعيد الأموي، إنما لفظه عند الدارقطني «فهو زان» وفرق بين «فنكاحه باطل» وبين «فهو زان»، وإن كان لا يكون زانيًا، إلا إذا كان نكاحه باطلًا، وذلك أن لزان أحكامًا أخر، وإن كانت غير ثابتة في حق العبد الناكح بغير إذن سيده، لأدلة دلت، فإن المحدث عليه
[ ٢ / ١٤٨ ]
نقل اللفظ كما هو لمن ينظر فيه.
وهذا الحديث أوهم بإيراده هكذا، أنه عند الدارقطني موصل الإسناد، وليس كذلك، وسأذكر هذا مبينًا في بابه.
ونص هاهنا على ضعف العمري، وقد يقع له فيه خلاف ذلك، مما ستراه أيضًا في موضعه إن شاء الله تعالى.
(١١٨) وذكر أيضًا من عند الدارقطني، عن ابن عباس قال: [قال] رسول الله ﷺ: «أنكحوا الأيامي ثلاثًا، قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله، قال: ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيب من أراك».
ثم قال: هذا يروى مرسلًا وهو أصح، وفي المراسل ذكره أبو داود، ولم يذكر القضيب. انتهى ما أورد.
وهو ﵀ إنما عنى منه قوله: «ما العلائق بينهم» إلى آخره، ولكن جاء كلامه مفهمًا أن المرسل كالمسند، ولا سيما بتحرزه في قوله: «ولم يذكر القضيب».
(١١٩) ونص المرسل هو هذا: قال أبو داود: حدثنا هناد، عن
[ ٢ / ١٤٩ ]
وكيع عن سفيان، عن عمير الخثعمي عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن ابن البيلماني، قال قال رسول الله ﷺ: «وآتو النساء صدقاتهن نحلة، قالوا: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟ قال: ما تراضى عليه أهلوهم».
فهذا ليس فيه قوله: «أنكحوا الأيامى» وتكرير ذلك ثلاثًا ذكر، وإيهام أنه مثله مجانب للتحفظ.
وسأذكر أمر هذا الحديث أيضًا، إن شاء الله [تعالى] في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها، وفي باب الأحاديث التي لم يعبها بسوى الإرسال، ولها عيوب سواه.
(١٢٠) وذكر أيضًا من طريق مسلم عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ «طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن». ثم قال: زاد من حديث ابي الطفيل «ويقبل المحجن».
كذا أورده، وهو يعطي أن أبا الطفيل، روى في كتاب مسلم الطواف عل البعير، وليس كذلك في حديث أبي الطفيل عند مسلم.
(١٢١) ونص حديثه: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم
[ ٢ / ١٥٠ ]
الركن بمحجن معه ويقبل المحجن.
والحديث عن أبي الطفيل في كتاب أبي داود، فيه ذكر الراحلة كما أراد، ولكن لا ينبغي لمن نقل من كتاب، أن يعزو إليه لفظ غيره.
(١٢٢) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «صاع من بر، أو قمح، عن كل اثنين، صغير، أو كبير، حر، أو عبد، ذكر، أو أنثى، غنى، أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله تعالى، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى».
ثم أتبعه أن قال: في إسناده النعمان بن راشد، وبكر بن وائل، وهما ضعيفان، إلا أن أبا حاتم قال: بكر بن وائل، صالح الحديث.
هذا نص ما أورده وهو هكذا موهم تساوي حديث بكر بن وائل، والنعمان بن راشد.
وفيه أيضًا ما لا أعلم قائلًا به غيره، وهو تضعيف بكر بن وائل. وبذلك يتأكد الذي قصدت بيانه، وذلك أنه إذا قرأ أحد هذا الموضع - واعتقد أنه لا بأس
[ ٢ / ١٥١ ]
ببكر بن وائل كما هو الحق فيه - يظن أن جميع لفظ الحديث المذكور في روايته، ولا يبالي بضعف النعمان بن راشد، والأمر فيه ليس كذلك، بل الحديث المذكور، حديث النعمان بن راشد وحده، رواه عن الزهري، فأما بكر بن وائل، فليس في روايته عن الزهري قوله «ذكر، أو أنثى، غني، أو فقير» ولا أيضًا قوله «أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم، فيرد الله عليه أكثر مما أعطى».
وعنده زيادة ليست في رواية النعمان بن راشد، وهي قوله: «صاع تمر، أو صاع شعير، على كل رأس».
وإن أردت الوقوف على نص روايته، ففي كتاب أبي داود، وإنما طلبت بترك إيرادها الاختصار، وينجر ذكر إخلال آخر، وذلك أنه اعتنى بأمر الواجب في زكاة الفطر، ولم يسق ألفاظ الأحاديث في ذلك، فيخلص، فأتبع النص الذي ذكرته أن قال:
(١٢٣) ورواه أيضًا من حديث الحسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ولم يسمع الحسن من ابن عباس.
فهذا يظن منه أن في حديث ابن عباس «أما غنيكم» إلى آخره، وأن فيه «غني أو فقير»
[ ٢ / ١٥٢ ]
وليس شيء من ذلك فيه، وإنما معينه مسألة «صاع البر» أنه عن اثنين.
وسأذكر حديث ابن عباس أيضًا في باب الأحاديث التي أوردها على أنها منقطعة وهي متصلة.
وهاهنا إخلال آخر، وهو أنه أتبع هذا أن قال:
(١٢٤) ورواه الترمذي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، واختلف في إسناده.
فهذا أيضًا كما قلته، وإنما عني ذكر «الصاع من البر» أنه بين اثنين
وحديث الترمذي هذا إنما نصه: «بعث مناديًا في فجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه، صاع من طعام».
ورواه من طريق ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، وخفي عليه انقطاع ما بينهما، ولذلك لم يتبعه أكثر من أن قال: اختلف في إسناده.
وقد بينت ذلك في باب الإحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة
[ ٢ / ١٥٣ ]
وهاهنا إخلال آخر: وذلك أنه قال بعد هذا كله: قال أبو عمر: حديث ثعلبة هذا مضطرب، وذكر البر وهم في حديث الثوري.
فجاء هذا كأنه إعادة على حديث ثعلبة، وما للثوري في حديث ثعلبة ذكر، فإنه لا يروي عن الزهري، وقد قيل له: لم لم ترحل إلى الزهري؟ قال: كنت قليل الدراهم، وأغنانا معمر عنه.
حديث ثعلبة إنما مداره على الزهري، وإنما لفق أبو محمد كلام أبي عمر من موضعين:
في أحدهما كلام أبي داود على حديث أبي سعيد، وهو أن معاوية بن هشام قال فيه: عن الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد: «نصف صاع من بر» وهو وهم من معاوية بن هشام، أو ممن روى عنه. وهو - أعني هذا الكلام بنصه - في كتاب السنن.
وقال في موضع آخر من التمهيد - بعد هذا - في حديث ثعلبة: إنه مضطرب لا يثبت.
فلفق ابو محمد الكلامين، فجاءا كأنهما على حديث ثعلبة، وكان صواب القول فيما أراد هكذا: حديث ثعلبة هذا مضطرب، وذكر «البر» وهم في حديث أبي سعيد من رواية الثوري.
(١٢٥) وذكر أيضًا من طريق عبد الرزاق، عن علي بن الحسين، أن
[ ٢ / ١٥٤ ]
رسول الله ﷺ: قال: «لا يصرمن نخل بليل، ولا يشابن لبن لبيع».
ثم قال: «إنه مرسل» ثم قال: «وقد روى عن علي بن الحسين، عن علي ﵇، وزيد فيه» النهي عن حصاد الزرع بالليل «ذكره الدارقطني والمرسل هو الصواب».
هكذا قال: «وزيد فيه النهي عن حصاد الزرع بالليل».
وهو قول موهم أن في هذا الذي روي مسندًا، ما في المراسل من قوله «ولا يشابن لبن لبيع» وليس كذلك وإنما اعتنى بجداد الليل وحصاده، وأعرض عما في الخبر من غيره فتثبج.
والذي عند الدارقطني هو: وسئل عن حديث الحسن بن علي، عن علي أن النبي ﷺ «نهى عن حصاد الزرع، وجداد النخل بالليل».
فقال: يرويه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، فذكر كلامه إلى آخره.
(١٢٦) وذكر من طريق مسلم عن عائشة، أن رسول الله ﷺ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به، فقال: «يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر، ففعلت، ثم
[ ٢ / ١٥٥ ]
أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به».
زاد النسائي: «ويأكل في سواد».
كذا أورده، والنسائي لم يذكر حديث عائشة، وإنما ذكر حديث أبي سعيد، وليس فيه «يبرك في سواد»
وقوله: زاد النسائي، يوهم المشاركة في ذلك وكذلك قوله: «يا عائشة، هلمي المدية» إلى آخره، ليس له فيه ذكر.
وقد تقدم ذكر بعض هذا في الباب قبل هذا.
(١٢٧) ونص حديث أبي سعيد هو: «ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن، يمشي في سواد، ويأكل في سواد، وينظر في سواد».
هذا نصه من غير مزيد، فاعلم ذلك.
(١٢٨) وذكر أيضًا من طريق أبي داود، عن علي بن أبي طالب، قال:
[ ٢ / ١٥٦ ]
«نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر».
قال: وهذا ضعيف، ورواه سعيد بن منصور، من حديث مكحول، عن حذيفة، عن النبي ﷺ، وهو أيضًا منقطع، وإسناده ضعيف.
كذا ذكر هذين الحديثين، وهما مختلفان، وعطف أحدهما على الآخر يوهم تساويهما.
ويبين ذلك بذكر نصيهما: قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا هشام حدثنا صالح بن عامر، حدثنا شيخ من بني تميم، قال: خطبنا علي بن أبي طالب، أو قال: قال علي، قال [محمد] بن عيسى [هكذا] حدثنا هشيم قال: «سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يده، ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) ويبايع المضطرون، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع التمر قبل أن يدرك».
هذا نص حديث علي، وصالح بن عامر راويه، لا يعرف من هو، عن شيخ من بني تميم، وهو أبعد عن أن يعرف، والكلام في الحديث كلام علي ﵁
[ ٢ / ١٥٧ ]
(١٢٩) فأما حديث حذيفة، فالكلام فيه كلام النبي ﷺ.
قال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، عن كوثر بن حكيم، عن مكحول، قال: بلغني عن حذيفة أنه حدث عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضًا، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)، ويشهد شرار خلق الله، ويبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخونه وإن كان عندك خير فجد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه».
هذا نص حديث حذيفة، والقطعة التي ذكر أبو محمد من حديث علي، التي هي «نهى عن بيع المضطرين»، إنما هي فيه بالمعنى.
وكرثر بن حكيم ضعيف، وهو الذي أراد بقوله: إنه مع الانقطاع ضعيف، فاعلم ذلك.
(١٣٠) وذكر أيضًا من طريق مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح - وهو بمكة - «إن الله ورسوله، حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام» قيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: «لا، هو حرام». ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، أجملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه»
[ ٢ / ١٥٨ ]
ثم قال: زاد أبو داود عن ابن عباس، عن النبي ﷺ «وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء، حرم عليهم ثمنه».
كذا ساق حديث ابن عباس، كأنه مشارك لحديث جابر في جميع ما فيه، زائد عليه بما ذكر، وليس كذلك.
(١٣١) وإنما نص حديث ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ جالسًا عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال: «لعن الله اليهود»، ثلاثًا، «إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه».
(١٣٢) وذكر أيضًا من طريق عبد الرزاق، عن وهب بن منبه، قال: قال النبي ﷺ «اتقو السحت» قالوا: وما السحت يا رسول الله؟ قال: «بيع الشجر، وبيع الماء، وإجارة الأمة المسافحة، وثمن الخمر».
ثم قال: هذا مرسل.
(١٣٣) وقد صح من طريق آخر، بلفظ آخر: «إلا في بيع الشجر» خرجه مسلم وغيره.
هذا نص ما ذكر، وهو خطأ، فإنه يفهم منه أن في كتاب مسلم: «اتقوا السحت، قالوا: وما السحت؟»
[ ٢ / ١٥٩ ]
إما بهذا اللفظ وإما بغير كما ذكر، وأن فيه إجازة الأمة المسافحة، وما من هذا في الكتاب المذكور حرف.
(١٣٤) نعم، ثم حديث: «تحريم التجارة في الخمر».
(١٣٥) وحديث آخر: «بتحريم بيع الخمر» وهو الذي تقدم الآن.
(١٣٦) وحديث آخر: «بالنهي عن بيع الماء».
(١٣٧) وحديث آخر: «بتحريم مهر البغي» ولم يعن إلا هذه، ولكنه تسامح، والله أعلم.
(١٣٨) وذكر أيضًا من طريق النسائي عن ابن عمر، وابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «لا يحل لرجل يعطي عطية، ثم يرجع فيها [إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها] كمثل الكلب، أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه».
(١٣٩) ثم قال: رواه أبو داود، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ وزاد: «فإذا استرد الواهب، فليوقف، فليعرف بما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب» ولم يذكر استثناء الوالد
[ ٢ / ١٦٠ ]
هكذا أورده، وقوله: «وزاد» يعطي المشاركة في قوله: «لا يحل لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها» وهذا ليس له ذكر في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولم يكف تحرزه بقوله: ولم يذكر استثناء الوالد، فإنه غاية ما يخرج به قوله: «إلا الوالد فيما يعطي ولده».
ونص حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، هو هذا: عن رسول الله ﷺ قال: «مثل الذي يسترد ما وهب، كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه، فإذا استرد الواهب فليوقف، فليعرف بما استرد، ثم ليدفع إليه ما وهب».
رواه عن عمر وأسامة بن زيد، وأظن أن الذي جعل أبا محمد شرك بين الحديثين - بعطف أحدهما على الآخر - هو كونهما من رواية عمرو بن شعيب، فإن الأول يرويه عمرو بن شعيب، قال: اخبرني طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، فاعلم ذلك، والله الموفق.
(١٤٠) وذكر أيضًا من طريق الترمذي، عن أبي هريرة «أهدى رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوا بالغاية» الحديث
[ ٢ / ١٦١ ]
وفيه: «وايم الله لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية، إلا من قريشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي».
زاد أبو داود «أو مهاجري».
كذا أورده، وهو يقتضي أن عند أبي داود ذكر القصة، والحديثان من رواية ابن اسحق، ويرويه عند الترمذي أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:
أهدى رجل من بني فزارة إلى رسول الله ﷺ ناقة من إبله التي كانوا أصابوا بالغابة، فعوضه منها بعض العوض، فتسخطه، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجالًا من العرب يهدي أحدهم الهدية، فأعوضه منها بقدر ما عندي، ثم يتسخطه فيظل يتسخط علي، وايم الله لا أقبل بعد مقامي هذا من رجل من العرب هدية، إلا من قريشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دوسي».
هذا نص حديث الترمذي، ويرويه عند أبي، سلمة بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «وايم الله لا أقبل بعد يومي هذا [من أحد] هدية، إلا أن يكون مهاجريًا، أو قرشيًا، أو أنصاريًا، أو دوسيًا، أو ثقفيًا».
هذا نص حيث أبي داود، ولم يذكر القصة، وقال: «من أحد»
[ ٢ / ١٦٢ ]
(١٤١) وذكر أيضًا من طريق مسلم، عن أبي الجهم بن الحارث قال: «أقبل رسول الله ﷺ: من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ عليه: حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام».
(١٤٢) ثم قال: زاد أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ «ثم اعتذر إليه، وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر - أو قال: على طهارة».
كذا أورده، وحديث المهاجر ليس فيه للتيمم ذكر.
ونصه: أنه أتى النبي ﷺ، وهو يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، وقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر - أو قال: على طهارة»
ولو أن أبا محمد ذكره في غير تيمم، قلت إنما كان معنيه الذكر على
[ ٢ / ١٦٣ ]
حالة الحدث، وتبيين حكمه، ولكنه ذكره في التيمم، فجاء إردافه حديث المهاجر عليه، زيادة حديث في التيمم، ليس له فيه ذكر، وهذه الزيادة التي جاء بها من حديث المهاجر، لم يكن محتاجًا إليها في باب التيمم، فإنها ليست منه
وقد تقدم له ذكر حديث المهاجر بجملته في أول باب من كتاب الطهارة بالوضوء لا بالتيمم كما قلته.
وحديث أبي جهيم هذا، سأذكره إن شاء الله تعالى في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة.
فإنه في كتاب مسلم مبين الانقطاع، وهو معرض فيما يورد من مسلم، أو البخاري، عن النظر في الأسانيد، وقد علم أن فيهما أحاديث منقطعة، ويظن أنها تخطئه، فيقع فيها ولا يشعر، وسترى من ذلك جملة إن شاء الله تعالى.
(١٤٣) وذكر أيضًا من طريق مسلم عن ابن عمر، عن إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والحية «قال: وفي الصلاة أيضًا»
[ ٢ / ١٦٤ ]
(١٤٤) قال: وذكر أبو داود في المراسل قال: «فليقتلها بنعله اليسرى» - يعني في الصلاة - روى عن رجل من بني عدي بن كعب، سمع النبي ﷺ.
هذا نص ما أورد، وهو خطأ وذلك أنه هكذا، يفهم منه ثلاثة أشياء، ليست كذلك.
أحدها: أن المأمور بقتلها في الصلاة في الحديث المذكور، كلها تقتل بالنعل اليسرى، وهذا هو المقصود بيانه في هذا الباب، وليس ذلك في المرسل البتة، ولا ذكر فيه لغير العقرب.
ونصه: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد، عن برد أبي العلاء، عن سليمان بن موسى، عن رجل من بني عدي بن كعب، أنهم دخلوا على النبي ﷺ، وهو يصلي، جالسًا، فقالوا: ما شأنك يا رسول الله؟ قال (لسعتني عقرب) ثم قال: «إذا وجد أحدكم عقربًا، وهو يصلي، فليقتلها بنعله اليسرى».
قال أبو داود: سليمان بن موسى لم يدرك العدوي هذا.
والثاني: قوله عن العدوي: إنه سمع النبي ﷺ، وليس ذلك فيه، ولعله حدث به عن أحد المشاهدين، ولا هو ممن تعرف صحبته وسماعه فيرفع الاحتمال في حقه بما علم من حاله، فقوله: «سمع» زيادة في النقل وتغيير.
والثالث: ما يفهم منه من أن الحديث إنما هو مرسل من جهة إبهام هذا
[ ٢ / ١٦٥ ]
العدوي، كما يكون في إسناده رجل لا يسمى، وليس لهذا جعله أبو داود في جملة المراسل، بل للانقطاع الذي بينه أبو داود بين سليمان بن موسى، وهذا العدوي، فاعلم ذلك.
(١٤٥) وذكر أيضًا من طريق مسلم عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ: يسبح على الراحلة، قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة».
(١٤٦) وزاد من حديث جابر بن عبد الله «يومئ برأسه».
وزاد أبو داود «السجود أخفض من الركوع».
هكذا أورد هذا الموضع، وعليه فيه أدراك ثلاثة.
أحدها: وهو المقصود في هذا الباب، إردافه حديث جابر حديث ابن عمر، بلفظ «زاد» حتى يفهم منه أنه إخبار من جابر بأن رسول الله ﷺ: «كان يسبح على راحلته قبل أي وجه توجه، يومئ إيماء، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة».
هذا الذي لا يفهم منه سواه، وليس حديث جابر هكذا، وإنما هي قصة
[ ٢ / ١٦٦ ]
حكاها، لم يذكر فيها الركوع والسجود الذي أوهم السياق المذكور أن الإيماء المذكور هو بهما، بل تحتمل القصة المحكية غير ذلك، فلنوردها بلفظها:
قال مسلم: وحدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثني أبو الزبير، عن جابر قال: أرسلني رسول الله ﷺ، وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره، فكلمته، فقال لي بيده: هكذا - وأومأ زهير بيمينه - ثم كلمته، فقال لي: هكذا - فأوما زهير أيضًا بيده نحو الأرض - وأنا أسمعه، يقرأ، يومئ برأسه فلما فرغ قال: «ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي».
هذا نص حديث جابر، وقوله فيه: «يومئ برأسه» إنما هو في حال القراءة، فكيف يجوز أن يجعل طرفًا من أطراف حديث ابن عمر في أن الركوع والسجود يومأ بهما، على أنه يحتمل عندي أن لا يكون أبو محمد أراد بإردافه حديث ابن عمر إلا بيان أنه كان في حال قراءته يومئ برأسه.
وأما حديث أبي داود، فنصه عنده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة، فجئت، وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع.
وأما الدرك الثاني: فهو إيراده حديث جابر مصححًا له، معرضًا عن النظر في إسناده لما كان من عند مسلم، وهو مما لم يذكر فيه أبو الزبير سماعه
[ ٢ / ١٦٧ ]
من جابر، ولا هو من رواية الليث عنه وسترى له إباية مثل هذا، ووقوعه أيضًا في أمثاله، من غير أن يبين أنه من رواية أبي الزبير.
والدرك الثالث: هو إيراده حديث ابن عمر المذكور، وهو من رواية حرملة وهو مختلف فيه، وممن عيب على مسلم إخراجه.
وسأذكر هذا أيضًا مشروحًا، وما له من أمثاله في موضعه إن شاء الله تعالى.
(١٤٧) وذكر أيضًا من طريق الدارقطني، من حديث جابر بن عبد الله، قال: «بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة» فذكر الحديث.
وفيه: «ولم يأمرنا بالإعادة» وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم».
ثم قال: وفي إسناده اختلاف وضعف، ذكره الدارقطني ﵀ انتهى كلامه
فاعلم أن هذا الذي أورد، ملفق من متنين بإسنادين، لكل واحد علة غير
[ ٢ / ١٦٨ ]
علة الآخر.
أحدهما قوله: «بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي ها هنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطًا، وقال بعضنا: القبلة هاهنا قبل الجنوب، وخطوا خطًا، فلما أصبح، وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا، سألنا النبي ﷺ عن ذلك، فسكت، وأنزل الله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) أي حيث كنتم».
فهذا حديث قائم بنفسه، ليس فيه «فلم يأمرنا بالإعادة»، وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم».
والحديث الذي فيه ذلك، هو هذا:
(١٤٨) عن جابر أيضًا قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير - أو
[ ٢ / ١٦٩ ]
سير - فأصابنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم».
فهذا - كما ترى - غير ذلك، هذه غزوة كان فيها رسول الله ﷺ، وتلك سرية بعثها رسول الله ﷺ.
وللحديث علة غير علة الأول، وقد بينت علتهما في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها
[ ٢ / ١٧٠ ]
(١٤٩) وذكر أيضًا من طريق مسلم، حديث عمران بن حصين، في أنه ﵇، سلم سهوًا من ثلاث، فقام إليه الخرباق، فذكر الحديث.
وفيه: «ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم».
(١٥٠) قال: وقال أبو داود: «فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم».
هكذا أورده، وقد أثبت بهذا العمل أن سجدتي السهو المفعولتين بعد السلام، يتشهد بعدهما ثم يسلم، وليس حديث أبي داود إذا وقف على نصه كذلك.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، قال: حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ «صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» انتهى حديثه.
وهو معني أبي محمد، وليس فيه أن ذلك بعد السلام.
(١٥١) فلقائل أن يقول: لعل هذا في ترك الجلسة الوسطى، كمروي
[ ٢ / ١٧١ ]
ابن بحينة، فاعلم ذلك.
(١٥٢) وذكر أيضًا من عند النسائي حديث علي قال: كان النبي ﷺ إذا زالت الشمس - يعني من مطلعها - قيد رمح أو رمحين - كقدر صلاة العصر مع مغربها - صلى ركعتين، ثم أمهل حتى إذا ارتفع الضحاء، صلى أربع ركعات، ثم أمهل حتى إذا زالت الشمس، صلى أربع ركعات قبل الظهر حتى تزول الشمس، فإذا صلى الظهر صلى بعدها ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات، فذلك ست عشرة ركعة.
ثم قال: هكذا رواه عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي.
ورواه حصين بن عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن عاصم، عن علي، وقال: «يجعل التسليم في آخر ركعة» - يعني من الأربع الركعات -.
وخالفه شعبة، فرواه عن أبى إسحاق بهذا الإسناد، وقال: «يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين».
هذا نص ما أورده، وهو مباين للتحرز في النقل، فإنه جعل هذه الروايات
[ ٢ / ١٧٢ ]
- أعني رواية العرزمي، وحصين، وشعبة، أحكامًا على رواية من ذكر ست عشرة ركعة، فجعل العرزمي روى مثل ذلك، وليس ذلك في حديثه، ولا أيضًا في حديثه بيان التسليم متى هو، فأخذ من حديث حصين، أنه في آخر كل أربع ركعات.
وحديث حصين ليس فيد ذكر الأربع المفعولة قبل العصر، ويجيء من اختصار أبي محمد كأن ذلك فيه، وأعطى حديث حصين أن التسليم في آخر ركعة من الأربع، ولم يعرض للتشهد في وسطهن بنفي ولا إثبات، فأخذه من حديث شعبة، الذي فيه «يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين».
ويتوهم من اختصاره أن ذلك في كل ثنتين من الست عشرة ركعة، وليس الأمر كذلك، بل ما في رواية شعبة أكثر من ثماني ركعات: «ثنتان قبل الظهر، وثنتان بعدها، وأربع قبل العصر».
وإنما عنيت بروايات هؤلاء ما في كتاب النسائي الذي منه نقل، وقد أوهم عنهم خلاف ما ذكر النسائي، فاعلم ذلك.
(١٥٣) وذكر أيضًا من طريق الترمذي، حديث المغيرة بن شعبة في أن
[ ٢ / ١٧٣ ]
«الطفل يصلي عليه»، ثم قال: زاد أبو داود: «ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» وشك في رفعه.
هكذا ذكره، وهو خطأ، فإنه يفهم منه أنهما اتفقا في ذكر الطفل، وليس كذلك، وليس للطفل عند أبي داود ذكر، وإنما عنده «والسقط يصلي عليه» الحديث، فاعلم ذلك.
(١٥٤) وذكر أيضًا من طريق مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تصوم المرأة، وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له».
وقال أبو داود: «غير رمضان». انتهى ما أورد.
وليس في حديث أبي داود «وما أنفقت … إلى آخره».
(١٥٥) وذكر أيضًا من حديث ابن عباس، من عند الطحاوي، في أن «عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة موقف، وترتفع عن بطن محسر، وشعاب منى كلها منحر».
ثم قال: زاد ابن وهب: «ومن جاز عرفة قبل أن تغيب الشمس، فلا حج له»
\ ثم قال: رواه مرسلًا، ثم ذكر علته.
والمقصود، هو أن تعلم أن المرسل ليس فيه ذكر لمزدلفة، ومنى، وإنما فيه
[ ٢ / ١٧٤ ]
فضل عرفة فقط، وفيه إخلال آخر، أذكره إذا ذكرت التغيير الواقع في المتون، إن شاء الله تعالى.
(١٥٦) وذكر أيضًا من طريق أبي داود عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي، فليحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
ثم قال: وخرجه مسلم أيضًا.
قال أبو داود: إنما هذا قول ابن عباس [انتهى قول أبي داود.
(١٥٧) وقد صح عن جابر قول النبي ﷺ: «دخلت العمرة في الحج»، ومعناه: إباحة العمرة في أشهر الحج] انتهى ما أورد بنصه
[ ٢ / ١٧٥ ]
وفيه إخلال، من حيث أفهم أن حديث مسلم كحديث أبي داود، وليس كذلك، فإن حديث أبي داود قد أمكنه فيه أمران، لا يمكنان في حديث مسلم إلا على بعد.
وهما: قول أبي داود - في القطعة التي هي «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» - إنما هو قول ابن عباس.
والآخر: ما تأول هو عليه حديث جابر، من أن معناه، إباحة العمرة في أشهر الحج.
وحديث مسلم يأبى عليه الأمرين، ويعطي أن القطعة التي هي «دخلت العمرة في الحج» من كلام النبي ﷺ، وأن معناه، فسخ الحج لمن أحرم به في العمرة، كما فعل الصحابة ﵃ بأمره لهم ﵇.
وذلك أن لفظ حديث مسلم، إنما هو هكذا:
«هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي، فليحلل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة».
ففيه أمره لهم بالإحلال، من أجل أن العمرة قد وجب أن تفعل قبل الحج تمتعًا، أو معه، قرانًا إلى يوم القيامة.
فأما حديث أبي داود، فإنه باحتماله أن يكون ذلك اللفظ جملة مستقلة مقطوعة مما قبلها، أمكنه فيه ما تأول، وأمكن أبا داود ما أنكر، ويمكن في لفظ حديث أبي داود - أمر آخر، يأباه لفظ حديث مسلم، وهو ما تأولته عليه المالكية، من أنه: بمعنى سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج، كما سقط
[ ٢ / ١٧٦ ]
عاشوراء برمضان، أي إن الحج قد أغنى عما دونه.
وأبو محمد ﵀ يظهر من أمره أنه إنما عدل عن لفظ حديث مسلم إلى لفظ حديث أبي داود المتسع لمراده، لمذهب ذهب إليه، في أن ما كان من فسخ الحج بالعمرة منسوخ، أو مختص.
وليس هذا من فعل المحدث بصواب، فإنما عليه الأداء، وعلى المتفقه التمييز والبناء.
وحديث مسلم ولفظه، ينبغي أن يكون هو الصحيح، لا حديث أبي داود.
وذلك أن أبا داود، إنما حدث بحديثه عن عثمان بن أبي شيبة، عن غندر عن شعبة.
ومسلم حدث به عن ابن بشار، وابن مثنى، كلاهما عن غندر، عن شعبة.
فالخلاف على غندر: عثمان يقول لفظ حديث أبي داود، وابن المثنى، وابن بشار يقولان لفظ حديث مسلم، ثم رواه مسلم أيضًا كذلك، عن عبيد الله ابن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، فاشتد وترجح.
ويرويه شعبة عندهما جميعًا، عن الحكم، عن مجاهد عن ابن عباس فاعلمه.
(١٥٨) وذكر أيضًا من طريق أبي داود حديث سعيد بن المسيب في
[ ٢ / ١٧٧ ]
الأخوين اللذين قال أحدهما للآخر: «إن عدت تسألني قسمة أو غيرها، فكل مالي في رتاج الكعبة» فقال عن عمر بن الخطاب، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك».
ثم قال: وروى هذا الحديث أيضًا أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، ولم يذكر قصة الأخوين.
كذا أورده، وحديث سعيد، هو من رواية عمرو بن شعيب عنه.
وحديث عمرو هذا، عن أبيه، عن جده، إنما نصه هكذا: «لا نذر فيما يبتغى به وجه الله [تعالى] ولا يمين في قطيعة رحم».
ليس فيه غير هذا، وأبو محمد ﵀ إنما اعتنى منه باليمين في القطيعة، فلم يتحرز في الإيراد، فاعلم ذلك
(١٥٩) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عاصم بن عمر بن حفص بن
[ ٢ / ١٧٨ ]
عاصم بن عمر بن الخطاب، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الذي يعمل عمل قوم لوط، ارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعًا»
ثم ضعفه بضعف عاصم بن عمر، ثم قال: ومن حديثه ذكره الترمذي.
كذا قال، والترمذي لا ذكر عنده لرجمهما، وإنما فيه عنده «قتلهما» كحديث عمرو بن أبى عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولا أيضًا ذكره بإسناده، وإنما أشار إليه.
ونص ما عنده هو هذا: وقد روي هذا الحديث عن عاصم بن عمر، عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به».
هذا ما ذكر، ثم ضعفه بضعف عاصم، وسأنبه عليه - إن شاء الله تعالى - في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة.
(١٦٠) وذكر من طريق أبي داود، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «البسوا من ثيابكم البيض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، ينبت الشعر، ويجلو البصر».
(١٦١) زاد الترمذي: «وكان لرسول الله ﷺ مكحلة، يكتحل بها عند
[ ٢ / ١٧٩ ]
النوم ثلاثًا في كل عين».
كذا أورد هذين الحديثين، جعل حديث الترمذي في شأن المكحلة، طرفًا لحديث ابن عباس الذي ذكره أبو داود، كأنه تضمن من أمر الثياب البياض ما تضمن، وليس كذلك، وإنما هما حديثان بإسنادين مختلفين، ومقتضيين متغايرين، إلا أنهما يتواردان في بعض ما فيهما، وأحدهما صحيح، والآخر ضعيف، وسكت عنهما سكوتًا واحدًا.
وأما حديث ابن عباس، فقد سمعت نصه الآن وأما إسناده فهو هذا: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير بن معاوية، حدثنا عبد الله بن عثمان ابن خيثم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وأما حديث الترمذي فقال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن خير ما تداويتم [به] اللدود، والسعوط، والحجامة، والمشي، وخير ما اكتحلتم به الإثمد يجلو البصر، وينبت الشعر. وكان لرسول الله ﷺ مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا في كل عين».
قال فيه: حسن غريب.
وسيأتي تضعيف عباد بن منصور وما له فيه، عندما أذكر ما سكت عنه من أحاديثه إن شاء الله تعالى
[ ٢ / ١٨٠ ]
ولم أتتبع هذا الباب حق تتبعه، لأنه قد يعذره فيما فيه من يعلم مقصوده من الأحاديث، ولم أر إخلاء هذا الكتاب من التنبيه على هذا النوع، فلذلك ذكرت منه هذا الذي وجدت، غير متتبع له بالقصد، فاعلم ذلك
[ ٢ / ١٨١ ]